نحو لامركزية واسعة ولكن...

سيمون كرم *

  الكاتب:

النهـار

  المصدر:

19 تشرين ثاني - نوفمبر 2001

  تاريخ النشر:

 

     من المؤكد ان مشروع القانون الجديد للبلديات يشكل خطوة متقدمة نحو ارساء لا مركزية ادارية واسعة، ستمكن المجالس البلدية من لعب دور فاعل في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ولا شك في ان الصلاحيات التي منحها مشروع القانون للمجلس البلدي (المواد ،44 ،45 ،46 ،47 ،48 49) ولرئيسه، رئيس السلطة التنفيذية، (المواد ،73 ،75 76) تلقي على عاتق المجالس البلدية ورؤسائها مسؤوليات ضخمة في ما يتعلق بالشؤون البلدية تخطيطاً وتنظيماً وتنفيذاً ومراقبة. وحتى لا تضيع ايجابيات المشروع الجديد، نلفت الى بعض اللبس في عدد من الامور التي تطرق اليها مشروع القانون هذا. 

الالتباس الاول يتعلق بانشاء البلدية وتحديد عدد اعضاء المجلس البلدي. فالمادة 3 تنص على شرطين لانشاء بلدية: عدد الاهالي المقيدين في سجلات الاحوال الشخصية (الذي حدد بألف على الأقل) والواردات التي حددت بخمسين مليون ليرة لبنانية على الاقل). وبدورها ايضاً استندت المادة 8 الى عدد المقيدين في سجلات الاحوال الشخصية لتحديد عدد اعضاء المجلس البلدي. والمأخذ على هذه المعايير يمكن ايجازه بما يأتي: خلال المدة الممتدة من 1975 حتى ،1990 شهد لبنان تغييراً جذرياً في الطبيعة الديموغرافية لسكانه، تمثلت في اربعة امور اساسية: الهجرة الى الخارج، نزوح من مكاني السكن والعمل الاساسيين، ازدياد الانشطة السكنية والاقتصادية والتربوية والاستشفائية والسياحية في البلدات والقرى القريبة" من المدن الاساسية، وأخيراً، ازدياد شعبية فكرة المجمعات السكنية. وبناء عليه لم يعد عدد المقيدين في سجلات الاحوال الشخصية والواردات السنوية المؤشرين الصحيحين الممكن اعتمادهما لتحديد حجم اعمال المجالس البلدية. بل وجب اعتماد معايير اضافية فرضت نفسها في الاعوام الماضية وأهمها: 

عدد السكان المقيمين من غير المقيدين في سجلات الاحوال الشخصية ، عدد الوحدات السكنية وحجمها، عدد الوحدات التجارية وحجمها، عدد الوحدات الصناعية وحجمها، عدد الوحدات الزراعية وحجمها، عدد المعاهد التعليمية وحجمها. المنشآت والمرافق العامة وحجمها. 

وبالنسبة الى الواردات السنوية فبديهي ان مبلغ الخمسين مليون ليرة لن يساعد في تنمية جدية، حتى لاصغر بلدية في لبنان، لأن المسؤوليات التي ألقاها المشروع الجديد على عاتق المجالس البلدية تحتاج الى مبالغ اضخم، وتشجيع اقامة بلديات صغيرة يمكن ان يؤدي الى بلديات ضعيفة تتراكم فيها المشكلات وتنعكس سلباً على المقيمين والعاملين في نطاقها. 

الالتباس الثاني يتعلق، بالمؤهلات العلمية لرئيس البلدية، والمعايير التي يستند اليها المشروع لتحديد هذه المؤهلات. استند المشروع (المادة ،24 البند أ) الى معيارين فقط لتحديد المؤهلات العلمية لهؤلاء: وجود البلدية في مركز المحافظة، ووجودها خارج مركز المحافظة. فاذا وجدت في مركز المحافظة وجب على الرئيس ونائبه حيازة الشهادة الجامعية، والشهادة الثانوية لباقي الاعضاء. اما اذا وجدت خارج مراكز المحافظات فيكتفي المشروع بالشهادة المتوسطة للرئيس ونائبه، وفقط اجادة (؟) القراءة والكتابة لباقي الاعضاء. 

من الواضح ان مراكز المحافظات في لبنان لم تعد تحتكر الانشطة السكنية والاقتصادية والسياحية والترفيهية وغيرها. فنسيج المقيمين في نطاق الكثير من البلديات اصبح اكثر تعقيداً من السابق وهو يحتاج الى ادارة محلية عصرية ذات مؤهلات علمية وتقنية عالية، ومشروع القانون الجديد يمنح البلديات الحق (المادة 80) في انشاء ما تحتاجه من وحدات ادارية ومالية وفنية (بما فيها وحدات هندسية) وصحية، ووحدة لشؤون التدقيق، ووحدة للاهتمام بشؤون البيئة وشرطة وحرس واطفاء واسعاف. كما يفرض على البلديات (المادة 80 ايضاً) انشاء وحدة معلوماتية لتنظيم المحاسبة والأرشيف وبيانات متابعة القرارات والمراسلات، بالاضافة الى توافر عنوان بريدي الكتروني وتكوين، شبكة انترنت محلية (المادة 17). وفي المادة 88 يفرض المشروع وجود مفوض مراقبة وخبير محاسبة. بمعنى آخر، اوجب المشروع اقامة هيكلية تنفيذية حديثة ومتطورة، ولم يطلب في الوقت عينه من القيمين على هذه الادارة (اعضاء المجالس البلدية من رئيس ونائب رئيس وأعضاء) مؤهلات تتلاءم Compatible مع هذه الهيكلية. فكيف يمكن رئيس البلدية او اعضاء حائزون الشهادة المتوسطة، او فقط يجيدون الكتابة والقراءة (المادة 24) ان يناقشوا تقريراً مالياً او فنياً، او يستقبلوا خبيراً اجنبياً، او يتحاوروا مع رؤساء جامعات او مدراء شركات؟ وهل يعقل ان يكون رئيس السلطة التنفيذية اقل اهلية من الموظفين لديه؟ وهذا يناقض مبدأ عصرنة الادارة وتفعيلها. 

الالتباس الثالث يتعلق بانتخاب المجلس البلدي، خلال الاعوام الثلاثة الماضية، اذ شكلت الخلافات الشخصية وعدم التجانس بين اعضاء المجالس البلدية المصدر الرئيسي للتقصير ولعدم فعالية الكثير من المجالس البلدية في مراكز المحافظات وسائر المدن والبلدات والقرى اللبنانية. وقد حفلت صفحات الصحف بالبيانات والبيانات المضادة وأخبار الاستقالات والاتهامات والتجريح، مما ادى الى حل العديد من البلديات وشل العمل البلدي. كما ادت هذه الخلافات الى شروخ عائلية واجتماعية في بعض تلك المدن والبلدات والقرى. وبما ان مشروع القانون (المادة 10) يفرض انتخاب الرئيس ونائب الرئيس بالتصويت العام المباشر، وبما ان المادة 9 حددت ولاية المجالس البلدية بخمس سنين، وحتى لا تتكرر قضية الخلافات الشخصية وانعكاسها السلبي على العمل البلدي، يجب التفكير جدياً في الترشيح الى الانتخابات البلدية، ومن ثم الانتخاب على اساس لوائح وليس على اساس فردي، فنتلافى عندذاك مجيء مجالس ادارة غير متجانسة تنقل خلافاتها الى داخل المجالس فتحكم على عملها بالشلل، ومن ثم الفشل، وتتكدر احوال المقيمين والعاملين في نطاق هذه المجالس. 

خلاصة القول انه من المستحسن ان يحتوي القانون الجديد للبلديات على مواد اضافية تصنف البلديات على اساس طبيعة الانشطة القائمة في نطاقها الاداري، وبالتالي يتحدد حجمها ومؤهلات الاعضاء من خلال هذه الانشطة وليس من خلال عدد المقيدين في سجل الاحوال الشخصية، ووجودها او عدم وجودها في مراكز المحافظات. 

* استاذ محاضر في جامعات لبنان

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic