|

|
مذهل البابا يوحنا بولس الثاني في زيارته بلداً مسلماً وهو قازاقستان، فيه اقلية روسية وكتلة صغيرة من ابناء كنيسته. له رأيه في الاسلام، لكن اشواقه ان يتعايش المسلمون والمسيحيون في سلام على مستوى من الكرامة واحد في العالم كله. قال الاميركيون هذا اخيراً من الناحية الكلامية وامنيتي ان يعوا ما قالوه. ولهم في ذلك منفعة. لا بد لهم ان يتساءلوا عن السبل التي يقترحونها ليعايشوا ليس فقط الاسر الاسلامية الغنية الحاكمة ولكن الفقراء المسلمين.
اسامة بن لادن طارئ قد يحاكم ان وجدوه وقد لا يجدونه ان هرب او اختبأ. باسم اي قانون تفرض الولايات المتحدة عقاباً جماعياً على الشعب الافغاني؟ الا يعني هذا ان الدولة العظيمة هذه تقيم وحدة عضوية بين هذا الشعب وحركة "طالبان"؟ هو المنطق اياه القائل بأن التخلص من الرئيس صدام حسين يمر بقتل اطفال العراق.
ثم لفتني ان هذه الدولة الاوروبية او تلك استيقظت اليوم للتفتيش عن الارهابيين واخذت تكشف اسماءهم. هذا يعني ان لهم ملفات في دوائر استخباراتها. لماذا استيقظت اليوم ولم تطاردهم قبل حادثة نيويورك وواشنطن؟ وما يذهلك ايضاً ان تبدو دول صغرى متهمة بإيواء ارهابيين قد تابت اخيراً لتعلن حلفها مع الاميركيين. لماذا لم تتب قبل ذلك؟ هل ستخترع ارهابيين لتثبت ولاءها للولايات المتحدة وتكسب رضاءها وما يعني ذلك من ربح على كل صعيد، الامر الذي لا يضعف الهيمنة الاميركية بل يزيد استقطابيتها ويغذي عنجهيتها؟ الاكابر لا يظهر شيء انهم مستعدون للتخلي عن الاستكبار وعن تحقيقه في الحرب وهي وحدها تدل على العظمة كما يفهمها اهل الدنيا.
الحرب كل من شنها في حاجة الى ان يعتبرها عادلة وتالياً عقلانية. عقلانية لانها تقوم على عدد من الموتى عندك تقرره انت وعلى عدد من الموتى تقرره عند العدو وتقوم على مصالح الدولة التي تحارب او حلف الدول التي تحارب. الحرب تغطيها دائماً اناشيد الحرية ولجوء الى الاله الذي يحب الديموقراطية. ويعطى هذا اسم الحق الدولي بغية السلام. ذلك ان كل الذين خاضوا الحروب ادعوا انهم يفعلون ذلك في سبيل السلام.
والحرب الحديثة لها منطقها منذ نظّر لها النازي باختراعهم الحرب الشاملة. وقد اخذ بهذه النظرية الاميركيون لما دمروا دريسدن في المانيا ولم يبق فيها حجر على حجر ثم لما ألقوا قنبلتين ذريتين على اليابان. هذا اذا لم نذكر ان هتلر كان مثالياً على طريقته اذ كان يبغي سلاماَ المانياَ في أوروبا. لا أحد يقتل بلا مثالية. هذا "أفهوم الحرب العصرية المطلقة في كل قوتها الساحقة" كما تحدث عنها الجنرال الالماني كارل فون كلاوزفيتس المتوفى مئة سنة قبل ان يصل الحزب النازي الى الحكم. انه أساسي ان تبلغ درجة من الحدة في التزام خوف العدو قبل ان يبلغها هو.
في منطق الاشياء، يقول كلاوزفيتس، ان "جيشين يجب ان يتآكلا بلا هوادة كما ان الماء والنار لا يتوازنان أبدا". وقد بات مشهوراً قوله "ان الحرب هي استمرار السياسة بأساليب اخرى".
الحرب الضروس الكاملة لا تدع مجالاً للتساؤل الفلسفي عن الحرب الشرعية. لا يبقى من مجال ولاسيما اذا كان من نقاتلهم من مساكين الارض الاّ جدلية السيد والعبد. العالم للأقوياء ولا يبقى للضعفاء الا ان يجتروا الهزيمة. الغطرسة لا تنتهي بالاحباط ولا تنتهي بالتوبة.
هل الشعوب "المذلَّة والمهانة" كما يقول دوستويفسكي محكوم عليها أبداً كالكلاب ان تقتات من الفتات المتساقط من موائد أربابها كما يقول الانجيل، أي أن تكون محرومة انتاج التكنولوجيا والسيادة على نفسها؟ أليس في هذا عنصرية خفية أو غير مقولة عند الكبار؟ أليس هذا ما رفض العظماء ان يقولوه في دوربان ليفوتوا على انفسهم مرة واحدة فرصة التساوي في الكرامة؟ أليس حق النقض في مجلس الامن وقد شرع له منذ نشأة هيئة الامم، أليس هذا تكريساً لقسمة الشعوب بين كبار وصغار؟ الغرب هو دائما بروميثيوس الذي سرق النار من الالهة ليعطيه البشر خفيا في قضيب فارغ وهو الذي علمهم الحضارة: فن البناء وترويض الوحوش وصنع المعادن والكتابة والقراءة. للغرب وحده حق الاشراف على البشرية وعلى الشرق ان يكون جبريا وان يتقبل المصير المصنوع له. واحتكار الغرب لجبرؤوت بروميثيوس يؤهله لان يتدخل انى رأى ان الحرية - أي حريته - مهددة. انت لا تستطيع ان تكون حراً ازاء الغرب. قد يكون لك من الحرية ذلك الحظ الذي يتركه هو لك.
اما اذا قمت بانتفاضة لكرامتك وفي نهايتها كرامة كل الشعوب فأنت مقلق للحرية. الانتفاضة ممجوجة لانها ضد الحرب الكلاسيكية. هل يقتنع انسان فيه عقل ان ثورة الحجارة قادرة على ان تدمر جيش اسرائيل؟ هل يقتنع انسان فيه عقل ان حصاة يلقيها فتى قتلت جنديا اسرائيليا أو يراد بها ان تقتله؟ ان شر الانتفاضة انها ترفض فكريا عظمة اسرائيل. وهذا ممنوع لان اسرائيل عظيمة تحديدا. هذا ما تعرف عنه الأديان انه خطيئة الفكر التي ليست أقل فداحة من خطيئة الفعل. أما خطيئة الاغفال للصغار التي يرتكبها الكبار فمغفورة لأن الاعتراف بها عند مرتكبيها يتطلب منهم شجاعة كبيرة، شجاعة الإقرار بأن الصغير والكبير متساويان أمام الله.
لن اتحدث عن الارهاب الاسرائيلي الذي اسس قبل السنة الـ1948 للدولة العبرية. ولا اتكلم عن حرب الابادة التي تشنها على الشعب الفلسطيني. هذا الكلام قاله الجميع قبلي. اسرائيل لا توجعني بقدر ما يوجعني مباركوها وفي افضل احتمال الذين يغضون الطرف عن ارهابها، الذين يقعون في خطيئة الغفلة وقد درسوا في صفوف مدارس الاحد انها على جسامة كل خطيئة اخرى. التسميات تختلف اذاً حسب المعسكرات.
العدل لفلسطين امتحان لصدق اميركا. لتبدأ باستئصال ارهاب الدولة العبرية لتكسب عندنا صدقيتها. لماذا لا يشترط العرب عدلاً لفلسطين قبل ان يبايعوا اميركا في مغامرتها البوليسية في العالم؟
***
يجب ان نساعد اميركا لتشك في مغامرتها. نحن لا نريد ان تشك في الرسالة التي يحملها المؤمنون عندها الذين هم خارج القرار الرسمي. هذا يأتي اولاً من المسيحيين الذين يحبون الشعب الاميركي ولهم كنائسهم فيه. هذا يأتي ثانياً من المسلمين ذوي العمق الروحي الذين لا كراهية لهم لاحد ويتعالون على الاذلال الذي يصيبهم من كل من استعلى. المؤمنون جميعاً من كل دين يتآخون في الصفح. لا يكسر الاستكبار الا التواضع وان تنتزع الشعوب المستضعفة مكانتها من طريق الابداع والثقافة اذ يجب اقناع الكبار ان هذه الارض هي للناس جميعاً واننا نسمو بالتعاضد وان سياسة التفريق بين من انتج ومن يستهلك اي بين الشمال والجنوب سياسة عقيمة.
علينا ان نساعد الشعب الاميركي على فهم ان المسلمين اساسيون في هذا العالم ليس فقط لان عندهم النفط او لكونهم يشترون السلع من الغرب ولكن لان لهم طاقات روحية وحضارية يجب تلقيها حتى تتناضح الثقافات وتتداخل ضمائر الشعوب.
ليس لي ان ادل المسلمين من حيث هم على سبيل نهضتهم. قد يكون لنا حوار معهم روحه التواضع الكبير. ان المفكرين المسلمين اخذوا يفهمون ان المسيحية ليست الدول التي لها جذور مسيحية غائرة في التاريخ وان الشريك المحاور هو المسيحي المؤمن الذي يحييه ربه بحبه. ليس على المسلمين وحدهم ان يستنبتوا اصول السلام في ما انزل عليهم. ماذا يبقى من مقولة الجهاد، اذ ذاك، تطبيقاً؟ كذلك على المؤمنين بالمسيح ان يتجذروا بسلامه وان يترجموه سياسياً.
قد تفرض علينا المحنة الحاضرة تقارباً اعمق من هذا الذي ذقناه لان العقلاء ليسوا كثيرين في هذه الكتلة وتلك. يجب ان يكون للمسلمين في عمق ايمانهم اصدقاء في كل الارض وان يعترفوا للمسيحيين بحرية لهم كاملة في دار الاسلام. هناك نقد لا مفر منه للخطاب الديني القائم هنا وثمة على مجاملات بلا عمق لاهوتي.
ازاء مغامرات الاميركيين وحلفائهم التي لا ينتج منها الا التقتيل والتشريد ليس من رد الا مغامرة الحب. الحب هو الفرصة الوحيدة الطويلة المدى لكل من ابتغى خلاص هذا العالم.
