|
هي المرة الأولى التي أرى فيها مشهداً كاملاً من “احتفال”
مهيب بشهيد من شهداء المقاومة الإسلامية، بكل شكلياته ومعانيه
وأدبياته. هي المرة الأولى التي أسمع فيها كلام مسؤول في حزب
الله، في جلسة حميمة من هذا النوع، وردَّ والد الشهيد، من قرب.
هي المرة الأولى التي أنتبه فيها إلى كل ما يَعْلق في المشهد
من انفعالات وعواطف وثقافة شعبية تخص المقاومة.
في القصة أن والداً وأبناءه الثلاثة، جيراننا، كانوا في
المعركة الأخيرة، يشاركون في مقاومة دخول قوات العدو إلى
قريتهم. شابان استشهدا، والثالث جرح، وبقي الوالد وسط النار
أسبوعاً كاملاً، حتى استطاع أن يعود مع الجنازة.
كنا نجتمع في انتظاره. نرسم صورته ساقطاً علينا بكل الأشكال،
ما عدا أن يترجل من سيارة الجيب التي أقلته، أشبه بفارس
إغريقي، يوسِع وجهه لملامح بسمة خفيفة، ويشد على أيادي مصافحيه
وعلى صدور مقبليه، كمن تغلف نشوة النصر لديه كلَّ ما عداها من
ألوان الموت والخسارة والفجيعة التي تصيب بيتاً بالصميم.
بَدَوْنا أكثر حزناً من الوالد “المفجوع”، وأكثر تأثراً من
الشيخ المسؤول في حزب الله، الذي راح يسرد حكايا التسابق على
الاستشهاد بين الآباء والأبناء، ويولدها من بعضها بشيء من روح
النكتة والتندر، يقابله رد الوالد بلغة لا يشوبها انكسار ولا
تبللها دمعة، وها هو يقف بعزم وقوة كلما صافحته يد جديدة أو
داهم “الاحتفال” شخص جديد.
لم أكن أفهم أن الاستشهاد هو الحدث، وأن الابنين اللذين
استشهدا “فتحا أبواب الجنة لأهلهما”، وأن الموت ليس إلا حادثاً
عابراً في تلك الساحة.
دارت الحلوى على الجميع، لكنني غصصت لمجرد أن رأيتها. أشهد
أنني لم أستطع التماهي مع جو الاحتفال، ولم تفك عقدة حزني كل
هذه المشاهد التي عبرت أمامي، ذلك أنني رحت أردد أسئلة كثيرة
من دون أن أجد لها جواباً واحداً.
المشهد لم يكن سوريالياً بالطبع، ولم يكن نوعاً من الرقص على
الجثث، أو ضرباً من التمتع بحقول الموت. ولم يقدم، بالطبع،
وجهاً من وجوه المحارب القادر على تقبل النتيجة قاتلاً أو
مقتولاً. لا، ولا حالاً من حالات النرفانا أو صدمة الطلقة
القاتلة... المشهد خلاصة ثقافة المقاومة الإسلامية. إن كنت
معها أو ضدها، فلك أن تعلم أن هؤلاء يستخفون بالموت إلى هذه
الدرجة، التي تؤهلهم لخوض المعارك من دون أن يرف لهم جفن،
فالموت ليس في ديدنهم إلا خَطْوٌ خفيف فوق عتبة تنقلهم من جحيم
الدنيا إلى نعيم الآخرة.
ليس مشهداً رومانسياً ذلك الذي أصف، إنما ثقافة كاملة تقف خلف
المتراس، لم يفقهها العدو بعد، ولا حتى الصديق.
|