التحول... كيفما جاءت الضربة الاميركية وأين

رفيق نصرالله

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

25 أيلول - سبتمبر 2001

  تاريخ النشر:

 

     العالم مدهش... والدهشة صناعة ناسه.. ما قاله صموئيل بيكيت ربما ينسجم مع ما يتحدث عنه الخبراء الاميركيون وهم يشيرون الى الجائع الاميركي الذي يريد ان يلتهم الكرة الارضية لأنها... تكاد تخرج عن طوعه. 

كم تشبه ملامح هذا الاميركي... ملامح اولئك الذين جلسوا يوما حول الطاولة ليتقاسموا الخرائط بعد الحرب العالمية الاولى وينتدبون انفسهم عليها.. وبدا ان (الانتداب) هو الاسم الجميل للوحش الذي يتقاسم الفريسة ويتناولها قطعة قطعة. هل حان وقت تبادل الخرائط من جديد بين الاميركي والاميركي هذه المرة!... 

يليق بالألفية الثالثة ان تلتف على نفسها لتنسخ خرائط جديدة... بعد ان انهزم القرن الماضي وانكسرت كل ايديولوجياته. 

منتصر ومنهزم، تحولات، ولادات جديدة ومناخات مختلفة هذا ما تنتجه الحرب العالمية الثالثة قبل ان تبدأ. 

ولعل أهم ما ستسفر عنه هذه التحولات تنطلق حتما من معادلة تقول ان امتحانا ستواجهه شعوب عديدة ومنها الشعب العربي الآتي من احباطات متكررة منذ ما بعد نكسة عام 1967 وهو الذي استنسخ تحت مظلة تجليات متعددة من الانكسارات، ولعل آخرها ما ستحمله صفة “الحرب العالمية الثالثة” التي اتفق عليها من الآن وهي انتداب آخر لعالم يزداد انشطارا. 

انه امتحان مباشر عبر صدمة بمستوى الكون سيقود الى التحول الذي يصيب مفاصل ادوات التغيير متى واجهت هذا الامتحان الآن... ولنعترف مبكرا اننا امام محنة كبرى... لكنها في النهاية ليست يوم القيامة الذي لا نهوض بعده. 

ان اكثر الذين يخرجون من المحن الكبرى ينتسبون للنخب قبل العامة.. النخب السياسية والثقافية التي تبدأ بطرح اسئلتها، مع ان العامة هم اول من يخرج الى الشارع بانفعالاتهم. 

والنخب العربية السياسية معنية بهذا الامتحان، كما شرائح العامة ايضا، كما قوى التفاعل بمختلف مواقعها، والذين وقعوا في فك السراب منذ اكثر من ثلاثة عقود وظلت اسئلتهم حائرة ومحيرة... جاءتهم الصدمة الكاملة اخيرا. 

هذه النخب يأتي بعضها من مد قومي واجه انشطارات وانكسارات، ومن تجليات يسارية يحن اليها كثيرون رغم الزلزال الذي جاء مع انهيار المنظومة الاشتراكية، وآخرون من تجليات الاسلام السياسي المختلف الانفعالات والاساليب للتعبير عن ذاته وهو الذي برز منذ سبعينات القرن الماضي، كما ثمة من ينتمي الى شرائح شبابية تائهة وأسيرة لمنطوق العولمة وزمن الانتماءات السهلة، وبات حضورها بلا معنى وراحت تبحث عن ذاتها... كلهم سيطرحون الاسئلة... ويبحثون عن اجابات لما بعد الضربة الاميركية.. 

انه امتحان سيقود حتما الى حالة ما لا بد من التسليم مبكرا بأنها ستؤسس لعناصر ولادة قد نسمها ربما حركة تحرر جديدة آتية من كل هذه الانتماءات، ومن شظايا ما سيخلفه الاميركيون وراءهم. وستحمل معها كل ما ستنتجه الضربة الاميركية القادمة (الضربة الصدمة)، وبمنطق التحول التاريخي فان التسليم المبكر بأن حركة تحرر جديدة لا بد وان تبحث عن نفسها وولاداتها، فانها ستكون ولادة طبيعية مقابل إعلان انتداب جديد على مناطق عديدة من هذا العالم وتحديدا ما سيطال العالم العربي الذي يواجه استحقاقا بحجم ما واجه عندما سربت اتفاقية سايكس بيكو. وكأننا نعود لحركة نهضوية جديدة لمقاتلة استعمار قديم اسمه الاميركي الآن. 

ولاننا أمام انتداب جديد، لا بد من ان تولد حركة تحرر جديدة قد تنجح هذه المرة في حفر مسارها في عالم مختلف وبأساليب متعددة تتجاوز آلية وحركية ما مارسته حركات التحرر العربية منذ بدايات القرن الماضي وهي تخوض حرب الاستقلال برومانسية خارجية من قرون طويلة... انه الاستعمار ولكنه يأتي هذه المرة عبر الاقمار الصناعية وليس عبر تسريب خرائط سايكس بيكو. 

ولعل القراءة المبكرة لبعض التصريحات الاميركية تحمل اشارات لوعي اميركي مبكر ايضا لما قد تحمله الضربات الاميركية من نتائج بعيدة المدى. 

ولهذا سارع الاميركيون الى التبشير بمقولة ان الحرب ستستمر لسنوات ولن تقتصر على ضربات محدودة وسريعة بما يحمل اشارات على ان واشنطن تريد ايضا ان تحد من اي ولادة لمسارات جديدة لدى القوى العربية التي ستحمل لواء التحرك بآليات مختلفة لمواجهة تجليات ما سترسمه الضربة الاميركية بكل ابعادها خاصة في ظل الخطأ الاميركي الذي بشر بحرب صليبية رغم اعتذاره عن توصيف العبارة. 

الاميركيون بعد عشر سنوات من حرب الخليج تغتالهم الادوات التي صنعوها يوما وتصلهم شظايا التجليات الاصولية والسلفية التي كانوا يركنون لها ويجدون أنفسهم امام خارطة تغلي بقوى وان كانت متعددة الطروحات، الا انها تأتي من مدرسة سياسية هي ربما تنتمي للاسلام السياسي علنا كتعبير عن حركية تحرر جديدة لم تظهر معالمها واضحة وفق ما يؤمن به بعض رموز هذا الاسلام السياسي الآتون من انتماءات قومية ويسارية مقهورة. 

ورغم القناعة بأن حالة اسلامية رغم بذور نشأتها في كنف غربي كما يرى البعض هي التي تحولت الى العدو الاول للعقل الاميركي، الا ان ثمة من يعتقد بأن ما جرى في نيويورك وواشنطن ليس من صناعة هذه الحالة التي لم تصل بعد الى هذا المستوى من التحدي. 

ولعل هذا قد يبرر للبعض الآخر ذهابهم في تحليل كل ما جرى على انه بدعة اميركية رائعة الخيال مدهشة التنفيذ كونها تشكل نهاية ولو مفجعة لحقبة طويلة من عمر هذا العالم نحو حركية اخرى رسمها العقل الغربي بهذه الصورة السوريالية. فواشنطن تريد وخلفها أصحاب مصالح مختلفة ولادة نظام جديد يختلف عما رافق نهايات مرحلة إسقاط المنظومة الاشتراكية وتجليات حرب الخليج والعناصر المقلقة لبدايات زمن العولمة. 

لعلها احدى علامات سقوط المنطق الرأسمالي العالمي للقرن العشرين بحثا عن منطق آخر تبدو معالمه واضحة في فرض هيمنة مباشرة على اجزاء كبيرة من هذا العالم ضمن الفلكية الاميركية التي لم تطرح بعد توصيفات هذه الهيمنة والتي يراد لها ان تأخذ شكل الانتداب المباشر وهو ما اكدته معطيات حرب الخليج. 

وكأن الولايات المتحدة اكتشفت الآن اهمية الانتداب المباشر عبر اتباع سياسة جلوس الدب على ضحاياه حتى لا تخرج الضحايا عليه يوما وهو مثقل الحركة. 

الاميركيون سيخوضون حربا بكل اتجاه... هم امام حرب الجهات كلها رغم ان أهدافها حددت عبر النافذة الافغانية اولا، لكنهم حكما سيثيرون الكثير من الغبار وهم يقصفون مساحة من السراب تشبه المساحة العارية لتضاريس افغانستان حيث ترك جينكزخان وغيره وهم يعبرون قعر آسيا الوسطى رائحة الانفلات لفقراء يصرون على فقرهم ولجبال تصر على ان تخلع عنها ثوب الحياة وتؤمن بأيديولوجيا الانغلاق وراء أسوار الحذر ولو عبر سمة الانتماء الديني. 

الكثيرون... سيصلون مع الاميركيين... وإسرائيل... هناك... تحاول ان تقيم تحالفا ضمن التحالف لتجر الاميركيين الى اهداف اخرى ليس على مستوى الساحة العربية فقط بل ايضا نحو قفزة الموت في باكستان كما وصفها احد الاسرائيليين. فعين اسرائيل على قنبلة باكستان النووية. وها هي الفرصة التاريخية جاءت لكي (تغتال اسرائيل القنابل من حولها). ألم يتحدث بيريز يوما عن الرياح السامة التي قد يرسلها الينا غير العرب من الشرق في إشارة لباكستان وإيران. 

ولعل هذا ما يبرر بعض الاصوات التي ظهرت في اسرائيل والتي تطالب بفتح حوار مبكر مع الهند لجرها الى دور ما في أفغانستان، لتجرها فيما بعد الى مواجهة مع باكستان وعندها تكبر مساحة الانشطارات التي تحدث عنها كيسنجر يوما. 

الاميركيون قادمون هذه المرة نحو قارة تضم اناسا يكرهون اميركا كيفما كانت ولن تجبرهم ال ب 52 على سحب هذه الكراهية لأنها تنمو بالغريزة. 

والعرب... بعد الحرب العالمية الثالثة هم تماما كما كانوا بعد نهاية الحرب العالمية الاولى العالم كله جاءهم بانتداب آخر... وعليهم ان يستعدوا فلا أحد يجلس القرفصاء امام الخرائط المتقلبة. 

ان جيلا عربيا جديدا سيطرح الاسئلة على نفسه... جيل من شباب عرب... هو الجيل الباحث عن هوية... وعن موقع... سيطرح السؤال بعد الموت الاميركي القادم.. من نحن؟... 

جيل دفع ثمن العولمة بسخفها وانتماءاتها الفارغة... جيل الوجبات السريعة والثروات السريعة... والخيبات المتعددة على مستوى انكسار مصداقية النظام العربي السياسي العام... جيل سيحركه الموت نحو السؤال الصعب. 

ولعل بعض المتفائلين من قوميين عرب ويساريين عرب ايضا بدأوا يتحدثون بفرح مبكر عن الفرصة التاريخية التي ستأتي بها الضربة الاميركية لأنها ستقود حكما نحو الولادات رغم انها ستكون ولادات صعبة وقيصرية، فالعرب... لن يكونوا كما كانوا... انه التحول كيفما جاءت الضربة الاميركية وأين!... 

انها الحرب التي ستعجل نتائجها... في حسم الخيارات... وكشف المستور.!

 

 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic