العالم في يوم واحد

عباس بيضون

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

26 تشرين أول - أكتوبر 2001

  تاريخ النشر:

 

مشهد من الموت الأفغاني !
 

     العالم في يوم واحد، يوم تليفزيوني طويل. 320 اختفوا في قاع المحيط الهادئ. مئتان غاصوا فورا الى الأعماق، وآخرون تعلّقوا عشرين ساعة بلوح خشب. هل نتخيل هذه الأوذيسة البائسة؛ هذا العوليس المحطم على لوح خشب. كم شمسا أشرقت وغابت، وكم أملا تراءى وانقطع. كم شهقة، كم حياة، وكم موتا، وكم دقيقة، بل كم لحظة في العشرين ساعة. معلّقون بلوح خشب. مصلوبون على المحيط الهادئ... وفوق الهاوية. هذا الحطام البشري، عشرين ساعة، غريبا ولاجئا الى لوح، وبائسا متسولا على أبواب النهايات. قبل ان تتلف الأيدي والأرواح، وتنفد الطاقة والصبر والدم والنور والرغبة، خيطا خيطا، ومهجة مهجة. كومة الحياة هذه التي تصارع عشرين ساعة، إلى أن تيأس وتلقي نفسها في اليم. إنه أخيرا الانتحار. 

لنتذكر أنهم عراقيون في الغالب؛ عراقيون من بلاد الرافدين وأرض اللبن والعسل، حوّلهم طاغية، ونظام عالمي ظالم، إلى متسولين على أبواب النهايات؛ إلى سلة عظام (لوركا) على وجه المحيط. ليس كالكوارث تجمعنا مع الناس والعالم. لكننا نعرف على الأقل بأي لغة زفر العراقي في عالم لم يعد يسمعه. ونعرف مجددا سيرة العربي التائه؛ العربي الطائر؛ عوليس العربي الراحل على خشبة في محيطات العالم؛ الداخل الى العالم على لوح، والراحل من العالم بسلة عظام؛ المتحول الى لقمة للمحيط الهادئ ولكل الهاويات؛ البادئ عولمتَه حافيا في عراء الله والعالم. نعرف مجددا زفرة العراقي؛ زفرة العربي الذي لا يقدر على سلطانه، فيلقي بنفسه في متاهة الله؛ ولا يقدر على نفسه فيكرهها؛ ولا يقدر على العالم الذي يتسلّمه سلةَ عظام في المحيط. 

يوم تلفزيوني طويل. الجيش الاسرائيلي يترك 9 جثث في خلاء بيت ريما، ويقتل 21 في نهار واحد. إنها حرب، يقول الوزير الاسرائيلي، ليبرّر حجم الاختراقات التي يتجاوز فيها الجيش الاسرائيلي اراضي السلطة الفلسطينية، وعدد القتلى الذين يتركهم يوميا خلفه. لكننا لا نعلم أن أيّا من الفلسطينيين اخترق حدود السلطة الاسرائيلية، أو زرع القتلى بهذا العدد في أراضيها. إنها حرب، يقول الوزير الاسرائيلي، ليبرّر حجم العنف ومداه، وليبرّر أكثر حجم الخسائر، وحجم الدم، ورقم القتلى. تسمية كمية، كما ترى، تتعلّق بالحجم والعدد والمدى. لكن الخسائر كلها، والتعديات كلها، والدم كله، تقريبا، في الجانب الفلسطيني. الفلسطيني يدفع وحده مستلزمات الحرب ومقوماتها: الفلسطينيون هم مادة الحرب، لكن الاسرائيليين هم الذين يسمّونها. كم رقما من القتلى، وأي كمية من الدم، على الفلسطيني ان يدفعهما ليستحق اعتداءُ الاسرائيلي أن يُسمَّى حربا، وليدفّعه إياهما الاسرائيلي بضمير مرتاح، وتفهم عالمي لأنها الحرب، ولأن الفلسطيني قدم الحد الادنى المطلوب للحروب. نرى دم الفلسطيني ونسمع تفسير الاسرائيلي. الدم دم الفلسطيني، والصوت صوت الاسرائيلي. معادلة غريبة بالطبع، وهي أكثر غرابة إذا علمنا ان الدم الفلسطيني ليس غاليا بالسعر العالمي. على الفلسطيني أن يدفع كثيرا ليقدم للإسرائيلي حربه الموعودة “التي يسمح فيها بقتل المدنيين الفلسطينيين بالطبع”. على الفلسطيني ان يبذل دائما رقما عاليا من الدم والقتلى والخسائر، ليسمع العالم كلمته. ثمة لغات لا تقال فقط بالألفاظ، بل بمَدد كبير من الشقاء والدم. وبأقل من هذا الرقم يسمع العالم الصوتَ الاسرائيلي. بدم أقل نُسمع العالم صوت العدو. معادلة غريبة، لكن ليس من شيء غريب على الفلسطيني التائه، المعلّق على خشبة السلطة الفلسطينية، والمتسول على أبواب العالم مستمعا، أو متفهما. إنها أيضا زفرة الفلسطيني؛ حلمه وذاكرته، وهذا الثمن المخيف من الشقاء الذي عليه ان يدفعه ليستعيد اي شيء؛ حلما، نبتة صغيرة، ذكرى، مفتاحا صدئا، اسما، اسما فحسب. فثمة سعر باهظ مستمر ليبقى لفلسطين اسم. عساه لا يتعب ولا تتلف روحه. عساه لا يقفز عن الخشبة. 

قذيفة بالخطأ، بالخطأ الذي أُحسن تصويبه، وقعت على رؤوس الأفغان النازحين، فقتلت 20. إنه يوم تلفزيوني طويل، كما قلنا، وجثث العراقيين والفلسطينيين والأفغان مع الفلين والاسماك الميتة، تشطط في كل مكان. لا حساب للجثث. لا حساب للدم. فثمة سعر عالمي بخس لدماء الطارئين. ثمة ثمن بالدم لأبسط حق، للّقمة والاسم والملجأ. إنه يوم تلفزيوني طويل، ونحن عالقون منذ الصباح على لوح النشرات الإخبارية. لقد تغرغرنا طويلا بالدم والشقاء والحفاء. لنبصقْ على هذا العالم، فربما هكذا لا نلقي بأنفسنا... ربما هكذا لا نقفز عن الخشبة.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic