|
إن ثمة انقطاعا تكوينيا قد
حصل بين الدين وأسسه الروحية وبين الطائفة كإطار جمعي ينحكم
لهوية، دينية هنا. فالدين هو، ولنبقى في الإطار الإسلامي، قد
تأسس أولا على وحدة الربوبية " ... إذ قال لبنيه من تعبدون من
بعدي قالوا نعبد إلهك واله آبائك إبراهيم وإسماعيل واسحاق إلها
واحدا ونحن له مسلمون ( ...) وقالوا كونوا هودا أو نصارى
تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا (...) قولوا آمنا بالله وما
انزل إلينا وما انزل إلى إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب
والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا
نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون (...) إلهكم اله واحد لا
اله إلا هو الرحمن الرحيم..." سورة البقرة آيات 133، 135، 136،
163. و ثانيا على وحدة البشرية ووحدة الإنسان، هنا يمكننا أن
نغرف من القرآن والأحاديث النبوية الكثير من البينات على ذلك:
" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله اتقاكم.." سورة الحجرات,
آية 13. أو "إن أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي فضل على
أعجمي إلا بالتقوى..." أو في الحديث النبوي المشهور: "ليس منا
من دعا إلى عصبية". وأخيرا في الدين هناك المدماك الأساسي
والناظم لوجوده وهو تلك الرابطة الوثقى بين الخالق الكلي
القدرة من جهة، وبين الإنسان بفردانيته العاجزة والواعية
لعجزها من جهة أخرى، لأنه بالأصل قد "خلق الإنسان ضعيفا" سورة
النساء, آية 28. ولأنه قد "... خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف
قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا..." سورة الروم, آية 54. إن
الفردانية المؤمنة المتدينة هي الخاضعة المستسلمة ( المسلمة)
لمشيئة الله "الجبار". وبالتالي إذا القينا نظرة بانورامية
على أركان الإسلام الخمسة فإننا سنجدها حتما فردانية للوهلة
الأولى وفي غايتها النهائية ولو أنها تبدو كونية، أو جمعية.
إن عامل الربوبية لدى الطائفة والذي قد كان أساسا في تكوينها
الأولي يفقد محوريته تماما في تموقعها هنا – الآن وبالتالي إن
العلاقة الشرطية, وبحسب "أصول الدين", بين معتقد الطائفة
الأصلي وتشكل الجماعة تخبو فعاليتها، لا بل إنها قد تكون في
ضمور واضح، هذا إذا لم نقل في كبح شديد, وخاصة عند الاحتكاك
مع خارجٍ طوائفيٍ نشط.
إن الطائفة ليست هي بدين ولو ادعت ذلك، لأنها حبيسة مبدأ
التمييز والتراتبية للزمان أو للمكان أو للجماعات أو للأفراد.
إن هذا المبدأ يفصلها كليا عن الدين ويسلحها بعكسه هو، بجملة
من الأحكام المسبقة عن الذات والآخر ضرورية لانشطار الوجود
تراتبيا وفئويا أو عنصريا. إن الطائفة محكومة أيضا لمبدأ
التعميم والذي قد سبق أن رفضه الدين رفضا باتا. بحيث أن الفرد
يحيا أو يموت, من منظور طائفي، ووشمه الجمعي ملاصق له لا مناص
منه، و لا تفلت، بحيث تنتزع منه كل إمكانياته واحتمالاته
وفرادته التي قد تميزه عن الشبيه أو عن المختلف. وبالتالي إن
الطائفة تبدو أمينةً لقانون تحنيط العلاقات. تحنيط الآخر
يتمظهر وكأنه غير جديرٍ بالتحول الممكن والتغير الايجابي. انه
يرمز "للاعوجاج" الضار وضرره يكمن أيضا في "سرمدية" اعوجاجه،
بينما تحنيط الذات فإننا نراه في تأبيدها لوهم الرفعة والشأن
والاستقامة الذاتية. بمعنى آخر, إن الطائفة تتلبّس الدين
كمطية, ومن خلاله تُشرعن هاجسها الاقتحامي، وتشطر عالمها إلى
فسطاطين بحيث أن الصفاء والعلو هو فسطاط الذات الطائفية وأما
الاسوداد والضعة فيسقطان على ذاك الفسطاط "الخارجي".
إن الوثنية أو الجاهلية المتجددة التي تتوسل إسقاط دين الوحدة
(للإنسان ومصيره) والتوحيد (الله الأوحد و الواحد) تأخذ من
الطائفة وسيلتها الفضلى، حصان طروادتها لكي تهزمه. لذا نرى كيف
ينكفئ المقدس ونصه لحساب أسطورة الطائفة و "سفر تكوينها"
وحكاية نشأتها وتطورها. مع الطائفة النص المقدس لا يكفي بذاته،
يعتريه, واستنادا لمنطقها, النقص في "تامين الضمانات" لوحدة
الجماعة وسيطرتها على دنياها, لذا فان من فاعلية أسطورتها هي
بان تقدم لأفرادها كل ما يلزم من الشحن النرجسي وذلك من اجل
التموضع الفعال تجاه الآخر، وبشكل يبقيهم خارج الشك والتساؤل
أو التقدير لمتطلبات وحاجات هذا الآخر. إن الشحنة العاطفية
والانفعالية التي يحصل عليها الفرد من طائفته تكفيه ذاتيا إلى
درجة القدرة على استلهام ومجاراة كلية القدرة الإلهية. إن
الطائفة بأسطورتها عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها، تعمل على
تعزيز وتكثيف الشعور بالاقتدار وبإبقائه وقّادا لدى أفرادها.
هذا وفي الوقت نفسه إنها تعمل على إعادة هيكلة الداخل الطائفي
فرزا وصقلا وتجييشا وبشكل دائم بما يتلاءم مع هذه الحاجة
المفبركة للشعور بالاقتدار وبالتموضع في مواجهة الآخر.
إن العقل الطائفي لا يمكنه تقبل الشعور بالعجز أو بالوهن، لأنه
مدمن على الشعور بالعظمة وبالسطوة، بينما العقل الديني فانه
يخلد طبيعيا للشعور بالخضوع والضعة أمام الجبروت الإلهي. فإذا
كان الطائفي يبحث دائما عن اشباعات حيثية ومباشرة وذلك من خلال
الذوبان في عصبية امومية ارتدادية وفي وهم الأمن الطائفي، فان
المؤمن أو المتدين فيكفيه رأفة "الجبار" و"مشيئة" "الحافظ". إن
التوظيف المفرط للشعور بالأمن لدى الطائفة هو ضرورة حيوية من
حيث كون هذا التوظيف يأتي أولا كتشبث بمفاتن دنياها، وثانيا
كتفلّتٍ من الواجب الديني بالاستسلام التام لكلية القدرة
الإلهية, وثالثا كانعكاس لوهم جبروتِ الجماعة وعظمتها. هنا ثمة
التباس لا واعٍ قد بدا في العقل الطائفي, ألا وهو أن التماهي
أو التقرب حصل مع سمة الجبروت وليس مع الله نفسه.
إن العقل الطائفي يمتاز بمديونية ضخمة تجاه الآخرين وهذا ولو
انه يقتات من إنكاره لها. إن بنيته النشوئية والسردية ومنطقه
وقصديته في دفاعاتها واجتياحاتها تأسست حصرا عبر التفاعل مع
الآخر, فلو نظرنا إلى المشرق العربي فإننا لن نصطدم بصعوبات
كبيرة لكي نتأكد من انه لا يوجد هوية أو كينونة أو كيان طائفي
بمعزل عن لعبة الطوائف وتفاعلها. إن أسطورة أو حكاية أو حيز
"جغراطائفي" أو لغة تواصلية فئوية, ما هو إلا وجه واحد لذات
اللعبة الطائفية. فخارج هذه اللعبة تبقى الطائفة غير قابلة لا
للتشكل ولا للتحديد, أي تبدو دون نبض.
إن الطائفة بوجهها المسلم, والتي هي أيضا كالكنيسة
الكاثوليكية, تعتبر أن ليس ثمة حقيقة خارج جدرانها. إنها تكتفي
بذاتها وتعتاش من صورتها الانشطارية عن ألذات – الآخر. إنها لا
تحتمل التمايز والتعدد في داخلها، ولا تحترم للخارج تنوعه
واختلافه. في الداخل الطائفي، إن المجموعات وحتى الأفراد يبقون
قيد "الإقامة الجبرية" بحيث أن لا منفذ لهم سوى الصادر من
حقيقة الطائفة وهويتها، وبان التحليق خارج السرب يفقدهم الوزن
والحماية. أما في الخارج الطوائفي فان الآخر، جماعات أو
أفرادا، يتجمد في اختلافه، ذاك الاختلاف السلبي. في التفاعل
الطوائفي البارد إن الآخر هو دائما مشوّه الكينونة، ناقص
الهوية. وبالتالي كل علاقة معه تبقى معلقة بين الخشية والريبة
منه وبين التربص والانقضاض عليه.
من هنا نجد إن إحدى مصائب العقل العربي تقع في عملية تطييف
وجوده وفي عجزه عن الإمساك بها أو تحييدها. نعم إن الطائفة هي
غلبة الوهم على العقيدة، والشعور على الإدراك، والنزوة على
العقل. الطائفة هي الهجرة من جنة الفكرة الربانية إلى جهنم
الرغبات الغرائزية, من إرادة السماء إلى غريزة البقاء.
* الدكتور محمد نعمة ـ باريس، مدير مجلة مدارات غربية |