أسرى إسرائيل ... أحياء أم موتى؟

ابراهيم الأمين

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

5 تشرين ثاني - نوفمبر 2001

  تاريخ النشر:

 

نصر الله أسر الجنود في لبنان وجنّد أسرهم داخل إسرائيل
لماذا لم تطابق تل أبيب فحص دماء الميدان ب”الحمض النووي” لجنودها

     لا إمكانية لجواب قاطع على سؤال الأكثرية حول ما اذا كانت اسرائيل تملك فعلا معلومات حول مصير جنودها، ام انها تقوم بمناورتها الكبرى، إلا اذا خرج “حزب الله” عن صمته، او قدم الاسرائيليون دليلهم على وفاة جنودهم الثلاثة. ومنطق التفاوض يقول بأن المقاومة لا تزال صاحبة مصلحة في كتم ما بين يديها. اما اسرائيل فهي اما غير قادرة على كشف مصدرها، او انها تعود الى لعبتها المفضلة مع “حزب الله”: السعي الى تعديل قواعد اللعبة. 

لكن ذلك لا يلغي إمكانية التدقيق في ما قاله الاسرائيليون لأهالي الجنود او ما سرّبوه من تقديرات حول ظروف “الموت الافتراضي” للجنود الثلاثة، وربطوا الأمر بمعلومات استخباراتية غير محددة المصدر، مع إشارة لافتة لناحية انهم ربما حصلوا على المعلومات من داخل “حزب الله” نفسه، ثم قالوا ان الجنود قتلوا في الضربة الأولى، لأن العبوة التي اصابت مركبتهم غير المصفحة كانت قوية، وعرضت صورة لآلية مدمرة تماما ومحترقة (قال الجيش الإسرائيلي انها نفس التي كان الجنود الثلاثة بداخلها)، ومن ثم جرى الاستناد الى تقرير طبي يقول ان كمية الدماء التي وجدت في السيارة التي تركها “حزب الله” في مسرح العملية كانت كبيرة جدا وكافية للافتراض بقوة انها عائدة الى اشخاص ماتوا على الأرجح ساعة الحادث او بعد قليل. 

وفي هذه النقطة بالتحديد، تبدو الرواية الاسرائيلية ضعيفة للغاية، بل ربما لم ينتبه الاسرائيليون او الذين رسموا هذا السيناريو الى أخطاء ارتكبت من جانبهم في وقت سابق، وذلك وفق الآتي: 

كانت العربة التي ركبها الجنود قد تعرضت الى قنبلة كبيرة، ادى انفجارها الى شل حركة الجنود، وأمكن لعنصر المباغتة حسم اسرهم في لحظات قليلة من جانب المقاومين الذين لم يحتاجوا اكثر من ثلاث دقائق ليصلوا الى الغنيمة ويفروا خارج البقعة. وبحسب الرواية الإسرائيلية فإن المركبة دمرت واحترقت كليا، وبالتالي لم يكن بالإمكان الوقوف على معلومات ذات صفة حاسمة من الآثار الموجودة داخل العربة، ولذلك بدأت عملية البحث عن الدلائل في نفس الوقت الذي بدأت فيه المفاوضات، وكان الاسرائيليون يأملون ان يتوفر لهم عبر عناصر القوة الدولية الموجودة في المنطقة ما يشفي غليلهم من معلومات لتحديد مصير الجنود او لتحديد الصورة التقريبية لوضعهم، وزاد الامر تعقيدا مع فشل كل الوساطات والضغوط التي مورست على “حزب الله” للكشف عن مصيرهم. 

وفجأة يبرز الى السطح موضوع شريط الفيديو الذي صوره جنود من الوحدة الهندية، والذي يظهر سيارتي “الجيب” اللتين استخدمهما “حزب الله” في العملية، وكانت المفاجأة الاولى، في التقرير الذي اعده الضابط الهندي عن الفيلم وفيه إشارة الى بقع الدماء، ولما ترك امر التقرير النهائي الى الجنرال اوبينغ (القائد السابق للقوة الدولية في الجنوب) وجد الأخير ان الإشارة الى موضوع الدماء لا يستند الى تقرير طبي، اي انها مجرد ملاحظة. وبدا ان الضابط الهندي الذي عاين السيارة ليس من الخبراء، وهو ظن ان السجادة الموجودة في ارض السيارة، كانت مغطاة بالكامل تقريبا بالدماء، وتدل على ان الجنود ربما يكونون قد نزفوا حتى الموت. وفي تقرير آخر قيل ان بقع الدماء جاءت على شكل كف يد ممسوح على المقعد الخلفي للسيارة، وربما تعود الىد الى احد مقاتلي الحزب وليس الى الجنود الاسرائيليين. ومع ذلك رفض اوبينغ إثارة هذا الجانب طالما انه لا يحسم مصير الجنود، ثم قيل انه من الأفضل عدم إثارة ما قد يتسبب بأزمة إنسانية لذوي الجنود. 

يومها ثار الاسرائيليون واحتجوا على الأمرين معا. الأول كيف انهم لم يتلقوا معلومات حول موضوع الدماء، ومن ثم كيف ان الامم المتحدة تشير بهذه الطريقة الى احتمال موت الجنود، وهو امر لا تقبله اسرائيل، وجهد الجيش يومها لإقناع ذوي الجنود بأن لا معلومات حاسمة لديه، وان هذه التقارير لا تفيد بشيء خاص. 

لكن ما هو مثير في الموضوع ما اكده مصدر واسع الاطلاع ل”السفير”، من ان إسرائيل لم تتقدم حتى تاريخ اليوم بطلب مطابقة فحوصات عينات الدماء الموجودة لدى الامم المتحدة بفحص الحمض النووي (D.N.A) الموجود لدى اسرائيل، وبالتالي فإن من يملك مفتاح الكثير من أسرار دماء الجنود يفترض ان الاستناد الى بقع الدماء للتقدير بالموت الافتراضي للجنود امر في غير محله. 

أما بما خص النقطة الثانية، فإنه وطالما ان “حزب الله” لا يريد الإفصاح ولا تبدو اسرائيل في وارد تفصيل معطياتها حول الدليل على وفاة الجنود فإن التقديرات السياسية تشير الى الآتي: 

ان اسرائيل لم تقدر طوال الوقت على سحب المبادرة من يد “حزب الله”، بل على العكس فقد ظهر ان القدرة الابتزازية عند المقاومة تفوق ما كان مقدرا، وما أثار غيظ الحكومة الاسرائيلية ان السيد حسن نصر الله لم ينجح فقط في رد كل الضغوط التي قامت عبر حملات دبلوماسية دولية، بل هو جعل أهالي الجنود لا يستمعون الى حكومتهم، وفي مرحلة لاحقة جنّدهم للعمل في خدمة استراتيجيته التفاوضية، وكلما زاد هؤلاء من الضغط على الحكومة وطاقم المفاوضات للحصول على معلومات عن اولادهم، كلما زاد نصر الله في الثمن المقابل. ثم شعر الاسرائيليون بأن اللعبة غير متوازنة، وآخر الرسائل الواردة عبر الوسيط كانت تقول بأن لا تراجع عن لائحة المطالب. وبعث الاسرائيليون انهم يقبلون بإطلاق اللبنانيين ما عدا الشيخ عبيد والحاج الديراني وبمئة وخمسين من الفلسطينيين، لكن نصر الله رد سريعا: كل اللبنانيين من دون استثناء، وضاعفوا عدد الفلسطينيين بأكثر من عشر مرات، ولكن في كل مرة، ينهي الاجتماع بالقول: “نريد إنهاء الموضوع، لكننا لسنا في عجلة من أمرنا”. 

ولذلك لم يكن بالإمكان إيجاد وسيلة من نوع آخر لكسر ما افترضه الاسرائيليون بالحلقة المفرغة، فهم لا يستطيعون الاستجابة لمطالب “حزب الله”، وهم غير واثقين من ان الملف سينتهي عند هذا الحد. انهم لا يريدون ان تسير كل اللعبة وفق أجَنْدة “حزب الله” السياسية والأمنية والعسكرية، وكان عليه رمي اكثر القنابل فعالية لقلب الطاولة رأسا على عقب. ولم يتوفر بين ايديهم أفضل من هذه اللعبة. 

نصر الله يعد خطابه للقول انه غير معني بحسابات اسرائيل الجديدة، وفي المكاتب المجاورة، صوت يرتفع من غرفة العمليات: لماذا تأخرت الدفعة الجديدة من الأسرى الإسرائيليين؟

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic