الإعلان الأميركي عن "حزب الله"
ضغط معنوي وسياسي لن يتجاوز حدوده

إبراهيم بيرم

  الكاتب:

النهـار

  المصدر:

9 تشرين ثاني - نوفمبر 2001

  تاريخ النشر:

 

     كل من اتصل بقيادة "حزب الله" بعد بدء الهجوم الاميركي على افغانستان، وجد عندها نوعاً من الاطمئان المشوب بالحذر، مبعثه ان الضغط الاميركي على الحزب، والذي تمثل في ايحاء وجود اسم الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله في "لائحة الارهاب" يقف عند حدود "الترهيب والترغيب"، الهادف اساساً الى ان يبقي الحزب مقاومته في الجنوب جامدة، واستطراداً ان يشرع في فك ارتباطه بالموضوع الفلسطيني، وينصرف اكثر نحو العمل السياسي الداخلي بعدما ادى "قسطه للعلى" وصار قوة سياسية فاعلة. وبمعنى آخر كانت رسائل واشنطن تلمح الى ان في الامكان تغيير الرؤية الى الحزب اذا التزم دفتر شروط اولياً. وقد زاد في هذا الاقتناع ان اللائحة الاولى للارهاب تضمنت اسماء 3 اشخاص محسوبين على الحزب من دون ذكر اسم الأخير. 

ولكن ومع بدء الشهر الثاني للحرب على افغانستان تغيرت المعطيات، فقد برز اسم الحزب مباشرة في اللائحة الثانية للارهاب التي اصدرتها واشنطن قبل نحو ثلاثة ايام، الى جانب حركات فلسطينية. 

وحيال ذلك فان السؤال المطروح الآن: ما الذي حدث حتى ادرج الحزب في عداد هذه اللائحة وصار مطلوباً من الحكومة اللبنانية والسلطات المعنية ان تجمد ارصدته وحساباته المالية مع ادخال الوضع اللبناني كله في حال من القلق والتخوف؟ 

في قراءة لأكثر من جهة بينها الحزب نفسه ان واشنطن دخلت عملياً المرحلة الثانية من "حربها على الارهاب" ويتضح ذلك من تصعيد ضغوطها على العالم كله وطلبها من كل الدول الدخول "جدياً وعملياً" في الحرب التي بدأتها قبل شهر. 

لذا فان توسيعها "لوائح الارهاب" لكي تشمل "حزب الله" وحركات فلسطينية واعلانها على لسان سفيرها فنسنت باتل ان كل الملفات "ستفتح" هو جزء من هذه المرحلة الثانية. 

في المرحلة الاولى كان "طبيعياً" ان تخلو اللائحة الاولى من هذه الاطراف فوقتها كانت واشنطن في أمسّ الحاجة الى التعاطف العربي والاسلامي، لكي تؤمن غطاء ولو شفافاً، لحربها ضد دولة اسلامية، وأصولية اسلامية. لذا لم يكن معقولاً ان تساوي بين اسامة بن لادن وتنظيمه (القاعدة) و"حزب الله" وحركتي "حماس" و"الجهاد"، وخصوصاً انها تدرك تمام الادراك ان العالم العربي والاسلامي ينظر الى هذه الفصائل نظرة إكبار واعجاب مقرونة بالتعاطف والتأكيد. فالحزب كان قد سجل قبل اقل من عام انتصاراً بيّناً شعر العرب والمسلمون انه انتصارهم جميعاً، فيما كانت القوى الفلسطينية تخوض معركة شرسة ضد اسرائيل. 

تبدل معطيات 

كان طبيعياً اذاً ألا تجرؤ واشنطن على ادراج تلك الاسماء في لوائح الارهاب، وخصوصاً ان دولاً مثل مصر والمملكة العربية السعودية وعُمان وسوريا وسواها، اعلنت في اكثر من مناسبة انه ينبغي ان تفرق واشنطن بين الارهاب وأعماله المدانة، والمقاومة ضد اسرائيل. لكن مفعول هذه المواقف العربية التي اتصفت يومها بالحزم، زال عند الادارة الاميركية بعد نحو شهر، اذ اختلفت الظروف والمعطيات لأسباب وعوامل عدة ابرزها: 

1- ان الولايات المتحدة وجدت رياح الامور في حربها على افغانستان لا تسير وفق ما تشتهي، ورأت انه صار لزاماً عليها ان تشد العالم اكثر نحو حربها هذه تحت وطأة شعار انه "لم يعد يكفينا التعبير عن التعاطف معنا"، وهو الشعار نفسه الذي اطلقه الرئيس الاميركي قبل نحو اربعة ايام. 

2- بدا واضحاً لواشنطن ان ايران لم تنجر الى التحالف مع الاميركيين، علماً ان التيارات الايرانية المعارضة للولايات المتحدة والرافضة اي تقارب معها تؤكد حضورها في الساحة الايرانية يوماً بعد يوم. 

3- اكدت سوريا ان موقفها من الموضوع الفلسطيني والانتفاضة لم يتبدل اطلاقاً، بل ثمة معلومات تشير الى ان رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير غادر دمشق التي زارها اخيراً وهو غير مرتاح كلياً الى الموقف السوري. 

4- المعلوم ان اعراب واشنطن عن تأييدها لاقامة دولة فلسطينية مستقلة، يحتاج بطبيعة الحال الى تسويق لدى الاسرائيليين الذين عبّروا عن سخطهم الكبير على السياسة الاميركية التي تعد باقامة هذه الدولة، في وقت بقيت فيه الانتفاضة متأججة في الاراضي المحتلة، وظل "حزب الله" يمارس اعمال المقاومة في مزارع شبعا. 

وثمة من يذهب، في هذا الاطار، الى ابعد من ذلك فيقول انه اذا كانت واشنطن عازمة جدياً على الضغط لايجاد تسوية حقيقية للصراع العربي - الاسرائيلي، فيتعين عليها من الآن ان تمهد لـ"قصقصة اجنحة" جميع المناهضين لهذه التسوية، والذين يمكن ان يشكلوا مستقبلاً عقبة جدية امامها، او على الاقل وضعهم منذ البداية تحت تأثير ضغط معنوي ونفسي وسياسي ومالي، يجعلهم يراجعون منذ الآن حساباتهم. 

5- عندما لم تدرج الولايات المتحدة في اللائحة الاولى اسم "حزب الله" والحركات الفلسطينية، بدا ان اسرائيل خسرت في النقاط، وخصوصاً انها اول من طالب بذلك، وجاء الاعلان ان الدولة الفلسطينية هي في "الاجندة" الاميركية ليزيد خسارة اسرائيل المعنوية والسياسية. وعليه شن اللوبي اليهودي هجمة معاكسة شرسة وكان ابرز محطاتها ما قيل عن زيارة اكبر بعثة اسرائيلية لواشنطن اخيراً، متزامنة مع هجمة سياسية اعلامية كبيرة للوبي اليهودي في الداخل الاميركي، فنتج من وتيرة هذا الضغط تراجع للتيار المعتدل في الادارة الاميركية لمصلحة التيار المتطرف. 

ومهما يكن فقد بدا واضحاً ان الاميركيين عادوا ليؤكدوا انهم لن يذهبوا بعيداً في كسب ودّ العرب وتعاطفهم، وفي اثارة الغضب والاستياء الاسرائيليين، فأدرجوا اسم "حزب الله" و"حماس" و"الجهاد الاسلامي" في "لائحة الارهاب". 

ماذا بعد؟ 

بالنسبة الى الحزب يبدو واضحاً ان هذا التطور الجديد لن يؤثر على توجهاته. فهو، بحسب مصادره، لن يتخلى عن مواصلة عمليات المقاومة في مزارع شبعا، كما لن يتخلى عن وعده للشعب الفلسطيني برفده بأسباب الدعم. 

واذ يقول ان الامر لا يعنيه كثيراً، فانه ينطلق من امور اساسية منها ان اسمه كان مدرجاً دوماً على اللوائح الاميركية كواحد من "تنظيمات الارهاب". ولم يكن ذلك يمنعه عنه الاضطلاع بدوره وتحقيق نهجه المقاوم. 

ويستذكر طبعاً الحملة الكبرى التي شنت عليه عام 1996 قبل نحو ثلاثة اشهر من عملية "عناقيد الغضب"، وتحديداً خلال اجتماع شرم الشيخ الشهير. 

وفي كل الاحوال يبدو واضحاً ان لدى الحزب ارتياحاً كبيراً الى الموقف اللبناني الرسمي والحزبي الديني والشعبي، مما يبعث على الاعتقاد ان لبنان لن يستجيب الضغوط الاميركية الجديدة لأسباب عدة منها: 

- ان تنفيذ المطالب الاميركية سيضر حتماً بسمعة لبنان وباقتصاده وبمكانته المالية والمصرفية. 

- ان نعت المقاومة التي ادت دورها في تحرير القسم الاكبر من الجنوب بـ"الارهاب" وضمها الى قائمة الارهابيين يشعر اللبنانيين بظلم كبير للبلد يصعب تحمله وقبوله. 

- ثمة حرص لبناني داخلي كبير على صون الوحدة الوطنية، لابقاء البلد في منأى عن تداعيات احداث 11 ايلول وما تلاها، وما يمكن ان تتمخض عنه الحرب على افغانستان من تطورات وارتجاجات. 

ورغم كل ما يمكن ان يشكله الاعلان الاميركي من ضغط، فان ثمة اعتقادا لا يزال موجوداً لدى الكثيرين، مفاده ان القرار الاميركي الجديد سيبقى في حدود الضغط السياسي والاعلامي والنفسي، ويستحيل ان يأخذ طريقه الى ابعد من ذلك، على الاقل في المدى المنظور.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic