الطريق إلى صور
عباس بيضون
جريدة السفير (لبنان)
الجمعة، 6 تشرين أول «أكتوبر» 2006

أول ما رأيناه جبلين من الأنقاض على الأوزاعي. جبلان صغيران توأمان متقابلان. لم يكونا مجرد كومة هائلة من شقف وأحجار، لم تُلق البقايا كما أتفق، كان هناك جبلان مستويان بجوانب شبه ملساء (من بعيد) وشكل متناسق، جبلان متآخيان على الأرض المسلحة وتقريباً على الشاطئ، كانا موجودين في فضاء كاف وفراغ كاف ورغم حجمهما الكبير كانا ممشوقين ومتآلفين كثيراً مع المدى البحري والبري، لقد اعتني بالتأكيد لكي لا يكونا كوماً مرمية على بعضها البعض وقمامة حجرية، اعتني ليكونا شكلاً مستوياً بسيطاً متناسباً مع خطوط البحر والأفق، أثارني كونهما اثنين. الشعر العربي القديم يتكلم دائماً عن اثنين مسافرين يقفان على الأطلال، وها هي الاطلال نفسها تسافر في اثنين. لا أعرف اذا كان من نسّقوهما على هذا فكروا به فعلاً، أم ان هذا كان مجرد ترتيب للكتلة والمساحة، ما طغى عليّ كان إحساساً جمالياً، كنت قرأت أفكاراً عن نصب تذكاري لتدمير الضاحية لكني وجدت ببساطة النصب جاهزاً قلت لميرييل هذا هو النصب. بالتأكيد لن يدوم فهو يأكل من المساحة اكثر مما تحتمل ناحية مسكونة. لكنه جميل. بل أنا لم أر شيئا من زمن بمثل هذه الطمأنينة والإلفة والسلام، لقد تحول الانهدام والانهيار والدمار والكتل المتهاوية والصراخ والرعب والسحق الى شيء ساكن في الشمس والضوء والمدى البحري، الى أخوين داجنين يتسايران على الطريق، كان رعب ليال كثيرة واعتداء جحيمي في هذا الشكل الشبيه كثيرا بما ظنه الجميع في “الأمير الصغير” لسانت اكسوبيري قبعة فيما كان الطفل وحده يعرف أنه الشكل النهائي والأخير لحية تبتلع فيلا. ترى هل تستقر هكذا ونهائياً تلك الأهوال في هذين الشكلين، في الشعر العربي القديم ليس الاثنان واحداً في السلوك. أحدهما ينادي الآخر ليشاركه في الوقوف على الأطلال. لا بد انه هو الذي يبكي والآخر يسنده ويعزيه، إنه يعينه على تحمل حزن لو عاناه وحيداً لقتله، أفكر اذا كان الأمر كذلك بين الجبلين. اذا كنا مستعيدين رمزية الشعر القديم، نستطيع ان نفكر بأن الجبل الأصغر هو هنا لمصاحبة كهذه، إنه يعين هؤلاء المقصوفين المردومين على ان يعبروا بسلام ليل رعبهم الطويل، أفكر بأنها قد تكون مصاحبة الأحياء للموتى تلك التي ستستمر طويلاً الى ان ينتهي الحداد. إنها المصاحبة التي لم ينفرز بعد فيها الجمعان من بعضهما البعض، والتي ستبقى طويلاً في ظل الايام الهائلة التي لم تفرز بعد ذلك الخليط الهائل من الموت والعراء والنزوح والتدمير، أشعر عندئذ أنني أدخل في مسام الجبلين، فإن الشكل المسالم البسيط بدأ يتحول الى لحن لوعة متتابع، وأحس ان عيني تكادان تبتلان.

كل هذا لا أستطيع ان أفسره لميرييل، لو فعلت لكان مفيداً لريبورتاجها الإذاعي لكني أقول لها فقط، إن المشهد جميل وأروح أسأل نفسي اذا لم يكن في ذلك الاحساس بالجمال شيء من السخرية من نفسي، نوع من اللامبالاة الضمنية، كيف يمكن ان نفكر بالأنقاض هكذا بدون ان نكسر المأساة، بدون ان نهين الألم البشري ونجعل منه فحسب خاتمة للفن. فكرت أنني استطيع ان أبني شيئا كهذا من الجثث ايضا. أني ربما العب بحياتي على النحو ذاته وأحولها الى خردة فنية، ربما كان هنا الشيء الذي تظنه ميرييل خوفاً او هروباً. لكن هل عليّ حق ان استحي بهذا الشعور في الوقت الذي لا أحس فيه بأي ندم وأكاد أحسب انه شعور نبيل وأنه تعامل صحي وإنساني مع الألم، كنت دائماً أتضايق من هؤلاء الذين يأتون عندنا بعد كل فاجعة ليؤكدوا لنا قدرة اللبناني، الفائق على الحياة وأقول في نفسي إنها أفضل وسيلة لنسيان قدرته الفائقة على الموت. لم أكن ابداً جاحداً للنسيان ولا أجد سبباً للترهب للذاكرة. لكن هذه الفكرة عن القدرة الفائقة على الحياة مع كل تظاهرها بالحياة ليست سوى كليشيه. بل هي نوع من إرضاء جاهز للذات ومسامحة شبه مسبقة لها. نقول إن لدينا دائماً ما نعلمه ولا نطيق النظر الى وراء، لدينا دائماً ما نعمله. إنها هذه النزعة البوليمية الى ان نملأ انفسنا بأي شيء، مع ذلك بقي لدي هذا الإحساس بأن هذا النصُب سوّى نفسه، لقد كانت هذه طريقتهم في توضيب البقايا ونفذوها مراراً. لقد كوموها بنظام ولم ينتبهوا الى انهم صنعوا شيئا جميلاً. ربما كنت أول من لاحظ ذلك ويمكن ان اهنئ نفسي. لم يكن شبه المستطيل اللطيف اعتداءً، لم يكن حيلة لإخفاء القسوة، كان فقط جبلاً، أليس مؤثراً ان نجعل من الألم جبلاً. ان نمنح هذا العلو وتلك الصلابة لشقائنا الخاص، وجدت معنى مماثلا لترحيل الانقاض، لإعادة نصبها في مكان آخر، ليس فقط بسبب البعد “النزوحي” للمأساة بل ايضا بسبب هذا المعنى الإضافي التي تكسبه الاشياء من انتقالها. فكرت بأن هذه الخطوط البسيطة هي ايضا اوتار لذلك الشيء الواحد والحقيقي والذي لا يمكن إنكاره كالألم.

كنا نبحث في الغازية عن فرن لشراء منقوشة حين انتبهت فقط انني في الغازية، كان علي ان أكون دليلاً جيداً لميرييل، الست عائداً الى بلدتي، لكن أفران السفيحة ورائحة الشواء لم ترشدني إلا بصعوبة الى أنني هناك. ساعة انتبهت التفت ورائي فرأيت فوراً بيتاً واحداً مدمراً. كان ساقطاً الى داخله بدون ردم حوله، لقد انخسف السقف المقطع وأتكأ على الجوانب بادياً هكذا وكأنه اجنحة مقصفة، كان البيت هكذا خالياً كلعبة، وبدا غير لافت جنب الأماكن العامرة الآهلة كأنما وجد جنبها من زمن، لقد دخل بسرعة في سوية السوق. بدا كأنه تعرض لحادث وترك على جنب الطريق، مع ذلك كان وحده في ذلك المكان الذي يعج بالشغل والحركة. جعله هذا يبدو مهجورا، خمنت ان المنطقة في الاعلى ردم كثيف ففي هذا المكان حدثت مجزرة. لا شك ان هناك انفجارا ما زال صارخاً ولم يهدأ في ضجة السوق. لم أقترح على ميرييل ان نذهب الى هناك، لم أرغب في ان أرى بحرا من الدمار، ربما من خشية ان يتشبع بصري باكراً.

كان عليّ ان أعيد على ميرييل حكاية هذه البلدات الجديدة التي تنشأ على طرفي الطريق العام حيث لا يبقى حد بين الشغل والاقامة والفراغ فتغدو جميعها واحداً تقريباً، وتغدو الحياة معها ساعة واحدة بدون اي تمييز. لكن هذا رغم كل شيء كلام قديم.

على الزهراني حيث مصفاة النفط رأينا الجسر مقطوعاً تماماً من منتصفه. كنت رأيت من قبل جسوراً مزعزعة في وسطها بخروق وقضبان حديد عارية اما هذا الجسر فكان مقطوعاً تماما، رأيته من تحته فبدا لي وكأن القطع يستمر نزولاً حتى الأرض. فاغراً كأنما هو بئر في الفراغ. طالما أحببت الجسور، ما ان تصعد بي السيارة جسراً حتى أشعر أنني ارتفعت عن الأرض. ان في ارتقاء جسر صعوداً الى السماء او كأنه بحد ذاته تقليد للطيران، احب اللحظة التي تعبر فيها السيارة الجسر. أحس انها تقريباً لحظة إقلاع، أحبها وهي تطير على الجسر وأحس انها على وشك ان تحلق. أحب ان أرى العالم من جانبي الجسر. انه دائا ممتد من تحت، أحببت مدناً لجسورها، عمان مثلا، أعرف ان بيروت قائمة على جسور وحينما كنت أسمع اخبار القصف الإسرائيلي، وأعد مزيداً من الجسور، اتعجب لوفرة ما يجدون منها وأشعر ان البلد كله قائم على جسور، بدا لي أنهم هم ايضا زهقوا من فرط كثرتها، قصفوا سبعين كما قرأت في مقالة جون لو كاريه Jeon le Carre في اللوموند. وبقي امامهم ما يفعلونه. الجسور التي كانت محفرة شعرت، إزاءها كما لو كانوا القوا زجاجة أسيد على وجه جميل. فكرت انهم نجحوا فقط في تشويهها وأنها الآن مخرقة كما لو كانت اسمالاً. لم أحب النظر في القضبان البارزة كرهت هذا النوع من التعرية المهنية، بدت لي الجسور المصابة ممرغة الوجوه. أما هذا الجسر فمقطوع بكل هيبته. ذلك ظاهر في قوة الضربة. في الحد المبتور تماما، في العمق النازل الارض، في القوائم التي تحمل الوجه المصدع لكن غير المهان، في الماضي كانت الجسور تحمي، أذكر صورة اشتهرت يومذاك لرجل مذعور من القصف لاجئ الى تحت جسر، الآن نصل الى جنب الفجوة الهائلة ونرى الجسر ايضا مخيفا وجليلا لنحيد ونهبط عنه، ولا نعرف إلا بعد ضياع قليل اين تبدأ الطريق.

في صور نجلس على صخرة “الجمل” المدقوقة في عمق البحر وتكاد تشقه الى بحرين يلتقيان في قوس عن يمينها وشمالها، كنا امام الماء الكحلي وتكلمت عن البحر، وانا الذي كتبت قصيدة طويلة عن البحر لم أجد سوى ان اذكر حلما عن البحر كتبته غالبا وصدقت بعد ذلك اني رأيته، رجعنا الى حديث المدينة، كيف أريد ان أتكلم عن هذا الصلح مع امهاتنا غير الجميلات كما كتبت بعد دمار الضاحية، كنت أفاجأ بدمعة في حلقي واتوقف قليلا حتى أبتلعها وأشد صوتي، وأقول حين لا انجح في ذلك بأنها حالة ميلودرامية وان تروما الحروب تجعلنا نريّل على أنفسنا.

في العودة نظرت الى بناية الدفاع المدني الذي راح في قصفها 27 شخصاً، كانت منكسة قليلاً لقد تحول رأسها الى رقائق اسمنتية متراكمة لكنها لا تزال واقفة. احرقوا 27 شخصاً فقط في الطوابق العليا التي كبست فوق بعضها وغدت اشبه بصفحات كتاب ملتصقة. رأس مسحوق ومترمد هرس بالكامل ولا يزال باقياً. لا أعرف لماذا فكرت ببرج التجارة العالمي. شيء ما ذكرني فيه، استطيع انطلاقا من ذلك ان اتخيل كيف كان الأمر بعد ان اخترقت الصواريخ الطبقات العليا وكيف بدأت هذه تصطكّ فيما الدخان يفور منها.

أرسل المقال أرسل المقال إلى صديق: 

Main Page