تهافت العصبية الليبرالية لدى بعض العرب
محمد نعمة*
الجمعة، 13 تشرين أول «أكتوبر» 2006

صحيح أن الديمقراطية والليبرالية قد تتعايشان ردحا من الزمن إلا أن ما يفصل بينهما لهو شاسع. وبالتالي إن الخلط المفاهيمي بين هذين المصطلحين أو النمطين من التصورات الاجتماسياسية يؤدي حتما لتعقيد المسالة عبر تسطيحها بدلا من تفكيكها مفاهيميا وسبر غورها من اجل إيجاد التوليفات الملائمة لها على المستوى النظري أو التطبيقي. فان من يريد التمحص قليلا في هذين المفهومين ليس من الصعب عليه اكتشاف ان الليبرالية هي متعددة وفضفاضة. وقد تكون رديفة للديمقراطية كالنمط الغربي الحالي مثلا. إلا أنها لا تنحصر في هذه الرقعة الجيوسياسية والاجتماعية ولا بنمطها هذا.

فالليبرالية الآسيوية قد تأخذ أبعادا أبوية وبيروقراطية، كما في روسيا بوتين أو كوريا الجنوبية أو تايلاند. بل قد تأخذ أيضا أشكالا عسكرية، كطغمة المستبد الأسبق بينوشيه في تشيلي، أو نظام الطاغي الاسباني البائد فرانكو، أو حتى التركي الماقبل إسلامي. إن الليبرالية قد تكون موجّهة من علٍ وعلى الطريقة السوفييتية كما هي في مصر منذ رئاسة المتوفي أنور السادات أو في تونس الحالية. إن الليبرالية قد تكون متشابكة مع ثقافة أو أيديولوجية علمانية (فرنسا)، أو مع عقيدة شبه دينية أو حتى دينية كما هي الحال في بولونيا وتركيا الحالية وأيضا إيران البازار الإسلامي.

إذن الليبرالية ليست هي نمط اجتماسياسي محدد الشكل، مميز الأهداف وواضح الطريقة. إنها ليست بنية أو سقف أو قاعدة. إنها تصور أو معاش لزج . أي أنها أداء سطحي أو جانبي، لان الليبرالية تفتقد تاريخيا وانتروبولوجيا لخاصية فكرية ثابتة تميزها وتعطي لكنهها هويتها المحسومة والمحددة مفاهيميا وأيديولوجيا. إن الليبرالية ما هي إلا إعلان إنتاجي، وتحتوي ما يحتويه من التشكيلات المفاهيمية والأيديولوجية المختلفة والمتنافرة.

إن الكيان الليبرالي يكاد يتجسد فقط بمستويي الملكية الفردية والسوق، اللذين ينغرسان في اللوحة الاجتماسياسية برمتها وفي مشارق الارض ومغاربها وتحديدا بُعيد انهيار المعسكر الاشتراكي. ففي المنطقة العربية هناك ليبراليون قوميون كما هناك ليبراليون قطريون أو جهويون، هناك ليبراليون يمينيون وليبراليون يساريون، ليبراليون إسلاميون او مسيحيو المعتقد وليبراليون ملحدون، هناك ليبراليو السلطة وليبراليو المعارضة، ليبراليو الاستبداد وليبراليو الحرية. وما عدا ذلك من تلك الفكرة فهو يبقى وثيق الصلة بمصدرين اثنين لهذه الليبرالية. المصدر الأول وهو الخلفية الأيديولوجية والمعتقدية والتي تشكل المحرك الفعلي للخطاب الليبرالي. والمصدر الثاني هو الحاجة الدعائية المميزة في لعبة الاصطفافات الاجتماعية، هنا الليبرالية تبدو عبارة عن يافطة، باسبور ليس أكثر في لعبة التموضع الاجتماسياسي. لان في الخلفية الأيديولوجية لليبراليين (غير الديمقراطيين) قد يكون العداء شديد الحدة تجاه الليبراليين الديمقراطيين بان يصل إلي درجـــــة التصفيات والقتل المنهجي وهذا ما حصل فعلا في تشيلي المعاصرة مثلا. لذلك فان الليبرالية المعلنة ليست إلاّ ماركة مسجلة تتوظف بشكل أو بآخر في اصطفاف ما، في احتراب اجتماعي مرتكز على مبدأ هنا ـ الآن وليس أكثر.

إن الليبرالية العربية كمعتقد أيديولوجي ورغم تعاقب أجيالها وتوالي افتراقاتها وتقارباتها مع السلطة ليست بصدد قطع عملي وأيديولوجي مع أشكال الاستبداد الموجود، لان مهمتها لم تكن (وليست إلى الآن) بناء نظام اجتماسياسي يقوم على ثنائية ليبرالية ـ ديمقراطية واضحة. لذلك إننا نراها غيَّبت وتُغيِّب في أدائها مسالة الحريات للفرد وللأحزاب وللمنظمات الأهلية، وتهمش متطلبات جدلية الفرد والمجتمع، علاقات الداخل والعلاقات مع الخارج، البنية والوظائف، الأهداف والوسائل. باختصار إنها تتهرب من مواجهة شمولية وكلية للمعضلة الاجتماسياسية التي تحاصر مسألة التقدم ومتطلباته. إن هروب الليبرالية العربية هذا يستعاض عنه بالالتباس النافر والرديء بين ما هو اقتصادي أو سياسي، بين ما هو ثقافي أو علاقات عامة أو دعائية، بين ما هو مصلحة فئوية أو مصلحة عامة، بين ما هو في خدمة الخارج المخترق للداخل بفاعلية أو مصالح الوطن الخاصـــة به وبضروراته البنيوية والتاريخية.

إن الليبراليين العرب قد فَصَلوا في الماضي وما زالوا يفصلون بين حرية السوق وحرية الفرد (انظر إلى تَغني ليبراليي لبنان والعراق بـ حرية السوق وبنفس الوقت إمعانهم في استلاب حرية الأفراد من قبل طوائفهم الدينية أو تغاضيهم عنه) هذا الفصل أو الانشطار هو أيضا بين احترامهم النموذجي للالتزامات وللعقود الدولية وبين شرعية التحرر الوطني وضــــرورة البناء القومي الذاتي للدولة السيدة على ترابها ومؤسساتــــها ومصالح مواطنيها. هذا الانشطار ينسحب أيضـــا عند الليبراليين العرب بين استعراضيتهم العارية والعزلاء دفاعا عن ليبرالية معولمة اكتــــساحية، مهدها الثنائي الانغلوساكسوني المحافظ رونالد ريغان الإمبراطور الاقتحامي ومارغريت ثاتشر محطمة عمال المناجم وملهمة الدموي الليبرالي بينوشيه، وبين جهل أو تجاهل المستلزمات الهادفة لتهيئة ولتعزيز ولتحصين البنى الإنتاجية والاستهلاكية للمجتمع وذلك من اجل منافسة ملائمة ومردود مؤكد وموزع بإنصاف.

إن الليبرالية العربية كايديولوجيا لم تستطع حل مشكلة الاستقلال الوطني المزمنة وبدت عاجزة عن إيجاد منفذ للمعضلة الاجتماعية والتي تنطحت لإيجاده. عجزها هذا يبدو متجسداً في:

ـ ازدياد حدة الاضطراب الاجتماعي الناتج عن الفساد والمحسوبية واستفحال الاعتباطية والاستنسابية في العلاقات بين الأفراد والفئات وفي الأطر المؤسساتية نفسها.

ـ تجاهل قضية هامة لاستقرار المجتمع وتقدمه ألا وهي قضية التنمية الوطنية المستدامة وبرامجها ومأسستها.

ـ عدم القدرة على حل مشكلة توزيع وإعادة توزيع الثروات بعقلية مواطنية جديدة وبمنهجية عقلانية جديرة بالتجديد وبالرقي وبالعدل.

هذا هو الحال الذي كان عليه الرعيل الأول من الليبرالية المعاصرة والتي تنازلت عن الاستقلال الوطني، ووجدت خير تعبير عنها في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي في حزب الوفد المصري الذي استقوى بالاحتلال الإنكليزي من اجل بسط سيطرته الداخلية وتحكمه في المفاصل الاجتماعية. فإذ به يجد نفسه فاقد المناعة الوطنية والشرعية المجتمعية. إن هذا الفقدان الأساسي لمشروعيته لم يدفعه للتعويض عنه عبر أداء اجتماعي تطويري، وتصور مجتمعي اقل اضطرابا وأكثر عدلا. فكان انهياره حتميا. أما الجيل الثاني من الليبراليين العرب فقد انتهز ظرف موت جمال عبد الناصر الجسدي والسياسي لكي يشهر انسحابه من قضايا الاستقلال العربي وتحديدا من قضية القضايا: فلسطين. فإذ بشعار مصر أولا للرئيس أنور السادات يتترجم انقطاعا وانكفاء نحو الداخل، وأيضا احتراما فذا للتعهدات الدولية ما لبث أن تعمم: المغرب أولا ، الأردن أولا وهكذا دواليك. فأصبحت العبارات الانسحابية كمثل تعبنا من الفلسطينيين أو هدّتنا القضية الفلسطينية شعارا ليبراليا بامتياز اصطحبه الوعد بجنة الانفتاح ، فرأينا بعد ذلك نتيجة هذا الأداء: الانحباس الخانق بين مطرقة عقدة النقص والانبهار بقوة الغرب، والمعونات المسيّسة من جهة وبين سندان شره الإثراء الاعتباطي وغير الشرعي والفساد من جهة أخرى.

أخيرا إن الانكفاء وعقيدة السوق هذين أخذا بعد ذلك شكلا جديدا، وهو ما يسمى حديثا الواقعية السياسية الليبرالية . أي انه القطع مع قضايا المنطقة بما يعني ذلك تقبلا إراديا وتمسكا قصديا بما هو مرسوم أو معروض للمنطقة هذه وأهلها. وهذا ليس بجديد في تاريخ عصبية الليبرالية لدى بعض العرب، لا بل انه يمثل استمرارية نهـــــج وعقلية تعتبر ذاتها جوهريا في مديونية فكرية ونفعية مع الأقوى دوليا أولا، وفي انحيازية حدّية تجاه الداخل ثانيا. إن هذه الواقعية السياسية لا تجعل من هؤلاء الليبراليين عديمي الفعالية على مستوى المنطقة، بل على العكس، فان لانكفائهم تأثير فعلي كبير الأهمية من حيث تأبيد دينامكية تفكيك وتفتيت المنطقة من جهة وازدياد الاستئثار والفساد الداخلي من جهة ثانية.

* د. محمد نعمة، مدير مجلة مدارات غربية

أرسل المقال أرسل المقال إلى صديق: 

Main Page