أسامة يحتل شاشة “المستقبل”... و يكسر مرآة “حزب الله”

إبراهيم الأمين

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

18 تشرين أول - أكتوبر 2001

  تاريخ النشر:

 

     لم تعش الجماعات الاسلامية السنية في لبنان عصرا ذهبيا منذ توقف الحرب الاهلية، وكانت على الدوام تتصور نفسها الوعاء الايديولوجي للحركة السياسية السنية الصاعدة خلف الرئيس رفيق الحريري، الرجل المحافظ والحديث العائد من جزيرة النبي محمد، وكان الاخير غير آبه كثيرا بهذه المجموعات، وظل يركض امام مشروع الاعمار الحديث بوصفه خلاصة العلاقة العميقة بين الاسلام والحضارة العالمية، وكان يعتقد انه الجواب الوحيد المانع لنمو التطرف بوصفه عودة الى العزلة والبداوة، ثم كان على غير سلوك السياسيين اللبنانيين التقليديين، يواجه غلو الجماعات الاصولية وقاومها بالقول ان الاعتدال هو سمة أهل السنة وأهل المدينة. ولما عمدت مجموعات على صلة بالحركات الوهابية الى قتل رئيس “الاحباش” الشيخ نزار الحلبي، لم يكن رئيس الحكومة في موقع المعرقل للاقتصاص من القتلة ورفض طلبات التماس قدموها له. ثم عمد الى الضغط اكثر على هذه المجموعات في الشمال بعد اندلاع احداث الضنية وقاد حملة التبرؤ منها. 

ومع ذلك لم يعتقد رئيس الحكومة بوجوب معالجة خاصة لهؤلاء المحسوبين عليه في التوزيعة العجائبية للجماعات في لبنان، ولا هو استطاع ان يجد لهم برامج تنمية بوصفهم مواطنين يعيشون في بلد يرأس هو حكومته، والنتيجة انه كان يفقد تدريجيا السلطة المعنوية القادرة على حرف الاتجاهات السياسية لهؤلاء، مع العلم انه لم يكن يدرك يوما حجم التغيرات الطارئة على أدوات عملهم ولا على التنظيم العالمي الذي صار يمثل عنصر الامان لهم، حتى اذا ما وقعت الاحداث الاخيرة، بدا ان اللبنانيين من السنة، وخصوصا الذين تختلط عندهم الحريرية المدينية بالسلفية العقائدية قد اقتربوا اكثر من لحظة فرز لا سابق لها في عهدهم. 

في البقاع كانت حكاية الشاب زياد الجراح عنوانا لهذا الالتباس العقدة. المنزل حيث ولد وعاش ينتمي الى فئة التقليد السياسي، وهذا يعادل في أيامنا هذه الالتصاق بمشروع الرئيس الحريري فهو من يوفر شروط الزعامة العامة، وهو يضيف على ذلك فرصة العلم والعمل، وكان زياد هو الشاب الذي سعى لتحصيل العلوم العصرية في أوروبا، عنوان الحلم الحريري الحديث، الذي يتيح مكانة في الحياة العامة خلف مصدر الامان الاجتماعي. ثم ان الالتزام السياسي به ليس مكلفا كما هي حال الآخرين، بل على العكس، تحول الانضمام الى حزب “المستقبل” نوعا من الرد العفوي والعاقل عند فريق من الناس على العصبيات السياسية والعقائدية القائمة، حتى ان الرئيس الحريري نفسه، نجح في الاستحصال على موقع الزعيم الذي ترفع صورته في المنزل باعتباره رمزا لمشروع يخص العائلة كلها. 

ثم ان الطابع المحافظ ظل يميز السلوك الاجتماعي لهذه المجموعة عن بقية الناس، وظل يوفر احتراما بصورة كبيرة في الوسط العائلي والقروي، كما ظل هذا السلوك المحافظ قوة ممانعة لكل اشكال التعصب الواردة مع المجموعات السلفية التي انتشرت سريعا، والتي لم تكن تعارض الحريري ولا مشروعه الاقتصادي، ولا حتى نجاحه في تحويل السنة الى طائفة لها حساسية مذهبية، ولا حتى قيام عصبية تشبه عصبيات الاقليات من دروز وموارنة وشيعة. 

لكن الامر لا يسير هادئا طوال الوقت، وفي لحظة واحدة يقع الانفجار، والشاب الذي ذهب ليعود مصدر قوة، تحول في لحظة الى مصدر عبء قد لا ينتهي بموته، وله تداعياته وآثاره بعيدة المدى، وصار أهل الشاب الطامح الى شهادة عالية يلتفتون الى امور اخرى. وهم يجبرون أنفسهم على نفي الصفات الحسنة التي تمثل وسطهم الاجتماعي مثل الذي يقال في مناسبة تقديمه لوظيفة او لزواج، فاختفت عبارات انه يخاف ربه وهو يواظب على الصلاة والصوم والعمل بتقوى الله واعتقدوا انهم بذلك ينفون عن ولدهم علاقته بمجموعات أسامة بن لادن، ثم صاروا يناقشون ما حصل بمعزل عما اذا كانوا على قناعة بتورط ولدهم ام لا، وانتقلوا الى مرحلة نسب صفات يرفض الاهل عادة وجودها في اولادهم، وفي معرض الاشادة بولدهم كما رسموا هم له مستقبله، كان زياد نموذجا للشاب الحيوي والمحب للحياة، ولا بأس من انه يساكن صديقة من دون زواج في بلاد الغربة، ثم استحضرت صورة زياد الراقص في معرض اعتبار اللهو عنوانا لحياته الاجتماعية، حتى كاد المونتاج يتدخل لرسم صورة المشروب المحظرة في وسطه الاجتماعي حتى تتحول الى إشارة دامغة على انه غير الآخرين الذين استولت مجموعات التشدد على عقولهم. ولم يكن الاهل في تلك اللحظة يناقشون بروية مآل ولدهم، ولا الاسباب التي دفعت به الى تغيير جوهري، بل هم راعوا توازن الوعاء الجديد الذي يمثل موقعهم السياسي الاجتماعي الحياتي في هذه اللحظة. 

حتى الذين أعجبوا (عن قصد او عن غير قصد وعن حق او عن غير حق) بالفعلة المنسوبة الى زياد، ووجدوا فيها جرأة لم يألفها هذا المحيط، فكانوا يضطرون لأن يتضامنوا مع الشاب ومع أهله بنفي تحلي زياد بكل صفة من شأنها ربطه بنتائج ما حصل في اليوم الاميركي الاسود. وفي تلك اللحظة بالضبط يحصل الاصطدام غير المفهوم بين الفرد الذي افترضه المشروع المستقبلي للحريري، وبين المشروع نفسه برغم صلته القوية بالعالم الحديث، إذ فجأة، يأتي الاسلامي على صهوة فرس تقله من معهد الطيران في أوروبا، وليس من الازقة المهمشة، كما يأتي الاصولي بصورة الرجل القادر على الامتلاء من العالم الحديث والراغب بالاستغناء عنه في لحظة واحدة، لمجرد إحساسه ان أمانة موجود خارجه. 

وهذه هي اللحظة الكافية ايضا لتجاوز حالة السكون التي تعيشها الجماعات الاسلامية في لبنان، عندما غيّبت مشروعها السياسي الداخلي منعا لاصطدام غير مناسب مع مشروع الحريري (او لكونه يمثل بعض عناوينه)، بعدما عجزت عن الالتحاق بالمشروع غير المحلي، ففاخرت بأنها لم تكن تشبه حالات الجنون التي عرفتها الدول العربية الاخرى، لكنها اعتقدت ان ذلك يعفيها من مهمة احتلال موقع متقدم في معركة التحرير من الاحتلال الاسرائيلي، وانسحبت أمام أصولية شيعية صار صعبا مواجهتها بموقف ايديولوجي لا ترجمة سياسية له. 

لكن الصورة القاسية هي لدى الفرع الآخر، حيث القادمون من الضواحي المهمشة اجتماعيا، فلم يقترب مشروع “المستقبل” منهم، ولم تنتج لهم بيئتهم ما يحتاجونه لملء الفراغ الكبير فكريا وسياسيا، وهناك تقف الحشود في طوابير بحثا عن خبز وعن زعامة حقيقية، وعندما تخسر البنى التحتية لمجتمعها الصغير، تفقد علاقة راسخة وهادئة بمجتمعها الكبير، وساعتها تختلط صورة الفقر بالقهر بصورة مكان يتسع لصرخات قد لا تفيد في شيء، لكنها تعبر عن عجز في مواجهة ظلم لا يتوقف زحفه اليهم.. هكذا هي الحال في باب التبانة لمن لا يعرف لبنان!. 

أسامة يكسر مرآة “حزب الله” 
على الطريق الى مطار بيروت الدولي، ترتفع الهامة الشيعية عاليا، وتستعين بألوف الشباب الذين سقطوا في مواجهة الظلم للارتفاع الى أعلى من الطائرات القادمة على حافة المنازل المكتظة بالفقراء، وصورة البطل الشعبي عند هؤلاء لا ترسم في الخيال، انما تحاول الاقتراب من صورة النموذج: الحسين الذي قهر الظلم بموته الدرامي، والقادر بقدرة قادر على احتلال مكان ثابت في العقل الباطن او الظاهر لمن يعيش في هذه البيئة، واذا ما برز نجم الخميني فلانه يشبه في لحظة من زمانه او في قسمة من وجهه صورة الحسين، او اذا استحضر المحليون صورة حسن نصرالله فهي تتماسك بقدر ما يحسن مريدوه جعلها تقترب في خيالهم او في حقيقتهم من صورة الامير الدائم فوق الامراء، وحتى الذين يخشون على الصورة من الاحياء، يذهبون الى الشهداء الذين يسكنون كل المنازل تقريبا، وهم يتأكدون من أن احدا لا يقترب من صورة أمير أهل الجنة، اذ لا يجوز في الحياة او ما بعدها ان يأتي من ينال من صورة من حفظ روابط قوية بين أبناء الشيعة ولم تفلح كل العقائد الاخرى في كسرها. 

وفي مجدهم الحديث، تبرز لحظة الانتصار على اسرائيل، ويهجم الشيعة لاختراق الساحات الاخرى، ويضربون على كل البوابات التي أغلقت بوجه فكرهم او سلوكهم اليومي منذ طردوا من جنة الخلفاء، ولكنهم يكابرون، ولا يعرفون ان الفرصة سنحت هذه المرة، وبدل ان يقتلوا الشمر عند بوابة فاطمة لمرة اخيرة ونهائية، تراهم غير قادرين على إقفال باب الخلاف مع الآخرين من المسلمين، فيقفز النزاع الفقهي مع السنة من فوق الصراع مع إسرائيل، ويبيت من تحت الخلاف مع أميركا، ويكمن من خلف ظهر الصراع مع كل المسيحية بوجهيها الحضاري او الاستعماري. وحتى عندما اندلعت الانتفاضة كان السحر الشيعي في ذروته، لكن المقاومين الحسينيين كانوا يفترضون ان القوة والقدرة لا ينتجان عن غير معاملهم، وهي ليست مسؤوليتهم، فقد تربوا على ان الانتماء الى فكر علي والحسين يتيح وحده الصفاء الذي يوفر القوة ويحقق شرط الانتصار. وهم يعتقدون ان محاولات الآخرين، لن تتيح لهم الفوز بحسين يشبه من يرافق الابطال والمقاومين والشهداء كأفضل دليل الى ملكوت الله. 

وفجأة، يتوقف الرقص “الحزب اللاهي”، يلتفت الجميع الى صوت موسيقى تأتي من مكان بعيد، فيها سحر الجنون بعينه، الجنون الذي لاح كثيرا في مخيلة “حزب الله” لكن التعقل والتروي منعاه من التشكل، ويصل أسامة على وقع حوافر خيله، يعيد رسم صورة البداية بخلاف ما يرغب الجمهور المتفرج باندهاش، وتتسارع الخطوات، فها هو يستعير نفس المشهد: مسرح كربلاء هو نفسه، والخيالة هم أنفسهم، وكذلك الأشرار والشمر وأحفاد الرسول والغائب منهم ايضا، ويفتتح المعركة بضربة مسرحية تجاوزت بنوعها كل الخيال الذي تفوق فيه “حزب الله” وحمته مثابرته طوال عقدين، ونجح فوق كل ذلك في حرف الانتباه صوب مكان آخر، لا يشبه تماما مسرح المقاومة عندنا، لكنه مسرح لا يقدر أحفاد علي على جذب جمهور يكفي مقاعده كما هي حال أحفاد عمر. 

وفجأة تدب الاسئلة الكبرى دبا فوق الطاولات وبين الدفاتر المكدسة بحكايات القهر: من يقدر على قتل الظلم بهذه الصورة؟ من يملك مفتاح الغفران عن كل قهر أبناء عمر في حق شيعة علي، من وقائع الجزيرة العربية التي يريد أسامة اعادتها الى ما كانت عليه، الى باميان ومزار شريف يوم رسمت طالبان حدود امارتها بعشرات الآلاف من جثث شيعة أفغانستان؟ ثم من يقول ان البطولة تنبت خلف أسوار جبل عامل، او ان القدرة على بتر الماء تأتي على يد غير يد الاخيار من ذرية محمد؟ 

وفجأة يكتشف “الحزب اللاهيون” في مرآتهم صورة أسامة بن لادن، هم مثل المعجبين بهم من غير الشيعة في لبنان، لا يستطيعون اكثر من إلقاء التحية، والتمني بآه لو عندنا مثله! وفي أسامة صورة الرجل التي تمناها اتباع الخميني في كل الرفاق الخصوم من أبناء الحركات السنية المقاتلة معهم ضد اسرائيل، لقد تحطمت المرآة الخاصة بهم، وصار من الافضل التعبير عن المعادلة الجديدة بالصمت: أبناء علي يكتمون إعجابا بهذا العمري، وحلفاؤهم من أبناء عمر يكتمون إعجابا ب”غيفارهم الجديد” حتى لا يغيظوا أحدا من حولهم!. 

لكن الامر لا يتوقف عند هذا الحد، ولم يرض “حزب الله” بإدانة هجمات 11 أيلول، لأنه لا يريد استرضاء اميركا، وهو لا يريد التغاضي عن فعلة لا يعتبرها مفيدة، ثم هو لا يريد ادانة أسامة بن لادن في اللحظة التي بات فيها خصما لأميركا والغرب، ولكنه لا يريد مبايعة هذا الرجل على رحلة ليس فيها معلوم الا عنوانها. وحسابات العقل عند “حزب الله” هي غير حسابات القلب، وهذه هي المرة الاولى التي لا يتوازن فيها العقل مع الغيب في تفكير هذه الجماعة، لان المحيط السياسي لا يفيده الوقوف الى جانب طالبان، ومرة جديدة يضطر فيها “حزب الله” الى الانسحاب من النقاش العالمي باعتبار ان إيران قالت كلمتها، لكن الحزب يخسر ببرودة لا مبرر لها، سلاح التمايز الممكن عبر “المنار” مثلا، فيهرب من مسؤولية متابعة أخبار الحرب الاميركية على أفغانستان الى لعبة السبق الصحفي، متوهما ان كفاءات محرريه لا بندقية شهدائه هي من رفع شأن “المنار” ومتوهما ان باب التنافس مشرع له مع الآخرين مثل “الجزيرة” وغيرها، ويركض الى مواقع تحالف الشمال، الذي تحول رجاله في لحظة واحدة الى مرتزقة في عقل كل العرب والمسلمين الذين لا يريدون لأميركا الفوز في هذه الحرب، وما بين الوسطين، ثمة برودة غير معهودة في حركة “المنار” البالغة الحرارة منذ اندلاع الانتفاضة، فيخسر “حزب الله” ومعه أهل مدرسته من الشيعة، فرصة التصالح القسري مع خصومه العقائديين من العمريين. 

وما لم ينتبه اليه “حزب الله” في هذه اللعبة المعقدة، هو انه بدا مثل اليسار اللبناني والعربي، هذا الفريق الذي استفاق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي على آخرين يحملون ذات الشعارات، فاعتقد انهم من اللصوص، وانهم لا يقدرون على تلبية احتياجات المعركة، ثم دهش بأن الآخرين يعرفون الطريق الى البطولة، او انهم يجيدون التعلم واستخدام أفضل للمعرفة، وكانت الصدمة في أنهم يحققون النتائج ايضا، ولم يكن أهل اليسار عندنا، مثلهم مثل عجائز مجلس المطارنة، وغلاة الليبرالية اللبنانية، يوافقون على ان من لا يعجبهم ايديولوجيا يمكن له ان يفوز بنفس المعركة التي أطلقوها هم قبل اوان غيرهم. 

هكذا هي حال “حزب الله” الآن، ثمة مسافة دقيقة للغاية، بين التماسك وإدراك واقع الحال والقوة، وبين الاعتراف للآخرين بحق العدوى، ومن لم يكن على مذهبنا الايديولوجي يمكن له ان يكون على مذهبنا السياسي، والمهم هو ان كثيرين كانوا يحلمون بيوم تتشبه فيه المجموعات السلفية السنية ب”حزب الله” في مقاومته لظلم أميركا وإسرائيل، ولذلك يبدو متخلفا من يتخلف عن استقبال هؤلاء لحظة اطلاق الصفارة.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic