بين حدّين أقصيين

جوزف سماحة

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

15 أيلول - سبتمبر 2001

  تاريخ النشر:

     يُلام “الشارع” العربي على أنه أظهر فرحاً بالكارثة التي حلت بالشعب الأميركي. يُلام في الغرب طبعاً. وتحاول إسرائيل تحويل هذا “الفرح” إلى سلاح ضد الانتفاضة.

ليس صحيحاً القول إن العرب أجمعوا على الابتهاج. قلة منهم ضئيلة جداً عبّرت عن شماتة. تركت غرائزها تفيض. اعتبرت أن من حقها ذلك. وأن القسوة التي تجتازها الصراعات في المنطقة، من فلسطين إلى العراق، لا تبقي مكاناً إلا لنوع من “الانتساب” الذي يحصي فيه كل طرف خسائر الطرف الآخر، أي موتاه.

ولا بأس من الاعتراف بأن هذه الأقلية ليست معزولة تماماً. وأنها ربما تكون أقرب إلى المزاج العربي السائد، حالياً، لدى “الأكثرية الصامتة”.

ليس في الأمر مدعاة للخجل. إن فيه، بالأحرى، مدعاة إلى الحزن. الحزن على الفشل الذي نعيشه في وصل قضايانا الوطنية والقومية المحقة بالكون. لقد خطونا، في دوربان خطوة في هذا الاتجاه الصحيح، غير أن الارتداد وارد في كل لحظة.

لقد كان الأجدى أن يتماهى العرب مع الضحايا الأبرياء. فعرب الانتفاضة، وعرب العراق، وغيرهم، هم في هذا الموقع. إلا أننا نعاني من رفضنا الصراع على احتلال وضعية الضحية. فهذا الوضع هو الأكثر التصاقاً بالحقيقة غير أننا نأبى أن نحاول الاستفادة من الرصيد المعنوي والأخلاقي والسياسي الناجم عنه. وبدل أن نقاتل في سبيل ذلك، وننتج الثقافة الملائمة له، ونتبع السياسات الملائمة، ننقاد إلى التعلق بأوهام تعويضية تجعل من مهاجمين للمراكز الأميركية بدلاً عن ضائع هو الجهد العربي الجماعي للدفاع عن أبسط الحقوق. إن الابتهاج بالمشاهد التلفزيونية، حاملة البؤس الشعبي الأميركي، هو الوجه الآخر للمشاركة في الانتفاضة عبر متابعة أخبارها على الشاشات. أكثر من ذلك، إن الوعي السياسي وراء هذا الابتهاج ناجم عن تيار قوي تشكل نبرة بعض الفضائيات لغته.

غير أن ما تقدم هو شطر من المشهد العام.

الشطر الثاني هو أن العرب محكومون بنخب تغالي في واقعيتها و”براغماتيتها” على حساب الكثير. تلتقي. تجتمع. تتحدث. تحرّض. ترفض. تقرّر. تدين. تستنكر. ولكنها لا تقدم على خطوات ملموسة من أجل دفع قضايا الأمة وأوطانها إلى الأمام. لا تملك، على الصعيد الوطني أو القومي، أي مشروع سياسي، أو اقتصادي، أو ثقافي... إلا إذا اعتبرنا “إعادة الهيكلة” هي هذا المشروع الخطير!

ويمكن، مع بعض المبالغة، القول إن هذا التطرف في الوداعة مسؤول، إلى حد كبير، عن التطرف الآخر. إنه القابلة التي تستولده وترعاه. وهو، إذ يحاول ممارسة قدر عال من الضبط الاجتماعي. يعجز عن سد المنافذ كلها فتحصل انفجارات عصية عليه وتلقى استقبالاً إيجابياً يمعن في إبعاد العرب جميعاً عن تحصيل ما لهم.

يعيش العالم العربي هذا الانشطار بين حدين أقصيين. وتكاد تختفي عن المسرح السياسي القوى الشعبية (والرسمية) المنظمة العارفة كيف تمنع واقعيتها من أن تصادر سعيها إلى بناء موازين قوى هي الشرط الضروري لانتزاع مكان محترم في العالم.

سترتد كرة النار إلينا. وربما علينا. ما العمل حتى لا نعيش بعد 11 أيلول ما عشناه بعد أول آب 1990؟ البقاء خارج “التحالف” ليس سهلاً. ولكن الأخطر هو الانضمام غير المشروط إليه.

هل في الإمكان بلورة سياسة عربية إجمالية تميّز بين الإرهاب والمقاومة، وترفض الاقتصار على معالجات أمنية، وتدعو إلى حلول عادلة لمشاكل المنطقة والعالم؟

 

 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic