حرب سنة 2010
"صدام الحضارات" وسيناريو الحرب العالمية المقبلة

أحمد عياش

النهـار

22 تشرين أول - أكتوبر 2001

 

كتاب هاتنغتون التقط طرف الخيط لكن احلامه تتعدى بؤس المشهد الافغاني
احتمال الحرب ضد الصين اكبر من احتمال الحرب ضد المسلمين
والأسلحة النووية تُستخدم ضمن حدود... ثم تسوية بين 8 حضارات

 
صراع الحضارات

ليس معروفاً بعد موقف البروفسور صموئيل هانتنغتون، مؤلف كتاب "صدام الحضارات" عام ،1996 مما يجري في العالم بعدما اجتذب ما انطوى عليه هذا الكتاب الكثير الاهتمام حتى ان معظم المواقف على مسرح الاحداث حاولت، من منطلقات مختلفة، ان تشرح موقفها من "مسألة الحضارات". 

يمكن التكهن بان هانتنغتون يشعر بالرضا، لان ما طرحه في كتابه المثير للجدل اخذ طريقه الى عالم الواقع. فلم تعد رحى المناقشة تدور بين المفكرين، بل اصبحت رديفة لما يسمى أولى حروب القرن الحادي والعشرين. كما يمكن التكهن بأن المفكر الاميركي، الذي يشغل مراكز اكاديمية مهمة بينها كرسيّه في جامعة هارفارد، لا يرغب ان يرى صدام الحضارات يأخذ هذا الشكل المأسوي الذي انطلق منه، سواء في 11 ايلول في نيويورك وواشنطن أو في 7 تشرين الأول الجاري، اذ لم يتخيل هانتنغتون في كتابه ان تنازل القوة العظمى، أي الولايات المتحدة، الدولة الأكثر بؤساً، أي أفغانستان. 

 

رؤى متباينة 

لكن ما كُتب قد كتب، وما يحدث لم يتوقف، وستطفو على السطح، ولمدة طويلة، فكرة تعدد الحضارات في عصرنا، الذي اعتدنا ان نصفه بوحدانية الزعامة المعقودة للولايات المتحدة بعد انهيار ندها الاتحاد السوفياتي. 

هانتنغتون، وفي أحدث مقال له يمثل حصيلة مشروع "البيئة الامنية المتغيّرة 

والمصالح القومية الاميركية"، الذي انتجه معهد جون أولين للدراسات الاستراتيجية، والذي يتولى الكاتب ادارته، يأخذ على مختلف الرؤى المطروحة انها تتناول جوانب من الحقيقة الراهنة، سواء بقولها ان الامر يتعلق بـ"نهاية التاريخ"، او "عودة النزاعات التقليدية بين الأمم"، أو "تراجع الدولة القومية عن النزاعات القبلية والعولمة" وسواها... فيرى ان هذه الرؤى "تفتقد ناحية مركزية حاسمة عما ستكون عليه السياسات الدولية في السنين المقبلة". 

ويتابع هانتنغتون ان "النزاع الاصلي في العالم الجديد لن يكون في صورة أولية ايديولوجياً، او اقتصادياً، بل سيكون ثقافياً على مستوى الانقسامات العظيمة للانسانية. وستبقى الدول القومية هي الاكثر قوة في الشؤون العالمية، لكن النزاعات السياسية الدولية ستحصل بين الأمم والمجموعات من حضارات مختلفة. ان صدام الحضارات سيكون خطوط المعركة في المستقبل". 

ويقول ان هناك ثماني حضارات هي: الغرب، الكونفوشيوسية، اليابانية، الاسلام، الهندية، الارثوذكسية السلافية، الاميركية اللاتينية، ومن المحتمل الحضارة الافريقية. فتاة افغانية في درس ديني ضمن مخيم للاجئين على الحدود مع ايران. 

ويحدد هانتنغتون مصادر النزاع بانها تعود الى اختلاف التاريخ واللغة والثقافة والتقاليد، والاكثر أهمية هو الدين. كما تعود الى ان العالم بات مكاناً صغيراً، وازداد التداخل بين الشعوب من الحضارات المختلفة. كذلك تعود الى عمليات التحديث الاقتصادي والتغيّر الاجتماعي، في عالم ينفصل فيه الناس عن هوياتهم الخاصة العميقة الجذور، والى ان نمو الوعي الحضاري يتعزز بالدور المزدوج للغرب. فمن ناحية، الغرب هو في قمة القوة، وفي الوقت عينه، وربما نتيجة لذلك، هناك عودة الى الجذور بين الحضارات غير الغربية. 

ومن مصادر النزاع ايضاً، يقول هانتنغتون، ان الخصائص الثقافية والاختلافات هي الاقل قابلية للتحول، وأخيراً ان المناطقية الاقتصادية تتزايد. 

ومن الامثلة التي يعرضها "ان الثقافة والدين هما أيضاً من الأسس (...) التي جمعت معاً عشر دول اسلامية غير عربية: ايران، باكستان، تركيا، اذربيجان، كازاخستان، قرغيزستان، تركمانستان، طاجيكستان، اوزبكستان وافغانستان". 

كما يرى ان هناك انقساماً ظهر بعد نهاية الحرب الباردة "ما بين الكاثوليكية والارثوذكسية، وخطر هذا الانقسام يمتد الآن بين فنلندا وروسيا، ودول البلطيق وروسيا، قاطعاً وبيلاروسيا واوكرانيا، فاصلاً، اكثر فأكثر، ما بين اوكرانيا الغربية الكاثوليكية واوكرانيا الشرقية الارثوذكسية. ويتجه الخط غرباً ليفصل ترانسلفانيا عن بقية رومانيا، ويخترق يوغوسلافيا، وبالتحديد على امتداد الامبراطوريتين العثمانية والهابسبورغية". 

ويتحدث هانتنغتون ملياً عن النزاع ما بين الحضارتين الاسلامية والغربية، الذي بدأ قبل 1300 عام. ويشرح "مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانبعاث القومية العربية والاصولية الاسلامية، وتزايد اعتماد الغرب على نفط دول الخليج الفارسي، واندلاع حروب عديدة بين العرب واسرائيل (بفعل الغرب)". 

ويتطرق اخيراً الى نزاعات آسيا، ولا سيما بين المسلمين والهندوس. 

هذه امثلة مقتطفة من مقالة هانتنغتون التي تخلص الى القول: "الحضارة الغربية هي غربية وحديثة في آن واحد. والحضارات غير الغربية تحاول ان تصبح مدنية، من دون ان تصبح غربية (...) وفي المستقبل المتصل لن تكون هناك حضارة عالمية، بل سيكون عالم من حضارات مختلفة، وعلى كل منها ان تتعلم التعايش مع الاخرى". 


الإسلام - الصين - الغرب
 

سيناريو الصدام 

ومن مقالة المفكر الاميركي، الى كتابه الذي اخترنا منه سيناريو خيالياً: 

تحت عنوان "حرب ونظام حضاريان" يقول هانتنغتون في "صدام الحضارات": "ان حرباً عالمية،، تشترك فيها الدول القلب لحضارات العالم الرئيسية، بعيدة الاحتمال الى حد كبير، لكنها ليست مستحيلة. هذه الحرب نتصورها قد تنشب من تصعيد في خط الصدع بين المجموعات من مختلف الحضارات، والارجح احتمالاً تورط المسلمين في جانب وغير المسلمين في جانب آخر، والتصعيد يحصل على الارجح اذا تنافست الدول الاسلامية الاساسية التوّاقة الى تقديم المساعدة لاخوانها في الدين المستعدين للمعركة. لكنها حرب اقل احتمالاً بفعل مصالح الدول القريبة ذات المرتبتين الثانية والثالثة في عدم التورط عميقاً. ان مصدراً اشد خطراً لحرب عالمية بين الحضارات هو انتقال توازن القوى بين الحضارات والدول الاساسية فيها. واذا استمر هذا الانتقال فإن صعود الصين، وتزايد التأكيد على "اللاعب الاكبر في تاريخ الانسان" سيسببان ضغطاً هائلاً على الاستقرار الدولي في بداية القرن الحادي والعشرين. ان انبعاث الصين قوة مسيطرة في شرق آسيا وجنوب شرقها هو ما يتعارض مع المصالح الاميركية كما ترجمت تاريخياً. ومع اخذ المصلحة الاميركية في الاعتبار كيف يمكن حرباً بين الولايات المتحدة والصين ان تنمو؟ لنفترض ان السنة هي .2010 القوات الاميركية تغادر كوريا التي اعيد توحيدها وخفّضت الولايات المتحدة، الى حد كبير، وجودها العسكري في اليابان. تايوان والصين الوطن الام توصلتا الى تسوية، بحيث تواصل تايوان الاحتفاظ بمعظم استقلالها الفعلي، لكنها تأخذ في الاعتبار بوضوح سيادة بيجينغ ورعاية الصين، التي نالت اعتراف الامم المتحدة وفقاً لنموذج اوكرانيا وبيلاروسيا عام .1946 ان تنمية مصادر النفط في بحر جنوب الصين تقدمت بخطى سريعة وعلى نطاق واسع تحت الحماية الصينية، باستثناء بعض المناطق الواقعة تحت السيطرة الفيتنامية والتي تتولاها الشركات الاميركية، وبفعل تعزيز ثقتها بفضل امكاناتها في مشاريع الطاقة الجديدة، تعلن الصين انها ستفرض سيطرة كاملة على البحر الذي طالما ادعت السيادة عليه. لكن الفيتناميين يقاومون ويقع قتال بين السفن الحربية الفيتنامية والصينية. ويقوم الصينيون، الذين يتوقون الى الثأر لاذلالهم عام ،1979 بغزو فيتنام. عندئذ يلتمس الفيتناميون المساعدة الاميركية. ينذر الصينيون الولايات المتحدة للبقاء بعيداً. اليابان وباقي الامم في آسيا تتردد. وتقول الولايات المتحدة انها لن تقبل غزو الصين لفيتنام، فتدعو الى عقوبات اقتصادية ضدها، وتوجه سريعاً احدى ناقلات وحداتها الحربية القليلة المتبقية الى بحر جنوب الصين، الامر الذي يعتبره الصينيون انتهاكاً للمياه الاقليمية الصينية، فيشنون غارات جوية ضد الوحدة الاميركية، وتفشل مفاوضات وقف اطلاق النار وجهود الامين العام للامم المتحدة ورئيس الوزراء الياباني، فيمتد القتال الى شرق آسيا. تمنع اليابان الاميركيين من استخدام قواعدهم في اراضيها، للقيام بعمليات ضد الصين، لكن الولايات المتحدة تتجاهل الحظر. عندها تعلن اليابان حيادها، وتفرض حجراً على القواعد. وتنطلق الغواصات الصينية والطائرات الى العمل من تايوان ومن الارض الام لتوقع خسائر جسيمة بالسفن الاميركية والمنشآت في شرق آسيا. في غضون ذلك تدخل القوات البرية الصينية هانوي وتحتل اقساماً كبيرة من فيتنام. 

 

الاسلحة النووية 

وبما ان كلاً من الصين والولايات المتحدة لديها الصواريخ الحاملة الأسلحة النووية، والقادرة على الوصول الى ارض الآخر، يجري استبعاد ضمني عن هذا السلاح، الذي لن يستخدم في المراحل الاولى من الحرب. لكن المخاوف من هجمات كهذه تنشأ في كل من المجتمعين، وفي صورة اقوى في الولايات المتحدة. وهذا يقود العديد من الاميركيين الى بدء السؤال عن سبب تعرضهم لخطر كهذا. وماذا يهم ان تسيطر الصين على بحر جنوب الصين وفيتنام، وحتى على كل جنوب شرق آسيا؟ المعارضة للحرب ستكون شديدة في صورة خاصة في الولايات ذات السيطرة الاسبانية في غرب جنوب الولايات المتحدة، حيث السكان والادارات يقولون: "هذه ليست حربنا". وتحاول الانسحاب، على غرار نموذج نيو انغلند في حرب ،1812 وبعد أن يوطّد الصينيون انتصاراتهم الاولى في شرق آسيا، يبدأ الرأي الاميركي يسلك الاتجاه الذي كانت اليابان تتمنى لو انه كان عام :1942 ان تكلفة هزيمة هذا الزعم الجديد لقوة مهيمنة ستكون باهظة جداً. لندع التسوية الى مفاوضات تنهي القتال المتفرق، او الحرب الزائفة التي تجري الآن في الباسيفيك الغربي. 

وفي هذه الاثناء، تترك الحرب آثارها في الدول الرئيسية في الحضارات الأخرى. وتلتقط الهند الفرصة التي منحتها اياها الصين، لانشغالها بشرق آسيا، فتشن هجوماً مدمراً على باكستان، مسقطة كلياً امكانات ذلك البلد النووية والتقليدية. الهجوم يكون ناجحاً في البداية، ولكن يجري تفعيل التحالف العسكري بين باكستان وايران والصين، وتساعد ايران باكستان بتزويدها قوات عسكرية متطورة. وتصبح الهند عاجزة عن قتال القوات الايرانية ورجال العصابات الباكستانيين من مجموعات اتنية مختلفة. وتلجأ كل من الهند وباكستان الى الدول العربية طلباً للدعم - الهند تحذر من خطر السيطرة الايرانية على جنوب غرب آسيا - لكن النجاحات الصينية الاولى ضد الولايات المتحدة اثارت التحركات المعادية للغرب في المجتمعات الاسلامية. وهكذا تتساقط الحكومات القليلة الباقية الموالية للغرب تباعاً الواحدة تلو الاخرى، في الدول العربية وتركيا، على يد الحركات الاسلامية، مستقوية بالكتائب العسكرية النهائية لنتوءات الشبيبة المسلمة. 

ان انتعاش العداء للغرب بفعل الضعف الغربي يقود الى هجوم عربي ضخم على اسرائيل، ولن يتمكن الاسطول السادس المخفض كثيراً من صدّه. 

وتحاول الصين والولايات المتحدة الحصول على دعم من الدول الاخرى الاساسية. واذ تحرز الصين نجاحات عسكرية، تبدأ اليابان متوترة الاستعداد للانضمام الى الصين التي تتوقع فوزها، فتنقل موقعها من الحياد رسمياً، الى حياد ايجابي داعم للصين، وتذعن للمطالب الصينية وتصبح شريكة حرب وتحتل القوات اليابانية بقية القواعد الاميركية في اليابان، وتسارع الولايات المتحدة الى اجلاء قواتها، وتعلن حصاراً بحرياً على اليابان، وتنخرط السفن اليابانية والاميركية في مواجهات متفرقة في الباسيفيك الغربي. وفي بداية الحرب تقترح الصين معاهدة امن متبادلة مع روسيا (تذكاري لاشعوري مبهم لاتفاق ستالين - هتلر). لكن للنجاحات الصينية تأثيراً معاكساً على روسيا، هو غير التأثير على اليابان. فمشهد النصر الصيني والسيطرة الصينية الكاملة على شرق اسيا، يروعان موسكو، التي تتحرك في اتجاه مضاد للصين، وتبدأ تعزيز قواتها في سيبيريا، فيعرقل المستوطنون الصينيون الكثر هناك هذه التحركات. عندئذ تتدخل الصين عسكرياً لحماية مواطنيها، فتحتل فلاديفوستوك ووادي نهر آمور وباقي الاجزاء الاساسية من شرق سيبيريا. وفيما ينتشر القتال بين القوات الصينية والروسية في وسط سيبيريا تنشب اعمال عصيان في منغوليا التي كانت الصين قد وضعتها تحت الحماية. 

 

دور النفط 

ان للسيطرة والمنفذ الى النفط اهمية اساسية لكل المتحاربين. ورغم استثمارها الواسع في الطاقة النووية، لا تزال اليابان تعتمد على الواردات النفطية، وهذا ما يقوي ميلها الى التكيف مع الصين لضمان تدفق النفط من الخليج الفارسي وأندونيسيا وبحر جنوب الصين. وخلال سير الحرب، تقع الدول العربية تحت سيطرة المحاربين المسلمين، فتتناقص شحنات النفط من الخليج الفارسي الى الغرب، الى حد كبير، حتى يصبح معتمدا في صورة متزايدة على مصادر آسيا الوسطى والقوقاز وروسيا. وهذا يقود الغرب الى تركيز جهوده لاستدراج روسيا الى جانبه، ودعمها في بسط سيطرتها جنوبا على الدول الاسلامية الغنية بالنفط. 

في الوقت عينه تحاول اميركا، تحريك الدعم الكامل لحلفائها الاوروبيين، وفيما هؤلاء يمدون يد المساعدة الديبلوماسية والاقتصادية، فانهم يحجمون عن التورط عسكريا. وتخشى الصين وايران مع هذا انسياق الدول الغربية وراء الولايات المتحدة التي قدمت الدعم لبريطانيا وفرنسا في حربين عالميتين. ولمنع ذلك فانهما تنشران سرا صواريخ ذات قدرة نووية متوسطة المدى في البوسنة والجزائر، وتنبهان القوى الاوروبية الى ضرورة بقائها بعيدة عن الحرب. هذا التحرك، الذي يماثل حال الجهود الصينية لتهديد دول اخرى غير اليابان، ستكون له تداعيات معاكسة لما تريده الصين، وتتحقق المخابرات الاميركية من هذا الانتشار، وترفع التقارير، فيعلن مجلس "الناتو" انه تجب ازالة الصواريخ فورا. وقبل ان يتصرف الناتو تقوم صربيا، التي تتمنى ان تستعيد دورها التاريخي كمدافع عن المسيحية ضد الاتراك، بغزو البوسنة. وتنضم اليها كرواتيا، فيحتل البلدان البوسنة ويتقاسمانها، ويسيطران على الصواريخ، ويمضيان في جهودهما لاكمال "التطهير العرقي" الذي اجبرا على وقفه في التسعينات. وتحاول تركيا والبانيا مساعدة البوسنيين، وتغزو بلغاريا واليونان الجانب الاوروبي من تركيا، فيعم الذعر اسطنبول، ويفر الاتراك عبر البوسفور، في هذا الوقت ينطلق صاروخ برأس نووي من الجزائر، فينفجر خارج مرسيليا، فيرد حلف الناتو بهجمات جوية على اهداف في شمال افريقيا. 

وهكذا تتورط الولايات المتحدة واوروبا وروسيا والهند في نزاع عالمي حقيقي، ضد الصين واليابان ومعظم الدول الاسلامية. 

 

كيف ستنتهي هذه الحرب؟ 

لكل من الطرفين قدرات نووية رئيسية، ومن الواضح ان دفع هذه القدرات الى اكثر من مواجهة محدودة قد يدمر الدول الكبرى في الجانبين. واذا لم يجدِ الردع المتبادل فان الانهاك المتبادل قد يقود الى مفاوضات عسكرية لن تحل المسألة الاصلية للهيمنة الصينية في شرق آسيا. وفي موازاة ذلك قد يحاول الغرب ان يهزم الصين باستخدام القوة العسكرية التقليدية، ولكن تحالف اليابان معها يمنحها حماية عبر نطاق من الجزر، مما يمنع الولايات المتحدة من استخدام قوتها البحرية ضد المراكز السكانية والصناعية على الشاطئ الصيني. والبديل هو الوصول الى الصين من الغرب. ويؤدي القتال بين روسيا والصين الى ترحيب الناتو بعضوية روسيا، وبالتعاون معها ضد الجيوب الصينية في سيبيريا، وباحتفاظها بسيطرتها على دول الغاز والنفط الاسلامية في اسيا الوسطى، ودعم التمرد ضد الحكم الصيني بواسطة التيبيتيين والايغوريين والمنغوليين، وتحريك القوات الغربية والروسية ونشرها شرقا في سيبيريا، تمهيدا للهجوم النهائي عبر الحائط العظيم على بيجينغ ومنشوريا وقلب الهان. 

 

بعد الحرب 

ايا تكن النتيجة الفورية لهذه الحرب الحضارية الدولية، والتدمير النووي المتبادل، وتوقف المفاوضات نتيجة الانهاك المشترك، او الدخول النهائي للقوات الروسية والغربية الى ساحة تيانامين - فان النتيجة البعيدة الواسعة ستكون حتما الانحدار العنيف للقوة الاقتصادية والديموغرافية والعسكرية لكل المشاركين الرئيسيين في هذه الحرب. والقوة الدولية، التي انتقلت عبر قرون من الشرق الى الغرب وبدأت تعود من الغرب الى الشرق، قد تنتقل الان من الشمال الى الجنوب. ان المستفيد الاكبر من حرب الحضارات هي الحضارات التي امتنعت عن خوضها. ومع تدمير يلحق الغرب وروسيا والصين واليابان في درجات متفاوتة، يصبح الطريق مفتوحا امام محاولة اعادة تشكيل العالم وفق الخطوط الهندية. وستلوم فئات واسعة من الجمهور الاميركي الضعف الشديد للولايات المتحدة على مستوى التوجيه الغربي المحدود للنخبة، ويصل الزعماء من اصل اسباني الى السلطة، مدعومين بوعد خطة مارشال شاملة - مساعدة نموذجية من دول اميركا اللاتينية المزدهرة التي ابتعدت عن الحرب. اما افريقيا، في الجانب الاخر، فلديها القليل كي تقدمه لاعادة بناء اوروبا (...). وفي اسيا، اذا دُمرت الصين واليابان وكوريا في الحرب، فان القدرة تنتقل جنوبا الى اندونيسيا التي بقيت على الحياد، فتصبح دولة مسيطرة. وبتوجيه من المستشارين الاوستراليين تعمل على تشكيل سياق الاحداث من نيوزيلندا في الشرق، الى ماينامار وسري لانكا في الغرب، وفيتنام في الشمال. كل هذا نذير نزاع مستقبلي مع الهند والصين المنبعثتين، وفي كل حال فان مركز السياسات الدولية يتحرك جنوبا. 

اذا كان هذا السيناريو يبدو للقارئ خياليا، وغير معقول، ومتوحشا (...) فدعنا نأمل في الا تكون باقي السيناريوهات لحرب الحضارات العالمية معقولة. ان ما هو اكثر "معقولية"، واكثر ازعاجا في هذا السيناريو، هو سبب الحرب: تدخل دولة اساسية في حضارة ما (الولايات المتحدة)، في نزاع بين دولة اساسية في حضارة اخرى (الصين) ودولة عضو في الحضارة عينها (فيتنام). بالنسبة الى الولايات المتحدة ان تدخلا كهذا كان ضروريا للمحافظة على القانون الدولي، وصدّ العدوان، وحماية حرية البحار، وحفظ منفذها الى نفط بحر جنوب الصين، ومنع قوة واحدة من السيطرة على شرق آسيا. اما بالنسبة الى الصين فان ذلك التدخل كان غير مقبول كليا، بل انه محاولة متعجرفة نموذجية من دول غربية قائدة لاذلال الصين وارهابها واثارة معارضة ضدها ضمن محيط نفوذها الشرعي، واهمال الدور اللائق بها في الشؤون العالمية. 

ان تجنب الحروب الرئيسية بين الحضارات في المرحلة المقبلة يتطلب امتناع الدول الرئيسية عن التدخل في نزاعات الحضارات الاخرى. هذه حقيقة تجدها بعض الدول، ولا سيما الولايات المتحدة، صعبة القبول. فقاعدة عدم التدخل هذه، التي تحظر تدخل الدول الرئيسية في نزاعات الحضارات الاخرى، هي المطلوب الاول للسلام في عالم متعدد الحضارة والقطب. والمطلوب الثاني هو قاعدة التوسط المشترك كي تتفاوض الدول الرئيسية في ما بينها لوقف حروب خط الصدع بين الدول والمجموعات التي هي من حضاراتها. 

ان قبول هاتين القاعدتين، وكذلك القبول بعالم ذي مساواة اكبر بين الحضارات، لن يكونا سهلين على الغرب او على الحضارات التي ترغب استمرار الغرب في دوره المسيطر. عالم كعالمنا، مثلا، تنظر اليه الدول الرئيسية كامتياز لها، لامتلاك الاسلحة النووية وانكارها على سائر الاعضاء في حضاراتها. لننظر الى الوراء، الى جهود تطوير الامكانات النووية الكاملة لباكستان. ذو الفقار علي بوتو برر تلك الجهود: 

"اننا نعلم ان اسرائيل وجنوب افريقيا لديهما الامكانات النووية الكاملة. الحضارات المسيحية واليهودية والهندية لديها هذه الامكانات. فقط الحضارة الاسلامية لم تملكها، ولذا وجب تغيير هذا الوضع". ان التنافس على القيادة داخل الحضارات مفتقدا الى دولة رئيسية واحدة قد يحفز ايضا على التنافس على الاسلحة النووية. ورغم ذلك، ورغم وجود علاقات تعاون عالية بين ايران وباكستان، فان ايران تشعر بانها في حاجة الى اسلحة نووية كباكستان. وفي المقابل نرى ان البرازيل والارجنتين تخلتا عن برامجهما في هذا الصدد، فيما دمرت افريقيا الجنوبية اسلحتها النووية رغم انها قد ترغب في اعادة امتلاكها اذا بدأت نيجيريا تطوير مثل هذا الامكان. وفيما يبدو واضحا ان الحظر النووي ينطوي على اخطار، كما اشار الى ذلك سكوت ساغان وآخرون، فان عالما يتضمن دولة او دولتين رئيسيتين في كل من الحضارات الاساسية لديهما الاسلحة النووية من دون سائر الدول، سيكون عالما مستقرا. 

ان معظم المؤسسات الدولية الاساسية يعود تاريخ قيامها الى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وجرى تشكيلها وفق المصالح والقيم والممارسات الغربية. وبينما تنحسر القدرة الغربية، بالمقارنة مع باقي الحضارات، سيتنامى الضغط لاعادة تشكيل هذه المؤسسات لتتوافق مع مصالح هذه الحضارات. ما هو اكثر وضوحا واهمية، وربما المسألة الاكثر اثارة للجدل، هي المسألة المتعلقة بالعضوية الدائمة في مجلس الامن الدولي. فقد توزعت على القوى الرئيسية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وهي تحمل علاقة تتراجع بواقع القدرة في العالم. ومع تغير اتجاه الرياح في المدى الطويل، فإما ان تطرأ تغييرات في هذه العضوية، او يجري تطوير وسائل اخرى للتعامل مع المسائل الامنية، حتى لو كانت اجتماعات مجموعة الدول السبع تتعاطى المسائل الاقتصادية الدولية. في عالم متعدد الحضارة انه لامر مثالي ان تحظى كل حضارة اساسية بمقعد على الاقل في مجلس الامن. وفي الوقت الراهن هناك مقاعد لثلاث حضارات فقط، وقد صادقت الولايات المتحدة على العضوية اليابانية والالمانية، لكن من الواضح ان تصبح هاتان العضويتان دائمتين اذا ما حظيت الدول الاخرى بهما، واقترحت البرازيل انضمام خمس دول اعضاء جدد، من دون ان تتمتع بحق النقض، هي المانيا واليابان والهند ونيجيريا، اضافة الى البرازيل. الا ان هذا يترك مليار مسلم بلا تمثيل، الا اذا تحملت نيجيريا تلك المسؤولية من زاوية حضارية، يجب ان تكون كل من اليابان والهند من بين الاعضاء الدائمين، وكذلك ان تحظى افريقيا واميركا اللاتينية والعالم الاسلامي بمقاعد دائمة، والتي يجري اشغالها وفق قواعد المداورة بين الدول البارزة في هذه الحضارات، ويتم الاختيار ضمن منظمة المؤتمر الاسلامي ومنظمة الوحدة الافريقية ومنظمة الدول الاميركية (الولايات المتحدة تمتنع عن التصويت). ومن الملائم ايضا دمج المقعدين البريطاني والفرنسي في مقعد واحد للاتحاد الاوروبي، على ان يختار الاتحاد الدولة التي ستشغله وفق مبدأ المداورة. وهكذا سيصبح لكل من الحضارات السبع مقعد دائم، مقابل مقعدين للغرب. وهذا التقسيم يعكس في شكل واسع توزيع الناس والثروة والقوة في العالم". 

 

صدام الافكار 

طبعا ان سياق الاحداث اليوم يختلف عن سيناريو هاتنغتون، وان تكن فيه نقطة جديرة بالاهتمام تتعلق بقوله ان منطلق الحرب المقبلة سيكون على "الارجح احتمال تورط المسلمين في جانب وغير المسلمين في جانب آخر". لكن الامر وكما نراه حتى الان، يتعلق بشخص اسمه أسامة بن لادن، وبمجموعة اسمها طالبان، وكلاهما يمثل نقطة في بحر مليار مسلم تهب فيه رياح لا تشتهيها سفن افغانستان. 

أول من حاول الدفاع عن نفسه هو فرنسيس فوكوياما، الذي كتب في صحيفة "غارديان" البريطانية في 11 الجاري دفاعا عن نظريته "نهاية التاريخ": "نبقى في نهاية التاريخ لأن هناك ناظما واحدا سيستمر مهيمنا على السياسات العالمية، وهو الغرب الديموقراطي الليبيرالي. هذا لا يعني عالما خاليا من الصراع ولا اختفاء الثقافات". 

وقبل هانتغتون وفوكوياما بأكثر من ستة قرون كتب ابن خلدون مقدمته الشهيرة التي يذهل المرء كيف استطاع هذا العالم العربي تشخيص نشوء الدول وزوالها، مستطلعا الاسباب التي تنطلق من جهد عقلي مميز. 

وايضا في مستهل القرن الماضي وضع المفكر الانكليزي هويسون كتابه عن "الامبريالية" وفيه ما يناقض زميليه الاميركيين: "ان عقل آسيا المنتج اعطى اوروبا، ابان خمولها في العصور الماضية، الدفعة الكبرى في الدين والفلسفة والرياضة، وقد تكون حتى نومها - او ما يبدو لنا نوم قرون عديدة - راودتها احلام نبيلة نيّرة، وقد يكون عقل الغرب ما برح في حاجة الى بصيرة الشرق، وذلك الاتحاد الذي أثمر كل هذه الثمار في الماضي قد لا يكون عقيما في المستقبل". 

ويخشى هويسون، ونخشى معه، ان يكون ما كتبه ينطبق على مفكري الغرب هذه الايام: "(...) ان الثمن الذي تدفعه الجامعات لتفضيلها المال والمركز الاجتماعي على المكانة الفكرية في اختيار مستشاريها، وفي التمسح بأصحاب الملايين، سعيا وراء المال لانشاء مدرسة علمية جديدة، هو هذه التبعية للمصالح السياسية والمالية لرعاتها. ولا بد من ان تعكس فلسفتها وتاريخها واقتصادها - بل وحتى علم الاحياء فيها - ما يجب من اعتبار لهذه الرعاية". 

البقاء للأصلح. تلك قاعدة جوهرية، وتنطبق على الافكار بلا ريب. والزمن يمر ويتغربل معه الاحياء فيبقى من يبقى ويزول من يزول وما يزول.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic