|
وقف السيد المعمّم مرحباً بضيوفه في إفطار دعا إليه في
مدينة ديربورن، طمأنهم بداية أن ليس في حوزته خطاب في السياسة
أو موعظة في الدين لهذا المقام الذي لا يصلح لمطولات الخطابة
أمام صائمين تنتظرهم مهمة هضم الطعام وليس «هضم الكلام» بعد
ساعات الصيام الطويلة في هذا المنقلب من الأرض.
«هضم الكلام» بدا صالحاً لمناسبات أخرى يتفرغ فيها العقل
الشيعي لهذه المهمة بعد العيد (ينعاد عليكم). ألم تعلن في
لبنان «هدنة الصوم» بعد الكلام «الكبير» والخطير الذي قيل في
«حرب تموز» ومنه «كلام شيعي»، رأى فيه العقل الجماعي للشيعة
اللبنانيين «كفراً» و«مروقاً» أتى به أحد العلماء الأمينيين من
فقهاء المذهب، عندما تساءل عن جدوى إستمرار خوض الحروب العربية
والإيرانية بشيعة لبنان حصراً؟ فكان الصوت الشيعي «النشاز» في
زمن «الإنتصار الإلهي» الذي بدا معظمهم الشيعة اللبنانيين
مقتنعين به وإن ظلوا عاجزين عن تفسير ما حلّ بهم من نكبة جرّاء
«حرب الأسيرين» التي شنتها إسرائيل ضد أسس وجودهم وأذهبت من
أرواحهم وممتلكاتهم ما لا يعوّض. رغم كثرة الحديث عن
«التعويضات» (المادية) و«آلياتها».
أقول وقف السيد المضيف مخاطباً الحضور متسائلاً عن أسباب ظاهرة
ضمور الحضور الشعبي في المناسبات الرمضانية الليلية التي
تحييها المؤسسات الدينية العديدة المنتشرة في هذه المدينة
الأميركية، وفي جاراتها الكنديات. لم يتأخر السيد الذي يجمع
بين سلاسة الحديث وسلاسة الأداء في تفسير حالة الخوف الجماعي
المستحوذة على جمهور المؤمنين، راداً أصولها وأسبابها إلى
إعتداءات 11 أيلول وما تلاها من تداعيات أرخت بظلالها الثقيلة
على مجتمعات الجاليات العربية والمسلمة في هذه البلاد
الأميركية. ذلك تاريخ يختلف قبله عما بعده، قال السيد، حديث
العهد بالعرب والمسلمين في هذه البلاد، ولكنه بدا محيطاً بما
ينتابهم من هواجس، محاولاً شحن الهمم المتقاعسة بجرعة من
التشجيع: ألستم بمعظمكم مجنسين أو مقيمين شرعيين؟ لِمَ هذا
الخوف وهذا الحذر المسببان للإحجام عن إرتياد المؤسسات وإحياء
الطقوس والمناسبات؟
بدا السيد كمن يطرح السؤال على نفسه أمام المدعوّين في محاولة
لفهم ما يجري في صفوف جالية شيعية إنتدبه المجلس الأعلى القيم
على أحوالها الشخصية في لبنان لمهمة متابعة هذه الأحوال
لأفرادها المنتشرين في هذه البقعة من العالم.
أبدى السيد المعمّم المتنور كمّا من الهواجس على شكل أسئلة
وإفتراضات كبيرة وخطيرة أبرزها: ماذا لو قررت أميركا شن حرب
على إيران؟ لم يخفِ خوفه على هذه الجالية الشيعية التي ينظر
إليها منظرو «الحرب على الإرهاب» بوصفها «خلايا نائمة» يزعم
هؤلاء المنظرون أن حرباً ضد إيران «ستوقظها» فتدفع ثمن هذه
الحرب فقط على قاعدة «الذنب بالولاء» Guilt by association.
أبدى السيد الشاب أيضاً خوفه المبرر على لبنان وشبّه حاله
بسفينة تتنازعها الأنواء فيما يتنازع على قيادتها عدد لا بأس
به من «القباطنة»، كل يزعم أن وجهته هي شاطئ الأمان، فيما
الأنواء تشتد وتشتد معها أخطار جنوحها وغرقها في لجة الصراع.
أبدى السيد المضيف تشاؤمه من التجاذبات التي تتحكم بمصير
السفينة اللبنانية وتضرّع إلى الله أن يكون تشاؤمه في غير محله
وأن تشهد حالة التجاذب الطائفي الخطيرة القائمة في لبنان
خواتيمها السعيدة.
كان بين الحضور رهط من رجال الدين الذين يمثلون أغلب المؤسسات
الدينية الشيعية وبعض السنية. اختصر المضيف كثيرا من الشجون
والمخاوف التي كانت تطل بخجل من جمله القصيرة والخفيفة على
أسماع الصائمين، ثم لم يلبث أن أنهى تساؤلاته القلقة وعاد إلى
صفوف المدعوين.
كان الظن أن ينبري أحد ممثلي المؤسسات الدينية لتناول ظاهرة
ضمور الحضور الشعبي إلى المناسبات الرمضانية التي كانت في سالف
السنوات تغص بالجمهور، أو لإلقاء الضوء على أسبابها، إنطلاقاً
من الخبرة في شؤون الجالية التي بنت مساجدها ولم تبخل يوماً في
تعضيدها ورفد إستمرارها بكل الإمكانات والطاقات.
لم يتطوع أي من مرشدي هذه المؤسسات في الإدلاء بدلوه في هذه
العجالة، ربما لإرتباطات بمواعيد رمضانية في المساجد أو ربما
لعدم الرغبة في الخوض في هذه الظاهرة لـ «حكمة ما».
وقف أحد الحضور من «الوجوه والفعاليات» وتوجه نحو المنبر بعد
إستئذان صاحب المناسبة، وشرع في مخاطبة الحضور من وحي
التساؤلات التي طرحها المضيف. أدلى بكلام عن تقاعس العرب
والمسلمين عن المشاركة في العملية الإنتخابية وعن التواصل مع
مراكز التأثير «لشرح قضايانا العادلة» وأسباب الحروب التي
تتعرض لها بلادنا، وسارع إلى الاستنتاج على «أن هذه الحروب لن
تنتهي طالما أن جزءاً من أرضنا لا يزال تحت الإحتلال». تحدث عن
«الشعب الأميركي الطيب» وعن القيم الأميركية «التي كنا ندافع
عنها أمام أهلنا في لبنان في زياراتنا لهم». بدا الموقف أقرب
إلى أحجية لمَ يحاول المتحدث فك رموزها: كيف أن «الشعب الطيب»
ينتج «ديموقراطية خبيثة» تعاني شعوب العالم، ونحن منها، من
أعراضها القاتلة.
كان هضم الطعام، يتقدم على «هضم الكلام». حاول المتحدث الخروج
من مداخلة سريعة بدأت بالتحول إلى مطالعة مسهبة تتهدّدها مواقف
مسبقة لا تعد بتقديم أية وصفة ناجعة لحالة البلاد المستعصية
التي نتسقّط أخبارها في غرف الإنتظار أمام شاشات فضائية تتلاطم
تقاريرها عن «المريض اللبناني» الذي إستحضرت له لجنة «أطباء
دوليين» إنتشروا في البر والبحر والجوّ ووضعوا حول معصمه
أسوارة القرار 1701.
حاول المتحدث «تصويب» الحديث عن «المحنة الشيعية» المتأتية من
حرب العدوان الإسرائيلي، بالكلام السياسي الجاهز الذي يقدم
وصفاً عمومياً لأسباب الحرب - الكارثة ويتحاشى حقيقة أن الشيعة
في لبنان باتوا منذ سنوات الثمانينات من القرن الماضي رأس
الحربة الوحيد في الصراع مع إسرائيل، ولم يكن هذا «التصويب»،
على اي حال، خارج المزاج الشيعي العام السائد في لبنان، كما في
بلاد الإنتشار، في كل مرة يتبدى القلق على مصيرهم أو التنبيه
مما قد تحمله لهم مجريات الصراع من مخاطر على وجودهم ومصالحهم،
إذ هم في عين العاصفة الأميركية الهوجاء التي تهب على المنطقة
الشرق أوسطية من نافذة الملف النووي الإيراني هذه المرة، وتعد
بالمزيد من المغامرات العسكرية التي تستهدف «مراكز قوتهم»
وعناصر «ممانعتهم» وحيث شكلت الحرب الهمجية الإسرائيلية
الأخيرة على «لبنانهم» نموذجاً لما قد ينتظرهم في قادم الأيام
والشهور طالما أن «قدرهم» قد كتب عليهم أن يظلوا في واجهة
الصراع مع الدولة الغاصبة وحيدين، وطالما أن الإنتصار الذي
حققته بنيتهم العسكرية المتمثلة في «حزب الله» في العام 200
والصمود الذي أبداه في الحرب الأخيرة، رغم كلفته الباهظة على
مجتمعهم الطائفي بكافة مكوّناته، سيبقيهم في دائرة الإستهداف
الأميركي - الإسرائيلي الذي يخشى أن يمتد ليطال مكامن قوتهم
البشرية والإقتصادية ليس في لبنان فقط، بل في أماكن إنتشارهم،
ومنها على وجه الخصوص الإنتشار الأميركي الذي حققوا فيه نجاحات
بارزة وكان حتى ما قبل الحرب المدمرة الأخيرة يشكل مصدراً
هاماً لإنتعاش بلداتهم وقراهم على «خط الصمود» الحدودي مع
إسرائيل. هذا الإنتعاش الذي تحوّل بفعل تلك الحرب المشؤومة إلى
ساحة للإنعاش مفتوحة على «حرب المساعدات» التي يخوضها بعض
العرب ومعظم دول التحالف الأميركي - الدولي على صورة وجود
عسكري ووعد إنمائي لم تشهده تلك المنطقة الحدودية اللبنانية
منذ نشوب الصراع العربي الإسرائيلي منتصف القرن الماضي.
بدا ذلك الإفطار الرمضاني الذي دعا إليه السيد المضيف من
المناسبات النادرة التي تلقى خلالها تساؤلات عن ظاهرة ضمور
الحضور الشعبي إلى المراكز الدينية. ظلت هذه التساؤلات تُتداول
همساً وكأن هنالك خشية من الإعتراف بهذه الظاهرة المقلقة
باعتبارها مؤشراً على إنكفاء عرب المدينة ومسلميها عن ممارسة
طقوسهم بالعلانية المدوّية التي إعتادوها حتى تاريخ إعتداءات
الحادي عشر من أيلول أو قل حتى تاريخ ما قبل «حرب تموز» بصورة
أقل دوياً.
جاءت الحرب الأخيرة على لبنان والشعور العام المرير الذي
رافقها بأنها حرب «وطننا الثاني» على وطننا الأول لتفاقم من
الهواجس المنتشرة، في صفوف الناس (مجنسين وغير مجنسين).
تراجعت أهمية مراكز العبادة، على ما يخشى، كأمكنة كانت الجالية
تحتفي في إطارها بمناسباتها الوطنية وتستخدم منابرها لممارسة
حرية التعبير التي ظل الدستور الأميركي يكفلها في ظن الناس حتى
11 أيلول 2001، وصارت بعده من التابوهات المحرّمة في الوعي
الجمعي لجالية لم تستكمل وعيها الحقوقي الأميركي أو لم تبدأه
من الأصل.
حدثني شخص مسن من الجيل الأول الذي عاصر وواكب تأسيس أحد
المراكز الإسلامية، المهمة في هذه المنطقة على هامش الإفطار
معلقاً على الكلام الذي قيل. قال الرجل الطاعن في السن بنبرة
الإعتراف بأجواء الحذر السائدة: نحن بالفعل نقوم بلفت نظر شيخ
المركز إلى ضرورة توخي الحذر في الخطابة «لأننا لم نعد حيث
كنا». ولأن تجنب المحظور خير من الوقوع فيه على ما تقول
الحكمة. ذلك رجل من المهاجرين الأوائل الذي يعرفون «حقوقهم»
جيداً، فكيف بالمهاجرين الجدد ممّن لم يتسن لهم الإلمام بهذه
الحقوق، وجاءت إعتداءات 11 أيلول لتطرح أمامهم هواجس ترقى إلى
تحديات الحفاظ على البقاء في «أرض الأحلام» التي شرعت تنذر
بالتحوّل إلى «أرض الكوابيس» في ظل ما يشهده الناس من حالات
إضطهاد وسجن وترحيل لـ «أتفه الأسباب» على ما كنا نظنها ولا
نزال.
بالتأكيد يلزم أن تُسمِع الجالية العربية والمسلمة هواجسها
لـ«قادتها» وأرباب مؤسساتها التي إنتصب عمرانها في قلب المدينة
شاهداً على إرادة الجاليات في البناء والإنماء والتقدم في هذه
الأرض.
ولأجل أن تسمع الجاليات القلقة أصواتها، ينبغي، بلا مواربة، أن
ينبري من هم في الصدارة، ممّن لا يكفون عن الزعم أنهم ممثلون
لها ولمصالحها، إلى مصارحة الناس ومشاركتهم هواجسهم والعمل على
إخراجها من الصدور. يلزم أن تنعقد علاقة بين المهتمين بالشأن
العام وأصحاب هذا الشأن وأن لا يترك الناس نهباً للهواجس
والمخاوف.
تلك مهمة تستدعي أكثر من كلام عابر في إفطار، رغم ملامسته
العامة للواقع غير المريح الذي يعيشه الناس، إنها تستدعي
تواصلاً دائماً مع الناس وتحويل «المؤسسات» العربية والإسلامية
إلى خلايا عمل لإبراز الصورة الحقيقية للمهاجر العربي والمسلم
وتظهيرها في إعلام أميركي يتعاطى معنا كـ«خلايا نائمة»» قد
«توقظها» حروب أميركا في بلادنا.. الى ان يثبت العكس!. |