إسرائيل ولبنان.. هدنة حافة الهاوية
محمود حيدر
موقع "إسلام أونلاين"
الإثنين، 11 أيلول «سبتمبر» 2006

ثمة حقيقة غير قابلة للجدل تتمثل في حلول زمن سياسي أمني جديد شق مساره في لبنان لتعم تأثيراته الجيو - إستراتيجية الشرق الأوسط برمته. ولعل أهم ما في هذا الزمن الجديد، أن المنطقة التي وُضعت لها تصورات نظرية حول ما ينبغي أن تكون عليها صورتها المقبلة، لم تَعُد هي نفسها بعد الثاني عشر من يوليو 2006. كل شيء بعد هذا الفاصل الزمني، بات مشدودا نحو مسار آخر. مسار لا تبدو علائمه واضحة الرؤية، لا في وجهها السياسي المباشر، ولا في ما يتصل بالتوقعات ذات المديين المتوسط والبعيد.

لكن لبنان الذي جرى التعامل معه إسرائيليا وأمريكيا ودوليا على أنه منطقة واهنة يتيسر فيها ومن خلالها فتح الباب على إعادة تأليف النظام الإقليمي الأكبر، بدا وكأنه المكان الأكثر استعصاء على تدوير زواياه الحادة. حتى لقد ذهب من استقرأ ما هو عليه لبنان من تعقيد وتداخل واشتباك، إلى القول بأنه استثناء وطني مفارق. فلا تستوي سيادته ولا منطق إعادة تشكيله كدولة إلا على إجماع، مسدد بارتضاء أهله به، ومؤيد بتوازن دولي وإقليمي شديد الحساسية.

ومن ثَم، فثمة زمن سياسي وأمني مفتوح على احتمالات عدة. لكن الوجه المفارق لزمن كهذا هو أن لا مرجعية له. أي أن التسوية المفترضة التي بسطها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، هي تسوية ولدت على حافة الهاوية وبقيت عند حافة الهاوية. كما لو أن قرارا كهذا جيء به ليلقي ظلا على نار لم يُخمد لهيبها، ولا أفلح اللاعبون في احتواء المقاصد التي اشتعلت لأجلها. ومن هذه الدلالة بدا كما لو كان القرار استراحة بين حرب كبرى لم تكتمل وحرب افتراضية محمولة إلى المجهول، فهو لم يعكس بالضرورة صيرورة ميزان القوة في ساحتي المواجهة الميدانية والسياسية. ذلك يعني، استطرادا، أن القرار هو أدنى إلى الهدنة المفتوحة على الاحتمالات، منه إلى صفة كونه أرضا لتسوية سياسية أمنية طويلة الأمد مع لبنان.

إن القرار هو تأسيس متجدد لحالة انتقالية ممتدة في سياق الاحتدام الطويل على جبهة النار اللبنانية - الإسرائيلية، وهذه الحالة الانتقالية هي أشبه باستعادة مدوية للحرب الفاترة بين المقاومة وجيش الاحتلال الإسرائيلي، تحديدا في الفترة التي سبقت الثاني عشر من يوليو 2006 وامتدت رجوعا ست سنوات كاملة.
 

حرب أمريكية ثالثة

لم يشأ الأمريكيون استهلاك المزيد من الوقت قبل أن يفصحوا عما يتوقعونه من الحرب، فقد كانت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في منتهى الوضوح حين نظرت إلى حرب لبنان على أنها اللحظة التي نشهد فيها المخاض العسير لولادة الشرق الأوسط الكبير. لكن هذا التوصيف لم يفاجئ الكثيرين ممن عاينوا الوقائع اليومية للدبلوماسية الأمريكية؛ إذ بدت الصورة أمام هؤلاء جلية لا يقربها الشك، وتتمركز في أن ما يجري بالفعل هو الحرب الأمريكية الثالثة بعد حرب احتلال أفغانستان والعراق.

وبالطبع لا ينتمي القول عن حرب لبنان بأنها الحرب الأمريكية الثالثة إلى ما يمكن أن يوضع في حقل "المجاز السياسي". فالقيادة الأمريكية لهذه لحرب باتت حقيقة لا تقبل الشك.

وهناك من الخبراء والمسئولين السابقين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، من يذهب إلى إبراز خطايا المحافظين الجدد في تبني وإدارة الحرب على لبنان، ومنهم من يدعو إلى استدراك المخاطر قبل استشرائها. حتى إن زبينغيو بريجنسكي وهو أحد أبرز واضعي الفلسفة السياسية الأمريكية المعاصرة، أوضح حين سئل عن الأثر السيئ للتماهي بين نـزعات الحرب الإسرائيلية ونـزعات التدخل لدى المحافظين الجدد، أن قواعد المحافظين الجدد والتي أخذت إسرائيل منها مرادفاتها، ستقضي على أمريكا واستطرادا على إسرائيل. ولسوف تنقلب الغالبية العظمى من سكان الشرق الأوسط كليا ضد الولايات المتحدة، وإن دروس العراق تتحدث اليوم عن نفسها وإذا استمرت سياسات المحافظين الجدد على هذا النحو، يقول بريجنسكي، فإن الولايات المتحدة سوف تُطرد من المنطقة، وسيكون ذلك بداية نهاية إسرائيل.

على أن القضية المثيرة للجدل التي أنهى بها الإستراتيجي الأمريكي حديثه، هي أن المنطقة سوف تنفجر من جديد، وسوف تكون إسرائيل في خطر محدق، إذا لم يتم استدراك المخاطر وتفادي ما هو أسوأ قبل فوات الأوان.

وقد أكد الكاتب دوف جولدشتاين في جريدة معاريف على ذلك أيضا حين استقرأ مرحلة ما بعد الحرب ليقرر أن حزب الله لن يتجرد من سلاحه، وأنه حتى بعد الأضرار التي لحقت بقوته سوف يبقى محافظا ليس على قدرته على إطلاق الصواريخ فقط، وإنما كذلك على أساس قدرته بإلحاق الضرر بإسرائيل. كما أن أية قوة دولية، حتى وإن كانت قوية وجدية، فلن تحمي إسرائيل من نيران حزب الله.
 

تصدع "الوعي" و"الردع"

على ذلك، فلن ينتهي الجدل الإسرائيلي حول نتائج الحرب في أمد قريب. ولأن نهاية هذا الجدل تعني بلوغ المجتمع السياسي والعسكري درجة من اليقين بنهاية الحرب وأسبابها وتداعياتها، فليس ثمة في الأفق ما يفضي إلى مثل هذا المآل. هناك قناعة لدى الإسرائيليين بأن الحرب أوقفت عند نقطة المنتصف بين الهزيمة العسكرية واحتمالات النصر السياسي. ولعل ما تعكسه الصحافة الإسرائيلية من مشاعر وانطباعات يؤدي إلى هذه القناعة. وما تبديه هيئة الأركان من مخاوف لجهة تحول النتائج إلى حقيقة تظهر ضعف دولة إسرائيل وعجزها عن الحسم في المستقبل يشكل إحدى علامات القلق الإستراتيجي.

فقد ربط الباحث السياسي الإسرائيلي رؤوبين بدهتسور بين التجربة الأمريكية في فيتنام والتجربة الإسرائيلية في الحرب الأخيرة، فرأى أن الفشل الأمريكي في جنوب شرق آسيا بدأ يتضح عندما تبنى الجنرال فستمورلاند قائد القوات الأمريكية في فيتنام نهج إحصاء الجثث كبديل من الانتصارات العسكرية. وحسب بدهتسور أن الجيش الإسرائيلي تبنى النهج نفسه؛ إذ عندما يبقى الجيش الأكبر والأقوى في الشرق الأوسط ليتقاتل طوال أكثر من أسبوعين مع خمسين مقاتلا من حزب الله يدافعون عن بنت جبيل من دون أن ينجح في إخضاعهم، لا يتبقى أمام قادته إلا الإشارة إلى عدد جثث مقاتلي العدو.

ويفترض الباحث الإسرائيلي أن بنت جبيل ستتحول إلى رمز لحرب لبنان الثانية، ذلك أن هذه المعركة ستكون ستالينغراد ثانية في تراث مقاتلي حزب الله وتقاليدهم. أما بالنسبة إلى الإسرائيليين فستكون تذكارا مؤلما لفشل الجيش في الحرب. لكن المصطلح الأكثر ملاءمة لوصف الوضع فهو كما يقول بدهتسور: إننا تلقينا ضربة قاضية، حيث لا يتعلق الأمر بفشل عسكري فقط، وإنما هو فشل إستراتيجي لم تتضح بعد تداعياته السلبية بعيدة المدى، فإنه (أي هذا الفشل) يقضم الذخر الأهم بالنسبة إلى الأمن القومي، ويهشم صورة الدولة القوية التي تمتلك جيشا ضخما وقويا ومتطورا وقادرا على توجيه ضربة ساحقة إلى أعدائنا في ما لو جرءوا على التحرش بنا.

لا يقتصر الكلام الإسرائيلي على هذا المنسوب من مشاعر الخيبة، وكذلك مشاعر القلق على صورة دولتهم وجيشهم، بل هو يمتد إلى مساحة إضافية تتناول ما كان يُنظر إليه كمقدس في البنية الإجمالية للمبادئ التي قامت عليها الدولة. لقد كشف الجدل منذ بداياته عن حقائق ثابتة أخذت تتهاوى بفعل الحرب، منها أن حربا كهذه هزت ركنين أساسيين من أركان إسرائيل هما، "الوعي" و"الردع".

فعلى مستوى الوعي: تغيرت صورة إسرائيل أمام نفسها وأمام عدوها المباشر، فضلا عن مجتمعات ودول المنطقة الهائل من الثقافة السياسية والأيديولوجية على امتداد الصراع العربي - الإسرائيلي، فقد منحت هذه الثقافة صورة إسرائيل لونا أسطوريا من القوة والغلبة والاقتدار، حتى إذا جاءت الحرب بدينامياتها ووقائعها والنتائج التي أسفرت عنها، اهتز وعي الصورة، وانكفأت الثقة بالذات المقتدرة، ولم يَعُد "لاهوت القوة الإسرائيلي" يملك الآن ما يمكنه من استعادة الإمساك بعوامل النصر التاريخي.

وفيما يتعلق بمستوى الردع: فلقد بينت مسارات المواجهة غير التقليدية، وغير المألوفة في الميراث الحربي للجيش الإسرائيلي، تصدع إستراتيجيات الردع. حتى إن كثيرين من الخبراء الإسرائيليين باتوا على خوف مقيم من ظهور إرهاصات وعي إستراتيجي عسكري لدى قادة جيوش الدول المحيطة بإسرائيل، تقوم على إمكان تحقيق انتصارات ساحقة على "الجيش العملاق"، ولا سيما إذا جرى اعتماد إستراتيجية الدمج الخلاق بين الحرب الكلاسيكية وحرب العصابات كما قدمها حزب الله في لبنان.
 

استعادة البدء

جاء العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان على قاعدة استمرار حراك الجبهة المفتوحة في الجنوب، فقد بقي لبنان في حالة حرب مع إسرائيل على رغم الاتفاق على ما يسمى بالخط الأزرق، فمزارع شبعا اللبنانية وتلال كفر شوبا لا تزال محتلة، والأسرى اللبنانيين لا يزالون في سجون الاحتلال، وحقول الألغام التي تكتظ بها أرض الجنوب لم تسلم خرائطها، والخروقات البرية والبحرية والجوية للسيادة ظلت على حالها طيلة الأعوام الستة التي أعقبت ترسيم الخط الأزرق، مع ما يرتب ذلك من آثار خطيرة على السيادة اللبنانية ويجعلها عرضة للاعتداء والاحتلال في كل لحظة.

لكن الوجه الأشد مدعاة للخشية هو أن يؤدي أي اتفاق دولي كالقرار 1701 إلى وضع لبنان بين خيارين، إما القبول بتسوية ترجعه إلى فضاء الترتيب الإجمالي للأمن القومي الإسرائيلي، وإما تفجيره من الداخل عبر استعادة عوامل الفتنة، وتوفير ظروف جديدة للحرب الأهلية.

ويستذكر اللبنانيون الآن، كيف ظهر بلدهم في العين الإسرائيلية كحالة إغواء نادرة للتدخل، فمنذ إبريل 1975 والمجال اللبناني يتحول ليغدو مقولة أمنية خالصة، تسددها فوضى داخلية مفتوحة على كل ريح. ولقد تبين لواضعي إستراتيجيات التدخل في إسرائيل أن لبنان المسكون بفوضاه آخذ في التشكل على نصاب الانقسام إلى جغرافيات طائفية أمنية، وبدا أن الانشطارات الحاصلة تجري في الاتجاه الذي يؤسس لـ"كونفدراليات طوائف" لكل منها أمنها وسياساتها ورؤاها وحساباتها الصغيرة والكبيرة، وعلاقاتها الداخلية وتحالفاتها الخارجية.

وكان أن ظهرت "الغواية اللبنانية" على حرارتها القصوى، حين ثبت للعقل الإستراتيجي الإسرائيلي أن كونفدراليات الطوائف الكامنة وراء جدرانها المسلحة قد رست مطمئنة على قاعدة مثلثة الأضلاع أعصابها الفالتة من أي عقال، معززة بالقوى والقدرات التي تختزنها تبعا لقواعد استيطانها الطائفي المجال الجيو - ديمغرافي الذي افترضت أنه يصون حياضها السوسيولوجي والأمني وهويتها وثقافتها السياسية، والسياسة الإقليمية والدولية بوصفها مجالا حيويا تستمد منه القوة والدعم والاستقواء.

والذي حصل بعد نحو ثلاث سنوات من انفجار النـزاع الأهلي اللبناني، جعل موسم الحصاد الإسرائيلي مدويا. ولم يَعُد خافيا على من عاين صيرورة السبعينيات، كيف يسرت "جيو - بولتيكا" الطوائف المتحاربة قيام ما سُمي وقتذاك بـ"دولة لبنان الحر" بقيادة الضابط المنشق عن الجيش اللبناني سعد حداد في 18 إبريل 1978.

لقد أسست هذه الظاهرة الجغرافية والسياسية والأمنية في تلك الفترة، لإستراتيجية "حزام الأمن"، وهو الذي يعبر عنه الكاتب الإسرائيلي موشيه زاك بأنه الجدار الحامي للحدود الشمالية، ونقطة الانطلاق لمبادرات نشطة لضمان السلام الدائم على تلك الحدود. ومنذ ذلك الحين سيجري الكلام على ما يوصف بـ"الجدار الطيب" الذي سيتحول على مدى أكثر من عقدين كاملين إلى أطروحة أمنية - سياسية تحكم النشاط الإجمالي للإستراتيجيات الإسرائيلية المتحركة في لبنان.

بعد الثاني عشر من يوليو 2006 لم يَعُد الكلام جائزا على نهاية أطروحة الحرب الإسرائيلية على لبنان. حقيقة الأمر أن هذه الأطروحة تستعيد نفسها اليوم بقوة ولسوف تستعيدها في المقبل على أنحاء أخرى، أي على أنحاء وخـطوط تتجاوز هذه المرة حدود لبنان لتتخذ مسـاحة جيو - إستراتيجية أوسع نطاقا، حيث تتجاوز وتتحد الإستراتيجيتان الأمريكية والإسرائيلية ضمن مسار واحد. لكن القضية الأشد استدعاء للتأمل والتدبر والاستعداد هو أن هاتين الإستراتيجيتين الحربيتين ستتكافآن على خطين متوازيين، أولهما خط نـزع جدار الممانعة والمقاومة. وثانيهما، خط اختراق جدار الوحدة والسلم الأهلي.

كما لو أن حصاد الحرب في العين الإسرائيلية/ الأمريكية سيستعيد نفسه على نشأة أخرى وطور جديد وذلك في سياق سلسلة محمومة من الأطوار الدامية للشرق الأوسط الكبير.


   **باحث في الفكر السياسي ورئيس تحرير دورية "مدارات غربية"

أرسل المقال أرسل المقال إلى صديق: 

Main Page