مشروع قانون البلديات الجديد
نقطة مضيئة في واقع معتم

أحمد زين

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

3 تشرين ثاني - نوفمبر 2001

  تاريخ النشر:

 

     يفسح مشروع قانون البلديات الجديد في المجال للمراهنة على تطبيق واحد من البنود الأساسية التي نص عليها “اتفاق الطائف”، والمتعلق باللامركزية الإدارية، ويقدم صورة نموذجية عن قدرة الحكومة على الإقدام لمعالجة مشكلات مزمنة من خلال إعداد مشاريع مدروسة، بعيدة عن الارتجال، تحترم حضارة العصر وتطمح للتأقلم مع المستقبل من دون ان تنتهك احكام الدستور ومبادئه العامة. 

فمشروع قانون البلديات يشكل، كما تقول أوساط سياسية، نقطة مضيئة في واقع معتم، كونه مشروعا طموحا إذا ما تسنى له الإقرار والتطبيق. ويمكن ان يساهم في استعادة اللبنانيين الثقة بإمكان تغيير الواقع الذي راهنوا على تغييره مرات ومرات، وكانوا في كل مرة ينتهون الى احباط لا يعرفون من أين يأتي وكيف ولماذا! 

فبصرف النظر عن بعض التفاصيل التي ترد في احكام المشروع، ترى الأوساط السياسية ان “العلة الأساسية” التي يمكن تسجيلها على المشروع هي ابتعاده عن عقلية سياسة الخطوة خطوة للتغيير، واعلانه الانقلاب على واقع ومفاهيم مزمنة متأصلة ومتجذرة في الحياة اللبنانية، الأمر الذي يطرح سؤالا لا يمكن تجاوزه: لماذا مثل هذه الجرأة المتناهية، وهي جرأة مبررة، في طرح مشروع البلديات، ولماذا التخوف من طرح مشاريع مماثلة في جرأتها عند المطالبة بمواجهة قضايا تنخر في الحياة السياسية وتعشعش في العقل اللبناني وتتجذر في صلب كيان الدولة وممارساتها لتضعها على شفير الهاوية في كل آن! ومن هذه النقطة بالذات تكمن الأهمية الأولى لمشروع قانون البلديات. فاما ان ينجح وتكون تجربته كافية لإسقاط كل الذرائع والهواجس التي كانت وما زالت تحول دون التصدي للقضايا التاريخية العالقة، واما ان يسقط المشروع ويفشل الانقلاب لمصلحة استمرار الواقع المشكو منه من قبل الجميع. 

وتعتقد الأوساط السياسية ان مشروع قانون بمثل هذا التكامل والوضوح من شأنه ان يشكل نقطة تحول في بنية النظام السياسي وأدائه. فالمشروع لم يمس بالمكسب الوطني التاريخي المتمثل في انعتاق الانتخابات البلدية من القيود الطائفية والمذهبية، واخضع كل ما له علاقة بآلية الترشيح والانتخاب للقاعدة الديمقراطية، بعد ان فرض على ان يكون انتخاب رئيس المجلس البلدي ونائبه مباشرا. وبمثل هذا النص يكون المشروع قد ساهم والى حدود بعيدة في قطع الطريق على محاولات تطبيق العملية الانتخابية عند الترشح للانتخابات، لأن المقترعين هم الذين سيختارون اسم الرئيس ونائبه بعد ان كان الأمر مناطا بأعضاء المجلس البلدي. 

ويظهر المشروع ان اعداده قد تعامل مع الرغبة في تحقيق اللامركزية الإدارية بأمانة متناهية، حتى انه اعتمد في العديد من التعابير والمواصفات على تلك السائدة في الدولة المركزية. فرئيس البلدية مثلا “يتولى السلطة التنفيذية” وقرارات “السلطة التنفيذية تلك لا تخضع لسلطة الرقابة” وهذه السلطة هي “التي تصدر الأنظمة والقرارات” وهكذا.. والبلدية في المشروع تصبح مؤسسة دائمة لا تعمل ب”المياومة”. فرئيس البلدية ونائبه مثلا ملزمان بتأمين دوام كامل في بلديات مراكز المحافظات، وذلك خلال الدوام الرسمي. ولا تخضع البلديات لرقابة ديوان المحاسبة المسبقة، أما رقابة التفتيش المركزي على السلطتين التقريرية والتنفيذية فأصبحت مرتبطة بموافقة وزير الداخلية والبلديات. واللافت للنظر ان المشروع قد حرر قرارات رئيس البلدية من أي سلطة رقابة، واعتبر تلك القررات نافذة من تاريخ اعلانها، وحصر حق ارجاء تنفيذ أي “قرار بلدي” لأسباب تتعلق بالأمن بوزير الداخلية. وهكذا وبمقدار ما تشدد المشروع في الشروط الواجب توافرها في رئيس البلدية فانه قد منحه صلاحيات وحصانات حتى بدا وكأنه يجمع بين مهام “العُمدة” و”الحاكم الفرد”، وشيء من حصانة النائب حتى باتت مهام المجلس البلدي أمام ما يتمتع به رئيس البلدية في نطاقه البلدي ثانوية جدا، بحيث يظهر الجميع أمامه وكأنهم من المعاونين له إذا شاء! 

ومما لا شك فيه ان ما يتمتع به رئيس البلدية في المشروع قد استند الى المبدأ الديمقراطي المعمول به في النظام الذي يعتبر من هو منتخب من الشعب مباشرة أم غير مباشرة، تكون قراراته وأعماله وتصرفاته في إطار المهام الموكولة اليه متخذة باسم الشعب، فإن الأوساط السياسية تتمنى ان يبقى انعكاس هذا المبدأ من فوق الى تحت بحيث لا يأتي يوم يصار فيه الى العمل فيه من فوق، على غرار ما يكون قد تمتع به رئيس البلدية من صلاحيات بعد اقرار المشروع. 

وتشير “الشخصية العامة” التي يوليها المشروع لهيئات المجلس البلدي والصلاحيات والمهام الواسعة الموكولة اليه مسألة الأسباب الموجبة التي تستدعي الابقاء على المجالس الاختيارية والمختارين. فالمجلس البلدي الذي أصبح ملزما بموجب القانون باستعمال احدث تقنيات العصر من كمبيوترات وأرشيف آلي وعنوان لبريد الكتروني يرتبط بوزارة البلديات وغير ذلك، ومن صلاحياته (رئيس البلدية) على سبيل المثال لا الحصر حتى نقل الموتى وتنظيم سير الجنازات ونبش الجثث واتخاذ التدابير اللازمة بشأن المجانين وقمع التسول وتوزيع المساعدات وغير ذلك. فماذا يبقى في ظل مثل هذه الصلاحيات من مهام للمختار؟ وحتى إذا ما كان قد بقي “نتفا من مهام” جدلا، فلماذا لا تؤول الى المجلس البلدي لمنع امكان حصول ازدواجية ما في ممارسة اللامركزية في الإدارات المحلية! 

ويطرح المشروع مسألة تتعلق بالأساس وتتمثل في القواعد الموحدة التي نص عليها بالنسبة لعلاقة الدولة المركزية مع البلديات. ففي ظل الخرق الفاضح لمبدأ الإنماء المتوازن لا يمكن لتلك القواعد الموحدة ان تؤدي الغرض الكامل المرجو منها، لأن التوازن الذي تقدمه القواعد تلك لا يحقق أي تغيير في الواقع الإنمائي وبالتالي يبقي الخرق القائم على ما هو عليه. لذلك فإن المراهنة على عملية إنمائية متكاملة باعتماد الإدارات المحلية يجب ان تترافق مع تحقيق مبدأ الإنماء المتوازن أولا. وربما كان مثل هذا الربط لا علاقة له بمشروع خاص بالبلديات إلا انه على صلة وثيقة جدا بالحكومة التي تبنت المشروع. فهل تكمل الحكومة المستلزمات الرئيسة الآيلة لأن يأخذ مشروع قانون البلديات مداه في الأهداف التي توخاها ان باعداد مشروع اللامركزية الإدارية وان بالحرص على التوازن بالإنماء وغير ذلك من المشاريع؟ 

ولكن مهما كان الأمر، ومهما جاء مشروع قانون البلديات متأخرا ترى الأوساط السياسية، انه ليس من حق أحد إلا وان يعترف بجرأة المشروع وتكامل مواده ووضوحها، وابتعاده عن المآرب السياسية المباشرة وتعامله مع روح العصر التي من شأنها إذا ما أخذت طريقها الى التنفيذ ان تساهم وبشدة في تعميم الحداثة في القرى والبلدات، في حال عدم استمرار انقطاع التيار الكهربائي الذي يعيد البلد الى العصور الغابرة. 

تبقى مسألة أخيرة يمكن ان يثيرها اقتباس المشروع لديموقراطية التمثيل من الانتخابات النيابية والتصويت في المؤسسات الدستورية. فاعتبار صوت رئيس البلدية مرجحا في حال تعادل الأصوات يشذ عن القواعد المتبعة في تلك المؤسسات، ومع هذا لا يمكن القول اقل من لا بأس، لأن المشروع المتعلق بالبلديات كان بحاجة لأن يمهر بعبارة “صنع في لبنان”.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic