"حزب الله" و"أمل" يثبّتان مواقعهما الجنوبية الشعبية
ماذا بعد الانتخابات وما هو مستقبل بري؟

 قاسم قصير
جريدة المستقبل (لبنان)
الثلاثاء، 7 حزيران «يونيو» 2005

     افرزت الانتخابات النيابية في دورتها الثانية في الجنوب حقائق سياسية مهمة ينبغي التوقف عندها من أجل قراءة المشهد السياسي اللبناني في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية. ومن هذه الحقائق:

1 ـ قدرة حركة "أمل" و"حزب الله" على حشد قوة شعبية كبيرة لدعم مواقفهما السياسية. وتوازي هذه القوة ربع مليون منتخب في الجنوب، إضافة الى غير المنتخبين والامتدادات الشعبية في بقية المناطق اللبنانية.

2 ـ نجح "حزب الله" في معالجة الثغرة التي وقع فيها في انتخابات بيروت بعدم التزام كوادره وأنصاره باللوائح، ما دفع قيادته الى تكثيف التحرك على صعيد العناصر والقاعدة الشعبية للالتزام الكامل باللوائح التحالفية مع الحركة، وهذا ما بدا واضحاً في النتائج.

3 ـ ضعف قوى المعارضة الجنوبية سواء التي شاركت في الانتخابات أو التي قاطعت، وذلك لعدم قدرة هذه المعارضة على تشكيل جبهة مشتركة أو إطار سياسي دائم للعمل المشترك والاكتفاء بالتحالفات الانتخابية الجزئية، مما يقتضي إعادة دراسة واقع المعارضة الجنوبية ودورها المستقبلي.

4 ـ تأكيد الالتفاف الشعبي حول خيار المقاومة ورفض القرار 1559 والذي تجلى من خلال النسبة الكبيرة للمشاركة وعدم نجاح دعوات المقاطعة، على الرغم من نجاح ستة نواب بالتزكية والمقاطعة التي أعلنت من قوى سياسية عدة، خصوصاً "الجماعة الإسلامية" والخيار الديموقراطي و"اليسار الديموقراطي" والرئيس كامل الأسعد، وبعض القوى الجزينية وعدم ترشح العديد من الشخصيات السياسية.

وقد تكون نسبة المشاركة العالية مرتبطة بالتحشيد السياسي والشعبي الذي قام به "حزب الله" وحركة "أمل" و"تيار المستقبل" وبعض القوى الأخرى، إضافة الى مشاركة الحزب الشيوعي وبعض المعارضين في الانتخابات، وكذلك الشعار الذي رفعه "حزب الله" كعنوان للمشاركة، ويرتبط بالدفاع عن المقاومة ورفض القرار 1559 وتأكيد الالتزام الشرعي والسياسي بالانتخاب.

5 ـ استمرار الرئيس نبيه بري في موقعه في رئاسة المجلس النيابي بدعم واضح من "حزب الله"، عبر نجاحه في إيصال كتلة نيابية معقولة، وإن كان الرئيس بري يدرك في داخله أن القوة السياسية الشعبية والنيابية التي نالها عبر الانتخابات لا تعود الى قوته الذاتية فحسب، بل هي مرتبطة بتنازل "حزب الله" عن موقعه الأول، والظروف الإقليمية والداخلية التي ساعدته على البقاء في هذا الموقع، خصوصاً ما يثار من خوف على دور الطائفة الشيعية والتأكيد على الوحدة الشيعية في مواجهة التحديات المختلفة.

هذه هي بعض الحقائق الأولية التي أفرزتها نتائج الانتخابات النيابية في الجنوب، لكن ذلك لا يلغي أن هناك أسئلة وإشكالات ستطرح في المرحلة المقبلة، خصوصاً على "حزب الله" حول دوره المستقبلي في المعادلة الداخلية وتحالفاته السياسية وكيفية مواجهته للتحديات المقبلة.

ومن الأسئلة والإشكالات التي تطرح على "حزب الله" على صعيد التعاطي مع التطورات المستقبلية:

1 ـ كيف سيستطيع الحزب التوفيق بين التحالفات الانتخابية ـ السياسية التي نسجها في الانتخابات (مع حركة "أمل" و"تيار المستقبل" والحزب التقدمي الاشتراكي) من جهة، وبين دوره الداخلي وحفاظه على الدور المقاوم، مع العلم أن "تيار المستقبل" والحزب التقدمي الاشتراكي لديهما أيضاً تحالفات سياسية أخرى مع قوى لا تحمل الشعارات نفسها ("لقاء قرنة شهوان"، "القوات اللبنانية" و"الحركة الإصلاحية الكتائبية").

2 ـ إن شعار "حماية المقاومة ومواجهة القرار 1559" لعب دوراً أساسياً في تحشيد الناس حول "حزب الله" ودفعها الى المشاركة في الانتخابات، لكن ذلك لا يلغي الكثير من الملاحظات التي برزت خلال الانتخابات حول المرشحين الذين ضمتهم اللوائح المشتركة، وحول إبعاد بعض القوى السياسية والحزبية الداعمة للمقاومة عن اللوائح، وكذلك بشأن المعايير التي يعتمدها الحزب في ترشيحاته سواء الحزبية وغير الحزبية، وسيكون أداء نواب "حزب الله" وحلفائه على محك التجربة والمراقبة من الجميع، بحيث تصبح المحاسبة ضرورية وواجبة.

3 ـ لقد فرضت التحديات الداخلية والخارجية على "حزب الله" التحالف مع الرئيس بري والاستمرار في دعمه للوصول الى رئاسة المجلس النيابي، لكن ذلك لا يلغي الملاحظات الكثيرة على أداء الرئيس بري وحركة "أمل" في مؤسسات الدولة والفساد الذي مورس وكذلك الإثراء غير المشروع، وعدم تقديم عناصر كفوءة لتولي وظائف الدولة. فكيف سيكون دور "حزب الله" في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن إشراك أحد أصدقاء الحزب في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي شكّل تجربة أولى لإمكان أن يكون للحزب دوراً أساسياً على الصعيد الداخلي سواء بالنسبة الى الحكومة أو الوظائف، وهذا الأمر يجب أن يأخذ حقه في الدراسة والبحث.

4 ـ لقد حرص "حزب الله" في الفترة السابقة على الدفاع عن رئيس الجمهورية إميل لحود لأسباب عديدة، وإن كانت برزت أخيراً بعض الخلافات حول من يتولى المديرية العامة للأمن العام والموقف من قانون الانتخاب، فما هو موقف "حزب الله" المستقبلي من الدعوات الى استقالة رئيس الجمهورية؟ وأين موقع الحزب من المعركة المقبلة التي ستفتح بعد الانتخابات النيابية؟

5 ـ إن الضرورات الداخلية والخارجية قد تؤدي الى بقاء الرئيس بري في موقعه الرئاسي في ظل عدم وجود منافس قوي وعدم رغبة الأطراف الأساسية في المعارضة في طرح هذا الموضوع على ملف البحث، وإن كان الرئيس بري يدرك أن وجوده في موقعه سيكون مرتبطاً بدعم "تيار المستقبل" والحزب التقدمي الاشتراكي و"حزب الله"، مما يفرض على بري أداء جديداً في الشأن الداخلي وعدم التفرّد في إدارة الحياة البرلمانية كما كان يحصل سابقاً. وهناك مسؤولية مشتركة على كل القوى السياسية الأساسية في هذا الشأن.

6 ـ هناك مجموعة من التحديات على صعيد الإصلاح السياسي والاقتصادي تفرض على "حزب الله" تقديم مشروع متكامل (قانون الانتخاب، استكمال تطبيق اتفاق الطائف، معالجة مشكلة الدين العام، إصلاح القطاع العام من خلال مواجهة الفساد الإداري والتضخم القائم في الإدارات الرسمية)، فهل لدى "حزب الله" توجه جدي لتقديم مشروع متكامل لمعالجة كل هذه الملفات واتخاذ قرارات غير شعبية للإصلاح؟

هذه بعض التحديات التي ستفرض نفسها على "حزب الله" في المرحلة المقبلة، وإذا كانت الانتخابات النيابية في الجنوب قد أثبتت نجاح الحزب وحركة "أمل" في تحشيد قوة شعبية كبيرة، فإن ذلك لن يلغي الأسئلة الكبيرة التي ستُطرح ابتداء من اليوم حول مستقبل لبنان ودور "حزب الله" المستقبلي.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page