أشباح ابن لادن وأطيافه

علي حرب

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

18 تشرين أول - أكتوبر 2001

  تاريخ النشر:

 

     اشباح ابن لادن تسيطر على عقول الغربيين بقدر ما تسكن اطيافه ضمائر الكثيرين من المسلمين. 

والاشباح تثير الفزع في النفوس، على ما هي الحال في اميركا وبعض انحاء اوروبا، حيث الناس مرعوبون مما حدث او مما قد يحدث ويفوق الخيال او التصور رهبة وهولا. 

هذا الامر ترك اثره السلبي على شركات الطيران في العالم. فالسفر، ان لم يكن ضرورة ملحة، بات يشبه المغامرة الخطِرة، بعد استخدام الطائرات المدنية كأسلحة حربية مدمرة، وخاصة بعد اندلاع الحرب على المستوى العالمي على الارهاب الذي يمارس وينتشر هو الاخر على مستوى العالم بأسره. وهذه حال ربان الطائرة الذي امسى ذا نفس قلقة وغير مطمئنة. فكيف يشعر بالامن والامان من يقودون الطائرات وهم يتوقعون في اي لحظة ان تدق ساعة الخطر ويضرب الارهاب ضرباته، خطفا وتنكيلا او خرابا وتدميرا. 

بالطبع هذا جانب من جوانب الرعب الذي هو ثمرة الارهاب الذي يخيم الان بأشباحه على البلدان الغربية، الى الحد الذي بات فيه الناطق بالعربية مصدر شبهة، بل اصبح الاسم العربي والحرف العربي مصدر تهمة، حتى في بلد كفرنسا، واذا صدقت انباء الحرب الجرثومية، فذلك يكون الفزع الاعظم. 

اما الاطياف فإنها تدغدغ المشاعر وتلأم الجراح لدى اصحاب الوعي المأزوم والاحلام المنكسرة، ممن ينتظرون حصول المعجزات، بعد انهيار مشاريع التحرير والتغيير، ولذا فهم يرون في احلام ابن لادن وهواجسه، بل كوابيسه، صورة البطل المحرر الذي قهر اميركا او نموذج الزعيم المنقذ للامة من الجهل والتخلف والتبعية. 

هكذا ينشطر العالم الآن في المشاعر والمواقف، بقدر ما تختلف التأويلات وتتضارب التكهنات في تفسير الاحداث وفهم المجريات. فهل نحن منقسمون فعلا بين اسلام وغرب؟ هل علينا ان نختار بين ابن لادن ومانهاتن؟ بين البيانات والفتاوى العائدة من صدر الاسلام بصورة كاريكاتورية وبين الصواريخ العابرة للقارات بطاقة تدميرية هائلة؟ 

من الغفلة ان يعتقد المرء ان كل هذه الترسانة العسكرية، بتقنياتها الاحدث وفاعليتها القصوى، قد استنفرت لمحاربة امير المؤمنين الجالس على “طراحته” في كابول او المحتمي دوما في مخبأه عن الاعين، او حشدت للقبض على ابن لادن الجالس وسط صحابته في جبال افغانستان الوعرة، والذي يطل الان من على منصة الشاشة التي حرموا استخدامها لكي يهدد اميركا بالانتقام والقصاص الالهي. 

يصعب على العاقل ان يصدق ذلك او يقتنع بجدواه، ليس فقط لان ابن لادن والمجاهدين والطالبان هم صنيعة اميركا كما يقول الكثيرون، او لانهم التقوا معها من قبل على محاربة النظام الافغاني الذي كان مواليا لموسكو كما يقولون هم انفسهم، بل لنطقهم باسم المؤمنين غصبا واعتباطا، او لقراءاتهم الحرفية الميتة للنصوص، فضلا عما يصدرونه من فتاوى عمياء هي من التشدد والتزمت بحيث تضيق بكثير عما اتسعت له حياة المسلمين في صدر الاسلام وفي عهود الازدهار التي تلت، حيث كانت المقولات والاحكام تتصل بتدبر النوازل وقراءة الوقائع، وحيث كانت العقول الحية والمتفتحة قادرة، بالاجتهاد والابتكار، على خلق الهوامش وخرق القوالب لايجاد الحلول والمخارج للمشكلات والازمات. 

اما هم، وكما يتعاملون مع هوياتهم وواقعهم، فإنهم لا يضرون الولايات المتحدة، على ما يعلنون، بل يصنعون مآزقهم بقدر ما يلحقون افدح الضرر بالمجتمعات العربية والاسلامية، كما تشهد التجارب المريرة، في افغانستان وحدها، وهي التي تحولت الحياة فيها الى جحيم لا يطاق بمحالاتهم العقائدية، بعد ان كان اهلها ينعمون ببعض رغد العيش واستقراره. 

هل دمروا برجين في نيويورك ينتميان الى العصر الصناعي؟ انها فرصة لبناء ابراج او اشكال جديدة تتلاءم مع العصر الرقمي والمجتمع الميديائي، حيث ننتقل من اقتصاد السوق المركزية الى اقتصاد الشبكة الافتراضية؟ 

هل قتلوا الالاف من المواطنين الاميركيين الذين يدفعون الضرائب ويؤيدون حكومة بلدهم على ما يتباهى بنصره اهل الفتوى بالحرب على المشركين والصليبيين؟ لا تهتم العقول الاستراتيجية بدماء الضحايا بقدر ما تهتم بتوظيف الحدث مزيدا من القوة والثروة او المعرفة. وها هي الولايات المتحدة تتخذ من الهجمات على ارضها ذريعة للتوسع في العالم نحو مناطق جديدة ذات اهمية استراتيجية، بقدر ما تسعى الى اعادة رسم خارطة الواقع وتشكيل المشهد الكوني. 

من هنا فإنه من السذاجة ان يرضح المرء للقسمة الجارية الى مسلمين وغربيين. فالفريقان المتحاربان وجهان لعملة واحدة من حيث ادارتهم للمصائر البشرية، اي من حيث لعبة الدمار ارهابا او استقواء. والعاقل عندما يشاء الاختيار يشعر بانه ابعد ما يكون عن ابن لادن، واقرب ما يكون الى الغربيين والاميركيين الذين ينتقدون سياسة حكوماتهم وينددون بالحلول العسكرية للمشكلات العالمية. بل هو يشعر بأنه اقرب الى برلوسكوني الذي بتراجعه واعتذاره اثبت تفوقه من حيث السلوك الحضاري. اما عندنا فلا يعتذر الواحد او يتراجع ولو كلفت أفكاره وسياساته خراب البلاد وهلاك العباد، بل نراه يزداد تسلطاً وتألّهاً. 

في اي حال ان الاميركيين يستخدمون ابن لادن او يفيدون منه من حيث لم يرد، وكأنه يتواطأ معهم “من غير اتفاق” على افغانستان من جديد. ولذا ليست المشكلة انه يشوه صورة الاسلام، وانما تكمن في كونه يسهم في تدمير افغانستان منكودة الحظ مرتين مرة على يد الاسلاميين ومرة على يد الاميركيين، فضلا عن الضرر الذي يلحقه بالمسلمين في الداخل وفي الخارج. والذين يعتقدون انهم على النقيض من ابن لادن، ممن يدعون للعودة الى قيم الاسلام المتعالية والخارجة على التاريخ، بنفي كل ما تشكل من قيم عبر التجارب البشرية، انما تسكنهم روح ابن لادن الاصولية والارهابية من حيث لا يحتسبون. كفانا ادعاءات ومزاعم لا تصنع سوى الكوارث. 

لنحاول قراءة ما يجري بعيدا عن المصادرات العقائدية والتهويمات الايديولوجية. والانفجار الاميركي ليس حدثا وحيد الجانب. بل هو حدث كبير بقدر ما ينتج تفاعلاته وتداعياته التي يمكن ان تكون اكثر هولا مما جرى حتى الان. انه حدث بالغ التركيب والتعقيد من حيث وجوهه وابعاده وملاحقه، فمن مفاعيل الحدث ان اسرائيل تبدو اليوم محشورة اكثر من اي يوم مضى، بعد ان انفجر الوضع العالمي وسيطر الرعب على النفوس، وبعد ان باتت البشرية وكأنها تحيا على الحافة بانتظار الكارثة. 

من مفاعيله ايضا انه يحمل الكثيرين من الاميركيين والغربيين على التعقل لمعرفة اسباب الارهاب ودوافعه، او على تغيير نظرتهم الى العالم الاسلامي للتعرف اليه من جديد بمنطق عقلاني او تواصلي. واما الذين يظهرون كرههم للعرب والمسلمين فهم الوجه الاخر للعملة العنصرية نفسها، اي هم ما يجعل مشروع ابن لادن التدميري امرا ممكنا، وتلك هي المفارقة. 

وهكذا تنفتح مع الحدث ابواب ومجالات يمكن قراءتها بصورة ايجابية وفعالة. انها فرصة تسنح وهامش يتشكل، على نحو يتيح لنا الانخراط في المناقشات العالمية الدائرة لنشارك في تشكيل عالم الفكر، سواء بتحليل الظاهرات وفهم الازمات او بإعادة صياغة القضايا والمشكلات. 

فالديموقراطية والليبرالية والعقلانية والحداثة والعولمة والعروبة والاسلام والمسيحية... وسواها من عناوين الوجود واطر النظر ومحركات العمل، تحتاج الى النقد والمراجعة، لاعادة البناء والتشكيل، على الصعيد القيمي والمفهومي، كي نعقل ونتدبر ما تسفر عنه انسانيتنا وهوياتنا من العجز والاخفاق او من البربرية والارهاب.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic