الإسلاميّون في لبنان والقوّة الصاعدة
أميمة عبد اللطيف*
جريدة الأخبار (لبنان)
24-26 كانون ثاني «يناير» 2008

إسلامي يتظاهر من أجل الإفراج عن موقوفي الضنية ومجدل عنجر في بيروت في تشرين الأول الماضي (أرشيف - هيثم الموسوي)

(1)

ثمّة اليوم، صعود لافت للحركات الإسلامية السنية كأحد اللاعبين السياسيّين على الساحة اللبنانية. فالحملة العسكرية التي شنّها الجيش اللبناني طوال ثلاثة أشهر ضدّ «فتح الإسلام»، في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، والتي انتهت مطلع أيلول الماضي، أثارت موجة من الجدل الحادّ بشأن هذه المجموعات وأجنداتها السياسية والاجتماعية. وحتى وقت ليس ببعيد، لم تكن طروحات الإسلاميّين تلقى اهتماماً لدى أغلبية المسلمين السُّنة في لبنان. بيد أنّ الاضطرابات الحاصلة، وغليان الرأي العام عقب حربَي العراق وأفغانستان، واغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في شباط 2005، وتزايد التوتّرات المذهبيّة في المنطقة كلّها، والحرب الإسرائيليّة على حزب الله ولبنان في تموز 2006، زوّدت الإسلاميّين بإطار عمل للترويج لأجندتهم بين مسلمي لبنان، حتى إنهم لم يعودوا قوة سياسية لا حول لها ولا قوة.
 

اغتيال الحريري والشعور «باليتم»

ويرتبط صعود الإسلاميّين السنة كلاعبين سياسيين بارزين في لبنان ارتباطاً وثيقاً بمقتل الحريري الذي عمّق الشعور بالاضطهاد المذهبي والتضامن بين سُنّة البلاد. جاء صعود الحريري إلى السلطة في لبنان على حساب السياسيين السنة التقليديين. والحريري الذي نشأ في عائلة متواضعة غير سياسية، جمع ثروة في السعودية وعاد إلى لبنان ليصبح رئيساً للوزراء عام 1992. وربطته علاقات وثيقة بسوريا لسنوات كثيرة، غير أنّ العلاقة أخذت منحىً هابطاً أواخر التسعينيات. وقد عمل بشكل منهجي على إقصاء السياسيّين السنة الآخرين أو احتوائهم حتى بات يُعرف بزعيم السنة بامتياز. عندما قُتل الحريري، وجد السنة أنفسهم أمام فراغ ضخم في القيادة و«شعور باليتم»، على حدّ تعبير إحدى الشخصيات الإسلامية البارزة. كذلك «لبنن» مقتل الحريري، السنة؛ فللمرة الأولى في تاريخهم، بدأ هؤلاء بالتصرف باعتبارهم أقلية مهدّدة بوجودها ومستهدفة بقادتها، ينتابها شعور عميق بأنها الضحية، ما حدا بأغلبية السنة إلى تأييد تيار المستقبل الذي أسّسه الحريري وأصبح القوة السياسية الأبرز في الطائفة بقيادة ابنه وخلفه سعد. أمّا آخر ملامح التشدّد المذهبي، فقد تجلّت في تعاطي عموم الشارع السني مع حركة الاحتجاج المستمرة منذ قرابة سنة بقيادة حزب الله والتيار الوطني الحرّ وغيرهما من مجموعات المعارضة ضدّ حكومة فؤاد السنيورة المدعومة من الحريري من منظار مذهبي، ورأوا أنها حركة عدائية بقيادة «شيعية» ضدّ حكومة بقيادة «سنية» ولم ينظروا إليها باعتبارها معارضة شرعية ضدّ سياسات الحكومة الفاشلة وأدائها الهزيل إبان حرب صيف 2006 مع إسرائيل وبعدها.

وقد بلغ التوتر الشيعي ـ السنّي ذروة لا سابق لها في كانون الثاني 2007 عندما اندلع اشتباك بين مؤيّدي حزب الله و«أمل» من جهة، ومؤيّدي تيار المستقبل من ناحية أخرى، تخلّلته مشاهد عنيفة أعادت إلى ذاكرة اللبنانيين أيام الحرب الأهلية. وكان من بين المعتقلين إبان الاشتباكات أعضاء من مجموعة «الدعوة والتبليغ» السلفية. وتسلّل الخطاب المعادي للشيعة سريعاً إلى الخطاب السائد بين التيار العام للسنة. وكانت النتيجة «شارع سني» ليس أكثر مذهبية وتشدداً فحسب، بل أيضاً أكثر عرضة لتأثير قادة دينيّين متشدّدين يوجّهون رسائل تحضّ على الكراهية ورفض الآخر. ولم تغضّ المؤسسة الدينية الطرف عن تسييس الهويات المذهبية فحسب، بل شاركت فيه أحياناً. فمشهد المفتي محمد رشيد قباني يؤمّ الصلاة في السرايا الحكومية، مقرّ حكومة السنيورة، عقب اعتصام المعارضة، وجّه رسالة واضحة إلى اللبنانيين مفادها دفاعه عن موقع «سني»، مقدّماً بذلك مساهمة أكبر في تعريف الصراع على أسس مذهبية.

وأدّت بعض القوى السلفية المتحالفة مع «المستقبل» دوراً بارزاً في تحريض أقسام من الشارع السني على الشيعة وحزب الله تحت شعار «الدفاع عن أهل السنة». وعُثر على منشورات تعجّ بعبارات الكراهية والضغينة في بعض أحياء بيروت والبقاع. ومُنح علماء دينيون، على غرار مفتي محافظة جبل لبنان محمد علي الجوزو، منصّة لتحريض أتباعهم وتعبئتهم بلغة مذهبية شديدة الخطورة، ما أتاح أمام الإسلاميّين المتشدّدين، ولا سيّما السلفيّين، فرصة البدء بالتحرك بفاعلية.
 

«المستقبل»: حركة حداثويّة؟

وعلى الرغم من أن تيار المستقبل يقدّم نفسه كحركة حديثة تعتنق وجهة نظر معتدلة عن الإسلام وتدافع عن مفهوم الدولة، فإنه لم يتردّد في تقويض تلك القوى الإسلامية المعتدلة التي تغرد خارج سربه، على غرار جبهة العمل الإسلامي، فيما أنشأ تحالفات مع قوى ذات رؤية غير واضحة المعالم لمفهوم الدولة ونظرة متشددة وأحياناً متطرفة وغير متسامحة عن الإسلام.

وغالباً ما تضطرّ قيادة المستقبل بفعل غياب رؤية سياسية أو عقائدية جلية من جانبها إلى اللجوء إلى الخطاب المذهبي بغية تعبئة قاعدتها الاجتماعية. وفي هذا السياق، يعدّ الإسلاميون، ولا سيما العناصر المتشددة بينهم، أدوات مفيدة في ضمان الدعم الشعبي.

وقد أسهمت الأزمة السياسية، التي أشعلت فتيلها استقالة الوزراء الشيعة الخمسة من الحكومة في تشرين الثاني الماضي وتلاها اعتصام لمدة أكثر من عام، في إظهار الانقسامات بشكل واضح بين الإسلاميّين السنة في لبنان وتأكيد عدم تجانسهم. ففيما أدّت بعض القوى الإسلامية المتحالفة مع تيارالمستقبل دوراً بارزاً في تصعيد التوتر المذهبي، التحق إسلاميون سنة آخرون بصفوف حزب الله والتيار الوطني الحر وأحزاب معارضة أخرى ضدّ حكومة السنيورة. وأظهر الانقسام الطبيعة السياسية بدلاً من المذهبية للصراع. كذلك أظهر أن الإسلاميّين السنة ليسوا منقسمين حول علاقتهم بالقوة «العلمانية» الأساسية في الشارع السني أي تيار آل الحريري فحسب، بل، والأهم من ذلك، أنهم منقسمون أيضاً حول طبيعة العلاقة التي تربطهم بالمسلمين «الآخرين» أي الشيعة، ونوع العلاقة التي تربطهم بنظرائهم الإسلاميين أي حزب الله.

ولعلّ أقلّ ما توصَف به العلاقة بين الحركات الإسلامية السنية و«المستقبل» هو أنها معقّدة ومبهمة. فقد ساعدت أصوات الإسلاميّين في شمال لبنان كتلة الحريري على تحقيق انتصار ساحق هناك بفوزها بالمقاعد الـ28 في انتخابات عام 2005. وتلى ذلك بروز علاقة عملية بين الاثنين. ففيما سعت بعض القوى الإسلامية إلى التحالف مع التيار المذكور بحثاً عن الدعم المالي والنفوذ السياسي والحماية، كما هي حال بعض الشخصيات السلفية ـ سعى بعضها الآخر إلى ذلك انطلاقاً من حسّ التضامن المذهبي (كما في حال الجماعة الإسلامية مثلاً).

أمّا حزب التحرير، فظهر كقوة ثالثة حافظت على علاقة مبهمة مع «المستقبل»، فلم تدعمه ولم تعارضه. بيد أنّ إسلاميين آخرين، على غرار جبهة العمل الإسلامي، ارتأوا البقاء في معسكر المعارضة. وفي أثناء ذلك، استفاد تيار المستقبل من قدرات الإسلاميّين على التعبئة ومن رأسمالهم الاجتماعي، ولا سيما في الشمال، مع الحفاظ على مسافة بينه وبينهم في العلن، لئلّا ينأى عنه بأنفسهم حلفاؤه غير السنة في لبنان وداعموه الأميركيّون والغربيّون الآخرون.

وعمل الحريري من خلال مستشاريه ونوّابه في الشمال على استقطاب الإسلاميين. وكانت أغلبية السلفيّين من بين القوى التي جرى احتواؤها كما كانت حال الجماعة الإسلامية. وحاولت الحكومة استقطاب حزب التحرير عبر ترخيص الحزب المحظور سابقاً، وأسهم ذلك بالفعل في اعتدال موقف الحزب لكنه لم يؤدِّ إلى استقطابه بالكامل. وعمل تيار المستقبل على عزل بعض القوى الإسلامية السنية التقليدية، على غرار جبهة العمل الإسلامي.

بيد أنّ الأدلّة كثيرة اليوم على أن التحالفات التي أبرمها «المستقبل» مع بعض هذه المجموعات الإسلامية هي قيد الاختبار. فالبعض ينتقد موقف التيار المؤيّد للغرب وانحرافه عن قضية المقاومة. فيما يلومه البعض الآخر لفشله في الدفاع كما يجب عن الطائفة السنية. كذلك يشكّك عدد من السلفيّين والإسلاميّين التقليديّين في التحالف في ضوء المواجهة الواسعة النطاق بين الجيش اللبناني والمجموعة السلفية «فتح الإسلام» في نهر البارد. فقد أعادت هذه الحادثة إحياء مخاوف السلفيّين المتمثّل باستهدافهم من جانب المؤسّسة الأمنية، كما كانت الحال دائماً طوال 30 سنة من الوجود السوري في لبنان، أو بالتضحية بهم على مذبح السياسة. فالزيارة التي قام بها وفد من قادة الهيئات السلفية في الشمال لقائد قوى الأمن الداخلي أشرف ريفي في 14 أيلول 2007 بعيد انتهاء معركة البارد ببضعة أيام، عكست عميق قلقهم من تداعيات مواجهة نهر البارد. وبحسب مصدر حضر الاجتماع، تبادل الطرفان تطمينات بأن السلفيّين ليسوا مستهدفين من قوى الأمن الداخلي. وبحسب صحيفة «السفير» اللبنانية، تعهّد الوفد التمسّك بالتزامه الحفاظ على الأمن القومي والدفاع عنه لأنه «من المستلزمات المهمّة لنشر الدعوة التي تمثّل الأولوية الأهم للسلفيّين».

ومن أبرز نقاط الخلاف التي تعكّر صفو التحالف بين الإسلاميّين وآل الحريري هو الموقف إزاء قضية المقاومة. ففي حرب تموز 2006، عاد بعض الإسلاميين المنتمين إلى الجماعة الإسلامية إلى قضية أهملوها منذ زمن هي مقاومة إسرائيل. وقاتل بعض أعضاء الجماعة الإسلامية إلى جانب حزب الله في البلدات الجنوبية على طول الحدود مع إسرائيل. واليوم أصبح السؤال عن طبيعة الدور الذي بوسعهم أداؤه كقوة مقاومة، من أكثر القضايا إلحاحاً بالنسبة إليهم. ويشير الأكثر تشدّداً بينهم إلى أن «الصراع» مع حزب الله ليس مذهبياً بل قائم لأن حزب الله «يحتكر مقاومة إسرائيل ولا يسمح لقوى أخرى بالعمل» لا أكثر.

ويمكن فهم اهتمام الإسلاميّين السنة بقضية المقاومة من منطلق السعي إلى الحصول على الشرعية في الشارع السني الذي كثيراً ما اعتبر نفسه المدافع عن الهوية العربية للأمة وحمل لواء مقاومة إسرائيل. وهو كذلك أداة مفيدة في معارك النفوذ التي يشنّها بعض الإسلاميين على «المستقبل» الذي يتّهمه بعضهم بأنه «يخدم المشروع الغربي».

وأصبحت المسألة الإسلامية السنية في لبنان، موضع نقاش حادّ بين الإسلاميّين أنفسهم في البلاد، ولا سيما في أعقاب تطورين أساسيين: أوّلهما المواجهة مع «فتح الإسلام» التي وصفها قائد الجيش في لبنان بأنها متصلة بـ«القاعدة»، وثانيهما تقارير صحافية ما انفكت تتحدّث عن «تزايد وجود القاعدة على الأراضي اللبنانية». وقد أثارت هذه التقارير مخاوف من أن المتشدّدين الإسلاميين باتوا يرون في لبنان الآن أرضاً خصبة تستقطبهم للإقامة فيها. وأشارت التحقيقات الأولية للشرطة في الاعتداءات التي طاولت «قوة الأمم المتحدة المؤقتة الجديدة في لبنان» (يونيفيل) في صيف 2007، فضلاً عن تفجير حافلة في عين علق، المنطقة المسيحيّة بأغلبيتها، في شباط من العام ذاته، إلى أنّ كليهما من صنع أفراد أو مجموعات سلفية متأثرة بفكر تنظيم القاعدة.

وأفادت تقارير الشرطة أن «فتح الإسلام» كان متورطاً في تفجير عين علق فيما أشاد الرجل الثاني في القاعدة، أيمن الظواهري، في رسالة فيديو مسجّلة، بالاعتداء على «اليونيفيل» من دون تبنّي مسؤولية العمل. كذلك حوّل التوتر المذهبي المتزايد في المنطقة كلها إثر الاحتلال الأميركي للعراق، الانتباه إلى الدور الذي أدته القوى الإسلامية في البلدان التي تشهد انقساماً بين السنة والشيعة، كلبنان، في تصعيد التوتر.
 

من أفغانستان والعراق... إلى لبنان

وكثيراً ما كانت الديناميّة الداخلية في لبنان، جزءاً لا يتجزّأ من تحالفاته وعلاقاته الإقليمية. فقد كانت الحربان الغربيّتان على أفغانستان والعراق عاملين حاسمين في تحديد شكل النقاش بين الإسلاميwين في داخل البلاد وفي تزويدهم بما يؤكد صحة تخوفهم الأكبر من حملة غربية على الإسلام والمسلمين.

وعلى الرغم من صعوبة تقويم الثقل الفعلي للإسلاميّين السنة على الساحة السياسية اللبنانية، تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن بعض الأسئلة الحاسمة: ما هي المجموعات الإسلامية الأكثر نفوذاً في لبنان اليوم؟ ما هي مناطق وأدوات نفوذها؟ إلى أي حدّ تعتمد المجموعات الإسلامية المختلفة أجندات سياسية واجتماعية مختلفة؟ ما هي مصادر تمويلها وقاعدتها الشعبية؟ أي معايير تحكم تحالفاتها السياسية وما هو موقفها إزاء الصراع السياسي الحالي في البلاد؟ والأهم من ذلك، ما هي نظرتها للتوتر المذهبي وما العلاقة التي تربطها بالقوة الأكبر بين شيعة لبنان، أي حزب الله؟ ولا شكّ في أن الإجابة عن هذه الأسئلة ستساعد على فهم التحولات السياسية الحاصلة في صفوف السنة في لبنان.
 

من هم إسلاميّو لبنان؟

الإسلاميون السنة في لبنان ليسوا كتلة متجانسة أو ثابتة. فهم يتوزعون بين المنظمات المعتدلة نوعاً ما، على غرار الجماعة الإسلامية، والمجموعات ذات النزعة الجهادية المتشددة والمتأثرة بفكر تنظيم القاعدة، على غرار مجموعة الضنية التي اشتبكت مع الجيش اللبناني عام 1999. هناك مجموعات أخرى، على غرار حركة التوحيد، اعتمدت في بدايتها رؤية متشددة في السياسة والمجتمع، كما ظهر إبان سيطرة المجموعة على طرابلس بين عامَي 1984 و1985 (تضمّنت هذه السيطرة قتل المعارضين السياسيين وفرض سلوكيات صارمة جدّاً وإرغام غير المسلمين على مغادرة المدينة)، لكنها اليوم تعتمد مقاربة وسطى في السياسة ومتحالفة سياسياً مع حزب الله تحت مظلّة جبهة العمل الإسلامي الأكثر اعتدالاً.

لم يواجه الإسلاميون معارضة شديدة أو مقاومة من البيئة السنية الاجتماعية التي يعملون فيها. فالشمال كان مسقط رأس أغلبية هذه الحركات الإسلامية. ومثّلت مدينة طرابلس، إضافةً إلى المناطق الريفية المحيطة مثل عكار والضنية، أرضاً خصبة للإسلاميين. وغالباً ما يُشار إلى العامل الديموغرافي كأحد أسباب شرح الظاهرة نظراً إلى أن نصف مسلمي لبنان السنة متمركزون في المحافظات الشمالية. وتعد الأحوال الاقتصادية الصعبة والتهميش الاجتماعي وغياب خدمات الدولة من المحفّزات التقليدية التي غالباً ما يشار إليها في شرح أسباب وجودهم في هذا الجزء من البلاد ونجاحهم في تجنيد عناصر جديدة. وبالفعل، أفاد تقرير صادر عن مجلس الإنماء والإعمار عن الفقر في لبنان أن الدخل الشهري لنصف العائلات التي تعيش في منطقة باب التبانة الموبوءة بالفقر في طرابلس لا يتعدى 130 دولاراً. وقدّر تقرير آخر أن 23.7 في المئة من فقراء لبنان يعيشون في عكّار. وساهمت شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية والمدارس الدينية في زيادة نفوذ الإسلاميّين.
 

الوصاية السوريّة والإسلاميّون

وكان الوجود العسكري السوري الذي دام 30 سنة أحد العوامل الأساسية في تحديد شكل تطور الحركات الإسلامية. فأغلبية الإسلاميين على اختلافهم، باستثناء «الأحباش»، يتذكرون بمرارة «سياسة الحصار» المفروضة على نشاطاتهم تحت الوصاية السورية. ولا يخفي العديد منهم مشاعر العداء لسوريا، فكثيرون منهم أرغموا على الاختباء وطُوردوا وظلت مدارسهم ومراكزهم الدينية تحت المراقبة الصارمة للاستخبارات السورية واللبنانية. لكن السجون السورية واللبنانية كانت دوماً مكاناً خصباً لتعبئة عناصر جدد وتجنيدهم.وشهدت الفترة التي تلت الانسحاب السوري طفرة في نشاطات الإسلاميين في الشمال. فقد مُنح هؤلاء مساحة واسعة للتحرك، بيد أنهم يشتكون من أن السلطات اللبنانية ورثت عن النظام الأمني السابق «حالة من العداء الموروث» إزاء كل ما هو إسلامي. وثمة علاقة متناقضة بين الإسلاميين والمؤسّسة الأمنية اللبنانية بقطبيها، الجيش وقوى الأمن الداخلي. ففيما يتمتّع الجيش بسجلّ حافل في مواجهة الإسلاميين منذ عام 1999، حافظت قوى الأمن الداخلي المدعومة من تيار المستقبل على علاقة وثيقة بهم.

فالمواجهة مع «فتح الإسلام» هي آخر الفصول وأكبرها في سلسلة من المواجهات العنيفة بين الجيش اللبناني والإسلاميين، على الرغم من بقاء هؤلاء على هامش الحركة الإسلامية. غير أن هذه المعركة يمكن إدراجها كأحد فصول «انتفاضات الإسلاميّين» ، كما وصفها أحد المحلّلين، وهي ليست بالجديدة؛ فالانتفاضة الأولى وقعت عام 1999 عندما اشتبكت مجموعة تطلق على نفسها اسم مجموعة الضنيّة مؤلّفة من بعض السلفيّين والخارجين على القانون مع الجيش اللبناني، فقُتل القائد وقُضي على الحركة. تكرّر هذا السيناريو مراراً في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا، حيث اشتبكت وحدات الجيش مرات عديدة مع الإسلاميين اللبنانيين والفلسطينيين المتمركزين هناك على حدّ سواء. ثم وقعت الحادثة الأخيرة، أي المواجهة مع «فتح الإسلام»، فأكّدت فشل الحركات الإسلامية المعتدلة وجهاز الأمن اللبناني في توليد ديناميّة مناسبة يمكن من خلالها احتواء «انتفاضات» كهذه. ويُعدّ التوتّر السياسي والمذهبي والفراغ الأمني اللذان خبرتهما البلاد إثر مقتل الحريري سببين رئيسيين في زيادة نفوذ هذه المجموعات إبان السنتين الماضيتين.
 

(2)

على الرغم من تعدّدها، يمكن تقسيم الحركات الإسلامية السنية في لبنان إلى نوعين:

ـ الحركات التقليدية، ويجمع في ما بينها مجموعة من الخصائص المشتركة يمكن تلخيصها بالآتي:

1ـ أجندة إسلامية قوية، لكنها تأخذ في الحسبان خصوصية الوضع اللبناني، وبالتالي تقبل فعلياً بأن بعض أهدافها الإسلامية الخاصة بالدولة والمجتمع لا يمكن تحقيقها على الفور في لبنان.

2ـ على الرغم من أن أغلبيتها لا تتمتع ببنية حزبية سياسية متطورة، فإنها، باستثناء حزب التحرير، تشارك في العملية السياسية.

