"إنصاف" صارت عكازة أمها.. وعادل رأى عمره يصير تراباً

 جهاد بزي
جريدة السفير (لبنان)
الجمعة، 4 آب «أغسطس» 2006

     تنقض الطائرة من السماء على البيت نصف المهدوم. تسويه بالأرض. تنفجر قوارير الغاز وتشتعل النيران فيه. لا أحد في هذا البيت من "حي الساقية" في بنت جبيل. سكانه الخمسة أخلوه. أربع نسوة وعجوز مقعد اسمه محمد حسين أحمد بزي. يختبئون في بيت الجيران الملاصق. بيت عادل بزي. عادل طلب منهم أن يأتوا ليقطنوا معه. في الحرب يواسي الناس بعضهم بعضاً. حمل عادل المُقعد على كتفه وادخله بيته منذ اليوم الأول للعدوان.

نحن في اليوم الرابع عشر للحرب. وفي البيت 16 شخصاً. عادل وزوجته واولاده الستة، وأمه التي عمرها 85 سنة، وشقيقته، وصهره محمد راشد حناوي، الآتي في زيارة إلى المدينة قبل الحرب ثم عجز عن مغادرتها وعمره 79 عاماً، وجيرانهم الخمسة، وقد أغار الطيران قبل يوم على بيتهم فهدم نصفه، وهو الآن يغير ثانية عليه.

تموج الأرض ببيت عادل ويرتفع صراخ الجميع. يطل برأسه من النافذة إلى السماء فيرى الطائرة تحوم. ترمي بيته بصاروخ فيهدم جزءاً من سور سطح الطابق الأول. هو في الطابق الأرضي يقرر: سنغادر البيت. هذا مشهد سريع يمر في لحظات. يحمل أصغر أطفاله ويرميه عند العتبة. الأم تحمل طفلاً وتركض. الأولاد يخرجون وحدهم. شقيقته عليا تركض بأمها. صهره العجوز يتكئ على عصاه ويخرج. عادل يحمل الحاج محمد على كتفه. يهرول الجميع. بعضهم يلوح بقماشات بيض. خمسون متراً، وتنقض الطائرة على بيت عادل، فتحيله ركاماً.

حي الساقية تلة ركام. لا ينسى عادل أن ينظر صوب المبنى الذي كان يتحضر للإنتقال إليه قبل الحرب. خمسة طوابق بناها بعد 22 سنة من العمل هنا والسفر سنوياً للعمل في ديربورن الولايات المتحدة الأميركية. عادل واولاده لبنانيون أميركيون. له ولأولاده رفع المبنى في بنت جبيل. ينظر إلى عمره فلا يراه. يركض والعجوز على كتفه. خلفه يركض 15 شخصاً.. لا يعلمون إلى أين يركضون…
 

**********

     بنت جبيل ليست بنت جبيل. المدينة صارت جُزراً مبعثرة في ركام لا ينتهي. الناس لمّت أنفسها جماعات في بيوت.. وراحت تنتظر. في مكان آخر بعيد من المدينة، ترقد إنصاف وأمها زينب وإبنتا شقيقها في بيت قريب آخر. خمسون شخصاً يختبئون تحت سقف البيت. حين يقول الجنوبي بيتاً فإنه يقصد مبنى صغيراً من طابقين. رب البيت يبني دائماً لأولاده. وبنت جبيل منذ التحرير وهي في ورشة لا تهدأ. ليس كالفطر تنمو البيوت والفيللات والقصور في المدينة، بل كالأحلام العتيقة للمغتربين ولأولاد "البلد" كما يسمون المدينة التي تنمو وتزدهر وتصير أحلى.

تتكاثر البيوت ويرتفع القرميد أحمر على رؤوسها. وبغتة، تجد إنصاف نفسها هاربة من بيتها بأمها المسنة المصابة بالسكري وبطفلتي شقيقها اللتين جاءتا من أجل الصيف. تهرب بعدما يقع بيت جيرانها على رؤوسهم فيقتلون. وقد كان الجار عندها قبل نصف ساعة، وقد قال لها إنه ذاهب ليأتي بعائلته ليكون الجميع معاً.

إنصاف هربت إلى حي آخر، وما عرفت عن بيتها شيئاً. خمسون شخصاً حولها. منهم من يبتهل إلى ربه ومنهم من يصلي، ومنهم أطفال مرعوبون.

للمخيلة أن تزيد على الوصف ما تشاء، لكن لا شيء يصف كيف تكون مثل هذه الساعات على الناس. لا شيء يصف الساعة التي خرج فيها الخمسون من البيت رافعين القماش الأبيض، يريدون الذهاب مشياً إلى تبنين، وأغار الطيران على المباني المحيطة وارتفع عويل الناس الهستيري وتبعثروا في كل مكان، ولملموا بعضهم بعضاً ليعودوا الأمتار القليلة إلى الغرفة نفسها. يعودون إلى الإنتظار والصراخ حين يهتز البيت بهم ويعصف به رمل وحصى البيوت المتساقطة حوله. لا شيء يحكي كيف تمر مثل هذه الأيام. يبكون ويقرأون القرآن. فوقهم سقف نصفه مهدوم. وفوق السقف طائرة. وفوق الطائرة ربٌ يرى، ولم يعد هناك غيره لينظروا إليه.. وينظر فيهم.
 

**********

     يركض عادل وجماعته أربعين متراً. يرون بيتاً مفتوح الباب فيدخلونه. يقول عادل نختبئ هنا قليلاً. دوي القصف يشتد، ويهتز البيت بهم. الطائرة تلاحقهم من بيت إلى بيت. يهرب عادل من جديد. على كتفه الحاج محمد المقعد، ومن حوله صهره وزوجته وأولاده وأمه وشقيقته وجاراته. إلى اين هذه المرة؟ إلى اقرب بيت ممكن يدخلونه. البيت الذي هربوا منه للتو سقط. الموت يطاردهم والصور تزدحم في رأس عادل. صور أشلائهم الملتصقة بالجدران. لكن الطائرة تغيب عنهم. وفي العتمة ترقد المجموعة على أرض البيت الثالث لهذا اليوم. 

غداً يوم آخر.. غداً اليوم الخامس عشر على الحرب.
 

**********

     يمضي الليل، وفي الفجر يقوم عادل بزي ويقول نذهب إلى بيت السيد علي الحكيم، إمام بنت جبيل. يعرف عادل أن في البيت قبوا. ويحمل الجار المقعد على كتفه ويقول لصهره اتبعني. تصل المجموعة إلى البيت والطائرات تزمجر في السماء. تدخل المجموعة الباب المفتوح وتنزل إلى القبو العتيق للمنزل. في عتمة القبو يجلس إمام بنت جبيل رافعاً صوته بالدعاء، ومن بعده يردد الناس الكلمات، وقد صاروا اربعين شخصاً. علبة بسكوت ستقسم كسرات يومية على أربعة اطفال. كان واحد من الرجال يتسلل في الأيام الماضية زاحفاً إلى خزان على بعد أمتار ليجلب منه الماء. لكن القصف سيقترب ويشتد. وسيعلم قاطنو القبو أن مكانهم كشف على مارون الراس، وأنهم صاروا تحت عين الاسرائيلي.

يتمنى السيد الحكيم ألا يخرج أحد بعد الآن، فيسمع الجمع كلمته. من الآن فصاعداً، لا لقمة لهذه الأفواه ولا شربة ماء. لا ضوء. في مكانهم يضربون بأكفهم تراب الأرض تيمماً، وفي مكانهم يصلون. في مكانهم ينامون ويفيقون. لا يترك مخلوق منهم مساحته طيلة خمسة ايام.

إن تحرك أحدهم فسيدوس على من يرقد بقربه. والإمام يرفع صوته بالدعاء ويرددون من بعده. ويبح صوت الإمام فيرفع عبد الكريم، ابن عادل، صوته ويكمل، ويرددون من بعد عبد الكريم الذي في الخامسة عشرة. وفي الليل يئن طفل عادل إبن السنوات الأربع. يقول لأمه إنه جائع. تبكي أمه. خمسة ايام على هذه الحال. يلتصق الموت بهم حين تغير الطائرات على بيت الإمام وتسقطه على سقف القبو. يغمضون أعينهم وينتظرون طلوع الروح منهم. يصمد سقف القناطر للقبو العتيق. لا يسقط. قال لهم السيد الحكيم إن السقف لا يحمي. قال إن الله هو الذي يحمي، وآمنوا بقوله. ليس بيدهم إلا أن يفعلوا.

قبل أن ننسى: مجموعة عادل التي غادرت آخر بيت كان عددها 16 شخصاً. وصل منها 15. فقد صهر عادل على الطريق. الزائر الذي لا يعرف أزقة بنت جبيل لم يصل إلى بيت الشيخ الجليل.. ولا أحد يدري ما الذي حل به.
 

**********

     في اليوم العشرين على الحرب، في إثنين الهدنة المشهود، تخرج إنصاف ومن معها من مخبئهم. يخرجون إلى خراب المدينة الثكلى. ما هو لون الوجوه في مثل هذه اللحظة من النور؟

الناس الآن تمشي إلى خلاص أرواحها من هذا الجحيم. تقع زينب وتلوي كاحلها، فترفعها ابنتها وتصير عكازة لها. وإنصاف تخاف أن يتركها الناس وأمها والطفلتين خلفهم. والحاجة زينب المرهقة التي أعياها السكري تتكئ على ابنتها وتسير. الآن كل منهم يلتفت إلى دمه الأقرب. نسوة يحبَون على أكفهن وركبهن. عجائز يتساقطون كالورق. يلمّهم من يلمهم، وإن لم يلحظهم أحد ظلوا حيث وقعوا. ذاك اليوم. يوم محفور حفراً في ذاكرة إنصاف من بين كل أيام الحرب. تلك الدرب التي قطعها الناس جماعات جماعات في قلب الخراب.

أيام الحرب لم تترك لهم ما يعدّهم لإجتياز يوم النزوح. لا حول لهم لإنهاء الرحلة الوعرة في بقايا مدينة نُبِش قلبها. أنهكتهم مئات الأمتار التي يجتازونها ليصلوا إلى أي سيارة من التي تقف عند باب الركام تحملهم إلى حيث تحملهم، بعيداً عن أيام بنت جبيل. السيارات لا تكفي لكل الناس.. ومن لم يجد سيارة مشى.

في مستشفى تبنين فقط سيحكي النازحون الحكايات بعضهم لبعض.. وحين يقترب المصورون منهم يصرخون فيهم: لا تصوروا. إذهبوا إلى بنت جبيل وساعدوا من بقي هناك. ابناء المدينة المذبوحة سيحكون عمن بقي تحت الركام. وعن الجثث التي نهشتها الكلاب، وعن الدمار.. وعن المرأة التي ماتت في ملجأ قريب لها فأخرجها ومددها على الطريق، هو الخائف على اولاده من تآكل الجثمان. "يا الله. يوم الخروج كان كيوم القيامة"، تقول إنصاف.
 

**********

     مع الخارجين خرج عادل بامه وأولاده وزوجته وشقيقته. السيد علي الحكيم بقي في القبو ومعه العجوز المُقعد الذي حمله عادل على كتفه من بيت إلى بيت. ومع السيد آخرون. بعد يومين سيعلم عادل أن السيد ومن بقي في القبو غادروا المدينة، لكن المُقعد الذي التقطت له صورة غادر بنت جبيل ولم يصل إلى بيروت. أمس وصل إلى أهله. أما صهر عادل فقيل إنه وجد في آخر بيت لجأت اليه المجموعة. وجد مصاباً بعدما تعرض البيت للقصف. أمضى أيامه وحيداً، وقيل إنه غادر إلى تبنين، لكنه ما زال مفقوداً.

عادل حفر في الركام كي يفتح باب القبو. خرج إلى بنت جبيل وانهارت امه العجوز. حملها. في الطريق يجد إمرأة تدفع كرسياً مدولباً تجلس فيه امها. قال لها دعيني أضع امي في الكرسي وأجرّه. وهكذا كان. وضع العجوز في حضن العجوز الأخرى ودفع الكرسي في الحفر وفوق التلال إلى أن وصل إلى سيارة الصليب الأحمر التي اتسعت لأكثر من عشرين شخصاً. وإلى مستشفى تبنين. هناك سيسأل عن سيجارة يدخنها. ومن تبنين إلى صيدا حيث سيأكل أولاده للمرة الأولى منذ ايام.
 

**********

     إنصاف في بيت شقيقتها في بيروت. تنام في الثالثة صباحاً لتفيق في السادسة باكية. تستعيد أيامها في بنت جبيل. تحكي وتبكي. لا تصدق ما الذي حدث. إنصاف إمرأة صلبة. تعلم انها كما إجتازت يوم القيامة ستجتاز محنتها هذه.. الحمد لله تقول.. الحمد لله. في الأيام المقبلة سأكون أحسن.
 

**********

     حسن في بيت اقاربه في بيروت. إتصل بالسفارة الأميركية وشرح أنه فقد في بيته كل جوازات السفر. كل شيء كان موضباً في كيس واحد. الجوازات والمال والذهب والأوراق. تذكر دمه حين هرب فنسي الكيس. الآن عاد إلى النقطة الصفر. بيته الأول وبناؤه الجديد ومحله التجاري في بنت جبيل. كل هذا هدم. اسرائيل سوت جنى عمره بالتراب. ماذا الآن؟ "من جديد. سأذهب وأعمل في أميركا، وأجمع المال، لأعيد بناء البيت". ماذا لو رجعت إسرائيل؟ "لترجع". وإن هدمت بيتك؟ "لتهدمه. سأبنيه من جديد". وإن عادت فهدمته ثانية؟ "سأبنيه. سأظل أبني بيتي في بنت جبيل".

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page