|
يوم كانت بنت جبيل شريطاً حدودياً، يتعذر علينا الوصول اليها،
ناجيتها بوجع البعاد وحرقة القلب: ايتها الأسيرة المخطوفة،
اليك نسافر بأشواقنا كل يوم، تحوم ارواحنا في سمائك، تطوف
خيالاتنا في رحابك، تسعى افئدتنا الى دنياك، ونتعبّد ونبتهل
ونصلي فوق ترابك ونحن مأخوذون في دوار الأوهام والأحلام!!
اليك ترحل عيوننا كل صباح، أيتها المصلوبة على شريط الأحزان،
تنقلنا الى مرابع الطفولة ومدارج الصبا، تعيدنا ـ كما كنا ـ
صغاراً، نتنقل كالفراشات في الحقول والكروم، نطارد العصافير،
نسرح ونمرح، نغني ونلعب، نجوع ونعطش، نتعب ونرتاح!
كل ما فيك يستدعي أزهى الذكريات، يوقظ مشاعرنا ويرسم أحلى
الأماني... اتصدقين اننا نشتاق الى حجارتك، وغبار سوق الخميس،
ونحلم ان نتلاقى في شوارعك وزواريب الطرقات، على درب العين،
وكــروم الوادي، وبيادر صف الهوا، ومسالك المنتزهات ونرتــاد
الأماكن المطبوعة صورها في اعماقنا، الماثلة رسومــها في
خواطرنا، المحفورة دُناها في نفوسنا، الراســخة معالمها في
ذاكرتنا، والتي نحملها على الدوام معــنا انّى كنا وحيثما
أقمنا في الوطـن او بعيــداً في المغــتربات والمهاجر.
وفي عرس التحرير، عندما عادت الأسيرة الى حضن الوطن ـ بفضل
التضحيات الكبيرة والدماء الزكية والبطولات العظيمة ـ تنشّقنا
هواء الحرية وقبّلنا التراب والحجارة وجذوع الاشجار وأكمام
الأزهار، وشاركنا العصافير تغريدها بمواسم الأفراح!
وكدنا لا نصدق ـ لفرط سعادتنا ـ انه صار بوسعنا ان نؤوب الى
بنت جبيل عندما نريد، في الوقت الذي نريد، دون حواجز ومصاعب
وممنوعات... كنا خائفين على هذه النعمة، ضنينين بهذا الفرح،
تمــاماً على قدر وعينا وإدراكنا لمعنى الانتماء للأرض
والالتصــاق بالتراب لأننا عانينا أوجاع البعاد، وآلام
الغــربة في داخل الوطن خشية ان يعترضنا قــهر جديد، او فراق
على غير انتظار تخـبئه سـود الأيــام او غدر العــدو اللئيم!!
وكانت الأحداث لنا بالمرصاد، فصحّت توقعاتنا واجتاحتنا جحافل
الحقد والانتقام، وصبت جام غضبها علينا، دولة ومؤسسات وجسوراً
وبيوتا ومواطنين ـ أطفالاً ونساءً وعجزة ـ ومقعدين في الملاجئ
والمستشفيات، او هائمين على الطرقات، فطاول الهدم والحرائق
والتدمير مسارح البطولات وميادين المقاومة على امتداد مساحة
الوطن، إمعانا في إزالة قوى او دساكر عن الخريطة... وكان نصيب
بنت جبيل وعيتا الشعب وعيناتا وفرون والغندورية مرعباً بعد ان
دمرت معظمها الطائرات والمدافع والقنابل والصواريخ، والتهمتها
النيران ولفها سواد مقيم، لتغدو ركاماً سد المعابر، وأقفل
الطرقات ومحا أحياء وغير معالم وابتلع آثاراً وسرق الذاكرة
والذكريات!!
ما بقي من البيوت المبتورة والمشوّهة والمخلّعة والممزقة
بالشظايا كان عبارة عن أطلال، وما سلم نسبياً ـ على قلّته ـ
شكّل حافز المعاندة والصبر والصمود والتصميم على البقاء.
حرائق بنت جبيل، وركام بيوتها، وحجارتها المتناثرة على الطرقات
والساحات تنتصب فوق ترابها الأغبر، المتشح بالسواد، والعابق
بأطياب الدماء، تنتصب كمآذنها الجريحة المبتورة، وتنادينا
وتشدنا اليها لنعود ونستعيد ذاكرتنا وننطلق من جديد.
وبالأمس تناهى إليّ، ان اعتداءات جرت على مباني تراثية في بنت
جبيل كانت سالمة بمعظمها، فهدمت دون وجه حق، وسرق قسم من
حجارتها القديمة، مما جعلني اتساءل عما اذا كنا نكمل ما بدأه
العدو ونعمل على إزالة بيروت ومعالم تاريخية ونمحو دياراً
وذكريات وروابط، ونقطع النياط التي تربط القلوب بالأرض التي
حضنت أجدادنا وآباءنا وأولادنا؟
هذا القطع مع الماضي يمثّل بتراً لكل تواصل بين الأجيال، وهذا
المحو للذكريات والذاكرة يشكل اغتيالاً لأقدس مشاعر الانسان،
وافتئاتاً على قدسية الروابط بين الناس.
نحن نريد ان نرى بعض تراث بنت جبيل، بقايا زواريبها، ونمط
بيوتها، وأشكال ساحاتها التي كانت تنبض بحركة التاريخ ـ نحن
هذه الأيام ـ مثل البدوي الذي ارتحلت قبيلته ـ نحب ان نشاهد
بعض ما ترك السلف، نحب رؤية الأطلال ومطارح الذكريات وساحات
الفرح والأحزان نحن نخاف من إزالة التراث، نرتعد من إلغاء
الذاكرة ومحو الذكريات!! فكيف إذا كان القرار اعتداءً وظلماً
واغتصاباً... نحن لا نصدق ان جرافات اليوم تقوم بعدوانية لافتة
بإزالة بيوت ومبان اثرية وتغيّر معالم البلدة وتكاد تكمل ـ ولو
عن غير قصد ـ ما كانت تقوم به جرافات العدو؟!
لك الله يا بنت جبيل التراث، ولا سامح الله المعتدين الذين
يغتالون ذاكرتنا ويريدون محو احلى ذكرياتنا! |