البلاد التي يخشى رجالها نسب النساء

 ضياء حيدر
جريدة السفير (لبنان)
الأربعاء، 22 حزيران «يونيو» 2005

     عندما أحببت مرةً قال لي حبيبي أشياء كثيرة في اليوم الأول وراقصني وقصّ علي الكثير لكنه لم يخبرني أنه فلسطيني. لا أتذكر كم من الوقت مر قبل أن يعلمني أصدقاؤنا المشتركون بذلك، كلهم كانوا على علم بهويته المعروفة أصلا، لكني لم أتنبه: فلكنته غير فلسطينية. هي مزيج مديني يشبه مزيجي التعبيري أنا أيضا، كنا ندور في عالم خاص بنا، فلكنا الخاص ولم يخطر في بالي طرح أي نوع من الأسئلة عليه. ولما علمت لم يبدل ذلك شيئا لم يزدني حبا به على اعتبار أني من منزل عروبي بشراسة ليكون الزواج به “زواجا من القضية”، تلك المقولة السخيفة. ولم يبعدني ذلك عنه بحجة أن الحياة مع فلسطيني هي حياة مفتوحة على المجهول، أضف إلى ذلك محدودية دخله. 

“سيكون لكم أطفال لاجئون”... لم يبدل كل ذلك قيد شعرة من مشاعري ولا من قراري. ليس لأني بطلة بل لأني أحب أن أعيش كما أريد ولأن لا دخل للحب بأي شيء آخر في الحياة، لا السياسة ولا المغامرة ولا الرغبة في كسر الحواجز... لا شأن لذلك كله بالحب. إنه أبسط وأكثر حقيقية... أحببنا حتى أننا أنجبنا طفلة أسميناها مرام وأحببنا أكثر وأنجبنا إسماعيل. أخبر هذه القصة لا لأسلي أحداً ولا لأكشف وقائع لن تثير أحداً فالحب يملأ الأرض. أخبرها لأقول بعدها أني أنا التي خضت هذه الحياة ببراءتي “المدينية” التي تعني الحياة كما يجب أن تعاش، وببراءتي هذه قلت أني لن أخاف من حياتي لأني واثقة من أن هذه المدينة التي قدمت لي هذا الحب والتي تعرف أن تحب، هذه المدينة التي تتسع لكل العالم لن تظلم أطفالي ولن تظلمني، ستبدل يوماً رأيها وستكبر مثلنا وتصبح أكثر وعياً. سنكبر معاً. كنت واثقة من ذلك. 

ولكن الأطفال يكبرون بسرعة في الأرحام ويخرجون بسرعة لتصل تلك اللحظة الحاسمة التي كان علي فيها أن أقدم مرام إلى الحياة لأكتشف للمرة الأولى ماذا يعني أنها فلسطينية. ستكون لها بطاقة زرقاء كرتونية برقم متسلسل ل”لاجئة” ولدت في بيروت. ابنتي لاجئة ولدت في بيروت. أنا مواطنة بهوية ممغنطة لائقة وابنتي لاجئة برقم متسلسل. وتمر الأيام بسرعة أيضاً ويصبح لدي “لاجئ” آخر برقم متسلسل آخر. لا يمكن أن أمنعهما من أن يكبرا بانتظار أن أعلّم هذه المدينة كيف تحترمني وكيف تخاف من نظرتي إليها، لم أستطع. وقررت أن أهرب من هذه المدينة قليلا لألف سبب وسبب. كان علي أن أعد لهم جوازات سفر، تلك كانت اللحظة الأكثر ألما لأني لم استطع فيها لا أن أصرخ في وجه رجل “الأمن العام” المسكين ولا أن أكسر جدران مبنى الوزارة ولا أن أمزق أوراقي الثبوتية كلها وأحرق البلاد.. لأن البلاد لن تحترق من ألمي ولن تتكسر جدران الوزارة الصلبة من غضبي ولا دخل لرجل الأمن بقضيتي ومدينتي التي ظلمتني لن تهتم إن شطبتني من وثائقها. من سيهتم. 

“لا يمكنك أن تضمي أطفالك إلى جواز سفرك لأن هذا سيعني أنكم من الجنسية نفسها”، طفلاي ليسا لي، ليسا من دمي ولا من لحمي. على طفليّ أن يحملا ذلك الجواز البني الداكن الكبير القديم كدفاتر المذكرات وعلي أنا أن أحمل الجواز الجديد الأنيق. ولكي أعرّف عن نفسي واحصل على جواز سفر أو أجدده عليّ أن أحضر هويتي، وليحصل طفلاي على جوازي سفر عليهما أن يحضرا “بطاقات الإعاشة”. طفلاي يعرفان عن نفسيهما ببطاقات إعاشة. 

هكذا يتم إذلال الفلسطينيين كل يوم وهناك ما هو أعظم من ذلك، لكنها ليست المناسبة للكلام. ما زالا صغيرين وما زلت قادرة على حمايتهما من مواجهة تلك البطاقات، أنا وأبوهما، لقد عشنا وبنينا نفسينا وحسنا وضعنا، ولكن عندما سيكبر طفلانا، لن نكون قادرين على حمايتهما من حقيقة أنهما “لاجئان”، ولدان غير شرعيين لا يمكنهما أن يصوتا حيث أصوت وأن ينتميا إلى ما أنتمي إليه، ولن يستطيعا العمل كما عملت أنا ولا أن يشعرا بأن قريتي التي يعرفانها ويمرحان فيها وتعلما فيها ملاحقة النمل إلى منازلها، ليست قريتهما، هي قرية تلك التي اسمها أمهما، فقط في الدم. كيف سأحمي طفليّ من ذلك كله عندما سيكبران. سيكونان لاجئين من دون عمل لأن الدولة اللبنانية حرمت الفلسطينيين من إثنين وسبعين مهنة ولن يملكا منزلا لأن الدولة اللبنانية حرمتهم مؤخرا من التملك، فمنزلي الذي قد أتركه يوما ما لهما ستضع دولتي العظيمة يدها عليه. سيكونان لاجئين في أرضي وسأكون والدتهما الغريبة عنهما وفي أقصى الحالات سيكونان مهاجرين تخليا عن “فلسطينيتهما” غير المحققة أصلا ليحصلا على هوية “كندية” مثلا، يُقتلعان من أماكنهما مرتين وأقتلع معهما، وعندها سيشطبان من سجلاتهما كلاجئين في لبنان ويتم محوهما كليا من البلاد. إنها السياسة الجديدة في المديرية العامة للاجئين الفلسطينيين التي تساعد على محو أثر أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين عن وجه الأرض بمجرد حصولهم على هجرة في أحد المهاجر.. سيختفي أثر أبنائي من البلاد وأكون أنا وحدي فيها كأني لم أعش تلك الحياة ولم أحب ولم أنجب... وسيتخليان هما عن فلسطينيتهما، النصف الثاني من روحهما، ذلك النصف الذي عليه أن يبقى ليبقوا، كما كل الفلسطينيين في لبنان وخارجه، بشراً يشعرون بأنهم يقفون لا على ارض قد يخسرونها للأبد بل على الأقل فوق إحساس بتلك الجذور التي تحميهم من العراء الداخلي. لو اخترت أن أبقيهما في هذه البلاد سيكرهانني يوما ما لأن هذه البلاد لم تحبهما ولم تعترف بهما وستكون تلك البطاقة الزرقاء سجناً لروحيهما، ولو اخترت لهما جنسية ثالثة سيكرهانني لأني محوت لهم فلسطينيتهما. لماذا علي أن أشعر بأن أمومتي التي هي أجمل ما يمكن أن يحدث لإمرأة هي أبشع ما يحدث لأطفالي؟ كيف تسمح مدينتي لنفسها وهي تدعي كل هذه الحيوية والصدق ومناهضة الظلم أن تحرمني من أمومتي.... 

كيف يحق لهذه البلاد أن تنتج أغنية واحدة عن الحب ثم تحرم ابنتها من أن تحب وتعاقبها لأنها أحبت من غير دمها. هذه ليست دراما لمروان نجار. إنها كلام حقيقي. هذا من دون أن يتم ذكر الحجة غير المعلنة خلف هذا كله: لو أعطوا المرأة حق منح الجنسية لأبنائها وزوجها فسيعني ذلك فتح الباب واسعا أمام توطين الفلسطينيين. لكن يمكن مكاشفة هؤلاء المرعوبين من توطين الفلسطينيين برقم لن يسرهم. أتعلمون ما هو عدد اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيين بين العامين 1995 و2000، أي خلال خمس سنوات؟ هو فقط 16 من أصل 840 لبنانية متزوجة من أجنبي. إنه الرقم الذي يصدم. إنها الفوبيا اللبنانية. إنه الرقم الذي حصلت عليه “مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي” الذي أطلق منذ العام 2002 بحثا تحليليا حول موضوع الجنسية وشمل عددا من الدول العربية ومنها لبنان وذلك بالاتفاق مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية. لكن وكما تقول مديرة المجموعة لينا أبو حبيب فإن المجموعة تمكنت من الحصول على أرقام فقط في لبنان والمغرب وأيضا ليس من خلال الطرق الرسمية، إنما وبشكل شخصي، أي أن الأرقام رسمية لكن أسلوب الحصول عليها لم يكن كذلك. وذلك للسبب نفسه: إنها الفوبيا اللبنانية والعربية. ولمزيد من المعلومات لمن يرغب بالتفصيل. اللبنانيات المتزوجات من عربي بلغن 515، من أوروبي 210، من أميركي 54، من آسيوي 50 ومن أفريقي 11. 

وقّع لبنان على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في العام 1996، لكنه أبدى تحفظا واضحا وصريحا حول عدم التزام لبنان بالبند الثاني من المادة التاسعة من الاتفاقية والمتعلقة بمنح المرأة حقا متساويا لحق الرجل في ما يتعلق بجنسية أطفالها.. وكما يقول تقرير مجموعة الأبحاث: “ولعل تحفظه هذا يدخل ضمن خطة سياسته في منع توطين الفلسطينيين فوق أرضه تماشيا مع أحكام دستوره وسائر الإتفاقيات المناهضة للتوطين”. هذا العنوان هو تقريبا العنوان المشترك الذي دفع بمعظم الدول العربية للتحفظ على المادة نفسها من الإتفاقية. هذا ما كشفته ورشة العمل التي نظمها مركز الأمم المتحدة للتنمية في القاهرة هذا الشهر حول موضوع الجنسية والمواطنة وقدمت فيها مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي نتائج بحثها بالإضافة إلى بحث آخر حول الأوراق الثبوتية. في تلك الورشة اتضح أيضا أنه وبعد نضال طويل جدا للحركات النسائية في مصر تعدل القانون العام الماضي ليعطي للمرأة ما يحق للرجل أي حقها في إعطاء جنسيتها لأبنائها من أب أجنبي. ولكن ومن دون أن يأتي ذلك في نص واضح، جرى عمليا استثناء الفلسطينيين، كما تقول رئيسة جمعية “نهوض وتنمية المرأة” ايمان بيبرس بحجة جهل الموظفين بالقانون. البلد العربي الآخر الذي أعطى المرأة المتزوجة من أجنبي الحق في منح الجنسية لأطفالها وزوجها، كان الجزائر وكما تقول الصحافية الجزائرية ليندا بوأدما فإن المرسوم الرئاسي الصادر هذا العام “هبط من السماء”، ولم يأت نتيجة نقاش داخلي، المجتمع الجزائري مشغول بمئات القضايا الأخرى والحركات النسائية تعمل على جبهات أخرى وتصطدم بقوانين الشريعة، جاء القرار ليقدم للأوروبيين والعالم الخارجي صورة جميلة عن الجزائر وليتجنب المعركة الأساسية مع الجماعات الإسلامية في البلاد فموضوع الجنسية لا يحوي مادة مغرية لاعتراضات رجال الدين. ما تحقق دفعة واحدة في الجزائر يشبه كثيرا ما لم يتحقق في أي من الدول الأخرى، لم يأت احتراما للمرأة ولا للمواطن بل لمزاج “رئاسي”. 

المرأة والجنسية، قصة هزلية، معظم الدول العربية تحرم المرأة من إعطاء الجنسية لأطفالها بحجة منع التوطين مثل الأردن، مصر (على الرغم من التغيير الأخير) واليمن وسوريا والمغرب وغيرها بحجة “الأمن القومي”. إنها فوبيا الوطن العربي. إنها هشاشته، هي بلا شك نظرته لنفسه ولنسائه اللواتي يمكن التغرير بهن، عبرهن فقط يمكن اختراق البلاد وأمنها. لذلك لا يمكن تخيل الدول العربية إلا رجالا يخافون من إنجاب بنات يجلبن عليهم من حيث لا يدرون العار. “الله لا يقيمك”. أنا أعلم، لا مفر من وجود قارئ محمول بالكراهية والعنصرية سيقول ذلك عندما سينتهي من قراءة كلماتي هذه: من أجبرك على الزواج بفلسطيني؟. هل كان سيقول ذلك لو تزوجت بأميركي. لا أعلم. لن أكره مدينتي من أجل هذا. سأستمر في حبها حتى تخجل من نفسها. في القاهرة، اكتشفت أني لست وحدي، وفي بيروت أعلم تماما أني لست وحدي، يكفي أني ما زلت أحب أطفالي إلى هذه الدرجة وأحترم أرضي ونفسي. لن أنسى، سأترككم لتهدأوا قليلا من حمى الانتخابات وتستفيقوا وتشربوا أول فنجان قهوة هادئ.. بعدها، سأخبركم أكثر عن نفسي وعن أخريات.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page