|
لم يكن جوزف سماحة صحافياً
لامعاً ومحللاً أريباً وحسب. كان أستاذاً في التربية الوطنية
والسياسية لجيل من اللبنانيين والعرب بأكمله.
أشهدُ أنه أسهم، إلى جانب ثلةْ من رفاق دربه، في تشكل وعينا
الوطني والسياسي، نحن جيل الحرب الأهلية الذين لُذنا
بافتتاحياته التنويرية من حالة الضياع والموات الوطني، مثلما
كنا نلوذ بملجأ أو طابق أرضي، إتقاء موت عشوائي عابر في بدايات
ومتون الحرب الأهلية.
شكّل إسم جوزف سماحة في أسفل الإفتتاحية على صدر «السفير»
اللبنانية، في فترة ما عرف بـ«حرب السنتين» (1975-1979) بوليصة
تأمين على أفكارنا الطرية من اليباس، واليأس بلبنان واحدٍ
عرفناه، في الثانوية ودار المعلمين والجامعة وخفنا أن نفقده
على حواجز القتل على الهوية الطائفية في تلك المرحلة المظلمة
من الصراع الأهلي.
أذّن جوزف سماحة في قلوبنا كل صباح أن حيّ على الوطن، فأطفأ
بحبره الكثير من حرائق الكفر بالوطن الصغير التي حاصرته
وحاصرتنا داخله وأشعتلها أيادي المؤامرات والفتن ولا تزال منذ
العام 1975.
أوغل جوزف سماحة في عشق وطنه اللبناني والعربي الأكبر وأمعن في
معاينة معاناة شعبه الذي ما رآه يوماً إلا واحداً رغم كثرة
الحواجز المصطنعة بين «دوله» وكياناته، فبات قلمُه مبضعاً
لإستخراج القيح من دمامل التخلف والإرتهان والخنوع التي طفر
بها جسد الأمة منذ أن صار نهباً للمشاكل والأزمات وجاذباً لكل
جراثيمها وأوبئتها.
بالكلمة-الطلقة والجملة-الحكمة صاغ جوزف سماحة للصحافة العربية
الحرة أسوارةً من ذهب المواقف وخاتماً من وفاء الإلتزام بقضايا
أمته، لم يصدأا على أعتاب السماسرة أو يبهتا أمام مغريات
المناصب.
جوزف سماحة كان حبل السرة الذي ما انفك، حتى آخر قطرة من حبره،
يصل بين الوطن - الحلم المقيّد على أرصفة المشاريع المعجلة
والمؤجلة، وبين التواقين إلى لثم ضرع الإنتماء إليه. لم يتعب
هذا الفارس العروبي العلماني الديمقراطي حتى نقيّ العظم، من
الخوض على منابر الفكر الحرّ والإبداع المجبول بعرق البحث
والإستقصاء ليقدم عصارة جهده نشيد إيمان بقضية العرب المركزية،
فلسطين. هي التي صاغت بواكير وعيه وأطلقته إماماً في «صلاة»
عدالة لا تنقطع، من أجل الإنتصار لها وإحقاقها مهما طال زمن
الظلم.
غاب جوزف سماحة بكل حزنه المقدس وصبره النبوي وإصراره
الأسطوري، في عز الحاجة الوطنية والقومية إلى القلم السيّد في
زمن عبودية الأقلام وإرتهانها. قال جوزف سماحة آخر كلماته..
أطلق آخر رصاصاته من جعبة القلب، ومشى بهدوئه المخيف نحو خاتمة
الملحمة ليسقط عند آخر «نقطة على السطر»، تاركاً آفاق النصوص
مفتوحة على يُتم الملايين من الأسطر التي ثكلها غيابه المدوي،
وحرمها من نقاطه الواضحة في معمعان الإلتباسات وعمى الألوان
التي أعمل الراحل الكبير قلمه - السيف في تشتيت غموضها وفرز
ألوانها وتعريتها أمام قرائه من محيط العرب إلى خليجهم،
بالتماعة الفكرة وشمول الثقافة وسلاسة النفاذ.
رمى الموت سهماً صائباً نحو من لم يخطئ التصويب في حياته
النضالية الفكرية الطويلة. تسلّل إلى نعاسه مثل إرهابي. من قال
بان الموت ليس إرهابياً عندما يفجّر قلوب الأنقياء في غفلةٍ من
إنتباهتهم ومن إستراحة أقلامهم في هجعة الرقاد؟
«الآن هنا..» ترويسة إفتتاحيته في صحيفة «السفير» كانت تشي بأن
جوزف سماحة يأخذ بعقل القارئ من نقطة ما التبس فيها عليه فهم
إحتشاد الأحداث وتلاطم مدلولاتها، وتجمدت عنده الطاقة على فك
رموزها، لكأن جوزف يسرع إلى النجدة وإلى نقل المصابين بدوار
المواقف والآراء إلى قسم «طوارئه» وعنايته معيداً إليهم عافية
التركيز بجرعة من رؤيته ورؤياه.
إفتتاحية جوزف سماحة باتت لقاح مناعةٍ ضد أمراض التسمم
الطائفي، يحقنه في شرايين القراء صباحاً بصباح، ويُواكب حالتهم
بحديث النقاهة الموصول، الذي لا يمل ولا يتعب من الإتيان بكل
جديد من غنى المعلومات وحصافة التحليل، إبهامه أبداً على الجرح
العربي وسبابته تشير إلى عطاري السياسة، تفضح زيفهم، وعيناه
ترنوان إلى البعيد القصي للقبض على مشتبهي الجريمة المتمادية
بحق قضية أمته متلبسين بنصوصهم واعترافاتهم.
«خط أحمر» في صحيفة «الأخبار» التي أسسها قبل عام على طريق
حلمه بإرساء ثقافة إعلامية عربية متحررة من سطوة السياسة
والمال كان خط دفاعه الأخير الذي رسمه بحبر القلب وهو يرى إلى
جبال التداعيات والإنهيارات تصيب الأمة مهددة بالإطاحة بنضالات
عقود طويلة إنتظم فيها قلمه وقلبه ولسانه وأبلى فيها أحسن
البلاء.
مملّة ستكون صباحات الصحافة بلا توقيع لجوزف سماحة على
أوتوغرافات العيون لملايين اللبنانيين والعرب من قرائه...
معتم فجرهم بعد إنكسار شعاعه وتلاشي ضوئه في عتمة بحثهم عن
تفسير مقنع وتحليل سليم لما يدور بين ظهرانيهم من أحداث.
جوزف سماحة، هل أتعبك الرقص مع الدببة فاخترعك الموت نصاً
للقراءة الأخيرة، أنت الذي اخترعت، من نصوص الموت نصاً دائماً
للحياة؟
أرقد بسلام! |