لبنان في مواجهة “الموت الآتي من الغرب”

فارس خشان

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

6-7 تشرين ثاني - نوفمبر 2001

  تاريخ النشر:

 1

واشنطن تفرض على بيروت معادلة جديدة: المقاومة أو الاستقرار!
تسليط سيف الابتزاز السياسي على رأس النظام المصرفي

     فجأة، أو هكذا خُيِّل للبعض، انتقل لبنان على جناح “حزب الله” الى “المناطق السوداء”، بعدما ظن كثيرون وفي طليعتهم كبار المسؤولين، انه سيبقى حتى “هدوء العاصفة”، في المناطق المسماة رمادية. 

كان وزير الخارجية الأميركية كولن باول في كلمة ألقاها أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، قد “خدَّر العقول”، حين أشار في الخامس والعشرين من تشرين الأول الأخير، الى ان “بعض الجماعات قد توصف أحيانا بأنها إرهابية، بينما هي في الواقع قد تكون مطالِبة برفع المظالم أو كسب الحقوق أو تحقيق الحرية من قوى ظالمة. فليست كل الأشياء إما “أبيض أو أسود”، بل هناك “مناطق رمادية يتعين معالجتها سياسياً”. 

بدا هذا “الكلام الرمادي” كأنه انتصار للمطالبين منذ إقرار مجلس الأمن الدولي للقرار “الصعب” الرقم 1373 في 28 أيلول 2001، بضرورة التفريق بين الإرهاب والمقاومة. 

ولكن سرعان ما تبدد هذا الوهم، وأدرك جميع من يعنيهم الأمر ان الولايات المتحدة الأميركية جادة بالاستفادة من كبوة الحادي عشر من أيلول حتى النهاية، فوضعت خصومها جددا وقدامى في سلة واحدة، وتعمل بالممكن، وبسياسة قضم المراحل على مد سيطرتها المُحكمة على الخريطة الكونية. 

أخرجت واشنطن بادئا، “حزب الله” واخوانه من الحركات الإسلامية التي تحصر نضالها بالصراع الوجودي مع إسرائيل، ولكنها لم تخرجها من “مرماها”، فكثر الرسل من ديار الحلفاء في لبنان، علها تصل الى مبتغاها، تحت شعار توسيع قاعدة محاربي الإرهاب. 

سعى هؤلاء إلى إقناع حماة المقاومة بالعمل ليغير “حزب الله” نهجه بالتخلي عن السلاح المرفوع في وجه إسرائيل، ولم يكن في ذلك جدوى، إذ ان هذا السلاح بقي، وكلما تمادت القوة العسكرية في خرق السيادة الوطنية، يثبت استمراريته، بالقصف حينا على مواقع مختارة بحكمة في مزارع شبعا المحتلة، وبرمايات مضادة للطائرات وإن كانت لن تحصد بالمحصلة سوى الهواء. 

سياسة الترغيب 
سعى هؤلاء أيضا، الى إقناع “حزب الله” وبوتيرة سرية للغاية بالدخول في تعاون أمني مع المخابرات الأميركية، من خلال تزويدها بالمعلومات عن الحركات الإسلامية في لبنان وخارجه، ولكن الحزب أجاب بتصعيد حملته الإعلامية من خلال شاشة “المنار” على الحرب الأميركية ضد أفغانستان. 

أرسلت الولايات المتحدة الأميركية ومن خلال الأمانة العامة للأمم المتحدة لائحة أدرجت عليها أسماء نحو ثلاثمائة شخصية، من بينها اسم الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، فردّ الحزب ومن دون اكتراث للنفي الأميركي الذي استند الى التلاعب على المرجعية المعنية بعملية الإبلاغ، بإجراء جردة للإرهاب الأميركي في العالم، بدءا بالقنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا خلال الحرب العالمية الثانية على هيروشيما ونكازاكي في اليابان. 

كان لبنان قبل إدراج “حزب الله” على لائحة الأهداف الجديدة، معنيا بأول لائحة أذاعها الرئيس الأميركي جورج بوش، إذ أدرج منظمة “عصبة الأنصار” فيها، مطالبا بما له من صلاحية دولية بتجميد حساباتها، تاركا للأمم المتحدة ان تحرك لبنان، وهو من بين الدول 189 الأعضاء فيها لضربها، بالاستناد الى إلزامات القرار 1373 الذي يفرض على الدول ضرب “أوكار المنظمات الإرهابية”. 

لكن لبنان الذي سارع الى البحث عن أموال هذه “العصبة” في مصارفه منذ سنوات، بعدما اتهم المسؤولين فيها بارتكاب سلسلة جرائم إرهابية، حاول أن يتخطى أي إلزامية بضربها، لأن لذلك نتائج سلبية على وضعية مخيم عين الحلوة وقد تكون أحد مفاعيله تهديمه وتشتيت من فيه، في الربوع اللبنانية فتسحب ورقة ضاغطة يمسكها لبنان ويرفعها في وجه القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية، علها تساعده في إبعاد كأس التوطين المرة عن شفتيه. 

ورقة المخيمات 
فيوم وجهت تهمة اغتيال رئيس جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية الى مجموعة من هذه “العصبة الإسلامية” التي يرأسها أحمد عبد الكريم السعدي (أبو محجن)، استشاط رئيس الجمهورية الياس الهراوي غضباًً، وطالب بأن يقتحم الجيش اللبناني مخيم عين الحلوة لإلقاء القبض على مسؤولي هذه المنظمة. 

لم يرفض الوزراء المحسوبون على سوريا الإقدام على هذه الخطوة، فوافق مجلس الوزراء بالإجماع عليها، وأبلغ الأمر الى قائد الجيش يومها العماد إميل لحود. 

