بنت جبيل... دفاتر تاريخك دوّنت صفحات من النضال والكفاح ومقاومه الأعداء والغزاة...
بنت جبيل تعانين اليوم الهجمة البربرية الصهيونية وأنتِ صبورة خاشعة، صامدة صامتة لا تتفوهين بكلمة تذمر او صرخة ألم، رغم رهبة شهادة الطفولة البريئة وازدياد أعداد الثكالى والأيامى والأيتام على اتساع جبل عامل مدنا وقرى ودساكر وامتدادا حتى ساحل البحر... وصولا الى ضاحية بيروت.
بنت جبيل... عروسة جبل عامل وأميرة التلال، أنتِ خط الدفاع الاول هناك على تخوم الجليل من فلسطين السليبة. إني أراك مرفوعة الهامة، عالية الجبين، محياك ينبض بالحياة، رغم صمت العزاء، وانظر الى عينيكِ فأرى فيهما مُقلتي أمي الزرقاوين الجميلتين تفيضان بالعطف والحنان. خدّاكِ ينساب منهما دفء واحمرار وخفر ريعان الصبا، رغم الاحساس بالأسى. شفتاك يضوع منهما أثر نفس طويل طيّب، يبللهما رضاب لا ينضب وتنبسان بكلمات من العبر والحكمة والنصح لأجيال من الأشبال والرجال ان صونوا وحدة الوطن وتضامنوا وليكن الحس الوطني هو النبراس. والحذر الحذر فتنة العدو الغدار.
بنت جبيل... أنظر الى جدائل شعرك وقد غدت ضفائر متقاربة، متواصلة، كل منها تحكي روايات وصفحات مجيدة من تاريخكِ المشرّف.
بنت جبيل... أنتِ الغادة الهيفاء، خلعت ثوب الصيف عِنوة وارتديت حُلّة أبيتِ أن تكون سوداء لأن نفسك لم تعرف يوما القنوط او اليأس بل اشتهرتِ بطول الأناة وشدة البأس.
نعم بنت جبيل... غدا تنقشع غيوم الحقد السوداء... غدا يوم آخر...غدا تشرق الشمس هناك من وراء "جبل كحيل" قرب مارون الراس وعيترون... غدا ينساب وينتشر الضباب قبل الشفق وتعاود قطرات الندى، رحيق عرق جبين الأبطال، تدغدغ وريقات التبغ.
بلى، بنت جبيل، غدا يحل الربيع وتتراقص شقائق النعمان على التلال عند الفجر لحظة هبوب النسيم العليل ولونها قانٍ زاهٍ وقد عُمدت بنجيع الشهداء.
وعند المساء تعود الغزالة بنورها الناضج لتهجع هناك فوق "تلة مسعود" لتنحني على كتف "صف الهوا" خشوعا واحتراقا، مرورا فوق ارض "شلعبون" قبل ان تُسرع لتختفي وراء الأفق الأزرق البعيد في مدينة "حيرام".
أجل بنت جبيل كنا دائما على العهد والى الغد القريب رغم الحطام والدمار والركام... وإن غدا لناظره قريب.