اللبنانيون و«العيدية» والأحلام اليتيمة
عدنان بيضون
"صدى الوطن" – ديربورن / ميشيغان
السبت، 21 تشرين أول «أكتوبر» 2006

لكي نعرف ماذا سيحدث في بيروت، علينا أن نعرف ماذا يدور في واشنطن وباريس وطهران والرياض ودمشق. ولكي نعرف ماذا يدور في هذه العواصم، علينا أن نعرف كيف تفكر موسكو وبكين، ولكي نعرف كيف تفكّر هاتان الأخيرتان علينا أن نفسر كيف تتصرف بيونغ يانغ ولماذا إرتعبت طوكيو وسيول..

إنها حلقة محكمة الإغلاق لا تتيح ترف التنظير اللبناني، في الوقت الضائع، في معركة رئاسة قد لا تأتي وحكومة «إتحاد وطني» قد لا يبقى وطن «للإتحاد» حوله.

لبنان جرم صغير يدور في فلك «العالم الأكبر»، ولا ينطوي هذا «العالم» في لبنان كما قد يتمنى بعضنا على الطريقة الشاعرية. لبنان بلد بات يعد أهله الأيام ليكتشفوا نوع «العيدية» التي بشرهم بها رئيس مجلسهم النيابي نبيه بري. «العيدية»، إذا دققنا قليلاً، تحمل صفة المؤقت، على أي حال، ولا تنطوي على إستمرار. يفرح الناس بالعيد وبـ«العيدية» ثم يغادرون فرحهم، أو يغادرهم، بانتظار العيد القادم.

الرئيس نبيه بري صادق في وعده، وهو لا يهدأ، على غير عادته، من التجوال في العواصم العربية والعالمية لأجل إجتراح «شيء ما» أي «شيء» ليطمئن اللبنانيين إلى حاضرهم على الأقل. أما المستقبل فرهنٌ بأكثر من مشروع أو فكرة تتراوح حدودهما بين فرض عقوبات على بعض الدول (إيران، كوريا) وخوض حروب جديدة ضدها، أو ضد إحداها تبعاً للمتيسر في جعبة الإدارة الأميركية من خطط قابلة للتنفيذ، وإن تكن غير واضحة أو مضمونة النتائج.

ربما يتوجب على اللبنانيين في هذه الآونة العصيبة أن يكثروا من الصلوات كي يهدي الله كيم جونغ إيل وجورج دبليو بوش قبل أن يهتموا بمعركة رئاسة جمهورية أو تشكيل «حكومة إتحاد وطني»، وعليهم أن يضعوا أيديهم على قلوبهم كلما لاح طيف أحمدي نجاد على منبر، منظراً لإزالة إسرائيل عن الخارطة، ليس رغبة منهم في بقاء إسرائيل، بل خوفاً من زوال لبنان في المعمعمة التي ستجلبها حروب الوجود إذا قدّر لها أن تتحوّل من شعارات إلى خطط عسكرية وحروب تنفيذية. لنتذكر هنا أن اللبنانيين منقسمون حول التفاصيل الصغيرة من نوع التعيينات القضائية والربط الإلكتروني بين المؤسسات الأمنية فكيف بالقضايا الكبرى ومتفرعاتها؟

مع ذلك، لا يُلام اللبنانيون إن هم إنتظروا «عيدية» من المسؤول شبه الأوحد الذي لا زال يحافظ على عدد من «شعرات معاوية» في لعبة الشد والجذب العنيفة بين أطراف الإنقسام الداخلي، ويحاول تمتينها بالحيلة والدهاء. لا بأس من انتظار «عيدية» بري، حتى لو كانت قطرة باردة على الصفيح اللبناني الساخن.

تراوحت أمنيات اللبنانيين حول نوع العيدية، بين لقاء يجمع النائب سعد الحريري بالسيد حسن نصر الله فيفقأ دمّل الإحتقان المذهبي، أو بين السيد نصر الله والنائب وليد جنبلاط فيبرد الإحتقان الطائفي-السياسي. البعض أفرط في التفاؤل، فتكهّن بعيدية دسمة تحمل إنتخابات رئاسية وحكومة إتحاد وطني وإنتخابات نيابية مبكرّة في سلة واحدة.

الرئيس بري، وهو يجول بين العواصم، كانت تصله أخبار التمنيات المعقودة على «عيديته» وهو لا يرضى أن يقوم بدور طابخة الحصى لتنويم الأطفال الجياع، في غياب المواد الأولية للطبخ. ويدرك بري أن النوم اللبناني تحت تأثير ارتجاج «الدماغ الوطني» يحمل مخاطر عدم الإستفاقة، ودخول الكيان اللبناني المريض في «كوما» مستديمة. يحاول بري الحفاظ على يقظة أعضاء الجسد اللبناني المترنح تحت تأثير أحدث وأشرس الحروب ونيرانها المستعرة في شرايينه.

في أحدث تصريحاته، من باريس، إلى محطة «العربية» عن أهداف زيارته الأخيرة إلى السعودية، تحدث بري عن ثلاثة أهداف: وحدة المسلمين داخل لبنان على ضوء ما يجري في العراق من تشظٍ، ينعكس على لبنان، الإعتداءات الإسرائيلية المستمرة الهادفة إلى تفكيك الوحدة الوطنية، وهذا هو المنفذ الدائم لكل حروب إسرائيل ضد لبنان، والهدف الثالث محاولة إيجاد إختراق في جدار العلاقات السعودية-السورية لكي تستقيم، بالتالي، العلاقات اللبنانية-السورية.

ذهب الرئيس بري أبعد من ذلك، للحديث عن المبادرة السعودية للسلام في المنطقة التي أطلقت في قمة بيروت العربية عام 2002، معوّلاً على لمّ شمل العرب لمواجهة إسرائيل بسلاح هذه المبادرة.

لنلاحظ هنا كيف أن «أعقل» الساسة اللبنانيين الدكتور سليم الحصّ فاجأ تظاهرة يوم القدس في قاعة الأونيسكو، برفض هذه المبادرة «لأنها لا تعيد كامل فلسطين إلى العرب».

لمّ شمل العرب، إذن، هو بيت القصيد. هذا ما كان يدركه بري عندما بادر إلى لملمة الحوار من الشوارع ونقله إلى طاولة الحوار الداخلي، فتسلى اللبنانيون لأشهر بمشاهدة زعماء طوائفهم، وهم يتبادلون البسمات والقبل عند افتتاح الجلسات، قبل أن يعود تجهّم الوجوه بعد الحرب ليفرض نفسه أمام الكاميرات في المؤتمرات الصحفية التقييمية والإطلالات الإعلامية حول الحرب ومعاني النصر ومقادير الهزيمة ثم عن الحوار وأهدافه والمرجو منه.

كان ذلك قبل حرب تموز الأخيرة. للحرب ما بعدها، وأهمه أن أي عودة للحوار باتت سراباً في ظل الإنقسامات اللبنانية الحادة حول «لون» لبنان و«طعمه»، بل حول أسس وجوده ومبرراته، وعلى ضوء التصحّر الذي يضرب العلاقات العربية، وفي أجواء دولية متوترة ترافقها قرارات لا يتعب مجلس الأمن في إصدارها، وربما كانت أساطيل القرار 1701 إحدى أقل تعبيراتها حدّة في التعامل مع مفاعيل الأزمات المندلعة من بيروت إلى طهران، وصولاً إلى بيونغ يانغ.

بيروت مقبلة على أيام صعبة سياسياً وأمنيا. لنتخيّل كيف أن وزير الأمن الداخلي اللبناني (الداخلية) يتحدث عن «وصيته» المتروكة في مكان ما، يشرح فيها «التهديدات الجدية» التي يتلقاها، وكيف يبدي خوفه على رئيس حكومته. أيّ أمن بعد ذلك سيراهن عليه اللبناني من درجة «مواطن عادي» إذا كان الوزير يدق ناقوس الخطر على حياته وحياة رئيس حكومته؟

ثمة غيوم سوداء داكنة تتلبد في السماء اللبنانية، تنذر بهبوب عواصف أمنية وسياسية لم يشهد لبنان مثيلاً لها منذ نهاية حربه الأهلية عام 1990، إذا إستثنينا «حرب تموز» بصفتها «حرباً خارجية»، بدا كل لبنان عرضة لها وكان من «حسناتها» أن نحّت الأزمات الداخلية لفترة ثلاثة وثلاثين يوماً. هذا ما «تبشر» به كل المواقف المعلنة التي لم يعد يجمع بينها غير التوتر وفقدان الثقة.

لا تفلح وعود رئيس المجلس النيابي بـ«عيدية» في تهدئة المخاوف من الشوارع المتقابلة التي يهدد بعضها بعضها الآخر، ويرد عليها بتهديدات مماثلة، ولا يقنع الرئيس السنيورة جمهور المصابين بدمار الحرب بقيمة التعويضات، فيرد هذا الجمهور «كيد» التعويضات إلى نحره. تبدو «حرب البناء على الرمل» في الضاحية الجريحة أول «الغيث» «للحروب الشعبية» لأجل إسقاط الحكومة وهدم سراياها فوق رأس الأكثرية الحكومية التي يقاوم رئيسها بسلاح إعادة الإعمار و«باريس-3» ولكنها لا تلقى إلا المزيد من الطعن والتشكيك والدعوات إلى الإسقاط.

يُخشى أن اللبنانيين مقبلون، والحال هذه، على العيش في ظل «نظام تعويضات» شبه مستديم، وفي جدل عقيم لن ينتهي، إذا لم تنتظم علاقاتهم ضمن دولة واحدة يقبل بها الجميع، دولة يجب أن لا تبقى مجرّد مشروع متداول له حظوظه من التحقق مثلما له حظوظه من الإخفاق! ويجري تداوله في وسائل الإعلام شأنه شأن المشاريع الكثيرة للطوائف والتي تنبني بمعظمها على الدم والخراب والإستتباع والإرتهان لقوى الخارج.

أما الطوائف فقادرة على لملمة جثث قتلاها وحسب، بانتظار تبلور مشاريع «الكبار» فوق ساحات إنقسامها.

هل تفعل بغداد غير ذلك هذه الأيام؟

مع ذلك، لنحلم بـ«عيدية» ولو كانت «طبخة حصى» يداري بها الرئيس بري خوفه على لبنان ومن جوع أهله الى الأمن والاستقرار، وطالما أن الحلم هو آخر ما تبقى من خيارات أمام المتعبين من حروب الآخرين على أرضهم.

أرسل المقال أرسل المقال إلى صديق: 

Main Page