وجد لحود ان ثمة قراءة سياسية خاطئة تقف وراء هذا القرار، فراجع القيادة السورية التي سارعت الى البحث مع المسؤولين اللبنانيين في خطورة خطوة مماثلة، لأنها ستصبّ بالنتيجة لمصلحة الخطط الإسرائيلية وستحرر ياسر عرفات من بعض الإلزامات وطُوي القرار. 

وحين أدرجت واشنطن اسم “العصبة” على لائحة الأهداف الأولى، وجدت أصداء إيجابية في لبنان، وأكد وزير الداخلية والبلديات الياس المر التوصيف الأميركي للعصبة. 

اتصالات مكثفة أجريت عقب هذا الكلام الذي يعبر بالنتيجة عن قناعات بيت ميشال المر السياسية. 

وعكس النائب العام التمييزي عدنان عضوم حصيلة المشاورات السياسية، إذ سارع الى إبلاغ الإعلام، وبعدما وجّه إليه سؤال من صحافي معروف بقربه من “المر الإبن” وبعده عن “دار العدلية” ان العصبة وفق منطوق القانون اللبناني غير إرهابية إنما تضم أفراداً إرهابيين، صدرت بحقهم أحكام متشددة في القضاء اللبناني. 

إرهاب ومقاومة 
كانت بيروت تحاول أن تعوّض عن المناورة، بمسائل أخرى، فهي الدولة الوحيدة التي كانت تعلن عن البرقيات التي تردها من مكاتب الأنتربول الدولي، وعن الأجوبة التي تحصل عليها وتسارع الى إرسالها الى مراجعها. 

يريد لبنان من وراء ذلك ان يؤكد من جهة أولى استعداده للتعاون الوثيق مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب، وان يثبت من جهة ثانية، ان تحفظاته حيال بعض المطالب إنما تنطلق من موقعه الثابت في الصراع المفتوح مع إسرائيل التي تثبت وثيقة الأمم المتحدة حق الشعوب المحتلة في مقاومتها. 

وهنا بالتحديد، تكمن مسارعة رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، في موسكو، الى الدفاع عن وضعية “حزب الله”، اذ اشار الى ان الدول التي تشكلت منها لجنة تفاهم نيسان، اعترفت ب”حزب الله” كمجموعة مقاومة ضد الاحتلال. 

كان الحريري وسائر المسؤولين اللبنانيين، على بينة باتجاهات الادارة الاميركية، منذ وصلت الى مكاتبهم، عبر بعثة لبنان الدائمة في الامم المتحدة، تلك اللائحة الكبيرة التي تضم اسماء مجموعة كبيرة من اللبنانيين، وابرزها، على الاطلاق، اسم السيد حسن نصر الله. 

لم تكن تلك اللائحة هي نفسها المدرجة على موقع وزارة الخزانة الاميركية، في شبكة الانترنت، بل كانت اكثر اختصارا واكثر تكثيفا، حتى ظن بعض من تسنت له فرصة المقارنة بينها وكانت “السفير” قد انفردت بالحصول عليها وبين تلك المعمّمة، انها تعرّضت للتصرف. 

المفهوم الأميركي للارهاب 
لكن واشنطن، ومنذ انسحاب اسرائيل من الجنوب في الخامس والعشرين من ايار 2000، ومعها الامم المتحدة، تعتبر ان الصراع اللبناني الاسرائيلي قد انتهى، على خلفية القرار 425، فيما كل المشكلات العالقة، بين البلدين، يفترض ان تسلك دربها الى الحل، من خلال القنوات الدبلوماسية. 

ووفق هذا الاعتقاد، يكتمل التعريف الاميركي للارهاب. 

تعريف، لا يزال كثيرون يبحثون عنه، ولكن كل عناصره تتكامل في كلمة كولن باول، امام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الاميركي. 

بعدما يقدم باول مفهوم بلاده للمنظمات التي تقبع في “المناطق الرمادية”، يضيف: “ليعرف المرء، ما اذا كانت جماعة ما تدخل، في اطار الاهداف التي ستتمكن الولايات المتحدة من كسب تحالف بشأنها، عليه ان يسأل نفسه اولا، ما اذا كان امام هذه الجماعة وسيلة اخرى للتعبير عن شكواها وتغيير المشكلة السياسية وكسب الحقوق (...) وهناك تحد حقيقي في شرح هذه الاختلافات، بالنسبة للشرق الاوسط”. 

وفي “افضل” ترجمة عملية لكلام باول يبرز ان “حزب الله” و”حركة حماس” و”الجهاد الاسلامي” في لبنان وفلسطين المحتلة، هي جماعات تطالب برفع المظالم وكسب الحقوق او تحقيق الحرية من قوى ظالمة، ولكن تتوافر امامها وسيلة اخرى للتعبير عن شكواها وتغيير المشكلة السياسية وكسب الحقوق، وذلك من خلال القنوات الدبلوماسية والتفاوضية. 

وهكذا اكتمل المفهوم الاميركي للارهاب الذي يملي نفسه على مجلس الأمن الدولي. فهذا المجلس، وحين تبنى القرارات المتلاحقة ضد الارهاب، منذ تفجير سفارتي واشنطن في تنزانيا وكينيا، لم يجد نفسه ملزما بتعريف الارهاب، لا بل ان الولايات المتحدة الاميركية نفسها، لم تجد ان لذلك ضرورة... فهي التي تعمم القواميس السياسية على الكون. 

وهكذا سارع الامين العام للامم المتحدة، في كلمة له غداة عملية 11 ايلول الى القول، ومن دون تردد: 
“يمكن ان تكفل الشرعية العالمية للرد على الارهاب ردا طويل الامد. واتفاقيات الامم المتحدة توفر اطارا قانونيا لكثير من الخطوات التي يتوجب اتخاذها من اجل القضاء على الارهاب، ومن بينها تسليم الجناة وتقديمهم للمحاكمة، وقمع عمليات غسل الاموال. ويتعين تنفيذ هذه الاتفاقيات تنفيذا تاما”. 

لم يكن كلام أنان الذي رفعته الولايات المتحدة الاميركية الى منصبه، بعدما اطاحت بالعربي بطرس غالي، ابن لحظته، بل استتبعه، في كلام له نشر في صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية، امس الاول، بحزم أكبر: “ان الامم المتحدة هي في الصفوف الامامية في محاربة الارهاب، ان مجلس الامن صوّت على قرارين يحددان أطر تعاون الدول ال189 الاعضاء، في المعركة ضد الارهاب. حسب هذه النصوص، فإن الحكومات يجب ان ترفض منح مأوى للارهابيين وتمنع اقامة مخيمات تدريب لهم او قواعد تخزين. هذه ليست امنية، فالحكومات التي تتمرد ستعرض نفسها لعقوبات دولية”. 

النظام المصرفي 
يعطي هذا التصور الاميركي المدعوم من التحالف الدولي الذي تقوده، ما يكفي لاسرائيل لتعلب بارتياح، على جبهة “الرد العنيف” لكل ما يمكن ان تتعرض له، ولكن ذلك، هو جزء لعله الاقل اهمية في الحسابات اللبنانية. 

فلبنان يعرف انه مقبل على فترة حرجة للغاية، يتموضع فيها الخطر، في غير مكان. فلم يعد الخوف من إمكان هروب مستثمر من هنا او من هناك، هو الثمن للحفاظ على “حزب الله” كتنظيم مقاوم. 

ولم يعد يهتم بما تعرض المخيمات الامن الداخلي من اهتزازات، ليحافظ عليها، كورقة اساسية من اوراق الضغط، بل بات يخشى ان يكبده الوقوف على ثوابته، آخر معاقل صموده الاقتصادي، فاعلية نظامه المصرفي. 

فالنظام المصرفي اللبناني، لم يعد مجرد عامل جذب لرؤوس الاموال، بل اضحى، في السنوات الاخيرة، هو المرجع الوحيد لتمويل احتياجات الدولة. ويعني انهياره افلاسا مؤكدا للدولة اللبنانية. 

كان النظام المصرفي، في الآونة الاخيرة، يخشى على الدولة من الافلاس، لانها ستلحق به كارثة محققة، فسارع الى رفدها بكل ما يلزمها من اموال للصمود، في مقابل تحقيق ربحية عالية له. وها هي الدولة، تقف اليوم في موضع الخائف على “علة استمراريتها”. 

فمنذ العام 1995، ادرك الحكم اللبناني ان ثمة خطرا يدق ابواب نظامه المصرفي. 

كان وزير العدل، آنذاك الدكتور بهيج طبارة، يرأس وفد لبنان الى مؤتمر دولي حول مكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية، في نابولي، فتلمّس كلاما دوليا كبيرا على علاقة وطيدة بين السرية المصرفية وبين تبييض الاموال. 

فور عودته الى بيروت، وضع المسؤولين اللبنانيين في تصوره وعقد سلسلة اجتماعات مع جمعية المصارف، انتهت الى اقرار “اتفاقية الحيطة والحذر” بين المصارف، للتأكد من المودعين وهوياتهم ونشاطاتهم. 

وسارعت الحكومة اللبنانية، بالتعاون مع المجلس النيابي، الى تعديل قانون المخدرات والمؤثرات الفعلية وأدخلت فيه للمرة الأولى في تاريخ لبنان، تجريما لتبييض الأموال الناجمة عن المخدرات. 

وصدق لبنان الاتفاقية الدولية لمكافحة آفة المخدرات، ولكنه أبدى تحفظا لجهة السرية المصرفية. 

ولكن لبنان الذي اطمأن الى إجراءاته التي لقيت، لجهة تحفظه على رفع السرية المصرفية، استياءً من عدد غير قليل من الدول الأوروبية، سرعان ما اصطدم بتحرك “المجموعة الدولية المالية” الخاصة بمكافحة تبييض رؤوس الأموال (Gafi) التي أدرجته على اللائحة السوداء للدول التي تسمح أنظمتها المالية بتبييض الأموال. 

استشعر مصرف لبنان ومعه جمعية المصارف الخطر المحدق عليها من جراء هذا الإدراج المفاجئ، فضغطت على الحكومة اللبنانية لتنجز بسرعة ما هو مطلوب من لبنان. 

كان المطلوب يومها أمرين: الأول إلغاء نظام “أوف شور” في الأمور المالية، وإدخال تشريع قانوني جديد وفق معايير محددة سلفا، هدفه تجريم كل عمليات تبييض الأموال، من دون استثناء ومن دون عوائق. 

وهذا ما حصل، فوُعد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة من إدارة (Gafi) برفع اسم لبنان عن اللائحة السوداء، بعد فترة تجريبية للتطبيق تنتهي في كانون الثاني أو حزيران 2002. 

وكان من شأن تخلف لبنان عن القيام بهذه الإلزامات أن يدفع الدول ال29 التي تنضوي في إطار “غافي” التي أنشأتها مجموعة الدول السبع الكبرى الى وقف التعامل مع المصارف اللبنانية، الأمر الذي يبعد عنها سائر زبائنها ومودعيها لصالح المصارف الأجنبية، أما الدولة فتتعرض حينها لوقف كل تعامل يقيمه معها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. 

ولكن بعد 11 أيلول الأخير، وفيما كان لبنان مرتاحا الى وضعية نظامه المصرفي، بدأت المصارف اللبنانية تتلمس صعوبات أولية بطبيعتها في التعامل المالي مع مجموعة من الدول الغربية والأوروبية، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية. 

إشارات “سيئة السمعة” 
تلمست هذه المصارف ان معاملاتها التحويلية في الدول الغربية والأوروبية تتعرقل أياما.. وأحيانا أكثر من أسبوع، الأمر الذي بدأ يثير تململا دفع بعض المصارف الى تسريع خطوات تغيير اسمها بحيث لا يعد يشير الى منطقة الشرق الأوسط. 

وحاول لبنان أن يستوعب هذه الحركة المصرفية الدولية الحذرة مع مصارفه وأن يحد من تأثيراتها السلبية. وقاد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة حملة إعلامية ناجحة، اعتلى فيها مباشرة أو بواسطة التحليل أرقى الصحف الغربية والأوروبية، ليؤكد ان لبنان ليس مركزا لاستقطاب تبييض العملات، وان “مجموعة العمل الدولية” وعدته برفع اسمه عن اللائحة السوداء. 

واكب مصرف لبنان هذه الحملة الإعلامية الدولية بحركة ميدانية، إذ فعّل عمل هيئة التحقيق المصرفية المنبثقة عن قانون تبييض الأموال الى أقصى درجة. 

تعامل المصرف إيجابا مع اللوائح الاسمية التي وردته من الولايات المتحدة الأميركية ومن الأمم المتحدة، وأرسلها الى كل المصارف، طالبا إفادة لجنة التحقيق عنها. 

وزود مصرف لبنان المصارف اللبنانية بنموذج يتعلق بالتصريح الإلزامي عن كل عملية إيداع يشكَّك بمصادرها. 

إيداع يشمل الأموال والمجوهرات والعقارات التي أصبح شراؤها هي الأخرى مشمولا بالرقابة المالية اللصيقة. 

وحركت لجنة التحقيق النيابة العامة التمييزية، إذ أحالت عليها ثلاث شركات يشتبه بإقدامها على ارتكاب جرائم تبييض الأموال. 

كان كل ذلك كافيا... الى ان أطل تطوران، أولهما إدراج اسم “حزب الله” على لائحة المنظمات الإرهابية، وثانيهما انتقال “غافي” في إلزاماتها السابقة الى إلزامات جديدة ودقيقة للغاية. 

تطلب الولايات المتحدة الأميركية من لبنان، في إطار التعاون الدولي للقضاء على الإرهاب، تجميد أموال “حزب الله” وتتجه الحكومة اللبنانية، وهذا شأن بديهي، الى رفض الطلب الأميركي. 

وهكذا يدخل لبنان “المرحلة الجسر”، بين عقوبات أميركية محتملة عليه وبين مطالب سياسية مطلوبة منه. وإذا ما سارت واشنطن قدما بمطلب تجميد “حزب الله” وأصر لبنان على الرفض، فإن وزارة الخزانة الأميركية تصبح بفعل واقع الأمر من جهة وبفعل قانون قمع الإرهاب الذي أقر مؤخرا، قادرة على الطلب من مصارفها وقف التعامل كليا مع المصارف اللبنانية أو على الأقل إخضاعها لأقصى درجات الرقابة والحذر. 

وينعكس ذلك سلبا على حركة المقاصة بالدولار الأميركي وتتحول تلقائيا الأموال وهي بطبيعتها لا تقاوم الى مصارف أجنبية. 

وتتسع دائرة الخطر أكثر، إذا ما انضم التحالف الدولي الذي تقوده حاليا الولايات المتحدة الى اللحاق بركب التدابير الأميركية المالية. 

وإزاء ذلك لا تصبح المعادلة الجنبلاطية عن أي لبنان نريد “هانوي أم هونغ كونغ” قائمة، بل تحل مكانها معادلة أخرى: “أي لبنان نريد: المقاومة أم المصارف؟”. 

معادلة صعبة في وطن دقيقة أوضاعه ووضعيته. 

وبمطلق الأحوال هذا جزء يسير مما يريده المجتمع الدولي من لبنان... فماذا عن الأجزاء الأخرى و”ديموقراطية الانفعال”؟

 

2

واشنطن استكملت عدتها لمحاربة المقاومة في لبنان 
11 أيلول يحبط أحلام “التاجر الفينيقي” ويعزز مصالح “اليانكي الأميركي” 

تستولد الهالة التي تحيط ب”حزب الله”، كتنظيم مقاوم، كما الدعم السوري المطلق الذي أمَّن له تغطية محلية شاملة، على مر السنين السابقة، ردات الفعل المنبرية الغاضبة والساخطة على الولايات المتحدة الأميركية، لإدراجها إياه على لائحة التنظيمات الإرهابية المفترض تجميد حساباتها، فوراً. 

فديموقراطية الانفعال التي تميز النظام السياسي اللبناني تتيح ذلك... لا بل تستدرج الجميع الى اللحاق بركب إطلاق الكلام الكبير. 

ولكن ذلك كله لا يغير في الحقائق... “فالموت الآتي من الغرب” لا آذان له ولا عيون ولا عواطف، بل مجموعة مصالح يريد تحقيقها مهما كان الثمن الذي سيدفعه الآخرون. 

لم يكن الحادي عشر من أيلول قد نزع نفسه عن روزنامة الأيام، حتى سارع “التاجر الفينيقي” الى التنبؤ بمكتسباته الآتية. 

أبلغ العالم، بالفم الملآن وبوتيرة يومية، انه سيعيش على أنقاض نيويورك ويزدهر. 

ظن هذا “التاجر” لوهلة، أن منشئي مدرسة المصالح سيتنازلون لرقعة مجهولة في زاوية محشورة على الخريطة الكونية عن مصالحهم. 

وصفق محللو “المعطيات السطحية” للسلام الآتي إلى الشرق الأوسط، على حساب إسرائيل التي لم تعد، بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، حاجة بقدر ما أصبحت عائقا أمام استقرار نظمها. 

ووقف هؤلاء جميعا مسرورين، وكأن “الكوكبة” التي قادت الطائرات الانتحارية الأربع، أنجزت لهم أولى عجائب القرن.. 

صحيح أنهم اعتلوا المنابر وكالوا لهذه “الكوكبة” من قاموس الهجاء كل النعوت... ولكنهم وفي مكان “سري للغاية” في عقولهم وقلوبهم، كانت لهم أحاسيس مغايرة. 

في المقابل كانت واشنطن، بكل ما تملك من براغماتية تتيح لها تشمير أعتى الكوارث، تجمع مع أشلاء ضحاياها، سلة أهدافها، وتنبش من أدراجها الاستراتيجية، “أوقح” الخطط العالمية... حتى ظن كثيرون انها قد تكون هي بنفسها، من أوجد الحادي عشر من أيلول. 

ومن دون مقدمات، التفت حولها كبار العواصم لتحفظ لنفسها كلمة، ولو من موقع متأخر، في العالم، وساندتها بكل ما طرحته وتطرحه وحين وقف مندوبها الدائم في الأمم المتحدة وأبلغ العالم ان أفغانستان ليست سوى نقطة البداية، في الرحلة الطويلة للقضاء على الإرهاب، وستتبعها دول أخرى، صفق الجميع له ولم يتبرع أي منه للمناقشة حتى لتوجيه سؤال استفساري إليه. 

وكان لبنان منذ تلك اللحظة في المرمى الأميركي: مخيم عين الحلوة من خلال “عصبة الأنصار”، “حزب الله” من خلال خطف طائرة “تي. دبليو. أي” بادئا، عبر إدراج اسم أمينه العام السيد حسن نصر الله على لائحة تبنتها الأمم المتحدة ووزعتها على العالم، وأخيرا عبر إدراجه على لائحة علنية للمنظمات الإرهابية. 

عناية الدولة! 
الخطر المحدق بلبنان، وهو يتقدم في كل مرحلة زمنية، خطوة كبيرة، لم يستدع أي عناية تذكر بالمقارنة مع العناية التي أعطيت مثلا، لمسألة التعيينات الإدارية، وكادت تدخل البلاد في نفق أزمة حكومية ودستورية. وكان المسؤولون يكتفون بإدراج التطمينات وبيع القصور في إسبانيا. 

كل ذلك حصل، فيما كان المجتمع الدولي الذي تقوده واشنطن، يطبق “كماشته” على لبنان. فلبنان يكاد يكون الدولة الوحيدة التي تدرج على لائحتين سوداوين في آن: لائحة “المنظمات الإرهابية” ولائحة الدول غير المتعاونة مع المساعي الدولية لمكافحة تبييض رؤوس الأموال الصادرة عن “مجموعة العمل الدولية” (Gafi). 

وعلى الرغم من خطورة هذا الموقع، لم تتخذ أي خطوات تثبت جدية الدولة في البحث بحقيقة ما يجري، ولا بالخطوات الوقائية الواجب اتخاذها. 

صحيح أن 11 أيلول أضحى حجة لدى السلطة لتمرير سياساتها الضاغطة على من يعارضها، ولكن الصحيح أكثر أن مجلس الوزراء لم يبحث بالطارئ العالمي وانعكاساته، والإدارات السياسية والقانونية والأمنية لم تلتق للتنسيق وفكفكة الرسائل الأميركية المشفرة، لتتمكن من الخروج بتصور لتحرك فعال يستبق المفاجآت غير السارة ويحقق نبوءات “التاجر الفينيقي” لئلا تذهب بها خطط “اليانكي الأميركي”. 

ولكن هل فات الأوان؟ 
لا أحد يمكن أن يعتقد بذلك، ولكن هامش التحرك بدأ يضيق. 
فيوم إدراج أسماء اللبنانيين الثلاثة الذين تتهمهم واشنطن بخطف طائرة “تي. دبليو. أي” في العام 1985 وقتل الضابط البحري الأميركي على أولى اللوائح الأميركية الخاصة بالإرهاب، أبلغ رئيس الجمهورية العماد إميل لحود مجلس الوزراء أن شيئا لا يدعو إلى القلق، وطوى الموضوع. ولكن الرئيس لحود، وعند إدراج اسم “حزب الله”، على آخر اللوائح الأميركية استشاط غيظا وقرر توجيه لوم إلى الإدارة الأميركية. 

في الفترة الأولى عينها، كان رئيس الحكومة رفيق الحريري يهاجم على خلفية ما يحدث في فلسطين، التوجه الدولي لمكافحة الإرهاب، سندا للقرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 28 أيلول 2001، في حين يقف متفرجا على الإرهاب الإسرائيلي. 

وأمس الأول، كان الحريري يخلع ثوب رجل الأعمال ويرتدي بزة المقاومة، ويقول لكتلته: “لا يعتقدن أحد أنني سأقف مكتوف اليدين أمام طلب تصفية المقاومة، أو أنني سأقبل بذلك، طالما كنت على رأس الحكومة اللبنانية”. 

واشنطن والعالم 
ومع كل دلالات ضيق الهامش الزمني أمام مواجهة الاستحقاقات الداهمة ثمة مصادر رسمية تحاول أن تعكس تطمينات من خلال إشارتها إلى أن المطلب الأميركي القاضي بتجميد أموال “حزب الله” لا يعني لبنان، إلا إذا تبنته الأمم المتحدة وأبلغته بالأمر. 

لا بأس بتحليل مماثل إذا كان يهدف الى طمأنة اللبنانيين وإبلاغهم ان الدولة أمسكت بزمام الأمور، ولكنه يستحيل مشكلة كبرى، إذا كان يعبر عن قناعات المسؤولين. 

فأي فرق بعد، بين الولايات المتحدة الأميركية التي سارعت غداة 11 أيلول، إلى دفع ما كانت قد حبسته عن المنظمة الدولية وبين الأمم المتحدة في القرارات الأساسية؟ 

وأي قرارات ترغب واشنطن بها لا يتبناها مجلس الأمن، وهل القرار 1373 المعد بعناية هو عمل طوباوي؟ 

لا بل ما الحدود الفاصلة اليوم بين الإدارة الأميركية وأدوات عمل بعض المجموعات الدولية، مثل “مجموعة العمل الدولية” الخاصة بمكافحة تبييض رؤوس الأموال، ومن حدد لها اجتماعها الاستثنائي الأخير، وجدول الأعمال وبنود التوصيات الجديدة غير وزارة الخزانة الأميركية؟ 

وإذا كانت واشنطن تترك هامشا للمناورة لقطف حصاد سياسي، فكيف ترى تعمل الدولة اللبنانية على الإفادة منه، بأقل خسائر ممكنة؟ 

المطلوب من لبنان 
إلا أن الأهم يبقى، ما هو المطلوب من لبنان؟ 
في 28 أيلول 2001 تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 1373 الخاص “بمنع ووقف تمويل الأعمال الإرهابية”. وقد أدرج هذا القرار تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الأمر الذي يتيح للأكثرية في المجلس فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على الدول التي تمتنع عن تنفيذه. 

وأصدر مجلس الأمن، في وقت لاحق، المعايير التنفيذية لهذا القرار، فجاءت عبارة عن مجموعة من الأسئلة المنبثقة من إلزامات القرار نفسه، لمعرفة ما إذا كانت الدول ال189 الأعضاء في الأمم المتحدة تراعيها أو تعمل على مراعاتها. 

وألزمت هذه الدول، ولبنان من بينها، بتقديم أجوبتها في مهلة أقصاها أواخر كانون أول المقبل، على أن تحدد المهلة التي يقتضيها السير بمطابقة تشريعاتها مع الإلزامات المفروضة. 

ويلزم القرار، بما يلزم به، الدول بمطاردة الإرهابيين، من دون أن يقدم أي تعريف لهم، “بالانضمام في أقرب وقت ممكن الى الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية ذات الصلة بالإرهاب، ومن بينها الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب المؤرخة في 9 كانون الأول 1999”. 

جدير ذكره ان رئيس مجلس الأمن، في الدورة التي أقر فيها هذا القرار كان المندوب الفرنسي السيد لافييت. أما رئيس اللجنة التي تضم كل أعضاء المجلس والتي وضعت المعايير التطبيقية له، فكان المندوب البريطاني السير جيرمي غرينستوك. 

بعد عشرين يوما، حمل السفير الأميركي في لبنان فنسنت باتل القرار الدولي الى وزارة الخارجية، وقدم طلبا رسميا إليها، حتى ينضم لبنان الى اتفاقية العام 1999 وكذلك الى الاتفاقية الدولية الخاصة بمكافحة الهجمات الإرهابية بالقنابل الذي صدر في العام 1998. 

لم تأبه واشنطن أنها لم تنضم هي بعد إلى هاتين الاتفاقيتين، على اعتبار ان وضعيتها الداخلية لا تستلزم ذلك في حين أن وضعية لبنان تختلف. وما لم تقله واشنطن كان مفهوما... فالعين على حركة “حزب الله” الذي كان وزير خارجية كندا جون مانلي يطلب من لبنان “كبح جماح أنشطة الحزب واللجوء إلى القنوات الدبلوماسية لحل نزاعات مع إسرائيل (..) فبالنسبة إلينا نرى في الأساس، ان أمل تحقيق السلام في المنطقة يرتكز على الجلوس الى مائدة المفاوضات”. 

كلام قال مثله في لبنان، من أتاه رسولا “للتحالف الدولي ضد الإرهاب” من مجموعة الدول السبع. وهو كلام سبق لوزير الخارجية الأميركية كولن باول ان فرق فيه المفهوم الخاص بالإرهابي وذاك الخاص بالمقاوم. “فالمقاوم هو من لا تتوافر لديه وسيلة غير السلاح، لتحقيق هدف نبيل”. 

“غافي” والخطر المحتمل 
لم تبق واشنطن ومجلس الأمن الدولي وحدهما من يطالب لبنان كما غيره من الدول بالانضمام الى المعاهدة الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب، بل انضمت إليهما في آخر تشرين الأول الماضي، “مجموعة العمل الدولية” الخاصة بمكافحة تبييض رؤوس الأموال التي أنشئت بناء على رغبة الدول الصناعية السبع الكبرى في العام 1989، وتشرف على أمانتها العامة “منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية”. 

لم تكن “غافي” التي تدرج لبنان على لائحة سوداء تصدرها، تثير إعجاب إدارة الرئيس جورج بوش الابن، لا بل تعرضت بما تفرضه من إلزامات، في شهر أيار الماضي لتهكمات وزير الخزانة الأميركية بول اونيل. 

إلا ان النظرة الأميركية شهدت انقلابا جذريا بعد 11 أيلول، على اعتبار ان واشنطن يمكنها الاستفادة من جهاز ذي طبيعة حيادية وقائم لتحقيق جزء يسير من أهدافها. 

ففي نهاية أيلول طلب اونيل من المجموعة أن تعقد اجتماعا استثنائيا في واشنطن في 29 و30 تشرين الأول 2001، واتفق مع الدول المنضوية في إطارها أن يتوسع إطار عملها، بحيث يصبح بمقدورها تعقب ليس الأموال السوداء الناجمة عن الجرائم والتي يتم تبييضها، بل الأموال البيضاء التي يتم تسويدها، بتخصيصها لتمويل حركات إرهابية، مع ما يستدعي ذلك من إدخال “خبراء جدد” أي رجال المخابرات. 

وبالفعل، عقدت “غافي” اجتماعا مغلقا في ذاك التاريخ، ولم تغب عنه أي دولة، واتخذت قرارا بإدراج ثماني توصيات جديدة، أبرزها على الإطلاق ثلاث، تلتقي إلى حد الاندماج مع الخطط الأميركية. 

وهذه النقاط الثلاث هي: 
1 إبرام الاتفاقية الدولية الخاصة بمكافحة تمويل الإرهاب. 
2 التجريم الجزائي للمخالفات المالية المرتبطة بالأعمال والتنظيمات الإرهابية. 
3 التجميد الفوري لكل أموال وممتلكات الإرهابيين، ومن يأمرهم، وللمنظمات الإرهابية، إنفاذا لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1373 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. وعلى كل دولة ان تعتمد معايير وتشريعات تسمح للسلطات المختصة بمصادرة العائدات الخاصة بتمويل الإرهاب. 

كان لبنان يطمح قبل صدور هذه التوصيات الثماني، برفع اسمه عن اللائحة السوداء، ولكنه الآن أصيب بخيبة أمل... فالجهود الجبارة التي سبق ان بذلت تحت ضغط “غافي” ذهبت أدراج الرياح، وبات مطلوبا وسط إشكالات سياسية كبيرة بذل مجهود أكبر. 

هذه التوصيات الجديدة قد تكون هي التي حالت دون قدوم وفد من المجموعة الى لبنان، للبحث في الإجراءات التي اتخذها ومدى انطباقها على المعايير.. وقد تكون هي نفسها التي تحول حتى الساعة دون تحديد موعد لوفد لبناني لزيارة المجموعة لاطلاعها على ما أنجزه لبنان. 

ويعرض إبقاء لبنان على اللائحة السوداء نظامه المصرفي للخطر، من خلال الإساءة لسمعته في العالم، ومن خلال إتاحة المجال لشتى الأسباب وبينها السياسية، أمام “المجموعة” لتقرير وقف التعامل مع المصارف اللبنانية الأمر الذي يقودها حتما الى الانهيار. 

ومع إدخال التوصيات الجديدة، ربطت “غافي” العقوبات التي يمكنها فرضها بمجلس الأمن الدولي وحولت نفسها إلى جهاز يعمل بإمرته، من خلال ربط الإجراءات التي تطلبها بالقرار 1373 الذي يتيح اللجوء إلى القوة لتنفيذه. 

والخطر في توجه المجموعة هذه على بلد كلبنان، يكمن تحديدا في عدم تقديم تعريف يناسبه للإرهاب، بل على العكس فإن مفهوم هذه المجموعة للإرهاب ينطبق على مفهوم الدول الأساسية المنضوية فيها وبينها الولايات المتحدة الأميركية وكندا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا. 

المفهوم الدولي للإرهاب 
تأسيسا على ذلك، ومع إدراج واشنطن لحزب الله على لائحة المنظمات الإرهابية، يكون لبنان قد دخل مرحلة هي الأخطر من التجاذب بين التمسك بالمقاومة وبين التمسك بالمصارف. 

ولم يعد ازاء هذا كله من مجال أمام لبنان للإفلات من توقيع الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب، تحت طائلة مخالفته للقرار 1373 وبقائه على اللائحة السوداء. 

وتقدم الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب تعريفا للإرهاب. فالإرهاب في منطوق هذه الاتفاقية هو كل عمل يشكل جريمة في نطاق إحدى المعاهدات الواردة في “المرفق” وبالتعريف المحدد فيها. (ولهذا أهمية قصوى). 

كما أن الإرهاب هو كل عمل يهدف الى التسبب في موت شخص مدني أو أي شخص آخر، أو إصابته بجروح بدنية جسيمة، عندما يكون هذا الشخص غير مشترك في أعمال عدائية في حال نشوب نزاع مسلح، عندما يكون غرض هذا العمل بحكم طبيعته أو في سياقه، موجها لترويع السكان أو لإرغام حكومة أو منظمة دولية على القيام بأي عمل أو الامتناع عن القيام به. 

هذا التعريف للعمل الإرهابي يستكمل في المادة السادسة من الاتفاقية بالآتي: “تعتمد كل دولة طرق التدابير اللازمة، بما في ذلك التشريعات الداخلية، عند الاقتضاء لكفالة عدم تبرير الأعمال الإجرامية الداخلة في نطاق هذه الاتفاقية، في أي حال من الأحوال، باعتبارات ذات طابع سياسي أو فلسفي أو إيديولوجي أو عرقي أو إثني أو ديني أو أي طابع آخر”. 

وتمنع الاتفاقية على الدول “التذرع بسرية المعاملات المصرفية لرفض طلب لتبادل المساعدة القانونية”. 

ويبدو واضحا ان هذه الاتفاقية، بما تقدمه من إلزامات وتعريفات تحصر اهتمامها بالمنظمات التي تقوم بأعمال مقاومة بحيث يصبح إطار عملها محصورا كليا بالجبهة العسكرية. 

وفي “أفضل” ترجمة لبنانية لهذه الاتفاقية، يمكن القول ان “حزب الله” يستطيع منازعة إسرائيل على “مزارع شبعا” (مع أن التعريف الأميركي للإرهاب يحول دون ذلك) ولكنه لا يستطيع في حال وسعت إسرائيل بصفتها دولة نطاق ردها، ان يستهدف شمالي إسرائيل لأنه بأدنى الاحتمالات سيسبب هلعا بين السكان المدنيين. 

ويؤدي هذا التعريف للإرهاب والالتزام بهذه الاتفاقية الى ضرورة ان تكون المواجهة في حال توسعت بين الجيشين النظاميين وتذهب هذه الاتفاقية الى أبعد من ذلك إذ انه يفترض بمن يبرمها ان يبرم اتفاقيات أخرى أدرجت في “المرفق” بينها، بما يعني لبنان تحديدا، الاتفاقية الدولية لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل الصادرة في 15 كانون الأول 1997. 

وتعتبر بموجب هذه الاتفاقية جريمة إرهابية إقدام أي شخص “بصورة غير مشروعة وعن عمد بتسليم أو وضع أو إطلاق أو تفجير جهاز متفجر أو غيره من الأجهزة المميتة داخل أو ضد مكان مفتوح للاستخدام العام أو مرفق تابع للدولة أو الحكومة أو شبكة للنقل العام أو مرفق بنية أساسية”. 

ويستكمل المعنى حين تنص الاتفاقية في المادة 3 منها على الآتي: “لا تنطبق هذه الاتفاقية إذا ارتكب الجرم داخل دولة واحدة وكان المدعى ارتكابه الجرم والضحايا من رعايا تلك الدولة، وإذا عثر على المدعى ارتكابه الجرم في إقليم تلك الدولة ولم تكن دولة أخرى تملك الأساس اللازم لممارسة الولاية القضائية (وفق أحكام الاتفاقية)”. 

وتصل الاتفاقية الى مفهوم “المقاومة الممنوعة” حين تشير في المادة الخامسة الى الآتي: “تتخذ كل دولة طرف ما يلزم من تدابير (...) لتكفل ألا تكون الأفعال الجنائية (...) مبررة بأي حال من الأحوال لاعتبارات ذات طابع سياسي أو فلسفي أو عقائدي أو عرقي أو إثني أو ديني، أو أي طابع مماثل آخر، ولتكفل إنزال عقوبات بمرتكبيها تتمشى مع طابعها الخطير”. 

بين الأمس واليوم 
في العام 1997، وكان سيف “الحظر الأميركي” مسلطا على رأس لبنان، طلبت وزيرة خارجية إدارة كلينتون من لبنان الانضمام إلى معاهدة مكافحة خطف الرهائن. 

مطالب الولايات المتحدة الأميركية يومها، لم تكن قليلة إذ ضغطت لتسليمها “خاطفي” طائرة “تي. دبليو. أي” ومفجري سفارتها في بيروت وغيرهم ممن ارتكبوا جرائم ضد أميركيين... 

ناور لبنان لصالح رفع الحظر ولكنه انضم الى الاتفاقية المطلوبة، بعد ضجة سياسية كبيرة كانت كتلة الوفاء للمقاومة ركنا أساسيا فيها. 

تعهد الحكومة اللبنانية يومها ألا تكون للاتفاقية مفاعيل رجعية... وهذا ما حصل. 

وفي العام 1996 دخل لبنان الاتفاقية الدولية لمكافحة آفة المخدرات ولكنه تحفظ على بند رفع السرية المصرفية. 

وفي العام 2000، وسع نطاق جرم تبييض الأموال ليشمل تقريبا كل الجرائم المالية، وألغى تحفظه لجهة السرية المصرفية. 

الظروف الدولية كانت آنذاك أفضل... والظروف اللبنانية بسياسة التفريق والخصام الظاهري أحيانا بين منطق المقاومة ومنطق الدولة، أعطت الحكومة هامش مناورة ومفاوضة أكبر. 

ماذا سيحصل اليوم؟ 
الجواب لا يبدو متوافرا. ولكن “استراتيجيين” سياسيين يشيرون إلى وجود “طبخة ما” تعمل واشنطن على إنضاجها، في إسرائيل للإتيان بالفلسطينيين الى اتفاق سلام لن يكون في صالحهم وسماه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط نقلا عن مصادر فرنسية ب”ميني أوسلو”. 

وتريد واشنطن أن تحيّد “حزب الله” عن الاعتراض وكل الخائفين عليه، فرفعت سيفها احتياطيا. 

آخرون يذهبون إلى حد اعتبار ان التهويل الكبير له أهداف محددة، وهو إلغاء الحواجز التي قد تحول دون انضمام لبنان الى المعاهدات الدولية، فتتأمن بذلك سلامة الخط الأزرق وينفصل عمليا المسار اللبناني عن المسار السوري. 

كثيرة هي التحليلات، ولكنها إفرادية وتحتاج إلى تدقيق... فهل ينكب لبنان مدعوما من سوريا وهي عضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي على تحديد استراتيجية لغده، لئلا تدهمه التطورات، فينهار الهيكل على الجميع؟

 

§ وصـلات:

Main Page

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic