|
حين وجهت دورية «فورين بوليسي» (السياسة الخارجية) في عددها
الاخير سؤالاً «من أنتصر في العراق» لعشر شخصيات ـ ليس بينهم
عراقي أو عربي ـ تراوحت الإجابات بين من اعتبر المنتصر
الديكتاتوريات العربية أو إيران أو صامويل هانتينغتون أو
إسرائيل.
وفيما يدخل الاحتلال الاميركي للعراق عامه الخامس، تتبدى عودة
الطائفية إلى المشهد السياسي العربي، كأحد أخطر الظواهر التي
أنتجها الاحتلال، حيث منح البعد الطائفي ثقلاً مهماً ـ متخيلاً
أو حقيقياً ـ في تشكيل الصراعات السياسية وبناء التحالفات
الإقليمية بشكل غير مسبوق منذ حرب الخليج الأولى بين العراق
وإيران.
يسيطر خطان أساسيان على النقاش العام، لا سيما في الولايات
المتحدة، المتعلق بطبيعة الدور الذي يؤديه العامل الطائفي
والمذهبي في فهم الواقع السياسي في المنطقة. المنظرون لمركزية
البعد الطائفي يرون بأن المفاهيم القديمة التي يتم من خلالها
محاولة فهم الواقع السياسي في العالم العربي، مثل السلطوية
والفساد والاحتلال والقومية، لم يعد بإمكانها توضيح الصراعات
والتحالفات في المنطقة وأن هناك مفهوماً لم يعد بالإمكان
إغفاله ألا وهو «الصراع القديم بين السنة والشيعة الذي يشكل
التحيزات والتصرفات الفردية وكذا التحالفات الإقليمية». هكذا
كتب والي نصر عضو مجلس العلاقات الخارجية وأحد مهندسي نظرية
«الصعود الشيعي».
المروجون لهذه الفكرة هم الفريق التقليدي من المنظرين
للمحافظين الجدد. ويعتمد هؤلاء مقولة مفادها أن الصراعات التي
تغذيها الهوية الطائفية، مثلما هو الحال في العراق، سوف تشكل
خطوط الانقسام الأساسية في المنطقة. وفق هذه الرؤية، يفسر
السلوك السياسي لكل من حزب الله وإيران باعتبارها نتاج «عملية
إعادة إحياء الهوية الشيعية». وبالمعنى ذاته، يتم تفسير تنديد
السعودية بحزب الله واتهامه بكونه أقدم على عمل استدعى العدوان
الإسرائيلي على لبنان في تموز الماضي على أنه ينبع من قلق
الرياض من تزايد النفوذ الشيعي في لبنان.
حتى جهود الوساطة السعودية بين كل من فتح وحماس فسرت على أنها
محاولة لاستعادة النفوذ «السني» على القضية الفلسطينية. وبحسب
مارتن أنديك مدير معهد سابان لسياسات الشرق الأوسط، وأحد حلفاء
إسرائيل، في مقابلة مع «نيويورك تايمز»، فإن «السعودية حاربت
من أجل استعادة حماس». وأضاف أن السعوديين انطلقوا من القلق
على تزايد النفوذ الإيراني على الموضوع الفلسطيني وأن حماس قد
تكون «متطرفة» ولكنها في كل الأحوال «سنية».
لا تخلو هذه الرؤية من تبسيط وهي ترى المنطقة من خلال كونها
كيانات لم ترتق الى مستوى الدول، بمعنى أن العرب ليسوا سوى
طوائف ومذاهب وعشائر ولا يمكن فهم السلوك السياسي لهم بغير هذه
الطريقة. الخطورة تكمن في أن قسماً من النخب العربية تبنى
الخطاب الغربي حتى بات تقسيم الشعوب والنظم العربية عبر الهوية
الطائفية والمذهبية، جزءاً من الخطاب الإعلامي والسياسي لبعض
وسائل الإعلام العربية.
منتقدو هذا الطرح يعتبرون أن هناك طريقتين لمقاربة التاريخ
العربي، هما التفتيت والتوحيد. ففيما اعتمد المستشرقون في
فهمهم للمنطقة منهجية التفتيت والتصارع حيث يتم استحضار حوادث
تاريخية غير ذات صلة بما يحدث ومحاولة قراءة الخلاف الحالي،
الذي هو بالأساس سياسي واجتماعي وطبقي، عبر تلك الحوادث.
بالمقابل هناك منهجية يعتمدها القوميون والإسلاميون وهي تقر
بأن المنطقة كتلة متجانسة وترفض الاعتراف بالتنوع.
أما منظرو الخط الثاني فهم في حين لا ينكرون بأن هناك دوراً ما
قد تقوم به الهوية الطائفية في تغذية بعض النزاعات، إلا أن
هناك عوامل أخرى مهمة مثل أهداف السياسة الخارجية للدول
والنزاعات المزمنة في المنطقة كالصراع العربي الإسرائيلي
والديموقراطية. عامل آخر هو توازن القوى في المنطقة وهو قد
يفسر الحرص السعودي على الحد من نفوذ طهران أكثر مما يفسر
العامل المذهبي.
وثمة عامل أكثر أهمية يتعلق بسعي بعض الأنظمة العربية الفاقدة
للشرعية الشعبية للبحث عن سبل لإدامة حكمها. من هنا يمكن تفسير
ان تبنيها للخطاب المذهبي والتشجيع غير المباشر لخطاب إعلامي
مناهض للشيعة ومعاد لهم، حتى في دول ليس فيها ثنائية الشيعة
والسنة، لا يعود بالضرورة لسبب طائفي أو مذهبي أو حتى خوف
حقيقي من صعود شيعي متنام وإنما هو بالأساس له علاقة بسعي هذه
الأنظمة إلى البحث عما يدعمها.
فإذا كان من متطلبات المرحلة تبني خطاب مذهبي فليكن طالما أنه
سيحفظ النظام من الزوال. هذا ما يفسر كيف أن بعض الأنظمة
العربية باتت تتصرف على أساس أنها حامية حمى «الإسلام السني»
ضد «الخطر الشيعي» مثلما كان الجهاد ضد الشيوعية في وقت ما هو
صك الغفران الاميركي. الآن صارت «السنية» هي كلمة السر التي
تطيل عمر أنظمة.
قد لا يكون الخطاب حول الطائفية بالجديد على المنطقة. فقد تعرض
العالم العربي لـ«نوبة» من الحمى المذهبية خلال حرب الخليج
الأولى حين حاول صدام حسين، مدعوماً ببعض الدول الخليجية
والولايات المتحدة، خلق رأي عام عربي مؤيد له عبر تبني الخطاب
المذهبي المناهض للشيعة ونشره عبر البعض من الإعلاميين العرب
المدفوع لهم سلفا.
غير أن هناك عاملا جديدا هذه المرة يتمثل في ما يتم توصيفه
بأنه دور متصاعد للشيعة العرب في رسم السياسات في الشرق
الأوسط. وقد قدمت توصيفات عديدة لهذا الصعود بعضها صادم مثلما
قاله الملك الأردني عبد الله عن «الهلال الشيعي»، فيما ظهرت
تعبيرات في الأدبيات خلال السنتين الماضيتين مثل «صعود الشيعة»
و«اليقظة الشيعية» و«الإحياء الشيعي».
هذا الصعود ـ بحسب النظرية ـ عبر عن نفسه من خلال عدد من
الظواهر، أولاها أن الشيعة وللمرة الأولى في تاريخهم أمسكوا
بالسلطة في بلد عربي هو العراق. ونظراً لأهمية الدور الذي
يلعبه العراق في تعزيز هذا الصعود ـ كما تقول النظرية ـ فإن
حزب الله «مدعوماً بما حدث في العراق»، يسعى لإسقاط حكومة فؤاد
السنيورة وان المعارضة التي يقودها حزب الله ليست سوى محاولة
لإعادة توزيع السلطات. أما الظاهرة الثالثة والتي لولاها لما
تعزز الشعور بالصعود الشيعي، فهي تتمثل في بروز إيران كقوة
إقليمية ذات طموحات نووية وهي تمثل مدداً معنوياً ومادياً
للشيعة العرب.
وفي محاولة تفكيك هذا الطرح وإثبات عدم صحة الأسباب التي استند
عليها للوصول لنتيجة معدة سلفاً وهي أن هناك صعودا شيعيا ما،
يمكن ملاحظة نقاط عدة، أولا الربط بين ما حدث لشيعة العراق
وتصويره كما لو أن الشيعة العرب جلهم كتلة واحدة متراصة إذا
تداعى البعض منها استنفر البعض الآخر، هو طرح يتسم بالاختزال
والتبسيط. فمن الملاحظ أن أحد الموضوعات التي تتكرر في خطابات
الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الأخيرة هي تأكيده
على ضرورة عدم التعاطي مع الشيعة العرب باعتبارهم كتلة صماء.
فلا يجب أن يؤخذ شيعة لبنان بجريرة ما يفعله قسم من شيعة
العراق كما أنه لا يجب أن يؤخذ الإخوان المسلمون في مصر أو
فلسطين، بما يفعله نفر منهم وهو إخوان سوريا الذين جاهروا
بقبولهم بالمساعدة الاميركية في مواجهتهم ضد النظام. هذا
الخطاب الذي يطلب التمييز بين الشيعة والتعاطي مع كل حركة بشكل
مستقل يدحض الفكرة الأساس التي يبني عليها أصحاب نظرية الصعود
الشيعي رؤيتهم.
ثانيا، ليس صحيحا، بحسب العديد من السياسيين الشيعة، أن العراق
ينظر إليه بين عموم الشيعة العرب باعتبار انه «إنجاز شيعي».
فالشيعة، كما السنة، بحسب أحد المثقفين اللبنانيين، يشعرون
بالاستقواء من إنجازاتهم العسكرية ضد إسرائيل وليس بسبب وصول
«طبقة سياسية فاسدة» للسلطة في دولة عربية. وعلى النقيض من ذلك
الطرح، ثمة من يرى بأن ما يحدث في العراق يضعف الشيعية
السياسية وليس مصدر قوة لها. بل ان وصف العراق بأنه صار دولة
يحكمها الشيعة بمثل القول بأن الأنظمة العربية صارت سنية.
أما موقف حزب الله، الذي يعد أكبر حركة سياسية واجتماعية شيعية
في المنطقة، مما يحدث في العراق، فقد تبدى واضحاً في العديد من
خطابات قادته والتي تزخر بالتنديد بمن يرتكب المجازر أياً كانت
هويته المذهبية وان التركيز لا بد أن يكون على المسبب وليس على
النتيجة والسبب كما هو في فلسطين والعراق: الاحتلال.
أما في ما يتعلق بتصاعد النفوذ الإيراني فهو يعود لكون إيران
أتبعت في سياستها الخارجية «سياسة سنية» بمعنى أنها تبنت قضايا
القوميين العرب والتي يتم تصويرها الآن باعتبارها حكراً على
السنة. فموقف إيران من إسرائيل ومن حركات المقاومة خلق رأياً
عاماً عربياً غير مناهض لها رغم كل المحاولات التي تبذل من بعض
الأنظمة العربية بإيحاء ودعم أميركي ـ إسرائيلي لخلق تحالفات
إقليمية ذات بعد مذهبي.
فقد كشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة زغبي الدولية في تشرين
الثاني الماضي أن حوالى 80 في المئة من العرب يعتبرون أن
اسرائيل والولايات المتحدة هما أكبر تهديد لأمنهم بينما ستة في
المئة فقط أشاروا الى ايران. وقد شمل المسح عينة من 3850 فردا
في مصر والأردن والسعودية والإمارات والمغرب ولبنان. واعتبر 61
في المئة أن لطهران الحق في مواصلة برنامجها النووي.
نتيجة هذا الاستطلاع هي محصلة للنهج الذي اتبعته السياسة
الخارجية الإيرانية حيث تجاوزت الجمهورية الإسلامية البعد
الطائفي، إذا وضعنا العراق جانبا، حين أولت اهتماما بقضيتين
أساسيتين هما القضية الفلسطينية والهيمنة الاميركية علي
المنطقة. ويرى البعض أنه كان بإمكان إيران أن تتعاطى مع الغرب
بشكل أقل حدة حيث ليس لديها أراض محتلة وكان يمكنها تسوية
الملف النووي بشيء من الترضية للطرفين ولكنها تدفع ثمن مواقفها
ضد إسرائيل. أما العراق فهو يمثل النقطة السوداء في أداء
السياسة الخارجية الإيرانية، ذلك أن فشل النظام الإيراني في
كبح جماح البعض من حلفائه العراقيين من التورط في عمليات قتل
مذهبية والتعاطي الإيراني مع الملف العراقي برمته، قد وفر
ذريعة قوية تستخدم في مجال الدعاية السوداء ضدها.
يبدو والحال هذه، أن الظواهر التي تستحضر للتدليل على «يقظة
شيعية»، مفتعلة ولا تستند على ركائز قوية. وهي بالأساس تستخدم
لتخويف «بحر سني هادر». غير أن المصيبة تتجلى حين يستسلم
الأخير لهذا الخطاب وتبدأ الأغلبية في التصرف كأقلية مغبون
حقها ووجودها ـ على كثرته ـ مهدد من قبل «الخطر الشيعي». وبناء
عليه يصنف من هو العدو والحليف. حتى إن كانت هناك بوادر لإحياء
الشيعية السياسية فهي سترتكز بالأساس على النموذج الذي يقدمه
«حزب الله» وليس ذلك الذي يقدمه المجلس الأعلى للثورة
الإسلامية في العراق.
جوهر المعني أن الأمر لا علاقة له بالشيعة أو السنة و«خلافهم
القديم» كما يروج له، فالانقسام سياسي بالأساس، وهو بين
مشروعين، مشروع للمقاومة تنضوي تحته حماس السنية بمثل ما ينضوي
تحته حزب الله الشيعي، ومشروع لقوى اختارت أن تراهن على الوجود
الاميركي وتنضوي تحته حركة الإخوان المسلمين في سوريا السنية
كما حزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الشيعي في العراق.
|