مجموعة
من المقالات بأقلام شابة تتناول
تأثير صورة أسامة بن لادن على مخيلة
الأجيال العربية الشابة. هل هو بطل،
مجرم، ثوري، خائن، قديس أم شيطان؟ هل
يتحول بن لادن إلى شخصية أسطورية في
وقوفه شبه وحيد بمواجهة أكبر قوة في
العالم؟ هل يصير بن لادن غيفارا العرب
والمسلمين؟؟

حين
مرّ وجههُ سريعاً
ضياء
حيدر
 |
عندما مر وجهه سريعا في الشريط المسجل المبعوث الى قناة الجزيرة منذ أيام، شعرت بشيء يهبط داخل جسدي كذلك السقوط الذي أشعر به عندما ألمح وجه صديق قديم منسي. كل ذلك لأنني ظننت أني رأيته او حسبته بين الجالسين أمام الصخرة يتلون بياناتهم “الحربية”. وبعد دقائق ظهر لوحده يملأ الشاشة بأكملها. فأحسست فجأة بحاجة غامضة للبكاء، وبالطبع لا سبيل للإفصاح عنها. سيكون ذلك مخجلا وغامضة جدا أسبابه. سيكون حقا مخجلا ان أقول ان ابن لادن يشعرني بالحاجة الى البكاء. وأحسست أن وجهه هو ايضا يشرف على البكاء مثلي وأن صوته نعس وعينيه تعبتان، هو دائما هكذا، او على الارجح هذا ما أظنه أنا، فهكذا تعرفت الى صوته نعسا في مقابلة أجريت معه من سنوات وأعيد بثها كثيرا مؤخرا.
كان صوته نعسا، هادئا، ربما هو ذلك الصوت الذي حوّل علاقتي ببن لادن الى شيء غير منطقي وغير مفهوم. فرحت أراقبه يحكي ويلهث تعبا، يقولون انه مريض سرطان. خفت عليه، خفت على المجرم ان يقتل. وأحببت تلك الجاكيت العسكرية التي يلبسها. هي بالطبع تدفئ قليلا جسده المتعب في هذا الخريف الحزين.
مجرم لا لبس في ذلك. مجرم ومتخلف قتل آلاف البشر ليس في أميركا فقط بل قبلها في أفغانستان وغيرها. قمع جيلا كاملا من نساء أفغانستان، أنسى العالم ما يجري في فلسطين، فتح الباب واسعا على كلمة الارهاب وعلى عنجهية اميركية مريضة... هو مجرم لا لبس في ذلك. عليّ ان أتذكر ذلك، وأتذكر انه عندما يخاطب الاميركيين يجملهم بكلمة واحدة: “قاتلهم الله”، وأنه يعتبر معظم العالم كافرا ويعتبرني أنا حتما كافرة وربما لو كان هنا لاستباح قتلي وقتل عائلتي وأطفالي.
عليّ أن أتذكر كل ذلك عندما أسمعه. لكن صوته يجعلني أشعر بحزن كبير، ولا أملك حينها إلا ان أسمعه بشغف. ربما ليس صوته. هي فكرة وجوده ربما. لا أدري... بالرغم من انه ليس قطعا هو البطل المطلوب، هو ليس غيفارا وليس عبد الناصر وليس... هو لا يقرب إليهم بشيء، لكن شيئا في جنونه يدفئني. لا أدري من أين تأتي هذه المشاعر بالضبط، من أي مكان في الرأس او القلب. دائما هناك ما هو غير منطقي... لا أدري كيف يذكرني بمولوسوفيتش ربما يكون الجنون نفسه، عندما كان في المحكمة صامتا لا يكلف نفسه عناء قول الكثير فتأفف القاضي متوجها اليه بأن قراءة جرائمه تتطلب وقتا طويلا فرد عليه “هذه مشكلتك”. كان ذلك طريفا وفي طرافة ذلك قوة ما تدفئ، كما في صوت بن لادن لا إجرامه..
بالطبع لن يجذبني إجرام بن لادن، أنا أتمنى القضاء على كل من يشبهه، ولن يجذبني قطعا إجرام شارون فأنا أكرهه بشكل أعمى. ولكن ما يدفئني هو شيء غامض... يدفئني نعس الصوت عن بن لادن والطرافة عند ميلوسوفيتش، وربما جنون ما عند الاثنين، جنون من يتضافر العالم كله فجأة ضده... شيء ما يدفئني هنا... غير منطقي وغير مفهوم... وبالرغم من ذلك أنا لن أقف الى جانب بن لادن.. ولكني أخاف عليه.
لن يسرق بن لادن غيفارا
زياد
نجار
لن يسرق بن لادن تشي غيفارا، ولا داعي للهلع. لا داعي للخوف على النجم الساحر وشخصية التناقضات القصوى. فقد تتشابه الابتسامة وبريق العينين، وقد تتقاطع سيرتا الرجلين، لكن بن لادن القادر على اسقاط مبنى مركز التجارة العالمي وضرب البنتاغون، لن يحطم غيفارا لاننا سبقناه الى ذلك.
سبقناه منذ أن حولنا تشي الى رمز فارغ، الى صورة مسطحة، الى ايقونة نعبدها بأنانية مطلقة، الى ملاذ نهرب اليه لنبرر عجزنا الفاضح عن فعل شيء، اي شيء مهما كان بسيطا او تافها.
عجزنا عن الحلم فأستعرنا احلامه الخاصة. سقط غيفارا يوم توقف السائرون على دربه، فبقي وحيدا ينتظر ونحن نتأمل، وبكل وقاحة نطلب منه ان يمدنا من قبره، بعد 34 سنة على اغتياله، بما يسد عجزنا. نطلب منه بكلمات جميلة، شاعرية الا ينطفئ، ان يقدم المزيد، فنبحث في تاريخه، ننبش ايامه الاخيرة، نفلش الدفاتر، نراجع المقالات بحثا عن بطولة اضافية، بطولة مطمورة، بطولة مجهولة، اي شيء قد ينقذ ماء الوجه امام بن لادن.
اما اذا فشلنا فنعود الى بن لادن، نشرحه، نضعه تحت المجهر، نحصي هفواته لكي نثبت لأنفسنا على الاقل بأنه غير جدير وغير مؤهل للمقارنة، وكأن المسألة تستحق كل هذا العناء!
لعل الحقيقة ان صورة بن لادن ليست متوهجة بقدر ما ان صورة غيفارا اصبحت خاطئة، تماما كما ان الاسلام السياسي ما كان ليكون رائجا وسائدا لو لم يكن اليسار بالمعنى العام والعريض خجولا وضامرا وإتكاليا، الى حد ملامسته السلفية، وعبادة تشي غيفارا هي شكل من اشكال هذه السلفية. فهل نسينا ان الشيوعية سقطت في افغانستان لانها احتمت بالسوفيات وهربت بعد هروبهم بقليل.
اليسار يبدو صغيرا عندما يبحث عن دوره على هامش الاخرين، حين يرقص بالهوامش ويقنع نفسه دون الاخرين بانه ما زال هنا، وغيفارا سيبدو كذلك اذا بحثنا عنه على هوامش بن لادن.
ليست المشكلة مع بن لادن في مقاربته الدينية، وليست تحديدا في اسلاميته، فكاميللو توريس خرج ثائرا بعباءته الدينية، والشيخ عبد الله العلايلي يشكل احد نماذج الثورية الاسلامية التقدمية على المستوى الفكري والسياسي. المشكلة انه، وكثيرون من امثاله، نتاج مباشر للولايات المتحدة، لما تريد لنا ان نكون، نسخة متطابقة عن صورة الشرير العربي الذي نراه في سيناريوهات الافلام الاميركية، في حين ان غيفارا كان بديلا لها، بديلا رائعا. صورة اعظم من ان تحتويها السياسة او الاتحاد السوفياتي الذي ما كان ليتحمله. لذلك كان عليه ان يموت، ان يختفي بسرعة.
هو تسرب الى الاعلام عنوة ولم يأت الاعلام اليه، لم تصنعه شاشات التلفزة ولا مليارات الدولارات. ولم تكن السياسة الاميركية قادرة على تسخيره بأي شكل من الاشكال. لم يكن للسياسة الاميركية القدرة على ان تعلنه عدوا وتشن الحرب عليه، كان خيارها الوحيد ازالته فورا ولكن بصمت، في السر بعيدا في الادغال، من دون “السي ان ان” “والجزيرة”، من دون طائرات وحاملات للطائرات... اقتلوه، ادفنوه على وجه السرعة واهربوا. اما بن لادن فجعل العالم يصرخ: “كلنا اميركيون”.
§
وصـلات:
