ملاحظات على مشروع قانون البلديات الجديد

بول الأشقر

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

13 تشرين ثاني - نوفمبر 2001

  تاريخ النشر:

 

     عندما طالب المجتمع اللبناني بسلطات محلية بعد 35 سنة من الانقطاع، كان يعالج، ولو بلا وعي، انحلالاً في جسم المجتمع ناتجا عن اختصاره الى «رأس» تنفيذي مؤلف من 500 نائب ووزير وضابط وإعلامي ورجل دين وسياسي. البعض يقول إن الخمسمائة يختصرون في وقت من الأوقات الى خمسة، سلطة ومعارضة مجتمعين. البعض يقول إن تعطيل الانتخابات المحلية عام 1963 (أول مرة بسبب حرب 67 والمرات التالية ل«كسل» عضوي) ساهم في اختصار السياسة، في العقد الأخير قبل اندلاع الحرب اللبنانية، إلى «رؤوس» طائفية أو حزبية لا تقدم حسابا لأية بقعة مجتمعية محلية، ولكن هذا موضوع آخر... 

المهم ان الانتخابات البلدية التي جرت عام 1998 أعادت «تقسيم» البلد وهذا مطلوب الى أكثر من 700 وحدة، البعض منها صغير والآخر متوسط والأخير كبير، لكل واحدة نطاقها وحاجاتها، كما يجب أن يكون الحال في أي بلد طبيعي. بعد قيام هذه السلطات المحلية، تدريجيا بسبب وضع الجنوب وبسبب عدم انتهاء موضوع العودة في الجبل (دون نسيان البلديات المستحدثة المطلوب من عائلة المر، الأب والإبن، استحداثها منذ سنوات...)، بدأ الجسم اللبناني يتحرك، من جديد، من القاعدة صعودا (ولو بظروف شبه مستحيلة) بدلا من القمة، كما كان الحال قبل الانتخابات المحلية (وكأن السلطة حطّت عليه من «فوق» أو من رواسب الحرب).

صار لدينا الآن بلديات ونواب، وبقيت مفقودة الأداة الثالثة التي تشكل الحلقة الوسيطة بين الوحدات المحلية والسلطة المركزية، والتي لحظتها وثيقة الوفاق الوطني ألا وهي مجالس الأقضية. من دون مجالس الأقضية، يصعب الحديث عن التنمية المحلية. ويمثل «المؤتمر الإنمائي الموسّع للنهوض بمنطقة بعلبك الهرمل» الذي انعقد مؤخرا، نموذجا حيا عما نقصده. ملاحظتان سريعتان في هذا الخصوص: أولا، المهم ألا يولد هكذا مؤتمر نوعا من «مجلس الجنوب» الذي هو تماما بعكس التنمية اللامركزية. ثانيا، علينا ألا ننسى جميعا ان محافظة الشمال صارت اليوم تحتاج أكثر من الجنوب وحتى من البقاع الى عنايتنا الخاصة والمميزة، كما تدل أي مقاربة علمية لواقع الفقر في المحافظات. 

من دون مجالس أقضية، من المستحيل أن تمارس اللامركزية الإدارية والتنمية التي يتطلبها انتظامنا المؤسساتي. كان من الممكن لمشروع قانون البلديات، وخصوصاً في النسخة التي أقرّها مجلس الوزراء، أن ينتظر قليلا... كانت الجرأة الديموقراطية تقتضي البدء بإصدار قانون ديموقراطي لمجالس الأقضية ما يسمح بانتظام العلاقة بين السلطات المنتخبة، من جهة، وبين هذه الأخيرة والسلطات المركزية الإدارية بما فيها وزارة الداخلية، من جهة أخرى. 

عمل محلي أو هيئة أعيان؟

المسألة المنهجية الثانية الواجب مناقشتها، قبل قانون البلديات، تتعلق بموضوع يحدد الى حد كبير طبيعة الانتظام المحلي الذي نبتغيه من إنشاء البلديات وانتخاباتها، ومما ننتظره من العمل المحلي كما أوحى الأمين العام للجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات الدكتور حسن كريم. لقد أقر القانون الجديد إمكانية إنشاء بلديات في البلدات التي يزيد سكانها عن ألف نسمة، بدلا عن 300 نسمة سابقا، وإذا توفرت لديها موارد ذاتية بقيمة خمسين مليون ليرة في محاولة لتوفير شروط عيش هذه البلدية، وهو على صواب. إلا انه لم يتجرأ في مماشاة المبدأ المعتمد في كل دول العالم والقائم على تعداد المقيمين في آلية الإنشاء. والفارق أساسي هنا ويترتب عليه تحديد الجسم الانتخابي ووظيفة البلدية وطبيعة العمل المحلي إن من داخل البلدية او من خارجها. إذا اعتمدنا لائحة المقيمين، تكون البلديات أدوات ينتخبها المقيمون في النطاق البلدي لإدارة قضاياهم اليومية وفق نظرتهم للمصلحة العامة المحلية مقابل دفعهم الضرائب المحلية. ومن دون هذا المبدأ، الذي يتطلب فصل لوائح القيد عن لوائح الناخبين المقيمين، تتحول المجالس البلدية الى غير وظيفتها ويتعطل عملها، وتصبح عادة (او على الأقل بالأولوية) هيئة أعيان لأحفاد قاطني البلدة منذ عقود وأحيانا قرون. ويتعطل مفهوم العمل البلدي كما يحدث في لبنان والأمثلة كثيرة وهي في ازدياد إذ قد لا ينتخب المجلس البلدي من يعيش في البلدة، وقد ينتخبه من لا يعيش فيها! مع انه من الممكن، على الأقل، ومن الصحي لإعادة ترتيب دور البلديات إعطاء الناخب المحلي «حقا اختياريا» بأن ينتخب وفق مكان اقامته بدلا من مكان قيده، كما يحدث في كل دول العالم شرط احترام مهلة التسجيل. 

في كل الأحوال، وحتى لو بقينا نعتمد لوائح القيد بدلاً من لوائح الناخبين المقيمين، يتطلب تطوير العمل البلدي وتحريره نسبيا من المقاربة العائلية اعتماد نظام الانتخاب النسبي الذي يساهم في بلورة مشاريع محلية، والذي لا يعيقه التمثيل الطائفي (لمن يعتقد ذلك) غير الموجود على الصعيد المحلي. ان اعتماد نظام الانتخاب النسبي في الانتخابات البلدية يساهم في بلورة المشروع الجماعي العام الذي تستحقه كل بلدة وفق أولوية ناخبيها كما يساهم في مأسسة ضرورة البحث عن هذا المشروع بواسطة تمثيل الأكثرية والاقلية داخل المجلس، ما يزيد من الحيوية ومن الانتظام البرنامجي ومن الشفافية والمراقبة داخل وخارج المجلس البلدي. 

هذا التدبير يصبح أكثر الحاحا مع اعتماد الانتخاب المباشر للرئيس ونائبه (المادة العاشرة) لأن لولاه (كما حذّر مشكورا محافظ الجنوب السابق حليم فياض) قد يؤدي التضارب بين رئيس المجلس البلدي وأكثرية المجلس إلى شل السلطة المحلية. وقد ينقلب الانتخاب المباشر المطالب به سحرا على الساحر لتحطيم العمل المحلي، تماما كما هو حال المادة التي تسمح اليوم بسحب الثقة من الرئيس في منتصف ولايته. 

اذا اعتمد قانون النسبية أم لا، وإذا اعتمد قانون المقيمين أم لا، لا بد الآن من التوقف عند ضرورة أن يتضمن قانون الانتخابات البلدية تقسيما للمدن إلى مناطق يجب أن تتمثل في المجلس البلدي (قد تصلح المناطق العقارية في بيروت وطرابلس وصيدا لإجراء هذا التقسيم) تسهيلا لتدخل المواطن في حياة مدينته. ولا يمكن أن يتوفر هذا التدخل إلا من خلال المنطقة، أي الحي الكبير الذي هو أكبر من الشارع وهو الفسحة المثلى التي يستطيع المواطن فيها أن يعطي رأيه بسياسة المدينة العامة وبمراقبتها في حياته اليومية. ولا تحتمل هذه القاعدة استثناء في أية مدينة من العالم، إذا أردنا أن يعطي المواطن رأيه بأولوية النظافة أو المكتبة أو النقل أو المدرسة أو المستوصف أو الملعب أو المسبح الخ... وإذا أردنا ان يساهم في متابعة، وبالتالي، مراقبة العمل المحلي. يتردد في «التعليكات» الانتخابية في لبنان ان تقسيم بيروت يقوي الطائفية. هذا القول، على الأقل على المستوى البلدي، هو أبعد ما يكون عن الحقيقة فمحاربة الطائفية تقتضي أن يتنافس محام ومهندس وأستاذ وطبيب وتاجر من المنطقة، من طوائف مختلفة وإن كانوا من نفس الملة، فهذا أسلم لمحاربة الطائفية...، بدلا مما حصل في الانتخابات البلدية الماضية في بيروت أو طرابلس (لا فرق في العمق) حيث منع القانون (بسبب عدم تقسيم المدن) التنافس و/أو ... شوّهه طائفيا! كيف أستطيع أن أتدخل كمواطن في حياة مدينتي إلا من خلال تدخلي في مجال حياتي (منطقة) وكيف يسعني، في غياب المنطقة وفي غياب نظام طائفي «يهذبني»، إلا أن أتصرّف طائفيا؟ لا أعرف المرشحين الى المجلس البلدي من خارج منطقتي و«أخشى» في الوقت ذاته ألا ينتخب «آخر» (من خارج المنطقة) إلا المرشحين من طائفته، وتحسبا لما قد يحدث خارج منطقتي، سأقترع فقط لمرشحين من طائفتي! 

قراءة سريعة في مشروع القانون 

الحدث الأساسي والمهم في قانون البلديات الجديد ان بيروت قد استعادت سلطتها المحلية بعد انتظار دام حوالى أربعين سنة، وهذا ما يجب التنويه به حتى لو تأخر طويلا. بالمقابل، نسي القانون الجديد دمج وظائف المخترة بالعمل البلدي وهذا إجراء بديهي يفرضه أي تحديث في هذا المجال. 

وتسمح قراءة سريعة للقانون بتسجيل الملاحظات الآتية: 

  1.  خفّض مشروع القانون الجديد، عن حق، في المادة 9 مدة الولاية البلدية الى خمس سنوات، وحسناً فعل. وبرأيي، إذا كان المقياس محض «محلي»، فقد كان من الأجدى ان تختصر الولاية سنة إضافية. 
     

  2.  ابتكر مشروع القانون، في الاتجاه الخطأ، في المادة 24 وطالب بشهادة علمية لرئيس البلدية وأخرى لعضو المجلس البلدي. لا بد من إلغاء هذه المادة القابلة للطعن أمام المجلس الدستوري لأنها تدخل تقليصاً في سيادة الشعب وتمييزا في العملية الديموقراطية وبحق قيادات محلية شعبية حقيقية تثبت كل تجارب العالم الأول والعالم الثالث والتجربة اللبنانية أيضا جدارتها في إدارة العمل البلدي بغض النظر عن شهادتها العلمية (فيما لا تغير المادة شيئا يذكر في الواقع، بعكس الرأي السائد، الا إقصاء هؤلاء. ويتبين ذلك من الأجوبة على السؤال رقم 28 في الاستطلاع الذي أجراه مركز الدراسات والأبحاث للشرق الأوسط المعاصر في كتابه «البلديات والسلطات المحلية في لبنان» 2001). يناقض مشروع القانون روحية ما يقترحه عندما يستثني في المادة 23 كفاءات الجامعة اللبنانية من إمكانية المساهمة في تطوير العمل البلدي، وخصوصا انه عمل تطوعي بطبيعته. 
     

  3.  في المقابل، أحسن مشروع القانون الجديد بحصر سلطة الرقابة في موضوع آلية التنبيه (المادة 41) وبتوضيح صلاحيات المجلس البلدي بالنسبة للمخططات التوجيهية (المادة 46) وتوسيعها في ما يتعلق بالتعاقد مع الغير والقطاع الخاص (المادتان 46 و47) مع انه، كان من الأجدى، في هذا المجال، تضمين مشروع القانون شيئا من التفصيل الإضافي. 
     

  4.  يمثل مشروع القانون تقدما (وليس فتحا) في تحرير البلديات من الوصاية الإدارية. ولم يعد للقائمقام، في الواقع الجديد، سوى التصديق على المساعدات عندما تتخطى عشرة ملايين ليرة، وصحيح ان ما تبقى من رقابة للمحافظ يحتاج الى عينه الساهرة (بعد ان تخلى القائمقام لمصلحة المحافظ عن التصديق على قبول الهبات او الأموال الموصى بها بأعباء، وبعد ان تخلى وزير الداخلية كذلك عن التصديق على تسمية الشوارع والساحات والأبنية العامة الخ...). وصار وزير الداخلية يطلع على دفاتر الشروط العامة في ما يخص اللوازم والأشغال والخدمات وبيع الأملاك البلدية (المواد 60 الى 62). ان ما يحيط بهذه المواد يدل ان الفتح متواضع، ولا يتأقلم وزير الداخلية بسهولة مع ما تنشده الوثيقة، فمراجعته المطلوبة منصوص عليها في المادة 63، أما المخالفات في القرارات في المواد التي تعني القائمقام او المحافظ فلا. أما اسقاط امكانية الطعن امام مجلس الشورى في المواد 65 و66 وخصوصا في المادة 64 المستجدة، لما تسمحه من تجاوز لحد السلطة، ليس مقبولا ولا مفهوما. 
     

  5.  يتضمن مشروع القانون عناصر تحديثية، وقد أدخل الى النص ما صار جزءا من الحياة اليومية ك«كيوسك الصحف» او «المقهى الرصيفي» (المادة 74) او البريد الالكتروني (المادة 80)، إلا ان المساعدات في الموارد البشرية (كالوحدات المشتركة في المادة 84 او المدير العام في المادة 85) تعود وتفتح الطريق أمام وصاية وزير الداخلية. 
     

  6.  يفصّل مشروع القانون الجديد في المادة 84 مكونات مالية البلديات وقد أدخل في المادة 86 تحديد أصول وقواعد توزيع أموال الصندوق البلدي المستقل. أما وفد أدخلت الأصول والقواعد في صلب مشروع القانون، وأصبحت نفقات رواتب شؤون البلديات تحسم من الصندوق في عهد عصر النفقات، فقد صار لزاما على مجلس النواب (بعد الاستماع الى رؤساء البلديات) التدقيق بالآلية وبالنسب. هنا لا بد من الإشارة الى الأثر المباشر على حصة كل بلدية من أموال الصندوق، والذي يترتب على اعتماد عدد السكان المسجلين في سجلات الأحوال الشخصية بدلاً من اعتماد المقيمين او المكلفين الذين يشكلون مصدر تمويل الصندوق. 
     

  7.  كان من الأجدى تجهيز قواعد وأصول المحاسبة في البلديات (المادة 87) بشكل مواز لإقرار القانون. ومن الملاحظ انه تم «خصخصة» وظيفة المراقب العام التي أُلغيت (المادة 95 و96 في القانون القديم) والتي استبدلت بمفوض المراقبة الذي تدفع البلدية راتبه (المادة 88). وما يقال عن المادة 87 يجوز قوله عن المادة 90 التي أنشأت «معهد تدريب» دون تحديد دقائق تطبيقها، وهي عنصر مهم لتحديد كلفة المعهد بفرعيه وأيضا آلية تدريب كافة الموظفين. سيحدد المستقبل وجهة الصيغة الجديدة فيما إذا كانت مجرد عنوان جديد لصيغة الموجهين الحاليين. 
     

  8.  ملاحظة أخيرة تدل على التسرّع الذي رافق المشروع. فلا جديد تقريبا لا في موضوع العقوبات ولا في موضوع الهيئة التأديبية الخاصة ولا حتى في كل المواد المتعلقة باتحاد البلديات (من المادة 91 فصاعداً)

أما وقد أقرّ مشروع القانون في مجلس الوزراء، فيجب ان يتوسع النقاش في الأوساط المعنية قبل ان يصل الى مجلس النواب وان يساهم في تطويره رؤساء البلديات وكل العاملين في الوسط المحلي، وان يتواكب هذا النقاش مع تقييم أداء العمل البلدي من داخل المجالس البلدية ولكن أيضا من المجتمعات المدنية المحلية.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic