في الوقت الذي كانت ادارة الرئيس جورج بوش تشتبك سياسياً مع دول العالم كافة حول "نظام الدفاع الصاروخي" الذي قررت اعتماده في مجالات الدفاع الخارجي، ووفقاً لذلك توترت علاقاتها مع الصين والاتحاد الروسي، فضلاً عن اعتراض حلفائها الاوروبيين (فرنسا تحديداً) على استراتيجية سباق التسلح الجديدة، جاءت الحرب على الولايات المتحدة من الداخل.
ومثل هذه الحرب المفاجأة التي وقعت دون سابق انذار، ودون اعلان رسمي عن قرع طبولها، من المؤكد انها سوف تفرض على الاستراتيجيين الاميركيين مراجعة خططهم الدفاعية والأمنية طبقاً للقواعد التالية:
أولى هذه القواعد، تنص على ان اعتبار القوة العملاقة ليست قوة مطلقة، فهي قوة بالمعنى والفارق النسبيين قياساً مع القوى الاخرى، وبهذا المعنى، فإن قوة الولايات المتحدة التي لم يعرف التاريخ نظيراً لها من حيث القدرة على تدمير العالم برمته مرات عدة، غير قادرة على توفير حمايتها الذاتية بالمطلق، وهو الأمر الذي يعني انها تنطوي على العديد من نقاط الضعف، وأهم نقاط الضعف تلك هي الحرب عليها من الداخل وبتكلفة لا تُقاس مع الانفاق العسكري الضخم الذي يخصص سنوياً لموازنة الدفاع المقدرة بمئات المليارات من الدولارات.
وثانية القواعد تقوم على اهمال الاستراتيجيين الاميركيين للمخاطر المتأتية من الداخل، ذلك ان كل الخطط العسكرية والأمنية منذ فك العزلة الاميركية عن العالم بعد الحرب العالمية الاولى، والانغماس الكلي في السياسات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، توجهت نحو الخارج، ومن ضمن رؤية باتت سخيفة بعد الانفجارات والهجومات الاخيرة، تفرط في اطمئنان النظرة الأمنية الى الداخل.
هذه المراجعة للاستراتيجية الأمنية الاميركية، سوف تفرض نفسها ليس على مستوى الولايات المتحدة وحسب، بل على كل دول العالم التي يمكن ان تتعرض لأحداث مماثلة من الداخل، وهي أحداث لم تأخذها أي دولة بعين الاعتبار، وباتت منذ الآن وصاعداً حدثاً متوقعاً ومحتملاً في أي مكان.
الأمر الآخر الذي يمكن التحدث عنه اميركياً، يكمن في اخفاق الاستخبارات الاميركية بتوقع الاحداث، ففي حين ان التقارير الاميركية كانت تتحدث عن احتمال تعرض المصالح الاميركية في الخارج لهجومات مختلفة، فإن أياً من التقارير لم يشر الى امكانية حدوث هجومات داخلية، وبالتأكيد سوف يتعرض قياديو الاستخبارات الاميركية للمساءلة حول هذا الاخفاق الكبير في جمع المعلومات وتكهن الاحداث علماً ان الموازنة السنوية لأجهزة الاستخبارات الاميركية تقدر بـ"عشرة مليارات دولار".
وعلى أي حال، فإن هوية المهاجمين والتنفيذ الدقيق لخططهم الهجومية سوف تأخذ هي الأخرى، مدى واسعاً من الجدل والترقب، الا ان أهم ما يمكن ان يُقال في هذه المسألة التالي:
ان استهداف الرموز السياسية والمالية والدفاعية للولايات المتحدة ينم عن جهة منفذة تدرك غاياتها وأهدافها وهي جهة سياسية أولاً وأخيراً، لها عقيدتها وأهدافها، اذ لا يمكن لمثل هذه الهجومات ان تنفذها جماعات فوضوية كما حدث على سبيل المثال في فترة السبعينات عندما نفذ الفوضويون سلسلة هجمات داخل الولايات المتحدة راح ضحيتها عشرات القتلى، وطاولت مراكز تجارية وأسواقا وشوارع ومارة.
وبناءً على ذلك، فإن الهجومات التي تم تنفيذها بدقة وضمن نطاق زمني محدد، تكشف عن عقل منظم يقف وراء التخطيط، وهذا يعني ان ثمة جماعة منظمة وكبيرة خططت للعمليات التفجيرية منذ فترة يصعب تحديدها وليس المنفذون سوى عناصر تم تجنيدها من جانب العقول القيادية المجهولة التي تراقب الآن آثار عملياتها، وربما تخطط لعمليات مقبلة، بل أبعد من ذلك، ان العقل الجديد لهذه العمليات يعتبرها جزءاً من خطة كاملة ومتكاملة، ومن هنا من الصعب القول بأن هذه العمليات قد تكون الأخيرة، فالعقل الذي يقف وراءها اعلنها بداية حرب على الولايات المتحدة وهذا يعني ان السيطرة على هذه العمليات واحتواءها لا يمكن توقعه الا من خلال اكتشاف العقل المدبر.
واستكمالاً من هذه النقطة، باتت الولايات المتحدة أمام عدو مجهول، وهنا تكمن الصعوبة الكبرى، ففي زمن القطبية الثنائية، كان ثمة عدو واضح للولايات المتحدة وهو الاتحاد السوفياتي، وحيال ذلك تم وضع الخطط العسكرية والأمنية والاقتصادية، ولقد كان الاتحاد السوفياتي عدواً واضحاً، يمكن انكشاف خططه واستطلاع اهدافه، واستكناه عقله، وانطلاقاً من ذلك يمكن مجابهته بخطط وبرامج مختلفة، وأما مع العدو المجهول فالصعوبة تنتاب تحديده، انه اقرب الى الاشباح التي لا يمكن سوى رؤية ضرباتها وآثارها، فهي موجودة وغير موجودة، ومثل هذا العدو قد يصعب النيل منه لانه اختار الموت سلفاً، وحين يضيق الخناق عليه لا مشكلة لديه من ان يندفع نحو الموت ويدفع الآخرين ايضاً اليه...