3ـ تُعد السياسة الخارجية والانتماء المذهبي العناصر المحدّدة لتحالفاتها السياسية. ويركّز خطابها على أهداف رئيسية ثلاثة: الوحدة الوطنية والإسلامية، ومقاومة إسرائيل، ومعارضة الهيمنة الغربية والأميركية.

4ـ تُعد مواقفها من السياسة الداخلية محل خلاف في ما بينها. فالخلاف بين الجماعة الإسلامية وجبهة العمل الإسلامي، أي القوّتين الرئيسيّتين، وربما المتنافستين في التحالفات السياسية الداخلية، يتمثّل في حفاظ الجماعة على تحالف مع تيّار «المستقبل»، ووقوف جبهة العمل الإسلامي في معسكر المعارضة اللبنانية، واختيار المجموعات الأخرى طريقاً ثالثاً عبر الحفاظ على موقف غامض، ولا سيما حزب التحرير والأحباش.

5 ـ تحاول هذه الحركات توسيع قاعدتها الاجتماعية باستقطاب الشرائح المستاءة في الشارع السني و«المضلّلة» بخطاب تيار المستقبل. وهذا صحيح، ولا سيما في الشمال، حيث بدأت تعلو أصوات الاحتجاج في صفوف من كانوا يوماً من أشد مؤيدي تيار المستقبل. ويدفع فشل التيار في الوفاء بالوعود التي قطعها إبان الانتخابات، العديد من المجموعات إلى التشكيك في حلفها معه.
 

الجماعة الإسلامية

استلهم مؤسّسو هذه المجموعة عقيدة جماعة «الإخوان المسلمين» المصرية التي أسسها حسن البنا. وتعرّف الجماعة الإسلامية ذاتها كـ«مجموعة لبنانية»، مولية بذلك أهمية كبيرة لهويتها اللبنانية. وهي تدعو إلى وحدة المجتمع اللبناني على أساس غير طائفي. ورداً على سؤال عن الدولة الإسلامية، يشرح علي الشيخ عمار، رئيس المكتب السياسي للجماعة، باختصار وجهة نظر الحركة بقوله إن من حيث المبدأ، «على المجتمع العمل وفق التعاليم الإسلامية، لكن وجهة النظر هذه لا يمكن فرضها بالقوة على مجتمع متعدّد الطوائف».

وتعتمد الجماعة مشروعاً سياسياً وسطياً شبيهاً بمشروع الإخوان المسلمين في مصر، على الرغم من أن المسؤولين البارزين في الجماعة توّاقون لتأكيد استقلالهم التنظيمي والسياسي عن المنظمة الأم عبر تشديدهم على «استثنائية» المجتمع اللبناني. ولعل أبرز دليل على هذه النقطة هو موقف الحركة من الصراع السياسي الحالي في لبنان، فموقفها المبهم والمتناقض يعكس الصراع الداخلي الذي تمر به الحركة الواقعة بين مطرقة البقاء وفية لمبادئها التأسيسية القائمة على دعم مفاهيم المقاومة والأجندة المناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وسندان رعاية مصالحها السياسية التي ترغم المجموعة على التحالف مع قوى 14 آذار المدعومة من الولايات المتحدة من جهة أخرى. وأدى هذا الموقف إلى خسارة الجماعة الإسلامية لأحد مؤسسيها الأساسيين، الشيخ فتحي يكن. فالشيخ يكن غادر بسبب الخلافات على قضيتين رئيسيتين: تحالف الجماعة مع تيار المستقبل والموقف من حزب الله.

وعلى الرغم من أن قيادات الجماعة تنفي وجود أي حافز مذهبي وراء تحالفها السياسي، فإن خطابها يعكس حساً من التضامن المذهبي عند قولهم إنهم «يشعرون باليتم كسنّة عقب مقتل الحريري» وإن «سوريا تستهدف القادة السنة» وعند شكواهم من «الظلم الذي لحق بالسنة إبان الحكم السوري».

وعلى الرغم من أن الحركة ليست حزباً سياسياً، فهي تتمتع بتراتبية شأنها شأنه، حتى إن عدد كوادرها يتراوح بين 1200 و1500. وفي بياناتها السياسية تصف الحركة الانخراط في السياسة بـ«الضرورة» وتصر على أن تسير النشاطات الدينية للحركة جنباً إلى جنب مع نشاطاتها السياسية.

وعلى الصعيد الإقليمي، تضع الجماعة الإسلاميّة «مواجهة المخطّطات الصهيونية» على رأس أولوياتها، ولهذا السبب بالتحديد تربط الجماعة علاقة معقدة بحزب الله. فمن جهة، صار حزب الله رمز المقاومة التي تعدّها الجماعة أحد مبادئها، ومن جهة أخرى أسهم الصراع السياسي الداخلي بين حزب الله والمستقبل المتحالف مع الجماعة الإسلامية في تعقيد المسألة أكثر. ويصر قادة الجماعة على أن العلاقة المتشنجة مع حزب الله ليست نابعة من المذهبية. فبحسب إبراهيم المصري، نائب رئيس الجماعة، «لسنا متحالفين مع حزب الله ولسنا ضده»، وذكّر بأن أعضاء الجماعة حاربوا إلى جانب مقاتلي حزب الله في بعض القرى الحدودية ذات الغالبية السنية في يارين ومروحين والبستان، حيث تتمتع الجماعة الإسلامية بحضور قوي عبر مدارسها وعياداتها وجمعياتها الخيرية.

بيد أنّ هذا التحالف «المقدَّس» لم يمنع الحركة من توجيه انتقاد لاذع لأداء حزب الله السياسي عقب حرب تموز. وهنا يعترف المصري: «اليوم ثمة خلاف سياسي مع حزب الله». ومع ذلك، لا يزال الطرفان يعقدان اجتماعات شهرية «تُطرح فيها المواضيع كلها على الطاولة»، ولا تمانع الجماعة في إقامة تحالفات انتخابية مع الحزب عندما تقتضي الحاجة. أما التحالف مع المستقبل، فيصفه المصري بـ«زواج مصالح»، نافياً تقارير تفيد بأن الحريري يمول بعض نشاطات الجماعة، ومؤكداً «أننا منظمة ذاتية التمويل». لكن بعض الأموال تأتي من منظمات خيرية ومتعاطفين في منطقة الخليج، وتسيطر على القيادة الحالية ثلاث شخصيات أساسية: فيصل المولوي وإبراهيم المصري وعلي الشيخ عمار.
 

جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية

تأسست جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية المعروفة أيضاً بـ«الأحباش» في عام 1980 بتوجيه من الشيخ عبد الله الهرري الحبشي الأصل.

وللجمعية موقف غير واضح من المشاركة السياسية، فهي تلقت دعم السوريين طوال 30 سنة من حكمهم في لبنان. واتهمت الجماعة الإسلامية وحركة التوحيد السوريين بالمساعدة في إنشاء الأحباش أداةً لمحاربة القوى الإسلامية الأخرى. وبالفعل شجع السوريون الأحباش على احتلال المساجد في بيروت وطرابلس وتوسيع قاعدتهم. وفيما لا يزال الأحباش يدينون في نموهم الأساسي لسوريا، فإن تحالفاً غير معلن يربطهم بتيار المستقبل ربما بسبب الأوضاع السياسية الحالية.
 

جبهة العمل الإسلامي

تأسست جبهة العمل الإسلامي في آب 2006 على يد فتحي يكن، أحد أبرز السياسيين الإسلاميين في لبنان الذي شارك في تأسيس الجماعة الإسلامية، لكنه غادر صفوفها في عام 2006 بسبب الخلافات على التحالف مع تيار المستقبل. فيكن يعتقد بأن تيار المستقبل يخدم المصالح الغربية في لبنان ويتحالف مع الولايات المتحدة ومحور ما يعرف بالأنظمة العربية «المعتدلة» ضد معسكر المقاومة المتمثل بسوريا وإيران وحماس وحزب الله الذي يربطه بيكن تحالف قوي. ويقول يكن إن المستقبل يبعد السنة عن مبادئهم التأسيسية، ولا سيما مقاومة الهيمنة الأميركية والحفاظ على هوية لبنان العربية. ووصفت جبهة العمل الإسلامي ذاتها في بيانها التأسيسي بأنها كيان مستقل، أنشئ «في وقت تتعرض فيه الأمة الإسلامية لهجوم أميركي صهيوني شرس. ويكمن هدفها الرئيسي في العمل على الوحدة الوطنية والإسلامية وحماية المقاومة والوقوف في وجه أي محاولات لزرع بذور الفتنة المذهبية».

وتسعى جبهة العمل الإسلامي، وقفاً لبيانها التأسيسي، لاحتلال المساحة بين «الفوضى المنظمة للولايات المتحدة وفوضى القاعدة» في لبنان. وتستفيد الحركة من موقع يكن كشخصية إسلامية سياسية بارزة. ولا تزال جبهة العمل الإسلامي في مراحلها الأولى، وتعمل على استقطاب شرائح الشارع السني التي ترى أن تيار المستقبل ضلّ طريقه بقيادة سعد الحريري. وبدا يكن مصمماً في العديد من تصريحاته على إنشاء «مقاومة إسلامية تعلو فوق المذهبية»، وكان من أشد المنتقدين للقوى الإسلامية التي تعمل على تقويض دور حزب الله بوصفه حركة مقاومة «وأولئك الذين يصدرون فتاوى ضد الشيعة».

وتُعد جبهة العمل الإسلامي منظمة جامعة تنضوي تحت لوائها مجموعات إسلامية عديدة، بما فيها حركة التوحيد بجناحيها: الأول بقيادة الشيخ بلال شعبان، والثاني بقيادة هاشم منقارة، فضلاً عن مجموعات إسلامية أخرى صغرى على غرار إسلام بلا حدود وجمعية الإمام علي ومنتدى الجمعيات الإسلامية في لبنان وقوى العمل
الإسلامي.
 

حزب التحرير

هذه المجموعة فرع من فروع حزب إقليمي الامتداد أسسه تقي الدين النبهاني في عام 1953 وله وجود محدود في لبنان. ومنحت حكومة السنيورة هذه المجموعة ترخيصاً للعمل كحزب في عام 2006. وعقد الحزب مؤتمره الثاني في آب 2007 جدد فيه دعوته إلى إنشاء دولة الخلافة. وللحزب كوادر على امتداد لبنان، وله مقار في طرابلس. بيد أن هذا الحزب يُعَدُّ ظاهرة إعلامية أكثر مما هو نتيجة حركة منظمة لها أتباع فعليين في لبنان. وعلى الرغم من شجب الحزب اعتصام المعارضة في وسط بيروت، فقد انتقد في الوقت ذاته إصرار تيار المستقبل على إنشاء محكمة دولية للنظر في اغتيال الحريري. وبحسب ما أفاد أحد قادته لوسائل الإعلام أخيراً، فإن «المخرج للبنان هو إنشاء الخلافة واعتناق الإسلام رؤيةً سياسيةً شاملة». ويذكر أن الحزب يمنع المشاركة في الانتخابات ويتعهد عدم استخدام العنف لتحقيق أجندته.
 

السلفيّون التقليديون

منذ تأسيسها على يد الشيخ سالم الشهال في عام 1946، تطوّرت الحالة السلفية منذ ذلك الوقت إلى حركة تشمل أكثر من50 منظمة تعمل كجمعيات خيرية ومدارس دينية متمركزة أساساً في الشمال مع وجود فروع لها في بيروت وصيدا. ويبقى الشهّال الرمز الروحي للحركة، فيما ورث ولداه منصبه وهما يعملان الآن ضمن جمعية الهداية والإحسان.

وعلى غرار الجمعيات الباقية التي تضم حركات سلفية، فإن جمعية الهداية والإحسان هي حركة سلفية مستوحاة من الوهابية تولي أهمية قصوى للنشاطات التدريسية مع التركيز على العمل الاجتماعي. وتعتمد جمعية الهداية والإحسان رؤية محافظة في السياسة والمجتمع، وتتميز آراؤها بالغموض حيال الدولة اللبنانية التي يراها بعض السلفيين الآخرين «كياناً غير قانوني» من الأساس. وبشكل عام، تزعم المنظمات السلفية التقليدية كلها أنها تسعى إلى الإصلاح من دون اللجوء إلى العنف، وأنها ترفض العنف أداةً للتغيير الاجتماعي والسياسي.

وفي الثمانينيات، شهدت طرابلس تعاظماً في النفوذ السلفي انتهى بسيطرة حركة التوحيد على المدينة في عام 1984 بقيادة الشيخ سعيد شعبان. وجرت محاولة لأسلمة طرابلس، لكن حركة شعبان انهارت تحت ضربات قاسية من السوريين وانتهى حكمها في عام 1985، وفي العام 2006 قرر الأبن الأكبر للشهال إنشاء جمعية اسمها معهد زاد الآخرة، تمثل إلى جانب غيرها من الجمعيات الخيرية ومؤسسات التعليم الديني إطاراً للعمل يقدم من خلاله السلفيون أجندتهم ويوسعون قاعدتهم الاجتماعية ويراكمون رأسمالاً سياسياً على الرغم من طبيعتهم ونشاطاتهم غير السياسية.

ومن حيث المبدأ، لطالما ابتعد السلفيون عن السياسة اللبنانية. بيد أن تغييراً ضخماً حصل عقب مقتل الحريري، إذ حشدت المنظمات السلفية المختلفة مؤيديها الذين يقطن أغلبيتهم في المناطق الفقيرة في الشمال للمشاركة في الانتخابات.

ويرتبط نموّ الحركات السلفية في لبنان ارتباطاً وثيقاً بالدور البارز الذي تولته السعودية عندما حلت محلّ جامعة الأزهر في مصر، مقر العلوم الدينية التقليدي، كوجهة للدعاة اللبنانيين. ولا يزال الدعاة اللبنانيون الذين تلقوا تعليمهم الديني في مصر متبوّئين مناصب في المؤسسة الدينية. ويتذكر بعضهم بحسرة عندما كانت المنح الدراسية والمالية للالتحاق بالأزهر تنهال من كل حدب وصوب وكانت جلّ تطلعات الدعاة إبان سنوات حكم عبد الناصر.

ويشرح الشيخ خلدون عريمط، الداعية البارز في عكار: «عندما جاء السادات، جفّ تدفق المنح، وبدا كما لو أن صفقة ضمنية أُبرمت تتخلى فيها مصر عن دورها منارة التعليم الديني إلى السعودية، وهنا دخلت الوهابية إلى لبنان». وتلقى عريمط تعليمه في الأزهر وشهد تغير الأزمنة والثقافات إبان عمله لـ30 سنة في دار الفتوى، المؤسسة الدينية السنية اللبنانية الرسمية. وعريمط من أشد منتقدي المؤسسة، ويحملها مسؤولية تصاعد نفوذ الإسلاميين المتطرفين في لبنان.

وقد مثّل مقتل الحريري والانسحاب السوري من لبنان في نيسان 2005 عاملين أساسيين لإطلاق أيدي السلفيين الذين طال قمعهم في ظل حكم سوري صارم. فالسلفيون لم يكتفوا بمخالفة تقاليدهم الداعية إلى تجنب الانتخابات وبترشح إحدى الشخصيات السلفية المعروفة في الشمال للنيابة هو الدكتور حسن الشهال، بل حشدوا أيضاً مؤيديهم في جزء من الحملة الانتخابية للمستقبل. وحدا الشعور بالاستهداف الذي ولّده مقتل الحريري، مصحوباً بعدائية متأصّلة إزاء الإرث السوري في لبنان، بالسلفيين وأتباعهم إلى التصويت للائحة الحريري، على الرغم من احتوائها على شخصيات من «القوات اللبنانية»، وهي ميليشيا مسيحية يمينية متطرفة شاركت في الحرب الأهلية اللبنانية. ولعل النتيجة الأبرز في الانتخابات كانت أن الشهال لم يفز بالنيابة (فضل السلفيون الحريري عليه)، فيما نالت لائحة الحريري 28 مقعداً في الشمال. ولا شك في أن السلفيين يوسعون نفوذهم في أوقات مشحونة بالتوتر المذهبي كهذه.
 

لا رقابة دولة ولا أشراف دار إفتاء

اليوم تعرّف إحدى أبرز الشخصيات السلفية في الشمال، داعي الإسلام، الحركة السلفية بأنها «الوجه الحقيقي للإسلام»، شارحاً أن لا مشروع أو رؤية سياسية لديها للبنان غير نشر الدعوة في المجتمع. ويفيد بأن «هدفنا الدعوة إلى العودة إلى أسس الإسلام». وتتم هذه المهمة أساساً عبر المؤسسات الدينية والمدارس القرآنية ومحطة إذاعية ومنظمات خيرية تحت إشراف الحركة. ولا تخضع هذه المنظمات لإشراف الدولة، وحتى المدارس الدينية لا تخضع لإشراف دار الفتوى.

وفيما يروق للسلفيّين التقليديّين أن يصوّروا أنفسهم فوق الجدل السياسي في البلاد، لا يتوافق هذا الابتعاد الظاهري عن السياسة مع الواقع، فهم منخرطون في السياسة إلى حد كبير، شأنهم شأن غيرهم. وهم لم يكونوا عموماً محصّنين من الاستقطاب السياسي الذي سيطر على البلاد في السنوات القليلة الماضية، بل كانوا، على العكس، جزءاً من الانقسام، ولم يخفوا تعاطفهم مع قوى 14 آذار، وأقاموا، في بعض الأحيان، تحالفات علنية معها، وكانوا في صلب التوتر المذهبي المتصاعد بين السنة والشيعة في البلاد.
 

السلفيون الإصلاحيون

ليست الجمعيات التي تتكون منها الحركة السلفية في الشمال متجانسة إجمالاً. ففيما لا تعترف الشخصيات السلفية، على غرار الشهال، بوجود فصائل أخرى ضمن الحركة السلفية، ثمة تيار سلفي إصلاحي بدأ بالظهور، وإن كان لا يزال في مراحله الأولى. ويوضح هذا التيار، المؤلف بشكل رئيسي من خليط من الدعاة الشبان بما لا يقبل الشك، أنه لا يشاطر السلفيين التقليديين الآراء في موضوعين أساسيين هما، الخطاب المعادي للشيعة وحزب الله والعلاقة مع تيار المستقبل.

ومن هذه الشخصيات السلفية الإصلاحية الشيخ محمد الخضر الذي يقود منظمة اسمها «المنتدى الإسلامي اللبناني للحوار والدعوة». ويوجّه الشيخ الخضر انتقاداً شديداً لحال الحركات الإسلامية في لبنان اليوم، ويقول إن المنتدى عبارة عن محاولة للبحث عن أرضية مشتركة لإيجاد «مشروع إسلامي ورؤية إسلامية مشتركَين» ويؤكد ضرورة إيجادهما لأن «الإسلاميين كانوا مجرّد «أدوات» استخدمهما الطرفان في الصراع السياسي الحالي». ويقر الخضر بأن الشرخ القائم بين الحركات الإسلامية اليوم جعلها غير فاعلة في ميزان القوى السياسي. ويكمل بأن «الحركات الإسلامية اليوم، هي إما أدوات في أيدي قوى علمانية أخرى، أو معتمدة لأجندة بعيدة كل البعد عن الواقع». ويرى الشيخ البالغ من العمر 35 سنة السلفيين التقليديين غير متصلين بأرض الواقع. فعلى الرغم من أن للسلفية التقليدية أتباعاً كثراً من بين الشباب، فقد فشلت في اقتراح مشروع سياسي. ويضيف شارحاً: «نحن كحركة إسلامية عموماً وسلفية خصوصاً، نفتقر إلى قيادة وإلى رؤية للتغيير السياسي والاجتماعي».

ويوازي ما يصرح به الخضر رؤية إصلاحية، فهي نظرة تقبل الآخر وهي نهج سلفي يتأقلم، حسب قوله، مع مجتمع متعدد الطوائف كالمجتمع اللبناني. ويكمن التحدي الذي يواجهه الخضر ومؤيدوه في كيفية تغيير تصورات وآراء أتباعهم الذين هم بأغلبيتهم شبان لُقنوا خطاباً دينياً صارماً.

ويشرح الخضر: «نود أن نخرج شبابنا من أفكار التطرف، ونحن نلاقي رداً إيجابياً على ذلك». بيد أن التحدي الحقيقي يكمن في الشرخ الداخلي القائم ضمن الحركات السلفية. فالشرخ تعمق بفعل موقف القادة السلفيين التقليديين الذين يعارضون أي محاولة للتغيير والإصلاح. ويضيف الخضر: «تجري محاولات لتصويرنا كمن يقوّض التقاليد السلفية وكمن تخلى عن مبادئها، وبالتالي لم يعد يمثّل الحركة السلفية».

أما آراء الخضر في العلاقة مع المذهب الإسلامي الآخر فلا تتلاقى مع آراء نظرائه السلفيين التقليديين. ففيما يعترف بوجود الاختلافات العقائدية مع الشيعة، يصر على أن العلماء السلفيين لم يعدّوا الشيعة كفرة، شارحاً أن «مقاربتنا ليست إقصاء الشيعة». ويضيف أن الصراع في لبنان ليس صراعاً مذهبياً فهو ذو بعد إقليمي. ويتمثل الخطر الأكبر، بحسب الخضر، بالهيمنة الأميركية: «إن مشروع الشرق الأوسط الجديد الهادف إلى تغيير هوية المنطقة وثقافتها يبقى الخطر الأكبر بالنسبة إلينا». ومن هذا المنطلق، يقف الخضر في المعسكر ذاته مع حزب الله، وهو يعترف بذلك سراً لكنه يتردد بالجهر به خوفاً من أن ينتقده السلفيون التقليديون.
 

(3)

قد يُعدّ التحالف السياسي لشرائح كبرى من الحركة السلفيّة، مع قوى 14 آذار المدعومة من الغرب مفاجئاً، لكن يمكن فهمه في سياق الترابط المذهبي، ولا سيما العلاقة مع تيار المستقبل. فأغلبية السنّة في لبنان يرون أن الحريري ورث عن والده مكانته القيادية. والسلفيون، على الرغم من اختلافهم مع الحريري بشأن قضايا رئيسية يتناولونها سراً، إلا أنهم لا يريدون «شقّ الصفوف السنّية» عبر مواجهة الحريري. ويمكن ثانياً لكلّ من السلفيين والحريري ادّعاء الوقوف في وجه «خصم مشترك» هو حزب الله، وإن كان لكلّ من الطرفين أسبابه. وفيما لا يربط الحريري نفسه في العلن بالسلفيين، فإنه لم يمنع حلفاءه قطّ من استخدام خطاب مذهبي لتعبئة الشارع تحت راية الدفاع عن أهل السنّة، وفي بعض الأحيان، لجأ الحريري نفسه إلى مثل هذا الخطاب عندما باءت الوسائل الأخرى بالفشل.
 

المستقبل والسلفيون: زواج مصالح

بيد أن بعض مؤيّدي الحريري لا يتّفقون مع هذا الطرح، مشيرين إلى أن بعضهم غير مرتاح إلى التحالف مع السلفيّين. فالمشروع السياسي لـ«المستقبل»، بحسب أحد أعضائه، يستند إلى أسس مختلفة كلياً عن أسس السلفيّين، «وما من تحالف أو عداء بين الاثنين، لكنّ مشروع الحريري يدعو إلى دولة للمواطنين جميعهم، بينما السلفيون يريدون دولة إسلامية». ويكمل العضو خاتماً: «لا يعارض المستقبل حزب الله من منطلق أسباب مذهبية، بل ببساطة بسبب تحالفاته الإقليمية».

ولا ريب في أن الغموض يلف العلاقة بين المستقبل والسلفيّين. ففيما يبقى «المستقبل» علناً بعيداً عن السلفيّين، يعمل نوّابه في الشمال على مدّ جسور التواصل مع الحركات السلفية اقتناعاً منهم بأنها تملك قاعدة شعبية واسعة يمكن أن تخدم مصالح «المستقبل» إبّان الانتخابات أو فترات التوتر السياسي. فالتيار المذكور استفاد، مثلاً، من الخطاب المعادي للشيعة الذي يعتمده بعض المشايخ السلفيّين لتعبئة الشارع السنّي إبّان صراعه السياسي مع حزب الله. وحالَ هذا الخطاب دون تشكيك السنّة في رؤية الحريري السياسية أو اشتباههم في غياب رؤية كهذه لديه وجعلهم يركزون على العداء لحزب الله وبالتالي للشيعة.

لكن التحالف مرّ بمراحل عصيبة، فالمواجهة مع «فتح الإسلام» ودعم الشخصيات الرئيسية الثلاث في الطائفة السنّية (رئيس الوزراء السنيورة والحريري والمفتي رشيد قباني) القضاء على مجموعة يراها الكثير من السلفيين مجموعة حليفة، أدّيا إلى إثارة التوتر الشديد وعدم الرضا في صفوفهم. كذلك يظن بعض السلفيين أن المستقبل «يستخدمهم» في صراعه السياسي مع منافسيه، سواء منهم القوى السياسية السنّية الأخرى أو حزب الله.

ويعتقد سلفيون تقليديون بأن الطريق السياسي المسدود في لبنان إنما هو نتيجة الصراع بين المحور السوري ـ الإيراني من جهة والمحور الغربي بقيادة أميركية من جهة أخرى.

وما زالت مصادر تمويل السلفيّين مثار جدل كبير. فتقارير كثيرة تتحدّث عن تزويد الحريري السلفيّين بالمال لشراء ولائهم. ويشير البعض إلى أن هذا الفعل يستند إلى المذهبية، ويهدف إلى إنشاء «ميليشيا سنّية» للوقوف بوجه حزب الله في حال وقوع أي مواجهة في «المستقبل». غير أن القادة السلفيين ينفون، من جهتهم، نفياً قاطعاً حصولهم على تمويل من الحريري، مصرّين على أن الأموال تأتي بشكل رئيسي من جمعيات وأفراد متعاطفين في الخليج، لا من منظّمات تابعة للدول. فالشهّال، مثلاً، تربطه صلات قوية بعدد من الجمعيات الخيرية في السعودية.
 

السلفية و«القاعدة»

تُعَدّ المجموعات الإسلامية المسلّحة مستقلة عن «القاعدة» لجهة التخطيط والتمويل، لكن عقيدتها متأثرة بفكر التنظيم. وهي ليست ظاهرة جديدة، فهي موجودة منذ ما لا يقلّ عن 14 سنة عبر مجموعات صغرى تعمل مستقلّة بدلاً من العمل بحسب مرجعية إسلامية موحَّدة. وكانت لها حوافز عديدة، فبعضها استوحى عقيدته من الظلم اللاحق بالمسلمين في مناطق مختلفة من العالم. ومن الواضح أن تلك المجموعات لم تكن لها علاقة بـ«القاعدة» التي لم يكن صيتها قد ذاع بعد إلا من خلال أفراد قاتلوا في أفغانستان وعادوا إلى لبنان. ومن الخصائص المشتركة بين تلك المجموعات أنها:
  1ـ لا تؤمن بالعملية السياسية أو بالمشاركة في الانتخابات.
  2ـ تسعى إلى إرساء «حكم الله» ومحاربة من يؤذي المسلمين. فبعضهم ذهب ليحارب الأميركيين في العراق، بينما هاجم آخرون قوى قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان «يونيفيل».
  3ـ خلافاً للمجموعات السلفية الأخرى، هي لا تروّج لنشاطاتها، ونادراً ما تعلن مسؤوليتها عن التفجيرات.

ومن المجموعات الإسلامية المقاتلة الرئيسية التي برزت على الساحة اللبنانية: مجموعة الضنيّة وعصبة الأنصار وجند الشام و«فتح الإسلام».
 

«القاعدة» في لبنان

لطالما رأى تنظيم «القاعدة» لبنان ممرّاً لتجنيد العناصر وتلقّي الدعم اللوجستي. بيد أن عام 2005 كان منعطفاً مهماً لدوره في هذا البلد. فقد سلّط عدد من التطورات الضوء على المجموعات المتأثرة بفكر «القاعدة» في لبنان، أوّلها مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري الذي أظهر وجود فراغ أمني خطير، وثانيها ممارسة التحالف الأميركي ضغوطاً على عناصر «القاعدة» في العراق، ولا سيّما العرب منهم، أرغمتهم على البحث عن أماكن أخرى، وبدا لبنان أحد هذه الأماكن. ويتمثل التطور الثالث في موجة التوتر المذهبي المتصاعد في المنطقة برمتها التي ألهمت بعض المجموعات السنّية طلب مساعدة «القاعدة». وفي عام 2005، عُثر على بيانات موقَّعة من التنظيم تهدّد بقتل شخصيات شيعية في مناطق مختلفة من لبنان.

وفي كانون الأوّل الماضي، عثر سكّان منطقة البسطة المختلطة والمتوسّطة الحال اقتصاديّاً في قلب بيروت على منشورات معادية للشيعة تحرّض السنّة على «طرد الشيعة من المنطقة حيثما كانوا». كذلك عُثر على منشورات مماثلة في سهل البقاع. ولم تكن هذه المنشورات موقَّعة، لكن عدداً من البيانات الأخرى حمل توقيع «القاعدة» في بلاد الشام. غير أنّ صحّة هذه التوقيعات تبقى موضع شكّ لأنّ اسم «القاعدة»، بحسب أحد الخبراء اللبنانيين في الحركات الإسلامية، مجرّد واجهة تختبئ خلفها مجموعات محلية غير معروفة أو حتى وكالات استخبارات لتحقيق أغراض سياسية محددة أو لتصعيد التوتر بين السنّة والشيعة.

وشهد عام 2006 عدداً من الاعتقالات طاولت مجموعات وأفراد المتأثرين بـ«القاعدة». ويضمّ سجن رومية المركزي في لبنان الآن أكثر من 250 موقوفاً ينتمون إلى مجموعات سلفية شبيهة بالقاعدة أو إلى ما يتعارف عليها بأنها المجموعات السلفية الجهادية. بيد أن الاعتقالات لا تعني بالضرورة تمتُّع «القاعدة» بوجود تنظيمي في لبنان. وشرح المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللبنانية أشرف ريفي أن في لبنان «قاعدة مزيفة». ويحافظ ريفي، المقرّب من الحريري، على علاقات طيبة مع السلفيين، حتى أنه ذهب إلى حدّ إشراك بعض الشخصيات السلفية في الوساطة بين قوى الأمن الداخلي و«فتح الإسلام». وقد يظنّ البعض أنه من شأن هذه العلاقة «الطيبة» بين قوى الأمن الداخلي والعديد من القادة السلفيين إراحة البلاد والقوى الأمنية من الوضع المأساوي في نهر البارد. لكن الواقع لا يعكس ذلك. إذ مهما تصورّ قادة القوى الأمنية أنهم «يحكمون قبضتهم على السلفيين»، لا مناص من وجود عناصر تعمل خارج السيناريو المكتوب.

وليس مفاجئاً أن تمثّل المخيمات الفلسطينية المهملة في لبنان أرضاً خصبةً للمجموعات السلفية المتشددة، وعلى الرغم من أن المخيمات لا تخضع لإشراف الدولة اللبنانية، بحسب اتفاق سابق بين الدولة والفصائل الفلسطينية، فإنه ليس صحيحاً أن المؤسّسة الأمنية لا تملك منفذاً إلى المخيمات. فالاستخبارات اللبنانية تحافظ على وجود لها عبر عناصرها في المخيّمات، لذلك كان من المفترض أن تلمّ بالتطوّرات الحاصلة. بالإضافة إلى ذلك، فإن أغلبية تلك المجموعات كانت على اتصال بالمؤسّستين الأمنية والعسكرية، وكذلك بقوى سياسية لبنانية، كما كانت الحال مع النائب بهية الحريري وجند الشام في مخيم عين الحلوة.

كما ذكرنا آنفاً، لا يعمل الإسلاميون السنّة في لبنان ككتلة متجانسة، بل هم منقسمون بفعل اختلاف أهدافهم السياسية والاجتماعية. وفيما ستبقى المجموعات الإسلامية التقليديّة، على غرار الجماعة الإسلامية والأحباش وجبهة العمل الإسلامي، موجودة على الساحة كلاعبين أساسيين، فإن تدهور الوضع الأمني والسياسي في البلاد سيؤدي إلى تعزيز مواقع العناصر الأكثر تشدداً في صفوف الإسلاميّين. وفي الشمال، يبدو الشرخ جلياً بين القوى الإسلامية المختلفة المنقسمة بين متحالف مع المستقبل ومعارض له. ويؤدي هذا الشرخ بالذات إلى توليد الفراغ الذي تعمل فيه العناصر المتأثرة بتنظيم القاعدة.

ويُعزى تشدّد الشبّان السنّة إلى عدد من العوامل، أوّلها التقشّف الاقتصادي والبطالة المتزايدة وغياب الخدمات الأساسية والتهميش الاجتماعي. ويؤدي استهداف الشبان في الشمال واعتقالهم وتعذيبهم، بحجة ملاحقة المتطرفين، إلى زيادة الشعور بالاضطهاد في صفوف هذه المجموعات. فبعد مواجهة نهر البارد، شنّت القوى الأمنية حملة على السلفيين الشبان، زاعمة أنها تطارد العناصر الهاربة من «فتح الإسلام»، ما أدّى إلى تصعيد التوتر وزيادة شعور السلفيين الشبان بالاستهداف.

أما ثاني العوامل المهمة فهو الدور الذي لعبته المؤسسة الدينية السنّية. فشرعية المؤسسة التي يرأسها قباني محلّ شكوك من بعض السنّة الذين يعدّونها «جهازاً تابعاً للمستقبل». وقد سبب ضعف المؤسسة غياب قيادة دينية تكون مرجعية لكثير من الشباب السنّي. والأهم أن دار الفتوى لا تشرف مطلقاً على المناهج التربوية في المؤسسات الدينية المختلفة التي يناهز عددها 300 مؤسسة في البلاد. ومن هنا، يُعَدّ ضعف المؤسسة الدينية مُسهماً بشكل مباشر أو غير مباشر في تشجيع الشبان السنّة على التشدد.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى القيادة السياسية لتيار المستقبل. فهي عدّت السلفيين، حتى الأكثر تشدداً بينهم، أدوات نفوذ تستخدمها ضدّ خصومها في أوقات التوتر السياسي. وقد يكون لهذا مفعول عكسي مع تزايد عدد السلفيين المتشكّكين في تحالفهم وولائهم لسعد الحريري نظراً إلى فشله في تزويدهم بالغطاء السياسي عندما احتاجوا إليه. ومع استمرار المداهمات والاعتقالات الأمنية للعناصر السلفية، سيزيد شعورهم بالنقمة. فهذه المجموعات استفادت من إضعاف تيار المستقبل للقيادات السياسية الأخرى في الشمال. ومن هذا المنطلق، إذا لم تغيّر الدولة اللبنانية استراتيجيتها إزاء السلفيين لتصبح أكثر حضوراً في المناطق الموبوءة بالفقر بحيث لا تترك سكانها تحت رحمة الوعود الانتخابية التي لا يُوفى بها أبداً، يبقى خطر تزايد التشدد المتأثر بتنظيم القاعدة في صفوف السلفيين قائماً بالفعل. ولعل الخطر الأكبر الذي تمثّله هذه العناصر المتشددة متعلق بالتوتر المذهبي في البلاد. وقد أظهرت أحداث عام 2007 أن التعبئة المذهبية يمكن أن تستحيل بسرعة توتراً قريباً من توتر الحرب الأهلية. وما دام الصراع السياسي في لبنان من دون حل، ستظل العناصر المتشددة في صفوف السلفيين تتمتع بنفوذ كبير. ولا تزال خطب الجمعة في العديد من مساجد طرابلس تحفل بتعابير تحريضية ضد الشيعة. ولعل انضباط حزب الله هو ما حال دون تحوّل التوتر المذهبي إلى مواجهة مفتوحة بين الطائفتين المسلمتين في البلاد. ففي يوم القدس (5 تشرين الأول)، أصرّ الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على القول: «لو قتلوا منّا ألفاً، لن نُجرّ أبداً إلى الفتنة».

من جهة ثانية، قام حزب الله بما رأته أغلبية مؤيدي تيار المستقبل «أعمالاً استفزازية»، على غرار «الاستيلاء» على قسم من وسط بيروت والإحاطة بالسرايا الحكومية وإغلاق الطرق الرئيسية والسريعة في بيروت في كانون الثاني 2007. بيد أن كلا الطرفان أدركا خطر الانفجار المذهبي، وقاما بخطوات لتخفيف حدة التوتر والتراجع عن حافة الهاوية.

ختاماً، يتأثر الإسلاميون، شأنهم شأن أي قوة سياسية لبنانية، بالتطورات الإقليمية. وستظل الأحداث في العراق وأفغانستان تثير نقاشات عديدة بين الإسلاميين بشأن دورهم في السياسة والطريقة التي يمكنهم عبرها وضع حد لما يرونه «اعتداءً» مستمراً على المسلمين.
 

* باحثة مصرية
(هذه الحلقات نسخة مختصرة من دراسة تصدرها قريباً مؤسّسة كارنيغي للسلام الدولي ومركز كارنيغي للشرق)

 

أرسل المقال أرسل المقال إلى صديق: 

Main Page