أم سليمان
عدنان بيضون
"صدى الوطن" – ديربورن / ميشيغان
السبت، 30 أيلول «سبتمبر» 2006

لم يعرف سليمان أباه. مات داود سعد قبل أن يفتح المولود عينيه على الحياة في بنت جبيل. كان ذلك قبل نحو سبعين عاماً. ولسليمان «الوحيد» شقيقة وحيده ربتهما أم سليمان يتيمين حتى كبُرا.

لم تتزوج أم سليمان بعد ممات زوجها، وهي كانت بعد صبية يزهر العمر فيها، فنذرت نفسها للطفلين، ووارت جزءاً من أحاسيسها في القبر الذي ووري فيه زوجها الشاب.

أمضت أم سليمان صباها تعمل في شتى أنواع العمل الزراعي لإعالة طفليها في مجتمع لم يكن يعرف أياً من أنواع التكافل ورعاية الأيتام.

بدأ «صمود» هذه المرأة الجنوبية، إذن، زمناً طويلاً، قبل أن تشيع مفردة «الصمود» في قاموس الصراع لدى البنتجبيليين، واستهلت أم سليمان هذه المعركة باكراً في حقول وحارات بنت جبيل.

هي المكافحة العاملة، ابنة «السادة» الذين يُنمون إلى نسل الرسول الاكرم في تلك البلدة الجنوبية. لم تبرح دارها وبلدتها البتة، وشهدت حروب الإحتلال والتهجير والتحرير، ومرّ من أمام عتبتها على قارعة «نزلة البركة» كل أنواع المناضلين والمقاومين والمحتلين، وهي تطوي العمر، سنة إثر سنة، حتى أدركت منه السنتين بعد المئة.

ظلت الحاجة أم سليمان متوقدة الذهن، تعيش على حراك لا يعرف الهدوء أعانها على البقاء حية في دار الدنيا التي بكّر الزوج في هجرها إلى الدار الآخرة، وكبر الطفلان تحت جناحيها، ثم غادرا إلى عالم جديد.

وحدها أم سليمان إلتصقت بعالمها البنتجبيلي سحابة ما ينوف عن القرن.

في الثاني عشر من تموز كانت أم سليمان تنعم بزيارة الإبن الوحيد الذي ابتنى لنفسه شقة فوق الدار العتيقة، وزيّنها بمضافة صيفية جذابة يأوي إليها من هجير مصانع فورد الديربورنية لعدة أسابيع في كل صيف.

اندلعت الحرب التي ظن البنتجبيليون وإخوانهم الجنوبيون بداية، انها ردة فعل محدودة على عملية أسر الجنديين التي نفذتها المقاومة، قبل أن يستفيقوا على هول دمار بلدتهم وإمحاء ذاكرتهم بين أحيائها وزواريبها العتيقة.

حوصر أبو داود، سليمان، مع زوجته الحاجة أم داود في البيت، ومعهما، على سريرها الحاجة أم سليمان، وشهدا أيام الحرب الطويلة ما لم يخطر لهما ببال في «رحلة الصيف».

ففي ليلة من ليالي الحرب السوداء، سقطت على المنزل صواريخ الطائرات الإسرائيلية فأحالته أنقاضاً دفنت تحتها الجسد النحيل لأم سليمان، بينما خرج هو وزوجته بأعجوبة مصابين بجروح وحروق، ثم انتقلا بمعجزة تحت وطأة قصف مدمر وحارق إلى منزل مجاور، وبقيت جثة الامرأة العجوز في قبرها «البيتي» سحابة ثلاثة أسابيع قبل أن يتيح وقف العمليات الحربية سحب الجثة ودفنها مع شهداء البلدة.

زرت منزل أبي داود في ديربورن غداة عودته مع أم داود للتهنئة بسلامة العودة وللتعزية بفقدان الوالدة التي عرفتها عن قرب خلال إقامتي في بنت جبيل جاراً لها في الدار الذي استأجرته لمدة عام أواسط الثمانينات. كانت أم سليمان، كما يناديها أهل الحي، مسعفتي أنا وزوجتي في تدبير طفلتنا الأولى على طريقتها التقليدية، لا تبخل عليها بحداء رقيق من وحي تجربتها الأمومية القديمة، فتغفو الطفلة على زنديها كمن يأنس لملاك من عالم آخر.

لم أجد أبا داود في المنزل. فقد كان عاد إلى عمله في مصنع فورد ونابت أم داود عنه في سرد حكاية الكابوس الذي عاشاه ولم يتصورا ان يخرجا بعده حيين.

تطنب أم داود في وصف مجريات محنتهما القاسية وتمسح بين الفينة والفينة دموعاً تقفز إلى عينيها وهي تسرد مشاهد الموت والخروج من الموت في ليلة قصف ليلاء حلقت خلالها طائرات الموت الإسرائيلية فوق رأسيهما لأكثر من ساعة وهما يلتحفان بقايا من أثاث قذفت بها شدة الإنفجار إلى وسط الشارع. تروي كيف شاهدا جدران الغرفة حيث كانت ترقد العجوز المئوية تنهار فوق سريرها الحديدي وتدفنها حية للحظات ثم تضمحل في غياهب ركام ثقيل أمام ناظريهما على وقع أنين متقطع يطلب نجدة لن تأتي، فحرب إسرائيل، هذه المرة، كانت أقرب إلى يوم الحشر، والجثة المدفونة تحت ركام البيت العتيق لن تجد من يسحبها إلا بعد أن يستنفذ الإسرائيليون كل الفرص للقضاء على «حزب الله»، فما يستطيعون.

استطاع سليمان أن يعود إلى بلدته مع العائدين بعد وقف الحرب لأجل المشاركة في دفن أمه. هي لم تعد فقط «أم سليمان» العجوز التي استرد الله وديعته فيها بعد عمر مديد. بل صارت الشاهدة والشهيدة التي سلك دمها مَسيله نحو بركة البلدة ليصب فيها، ويلون ماءها بأحمرٍ سوف يغذي خضرة أوراق التبغ وسنابل الحنطة على امتداد الوادي الذي أفنت أم سليمان عمرها في حقوله.. صارت أم سليمان الشهيدة التي امتزج دمها بدماء المقاومين والتصق جثمانها بجثامينهم في موكب التشييع الجنائزي لثلة من خيرة شبابها ونفر غير قليل من كهولها وشيوخها.

وافت أم سليمان زوجها الراحل وفي جعبتها أسطورة وفاء كانت تنسج من ساعة الترمل إلى لحظة الشهادة، وما بينهما من حكايات بنكهة الأرض وعبق الجهاد.

حياة أم سليمان لم تكن موصولة بدنياً. كانت محطة «عمل للآخرة» ولم يكن اهتمامها المزمن بصيانة قبر الزوج الشاب سوى جهد على طريق الرحيل إلى لقاء بعد طول فراق.

كان سليمان يخشى دائماً أن تموت أمه وهو بعيد عن عينيها. لذا دأب في السنوات الأخيرة على زيارة بنت جبيل في كل صيف، وكان الله يكرمه بمدّ عمرها حتى فاض عن المئة.

غابت أم سليمان أمام عيني ابنها. وقف سليمان على مسافة الصدى المتردد في ثنايا الشقوق، المحمول على حبيبات الفوسفور الحارق في فضاء الغرفة المحاذية لسرير أمه الذي صار قبراً، غير قادر على الحراك. باتت غرفة أم سليمان عالماً من برزخ، يفصله عنها ركام حجارة وحديد وسنين، وكان آخر حراك لأم سليمان «التي لا تهدأ» يتلاشى تحت وميض أصفر، وكفن من حطام غمر الجسد الطاهر لإبنة «السياد» التي صارت شهيدة.

أرسل المقال أرسل المقال إلى صديق: 

Main Page