بعد مشاركة "حزب الله" المباشرة في الحكومة الجديدة
هل تستمر ثنائية السلطة والمقاومة وأي تحديات مستقبلية؟

 قاسم قصير
جريدة المستقبل (لبنان)
الأحد، 24 تموز «يوليو» 2005

     شكلت مشاركة "حزب الله" المباشرة والصريحة في الحكومة الجديدة حدثاً سياسياً استراتيجياً، سواء على صعيد اداء الحزب السياسي والجهادي، أو على صعيد الوضع اللبناني الداخلي وعلاقات لبنان الخارجية.

فهذه المشاركة أتت بعد مرور 23 عاماً على تأسيس الحزب عام 1982، وبعد حصول متغيرات فكرية وسياسية وميدانية على صعيد دور الحزب وعلاقاته الداخلية والخارجية.

كما أن هذه المشاركة جاءت في ظل تطورات سياسية غير عادية يمر بها لبنان منذ صدور القرار 1559 واغتيال الرئيس رفيق الحريري والانسحاب السوري من لبنان، والحديث المتكرر حول مستقبل سلاح المقاومة والموقف الأميركي والأوروبي من مشاركة الحزب في السلطة".

فما هي دلالات هذه المشاركة؟ وما هي التحديات التي سيواجهها "حزب الله" في المرحلة المقبلة؟ وهل يمكن الاستمرار في ثنائية السلطة والمقاومة؟ وكيف سيجيب "حزب الله" عن الأسئلة التي ستطرح عليه من حيث دور المقاومة ومستقبلها؟

وهل ينجح "حزب الله" في تقديم تجربة جديدة في العمل، الحكومي عامة وفي وزارة الطاقة بشكل خاص فتساهم في عملية الاصلاح السياسي والاداري وتخفف معاناة المواطنين؟
 

دلالات المشاركة

ماذا تعني مشاركة "حزب الله" في الحكومة الجديدة وما هي دلالات هذه المشاركة؟ لا بد من الاشارة بداية الى أن الحزب اختار أحد أبرز قيادييه وشخصياته السياسية للمشاركة في الحكومة، فالنائب الحاج محمد فنيش هو أحد مؤسسي الحزب ومن الذين صاغوا المشروع السياسي والفكري للحزب في مراحله الأولى، كما لعب دوراً مهماً في العمل المقاوم وقد اعتقل لعدة أشهر في معتقل انصار. كما تولى فنيش رئاسة المكتب السياسي للحزب عام 1989 وانتخب أكثر من مرة لعضوية شورى القرار (قيادة الحزب)، الى أن اختير لتمثيل الحزب في البرلمان اللبناني. والمعروف عن فنيش انه من الذين تبنوا فكرة المشاركة السياسية الكاملة في السلطة وعدم الاختصار على المشاركة البرلمانية منذ سنوات طويلة ويعتبر أن المشاركة في السلطة هي جزء من مسؤولية الحركة الاسلامية العامة سواء من منظور فكري أو سياسي.

وعلى الصعيد الشخصي ففنيش أتى الى الحركة الاسلامية على خلفية قومية ويتمتع بقدرات فكرية وسياسية مميزة وخصوصاً على صعيد الحوار والجدل مع الآخرين، اضافة لانفتاحه الفكري على كل الأفكار واستعداده للنقاش حول كل القضايا دون مواقف مسبقة.

والنقطة الأخرى على صعيد المشاركة من الزاوية الشيعية، فالملاحظ ان الوزراء الشيعة الأربعة (غير فنيش) ذوو خلفيات تكنوقراطية أو ادارية، كما أن مشاركة "حركة أمل" في الحكومة لم تتم من خلال نواب أو شخصيات سياسية أو حركية، وكل ذلك يحمل "حزب الله" عامة والحاج فنيش بالأخص دوراً سياسياً مركزياً في الحكومة الجديدة ومن هنا كان اختياره ليكون في اللجنة الوزارية لصوغ البيان الوزاري للحكومة.

هذه المعطيات تؤكد أن مشاركة الحزب في الحكومة الجديدة ليست حدثاً تقليدياً أو مجرد تولي وزارة خدماتية، بل هي ذات بعد سياسي وتحمل متغيرات كبيرة في اداء الحزب في الفترة المقبلة وستكون لها انعكاسات مهمة على صعيد خطابه ومشروعه وأدائه.
 

التحديات الجديدة

لكن ما هي أبرز التحديات التي سيواجهها "حزب الله" بعد مشاركته في الحكومة؟

يمكن القول إن "حزب الله" لم يعد قادراً بعد اليوم على القول أمام اللبنانيين وجماهيره إنه غير مسؤول عما يجري في البلد أو عن قرارات السلطة والحكومة. فالدخول الى السلطة التنفيذية يحمل الحزب مسؤولية كاملة عن كل القرارات والمواقف التي ستتخذها الحكومة وهو سيكون مطالباً بالاجابة عن كل الأسئلة والاشكالات الموجهة للسلطة اللبنانية سواء على صعيد المشاكل الاقتصادية والاجتماعية أو على الصعد السياسية والأمنية.

وأن مشاركة الحزب في اتخاذ القرارات ستضعه أمام عملية محاسبة تفصيلية سواء من قبل اللبنانيين عامة أو من جمهور الحزب وأنصاره خاصة.

ففي السابق كان قياديو الحزب ومسؤولوه يعلنون أنهم غير قادرين على اتخاذ قرارات تنفيذية في العديد من القضايا. وكانوا يعترضون على الموازنات العامة أو على بعض قرارت السلطة. كما أنهم لم يعطوا الثقة لمعظم الحكومات التي تألفت بعد اتفاق الطائف باستثناء حالات قليلة. أما اليوم وبعد المشاركة المباشرة والقوية في الحكومة فإن ذلك سيضع الحزب أمام مسؤولية كبيرة لا تتعلق فقط بالوزارات التي سيتولاها ممثلوه، بل على صعيد أداء الحكومة والسلطة بشكل عام، ولذا أهمية قرار المشاركة وخطورته على اداء الحزب.

وأما على صعيد تولي الوزير فنيش وزارة الطاقة والمياه فإنها سترتب أعباء جديدة على الحزب نظراً لأزمة الكهرباء التي يعانيها لبنان وللمشاكل التي تواجهها هذه الوزارة والتي أثيرت حول من تولاها سابقاً، الكثير من علامات الاستفهام الادارية والمالية واضطر الرئيس نبيه بري لرفض تولي وزراء "أمل" هذه الوزارة في آخر حكومتين.

فهل ينجح "حزب الله" وممثلوه في الحكومة في مواجهة هذه التحديات؟ أم أن العقبات الكثيرة التي قد تواجهها الحكومة ستنعكس سلباً على صورة "حزب الله" السياسية والشعبية؟
 

ثنائية السلطة والمقاومة

النقطة الأخرى التي ستواجه "حزب الله" في المرحلة المقبلة تتعلق بمستقبل المقاومة وسلاحها وكيفية الحفاظ على ثنائية السلطة والمقاومة:

ففي المرحلة السابقة كان "حزب الله" حريصاً على عدم المشاركة في السلطة، وذلك تحت عنوان الحفاظ على حرية المقاومة في الحركة وعدم الزام السلطة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية بنتائج عمل المقاومة. وقد رفض "حزب الله" في بعض الأحيان الدعوة لحصول تناغم بين أداء المقاومة وأداء السلطة.

وفي وقت لاحق تطورت العلاقة الإيجابية بين السلطة والمقاومة، سواء عبر دعم خيار المقاومة أو لجهة التسهيلات الأمنية واللوجستية التي أعطيت للمقاومة، وقد ساهم كل ذلك في انجاز تحرير الجنوب.

لكن اليوم ستكون المقاومة أمام تحد جديد يتعلق في كيفية الجمع بين السلطة والمقاومة. فهل يجوز لحركة مقاومة ان تدخل السلطة وهي تحتفظ بسلاحها وقراراتها العسكرية بشكل مستقل؟ أم أن المقاومة ستكون معنية بعد اليوم بالتنسيق الكامل مع الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية على صعيد ادائها وقراراتها؟ وهل يطلع وزراء "حزب الله" أعضاء الحكومة على ما يجري من عمليات عسكرية؟

كما أن "حزب الله" سيكون معنياً بتوضيح دور المقاومة ومدى القدرة على تحولها الى مقاومة لبنانية شاملة وعدم اقتصارها على عناصر "حزب الله" أو على الجانب الشيعي. هذه الأسئلة والاشكالات ستكون مدار بحث سواء داخل مجلس الوزراء أو في الأوساط السياسية والاعلامية والدولية.

وما طرحه ممثل الأمين العام للأمم المتحدة تيري رود لارسن خلال الاجتماعات التي عقدت مؤخراً في أوروبا من ضرورة "اندماج المقاومة بالجيش اللبناني" لم يكن مجرد تصريح سياسي أو موقف عابر، بل هو يقدم أحد التصورات التي توصلت اليها الأطراف الدولية حول مستقبل المقاومة بعد دخول الحزب الى السلطة.

قد يكون لدى "حزب الله" المبررات الكاملة لضرورة استمرار عمل المقاومة وقد تتبنى الحكومة اللبنانية في بيانها الوزاري وجهة نظر "حزب الله" سواء على صعيد دور المقاومة أو حول كيفية التعاطي مع القرار 1559. لكن ذلك لن يمنع من طرح اشكالية كيفية الجمع بين السلطة والمقاومة في المرحلة المقبلة. وسيكون أمام "حزب الله" تحد كبير في هذا المجال سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.

كما أن الحكومة اللبنانية ستكون مطالبة دولياً حول كيفية التعاطي مع المقاومة وسلاحها في الفترة المقبلة بعد ان أصبح "حزب الله" داخل السلطة ولم يعد هناك مبرر لأن تكون قرارات المقاومة خارج اطار السلطة اللبنانية.
 

المشروع الاصلاحي

النقطة الأخرى على صعيد أداء "حزب الله" مع المرحلة المقبلة تتعلق بالمشروع السياسي لـ "حزب الله" وأي دور سيقوم به على الصعيد الوطني بعد أن أصبح داخل السلطة وانتهت المرحلة الرمادية في اداء الحزب بين الموالاة والمعارضة والتي كان يتميز بها في السنوات السابقة.

والمعروف أن قيادة الحزب قد أعدت مشروعاً اصلاحياً تفصيلياً حول كل القضايا والملفات اللبنانية الداخلية وسيعلن هذا المشروع قريبا بعدما نوقش داخل مؤسسات الحزب. وسيضم هذا المشروع الى المشروعات السياسية والاصلاحية التي تطرحها القوى السياسية اللبنانية (التيار العوني، وتيار المستقبل).

لكن طرح هذا المشروع سيضع الحزب أمام مسؤولية جديدة وفي كيفية بلورته الى صيغ عملية ومشاريع قوانين أو اقتراحات عمل سواء داخل مجلس الوزراء أو في مجلس النواب، أو بالتعاون مع القوى السياسية والحزبية.

فالشعارات السياسية العامة والدعوات للاصلاح ومعالجة المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كان يرفعها "حزب الله" سابقاً، أصبح مطلوباً منه اليوم العمل من أجل تنفيذها من داخل السلطة التنفيذية وفي الأيام المقبلة وبعد نيل الحكومة الثقة، ستبدأ المناقشات حول مختلف هذه الملفات، كما سيتم طرح مشروع الموازنة الجديدة الذي سيتضمن الكثير من القرارات غير الشعبية بهدف اصلاح الادارة ومواجهة الفساد وإغلاق صناديق الهدر.

و"حزب الله" معني بدعم هذه التوجهات، اضافة الى ان الحزب سيكون معنياً بتقديم أفضل نموذج في التجربة الوزارية، فهل ينجح في كل ذلك؟ وأي صورة لـ "حزب الله" ستكون في الأشهر المقبلة بعدما انتهت "مرحلة النقاء والمثالية والطهورية في العمل السياسي، وانتقل الى العمل التنفيذي المباشر؟

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page