الإرهاب بلا و جه لكن العنصرية تخفي وجهها

عباس بيضون

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

21 أيلول - سبتمبر 2001

  تاريخ النشر:

 

     أفكر بكتابة بيان الى مثقفي العالم. ليست فكرة ميغالومانية ولا هذيانا نرجسيا. إذا كان العالم صغيرا بحيث يملأه رجل واحد كابن لادن فإن من الممكن ان يفكر كاتب في طرف العالم بتوجيه رسالة إليه، الى العالم ومثقفي العالم ومتنوري العالم، لكي يتدخلوا في نصف الساعة الأخير قبل قيام المحرقة وليكون هناك رأي ورأي مخالف في الوقت الذي يعلو فيه التعزيم والصراخ الوطني والأعلام الأميركية والدعوات الى التطهير والثأر. 

لقد افلتت من فم رئيس الولايات المتحدة كلمة “صليبية” وإذا لم ينجح تماما في تداركها فإن الجموع الثملة بالربيع الوطني لن تتردد في ان تقولها، ومن يلومها، إذا كان الهتاف اليومي من سنين طويلة في ديار الإسلام الأصولي هو “الموت لأميركا”. الموت لأميركا ومن بعده بداهة وضمنا “الموت للأميركيين” كما حققته الطائرات الانتحارية وهي تحوّل الصفيح الأميركي واللحم الأميركي معاً الى قنبلة حية. من يلومها إذا صاحت “الموت للإسلام” وبعده بداهة وضمنا “الموت للمسلمين”. من يلوم الأميركيين إذا استلموا من فم الرئيس الأميركي كلمة الصليبية إذا صدقوا ان النظام الأميركي ونموذج الحياة الأميركية مهددان. إذا تعلموا من رؤسائهم ان هناك حربا على أميركا، حربا من قوة أخرى وجيش آخر وثقافة أخرى. من يمنعهم من ان يفهموا انها حرب مقدسة لأنها دفاع الوطن والثقافة (الكلمة التي توازي الدين في القرون الماضية البعيدة) ونموذج العيش (الكلمة التي توازي الهوية او التقاليد) والنظام (الديموقراطية التي تغدو فجأة حقيقة قومية). انها حرب مقدسة دفاعا عن التراب والهوية والديموقراطية. وإذا كانت أميركا هويات وأديانا وثقافات فلتفهم كل هوية انها مقصودة وكل دين وكل ثقافة انهما مقصودان، أما العدو، أما الثقافة المعتدية، أما الجهة التي تتهدد التراب والوطن، أما الطرف الذي يهدد النظام والهوية، أما العدو فليس غزوا فضائيا والأرجح ان أميركا بعد ان استقرت قوة وحيدة عظمى لم تكن لتخاف إلا من غزو فضائي كما تدل السينما الأميركية. ليس كوكبا آخر. العدو أرضي بالتأكيد لكنه في غموض الغزاة الفضائيين ومثلهم كما يقول بوش بلا وجه. 

رغم ذلك يعلم بوش انه يهدد التراب والوجود والثقافة وطريقة العيش والنموذج الأميركي. يعلم عنه بوش كل ذلك. يعرف برنامجه وثقافته وخطته لكنه لا يعرف وجهه. ليس غزوا فضائيا بالتأكيد لكنه يشبه الغزو الفضائي. يصح هذا في السينما، ففي الخيال العلمي وحده نجد علما كاملا لكائنات بلا وجوه. لكننا لا نعرف على الأرض تهديدا حضاريا وثقافيا واخلاقيا يأتي من لا احد. ان ثقافة المرء وبرنامجه وجهه ولا يحتاج الى أمارة أخرى لنتعرف عليه ونعرفه، تحول بوش الى محرض او هو لا يستطيع ان يكون أكثر من ذلك. محرض لم يستطع ان يدخل خرافته من باب السياسة والتاريخ فأدخلها من باب الخيال السينمائي. يصدق الأميركي العادي الذي رأى مرات عديدة على الشاشة دمار نيويورك ان ذلك يمكن ان يحدث من قوم لهم خطة وليست لهم وجوه. يستطيع الأميركي العادي ان يخلط بين الخيال العلمي والواقع وأن يحول الخيال العلمي الى امثولة واقعية لكن التحريض لا يتوقف هنا. يتحدث بوش عن تهديد ثقافي وحضاري ويعطي قرينة واحدة، تلميحا واحدا: بن لادن. الاحجية كما نرى سهلة، التهديد الضخم ليس من دون اثر جرمي، وإذا عرفنا الأثر (بن لادن) فإن الأميركي العادي سيقدر بسهولة على حل اللغز. انه الإسلام والمسلمون. لن يحير هذا الغربي العادي. نموذج الاسلام موجود بالتأكيد في لا وعيه. انه احد النماذج البدئية التي يحملها في لاوعيه وإذا اختفى فإنه يعود الآن. الاسلام كاسم آخر للبربرية. لقد افلتت كلمة “صليبية” من فم بوش. لن نعود الى سيكولوجيا الهفوات لكن النموذج البدئي الاسلامي يعود بالتحريض، البدو على الحدود. انهم يهددون الحضارة والثقافة والنموذج وطريقة العيش. البدو الغزاة الفضائيون المسلمون كارهو الحضارة والديموقراطية. يمكن لخلطة كهذه ان تمر في لحظة كهذه. لن يسأل احد ولن يتحقق احد. بدأ الكلام في اليوم الاول عن “ثقافتنا وطريقة عيشنا”. في اليوم الثاني سمى باول، في اليوم الثالث سمى بوش بن لادن، لكن الاسم معطوفا على كل ما سبقه كان يعني الإسلام. 

سينما العنصرية 
ولدت مسلما لكنني لست متدينا ولن تؤدي هذه الحملة الضروس الى ردي الى الحظيرة. وبعيد عني بالطبع ان اصفق للطالبان او احول بن لادن الى رمز لكن حملة بوش والادارة الاميركية لم تكن وحيدة. ما ان وصل نبأ الكارثة حتى بدأ المعلقون على شاشات التلفزة الفرنسية يتبسطون في القول ان العرب يكرهون بوش او ان هذا السلوك هو في الطبع والدين “إنهم يقولون لأطفالهم موتوا فالله ينتظركم في السماء”، كانوا غاضبين ويحق لهم ان يغضبوا لكن الكلام الذي ارسلوه استحضروه في الغالب من كوامنهم ورواسبهم، كان حاضرا ولم يجدوا صعوبة في رده. لن نناقش العلاقات المعقدة بين الاسلام وأوروبا لكن الكلام عن الإسلام على هذا النحو من دون احتياط ولا حساب لمليارين من معتنقيه لا يدل إلا على ان هذه المنطقة من وعي الديموقراطيين الغربيين لم تتعرض فعلا لمراجعة. على ان الديموقراطية الغربية لا تزال بعيدة عن فحص ضمير لعلاقتها بالإسلام. لو كان الفاعل غير عربي ولا مسلم لما جرى الحديث عن ثقافتين وطريقتي عيش، وعن حرب شاملة. لما امكن صناعة العدو “الشامل”. 

كانت احداث نيويورك وواشنطن فيلما حيا بالتأكيد، ولا نعرف اذا لم تكن النتيجة الافظع لهوى السينما، صورها الاولى استدعت فورا ولدى الجميع الذاكرة السينمائية، لكن العجيب ان الكلام عنها بدا كأنه يواصل سيناريو فيلم، لولا ذلك لم يكن ممكنا الحديث عن حرب على اميركا من اميركا. على حرب بالمعنى الذي جعل الرئيس لا يجازف بالعودة الى واشنطن ويقضي ليلته في ملجأ نووي مع نائبه. لقد كان ذلك في مخيلة سينمائية غزوا شاملا لنيويورك وواشنطن فيما الرئيس ونائبه ومساعدوه الشجعان ينظمون المقاومة من الخارج. كان كل ذلك ممكنا فقط في الخيال السينمائي. إن صناعة العدو الشامل من اي كان، واعتبار حدث ولو بكارثية تفجير المركز التجاري والبنتاغون غزوا شاملا هما بالتأكيد من قبيل غزو السينما للواقع، الامر الذي كان مدبرو العملية ايضا تحت وطأته. 

غزو السينما للواقع او “منطق” السينما ومرجعية السينما هي التي سهلت، من دون اي حساب عسكري او سياسي، تحويل صدام حسين حتى بعد ان ظهرت طفولته العسكرية في معركة الكويت ورأى العالم كله كاريكاتوره الحربي، تحويله الى عدو خطر مرهوب والمثابرة على إحيائه كعدو خطر ومرهوب، وإعادة تحطيمه في كل مرة يرجع بعدها عدوا لا يموت، لعبة (Game) مستمرة. والأرجح ان بن لادن يمكنه ان يغدو كذلك بالمنطق نفسه والمخيلة نفسها، لكن اثناء ذلك يغدو الإسلام هو الوحش الاسود، ويغدو ممكنا اشباع النعرة العنصرية ضده من دون حرج، بل يغدو ممكنا تمييز مليارين من البشرية وكأنهم كائنات اخرى وجنس آخر “شيء كالغزاة الفضائيين” بضمير مرتاح، وكأن ذلك لا يعدو دفاعا عن الكوكب وعن الحضارة البشرية والعلم البشري ضد آخرين بلا وجه، ضد برابرة من خارج العالم. 

الغريب ان كل ذلك حصل من دون ان يشعر ديموقراطيو العالم بأنه يغرق في عنصرية بأحجام هائلة هذه المرة وأنها عنصرية ضد الإسلام الذي يشكل كتلة كبرى في العالم الثالث مما يجعلنا نخشى ان تكون العنصرية هذه المرة والتمييز هذه المرة ضد العالم الثالث كله. عنصرية المتحضرين ضد البرابرة. وإذا كانت الصيحة في بقاع من العالم الثالث هي “الموت لأميركا” فإن الصيحة المقابلة “الموت للعالم الثالث” يمكن ان تدوي من دون ان تسمع. يمكن لكل شيء ان يحدث من دون يحدث وكأنه يحصل على الشاشة، يمكن للعنصرية ان تجدد نفسها، من دون ان تبدو خطرا وكأنها مجرد خيال علمي. ربما يجعلنا هذا الفكر فعلا في الايديولوجيا الضمنية لأفلام الخيال العلمي، والى اي حد يمكن ان تشكل هذه “إعلاءً” خفياً لنعراتنا. 

صناعة العدو، الإسلام. اذا كان بيار اسولين قال صادقا عن ويلباك انه جاهل بالإسلام فإن ما فاته ان ليس هناك حاجة لمعرفة الإسلام لكرهه. المعلقون الذين يجهلون الاسلام ايضا قالوا على شاشات التلفزة الفرنسية انه دين يشجع الاطفال على الموت ليغدوا في احضان الرب. انه فجأة ديانة الانتحار، هو نفسه الدين الذي تكلموا عنه مرة ماضية بأنه دين الملذات الدنيوية. لم يصل المعلقون بين الكاميكاز الياباني والبوذية ولا بين الانتحارات الجماعية في اميركا والمسيحية. لم يتذكروا حتى الشواهد العصرية لشيع انتحارية. ليس للإسلام موقف من الانتحار يختلف عن المسيحية. حياة الانسان وجسده امانة لا يستطيع الانسان التفريط بها، لذا لا يمكن البحث عن جرثومة الانتحار في الدين نفسه ولا في الشعب نفسه. لا نملك الآن سوسيولوجيا للعمليات الانتحارية، فالوعد بالجنة لا يكفي لتكوين جماعات انتحارية، لكن يمكننا ان نتكلم مجازا عن وصول قضايا واتجاهات الى مأزق انتحاري. يمكننا ان نجد ان السباق التحديثي والهوية الوطنية والاستقلال الثقافي وحتى التقدم والدولة والديموقراطية هي قضايا عالقة راكدة ومتأزمة الى درجة الاستحالة. وقد يكون الموت معادلها بالنسبة لكثيرين، وقد لا يكون قتل الذات والآخر سوى الاحتفال المثالي بموت القضية نفسها. ذلك على كل حال فرض. لكن جر الآخر الى المقبرة الخاصة وقتل الذات والعدو هو إنهاء للمعركة على نحو مشهدي. 

إنك أيضا تكبد خسارتك للعدو/ الآخر وتمنعه على الأقل من أن يستفيد منها. كل هذا فرض في فرض. أما المرجح فهو أن الذين سارعوا الى استخلاص السبب من الإسلام والذين اعتبروا أن جرثومة العنف عالقة في الدين منذ ابتدأت دعوته من 15 قرناً، هؤلاء لا يريدون أن يعرفوا شيئا عن متهميهم. يريدون أن يكون العنف الانتحاري والتعسفي وصمة دين بكامله وقوم بكاملهم منذ كانوا الى أن صاروا والى الأبد. وسم الدين لا يختلف هنا عن وسم اللون أو العرق. العنصرية لا تعدم اليوم من يجددها وينشرها بقوة التحريض الرئاسي وستنتشر من دون احتياط وبلا ممانعة قبل أن تتعرف على نفسها بوصفها تمييزا ونبذا. إنها العنصرية التي تتخذ طابعا كوسموبوليتيا: رفض الملونين ثقافيا، الملونين أيديولوجيا ودينيا، أي إنها العنصرية التي تعود خفية عن نفسها وغالبا باسم آخر وبلا وجه. لكنها ستكون طويلة ومديدة وشاسعة بالتأكيد. ففي اللحظة التي يبدو فيها العالم كأنه استقر على وفاق أخلاقي ضد التمييز، يجد نفسه من دون حرج ولا مقاومة في وسطه. 

تهديد الديموقراطية 
إنها الحرب، يقول الرئيس الأميركي، ونحتاج بالطبع الى خيال سينمائي لنصدق أن الحرب أعلنت على الولايات المتحدة من داخلها. لكن الرئيس صدق ورفض أن يكمل الى نيويورك. صدق الرئيس واختبأ من الغزو. التوتاليتاريات وحدها كانت تعتبر نفسها في بلدها وفي سياجها في حال دفاعها. تعتبر نفسها على أرضها وفي حقها مهددة دائما. هذه المخيلة لا تحتاج الى أن ترى العدو لتخاف منه وستعتبره قويا بمقدار ما هو خفي وبلا وجه. قويا بمقدار ما يظل ذريعة استنفار وطني وربما رئاسي (اختراع العدو موضوع أكثر من فيلم نقدي أميركي). إنها المخيلة التي تبتكر هتلر من صدام حسين وربما تبتكر غازيا فضائيا من بن لادن وتلوح بالتأكيد بدمية العدو لتخيف نفسها وتخيف الآخرين. 

أليس على الديموقراطية الغربية مسؤولية ما تجاه العالم الاسلامي. أليس على المثقفين واجب ما لإنقاذ هذا العالم. إذا كانت المسؤولية معولمة فماذا فعلت الديموقراطية الغربية والمثقفون الغربيون لمنع اغتيال الديموقراطيات الوليدة وانتحارها أحيانا. لن نراجع التاريخ لنرى كم تآمر الغرب على هذه الديموقراطيات وكيف نحرها في أحيان كثيرة. لكننا اليوم لا نعلم ماذا تعني المسؤولية العالمية وكيف لا تغدو حقيقة واقعة فقط إلا في حملات التأديب. أي مسؤولية عالمية عن الفقر والاستبداد والاضطهاد هي اليوم. لا نعلم هل فكر التحالف الغربي بمصلحة الديموقراطية في العالم الإسلامي وهو يعد لحملته التأديبية الآتية. حورب صدام حسين بتجويع العراقيين وبقي صدام حسين دمية للعدو يخيفون بها شعوبهم ودول المنطقة. واليوم سيكون بن لادن آخر من يصلون إليه في أفغانستان، وسيكون نظام طالبان آخر من يسقط، وسيكون الشعب الأفغاني بالطبع هو ضحية الاثنين. 

الإرهاب ليس في أفغانستان وحدها. إنه بالدرجة الأولى في أوروبا وأميركا، والحجة البسيطة التي لا يريد أن يفهمها النظام الأميركي ولا أن يراها، هي أن الارهاب الأقوى والأخطر، الارهاب الذي استفاد لا من التكنولوجيا الغربية فحسب ولكن أيضا من النموذج الغربي والنظام الثقافي والتعليمي والاجتماعي الغربي. إنهم يعيشون في الغرب وقد تكون القاعدة في أفغانستان إلا أنهم قد يتركونها الى الغرب نفسه. لا يريد الرئيس الأميركي أن يسمع بجماعة هامبورغ ولا بما يتبادر من أن الخطة والوسائل وضعت جميعها في أوروبا وأميركا، في مجتمعات الغرب وبين ظهرانيه. لا يريد أن يسمع إلا أن العدو يختبئ في قندهار. إلا أنها حرب بين ثقافتين وحضارتين وستذهب جيوشه لتدمر الثقافة الأخرى وطريقة العيش الأخرى. لن يجدوا ما يدمرونه حقا سوى المدمر والمتأزم والبائس لكنهم بالتأكيد سيعطون حجة لكل ما هو خيالي وغير معاصر وغير معقول في تلك الثقافة المنازعة التي لم تستطع أن تتحول الى عمل وطريقة عيش ولم تقدر أن تكون سوى كرسي للشلل ومحطة للركود. سيبعث الرئيس الأميركي جيوشه ليجعل من ابن لادن رمزا، ومن التعاليم الطالبانية التي عافها حتى الأصوليون اقتراحا جديا. سنسمع بها في مصر ولبنان وإيران وفي مجتمعات فاتتها من زمن. ستكون الطريقة الطالبانية بعد قليل الفضلى للتنصل من الغرب والعالم والحياة في العزلة والتطهر والتكفير. ستنمو أيديولوجيا انتحارية ستهدد المخالفين والجيران بمقدار ما تهدد الغرب وأميركا. ألا نذكر أن انتحاريين ضحيا بحياتهما لقتل شاه مسعود زميل الجهاد والقائد الإسلامي. لا يمكن قتل أيديولوجيا الانتحار بالطائرات. هذا ما لا يعلمه رئيس في ذكاء جورج بوش. 

إنها رسالة الى مثقفي العالم بلا مزاح. إذا كان بن لادن اليوم يملأ هذا العالم الصغير، فإنها فرصة لنقول كلمة ولنأمل أنها ستسمع. أيها المثقفون، عليكم واجب تجاه الديموقراطية والثقافة وتجاه الإسلام نفسه إذا شئتم حقا أن لا يغدو عدواً.

 

 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic