ديموقراطية بلا ديموقراطيين

 عباس بيضون
جريدة السفير (لبنان)
الجمعة، 28 نيسان «أبريل» 2006

     أنظر في كاريكاتور. الاميركي يسوق كلباً كتبت عليه كلمة ’الديموقراطية‘. اقرأ في مجلة فرنسية ان المجتمع الليبي المتكلس يعيق القذافي عن بناء الديموقراطية، هكذا بدون اي احتياط. لا يبدو بالطبع ان الجمهورية الوراثية او الجمهورية الدائمة يعيقان الديموقراطية في مصر وتونس. فيما تستمر الشكوى من الديموقراطية الفنزويلية التي تنصّب للمرة الثالثة او الرابعة رئيسا غير ديموقراطي او الديموقراطية الفلسطينية التي بايعت تنظيما لا يستطيع ان يحكم ما دام لا يعرف كيف يوفق بين الثورة والسلطة والاتفاقات الدولية. لا داعي للتذكير بأن الديموقراطية هي العنوان الاكبر للغزو الاميركي الذي ينتهي لا بأبو غريب فحسب، ولكن بانتخابات تشرع الميليشيات والمافيات الحكومية بل والتلاعب الدولي. مع ذلك فإن الديموقراطية هي الكليشيه المفضلة لليبراليين لا يتورّعون عن رجم منافسيهم بأي صفة، انها بعد القومية والوحدة وحركة التحرر والاسلام كلمة سر أخرى. او مفتاح جديد لبداية مستأنفة على حد تعبير وضاح شرارة. اذا عدنا الى الامثلة السابقة يمكننا ان نجد ان الديموقراطية لا تنجو مما يقع فيه اي كليشيه. انها الكلب الاميركي وهي قد لا تختلف في ذلك عن الاباتشي الاميركية، مجرد ماركة اجنبية يحسن الحذر منها. الذين يقولون ذلك قد لا يعنونه تماما لكن الخدمات المجانية للاستبداد تقتضي، في احيان كثيرة، لوماً أكبر. المجانية قد تكون طابع التسطيح من جهة الشرق والغرب. تكليف مستبدين محترفين ومحزبين، بلا رحمة لكل بناء تحتي للسياسة والممارسة السياسية، للدولة والمجتمع والاقتصاد، تكليف هؤلاء ببناء الديموقراطية في صحوة غير موزونة ولا مؤكدة، هو الوجه الآخر لرفض الديموقراطية حين تنصّب غير ديموقراطيين، الوجه الآخر لاعتبار الديموقراطية بالبراءة المقلقة نفسها هي الحل. 

في لبنان كل غير الديموقراطيين متورطون في الممارسة الديموقراطية. كل هؤلاء الزعماء الوراثيين أباً عن جد وكل هؤلاء المنصّبون الى الأبد فوق جماعاتهم وأحزابهم وحركاتهم. والمبادرون الى بتر كل خلاف ناشئ او تصرف ليس تحت السيطرة في صفوفهم والباقون في مناصبهم رموزاً وأسياداً ومتصرفين بلا حسيب الى الممات. ثم هؤلاء الآتون من صفوف الشعب ليغدوا بعد ذلك امراء وخالدين ناهيك عن الجنرالات وابطال الحرب الذين يتكلمون عن الديموقراطية ويعنون الحكم. يتكلمون عن الحرية ويعنون القوة. إنها الديموقراطية التي يصنعها غير الديموقراطيين، وعلينا ان ننتظر من الجميع دروساً دقيقة وتفصيلية فيها. 

الدرس الأول هو إعاقة الدولة. الديموقراطية توازن قوى حساس دائماً وحذر وهش وقابل للتغير من ساعة الى ساعة. في توازن كهذا لا يمكن للدولة ان تكون كمركز هيمنة وإدارة وممارسة حكم. تنتهي الديموقراطية من النمط اللبناني بإبقاء الدولة في حالة إعاقة، كل خطوة ومن اي نوع تعود الى تجاذب جديد والى اغراق الجهاز الحاكم في تعقيدات وشروط جديدة. 

الدرس الثاني، هو فقدان الشرعية، كتل كاملة متسقة ومتصلبة تواجه بعضها البعض. وتكوين اكثرية منها يعني نبذ جماعات بكاملها. اي ممارسة ضمنية للتمييز وللغلبة والانفراد، بوسع الاقلية ان تسحب الشرعية في اي وقت، وهذا ما تفعله اليوم. في كل نقاش تتردّد الشكوى بين الاحتجاج على الانفراد وإنكار الشرعية، وهما في النهاية وجهان للمسألة ذاتها. الشرعية هكذا لا توجد في اي وقت. التوافق او الاجماع ليسا مظهرا لها، انهما اذا وجدا خلاصة مساومة اجتماعية قابلة للتجدد والانعقاد كل حين، مساومة مرهونة بوقتها، ليس هذا شكلا اعلى من الدولة فحسب، بل هو واقع الأمر دليل على شرعية مطاطة متحولة موضوعة دائما تحت اعادة النظر وتحت المراجعة. تكسب الحرية على حساب الديموقراطية هنا بالطبع. لكن الحرية في وضع كهذا ليست سوى اعتباطية متصلة، ما يعني ان التنازع العقيم والمعيق هو الشكل الدوري واليومي للحراك السياسي والاجتماعي. 

ديموقراطية بلا ديموقراطيين ذلك يعني ان الفصل بين المصالح الخاصة التي هي ايضا مصالح الانفراد والاستبداد والاتجار بالدولة والخزانة. هذه المصالح لا سبيل الى استيعابها في الحكم الا بتماهٍ مَرضي وغير مسؤول بين المنصب والمصلحة الطوائفية والانتخابية والعائلية. الحكم لن يكون عندئذ، لا مستعمرات خاصة، والسلطة ستتحول الى مجموعة إمارات. اي ان الديموقراطية هنا ليست في خدمة اغراض محدودة وحسب، ولكنها عملياً في خدمة ديكتاتوريات صغيرة تتغذى منها. انفراد كل جماعة بزعيم وكل مجموعة برئيس وانحصار الحكم في بضع عائلات. لا يعني سوى انتاج نمط من الديموقراطية، يمكن ان نسميه بالمعنى الاستراتيجي للكلمة النمط المافياوي. هكذا نجد أسس الفساد ايضا، بل والطابع البنيوي للفساد. 

ما تنتهي اليه ديموقراطية بلا ديموقراطيين لا يمكن ان يسلك طريقا آخر. لن تكون الديموقراطية على النمط اللبناني بالضرورة نموذجاً ومثالاً لبقية أمم المنطقة، الارجح ان الامور قد تكون بالعكس. ستجد النزعات الاستبدادية سببا او اسبابا للسخرية من الديموقراطية واهانتها، لن تكون هذه الكلب الاميركي فحسب والمثل العراقي يظهره في صورة مزرية. لكن الديموقراطية ستكون ايضا محل تزوير ايديولوجي لا يقل سطحية وتبسيطا ولفظية عن بقية الكليشيهات، وستكون موضع تجاذب وتنازع اجتماعيين يطيحان بكل شرعية ويفتحان المجتمع على مزيد من التفتيت والعلاقات الأهلية، وستكون الديموقراطية تعطيلا للسياسة بدلا من ان تتكفل بإطلاقها. وأخيراً فإن اقصى السخرية يتمثل بوصول غير الديموقراطيين واستعمالهم الديموقراطية لتثبّت اماراتهم الخاصة. 

الديموقراطية ليست بديهية بسبب ذلك، وهي تغدو كلما مورست اقل بديهية. الخوف على الديموقراطية وهو ما يتزايد بتواتر الممارسة الديموقراطية غرباً، يتحول في ديموقراطياتنا الى خوف من الديموقراطية. اي ان ديموقراطية تقوم على بنى معادية ومعاكسة يمكن ان تغدو متكلسة وتموّه تكلساً اجتماعياً، ثم ان كتلا متصلبة تغوص بدون مراقبة زعامات فردية وعائلية تجعل من السياسة نفسها أمرا ثانويا فالخيارات السياسية في هذه الحال هي صنع قلة عائلية غالباً وبتقدير لمصالحها الخاصة. يمكننا الكلام عن ديموقراطية اهلية باردة في هذا الوضع. لا يمكننا بالطبع بناء ديموقراطية على قواعد غير ديموقراطية، ليست الديموقراطية هي الحل ولا المفتاح كما يردّد بعض عابدي الكليشيه الديموقراطي. إنها حق وهي مسألة مبدأ بالدرجة الاولى، إنها استحقاق كما هي الكلمة الرائجة في لغتنا السياسية اليوم. لكنها ليست تفويضاً للعائلات الخمس فحسب. في بلد بالكثافة التعليمية للمجتمع اللبناني وبحضور المثقفين في داخل التشكيلات اللبنانية كلها، وبالديموقراطية الاجتماعية والثقافية المتوسعة في لبنان. يمكننا أن نطالب بمواقف سياسية أوسع قاعدة وبتعميم احتجاج ونقد سياسيين وبتدخل أكبر للمثقفين، ذلك قد يجعل الحراك الاجتماعي والثقافي قادراً على التسرّب للبنى السياسية المتكلّسة.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page