حرب "الجزيرة"

جوزف سماحة

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

9 تشرين أول - أكتوبر 2001

  تاريخ النشر:

 

     دعت مجلة “إيكونوميست” البريطانية الغرب إلى ربح “حرب البروباغندا”. وزعمت أن ذلك ممكن: تكفي إعادة تقديم السياسات بتوليفة جديدة من أجل حسم المعركة واستمالة العرب والمسلمين. وجرّبت أن تفعل ذلك. نشرت مقالاً مطولاً يكاد “يتهم” الولايات المتحدة الأميركية بالانحياز إلى الفلسطينيين ضد إسرائيل. 

الاهتمام بالجانب الإعلامي مفهوم. ففي رأي المجلة، وغيرها، أن تجفيف ينابيع الإرهاب ليس عملية مالية فحسب. فعزل تنظيم القاعدة، ونظام طالبان، يفترض استمالة كتلة شعبية عربية وإسلامية كبيرة. وإن لم يحصل ذلك فإن الحرب قابلة لتصبح “صدام حضارات”، وهذا هو هدف بن لادن. 

لا يمكن فهم هذا التركيز على الإعلام من دون ذكر خلفيته السياسية. فلقد برز، غداة التفجيرات في نيويورك وواشنطن، تيار غربي (أميركي تحديداً) يلوم المسؤولين العرب على تقصيرهم. ورأى أصحاب هذا الرأي أن الأنظمة العربية تلقي عبء فشلها الداخلي على الأجنبي، وتتمسك بخطاب عالي النبرة حيال إسرائيل وداعميها، وتتجاهل العون الذي استفاد منه مسلمو الكويت والبوسنة وكوسوفو... أضاف أصحاب وجهة النظر هذه، أنه لم يعد مسموحاً بناء مناخ معاد للسياسات الغربية في المنطقة، خاصة أن الذين يرعونه لا يمانعون إطلاقاً في “التعاون” مع الغرب، سياسياً واقتصادياً، وصولاً إلى المناورات العسكرية المشتركة في عز القصف الأميركي البريطاني لأفغانستان. 

إن ما يجب قوله هو أن هذا الاتجاه لن يؤدي إلى ربح معركة البروباغندا، وإنما إلى مزيد من عزلة الأنظمة التي ستعتمده. لماذا؟ 

إن الفجوة كبيرة، وكبيرة جداً، بين الخطاب العربي، المعتمَد رسمياً، والسلوك الفعلي. فهذا الخطاب يحاول، قدر الإمكان، أن يتلمس الرغبات الفعلية للشعوب من أجل أن يبدو متجاوباً معها، ولو أن الأعمال تبقى بعيدة عن الأقوال. إن المفارقة، في الوضع العربي، هي أن هذه الفجوة، بالضبط، هي واحد من مصادر شرعية الأنظمة القائمة. أي أن هذه الأنظمة تدافع عن نفسها بقدر ما تتبنى خطاباً تدليسياً على شعوبها. ويزداد هذا الأمر وضوحاً عند مراقبة الخط الرسمي لجامعة الدول العربية. فهذه المؤسسة متخصصة باتخاذ المواقف التي يعرف الحكام أن شعوبهم أقرب إليها، وأنها تعبّر عما كان يجب أن تكون عليه السياسة العربية، وأنها، أي السياسة الفعلية، مخالفة له! 

إن تقسيم العمل هذا، بين القول والممارسة، سياج يحمي الأنظمة العربية. وهي لن تكون عنصراً مساعداً في هدمه لأن ذلك سيكشفها كثيراً ويُفقدها قدرتها على ضبط الوضع تمهيداً لانضباطها الإجمالي تحت سقف العلاقة الالتحاقية بالولايات المتحدة الأميركية. 

وكما أصيب المواطن العربي باليأس من أن تتطابق الأفعال مع الأقوال، يجدر بأصحاب القرار في الغرب ألا يراهنوا على أن الأنظمة العربية ستفعل العكس، أي أن تجعل أقوالها مطابقة لأفعالها. لا أمل فعلياً، إذاً، في أن تؤدي الأنظمة دورها كاملاً في ربح “حرب البروباغندا”. 

لا بل يمكن القول إن التحالف الدولي خسر هذه الحرب، بعد ساعات من بدئها، وبمجرد أن بثت قناة “الجزيرة” كلمتي أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. إن الخطابين يزيلان ركام الكلام عن أن الحرب ليست موجهة ضد الدين الإسلامي أو ضد المسلمين. ولو أنهما يفعلان ذلك بطريقة خاطئة تماماً فإن الإسقاطات العربية على برنامج الرجلين كفيلة بدفع الخلافات الأيديولوجية إلى الوراء. وفي حين يعرف أسامة بن لادن أنه يقوم بعمله، يستطيع أي عربي، من موقع مختلف، أن يزيّن لنفسه ان بن لادن إنما يقوم بالعمل نيابة عنه ويثأر من إحباطاته الكثيرة. 

إن أي استفتاء للرأي سيحسم في أن أكثرية عربية ساحقة تؤيد ما قاله بن لادن في ما يخص قضيتي فلسطين والعراق. ولو كنا نعيش في ديموقراطيات فعلية، لكنا أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما فك العزلة عن بن لادن، أو إنهاء الظاهرة جذرياً لصالح حالة تتجاوزها كثيراً وتقدر على تقديم حل للقضايا العربية العالقة يجعل من بن لادن (وهذيانه) نافلاً. 

لقد خسر التحالف الدولي “حرب البروباغندا” في لحظات، وذلك بالرغم من البشاعة الرهيبة للتفجيرات. وإذا كانت “الجزيرة” قد حسمت تحولها إلى ظاهرة، فليس ذلك لمجرد سبب مهني هو تواجدها في أفغانستان واضطرار التلفزيونات الأخرى إلى النقل عنها. كلا، إن السبب أبعد من ذلك بكثير. فهذا التواجد في أفغانستان يقود إلى فعل تماهٍ يتعزز من الانطباع، غير الصحيح، بأن اللغة الرسمية هناك هي العربية. ثم إن نبرة التعاطف مع الأفغان، وتمرير شريط بن لادن، وفتح أبواب النقاش الخاص بالحدث، إن هذه الأمور كلها تسد، ولو بطريقة وهمية، فجوة الديموقراطية التي يعاني منها الوضع العربي. ولقد سبق أن شهدنا عينة عن ذلك في عملية “ثعلب الصحراء” بعد أن كنا اختبرنا، بشكل معاكس، مفعول انفراد “سي. أن. أن” في “عاصفة الصحراء”. 

تردم “الجزيرة” الهوة بين المكبوت العربي الشعبي والفعل العربي الرسمي، أي أنها تؤدي وظيفة ذات صلة بالإحباط العميق لدى الرأي العام، وباللاعقلانية الواضحة للسياسات الرسمية. وهذه الوظيفة تحريضية وتعويضية في آن معاً. وربما كان علينا الاكتفاء بذلك طالما أن لا وظيفة تنويرية فعلاً في الأفق.

وصلات:

 

 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic