من نيويورك إلى كابول وبالعكس!

محمد حسنين هيكل

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

1 كانون أول - ديسمبر 2001

  تاريخ النشر:

 

محمد حسنين هيكل

     -- كان ترتيبي قبل أن تقع الواقعة في نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر الأخير، أن أقصد إلي بعض عواصم أوربا، ومنها إلي الولايات المتحدة: واشنطن ونيويورك. وجري تجهيز إجراءات السفر وتحدد موعده في الصباح الباكر من يوم 17 سبتمبر وهو يوم أربعاء، وخط سيري المرسوم أن أتوجه إلي لندن لأيام معدودة، ومنها عبر المحيط إلي نيويورك في عطلة نهاية الأسبوع، وبحيث أكون يوم الاثنين التالي (16 سبتمبر) في واشنطن، بادئا اليوم من أوَّله، باحثا عن الأحوال والاحتمالات كما تبدو في العاصمة الأميركية التي أصبحت أعجبنا أو لم يعجبنا عاصمة القوة في العالم ومركز القرار في مصائره... 

AdabWaFan

محمد حسنين هيكل

السعر: 9:00 $ فقط!

وكنت علي معرفة بأن هناك “نوايا” و”خططا”، فرغت الإدارة الحالية في الولايات المتحدة، مع ربيع هذا العام (2001)، من بلورتها وهي علي وشك أن تطرحها للتنفيذ علي اتساع قارات العالم وفيها المنطقة التي تعنينا أكثر من غيرها وهي منطقة الشرق الأوسط. 

وبالفعل فقد كنت اطلعت علي نصوص تقرير رئاسي أميركي بشأن استراتيجية جديدة جري اعتمادها من جانب الإدارة الأميركية لمستقبل العمل في هذه المنطقة، وشغلني التقرير، حتي أنني عرضته علي صفحات هذه “المجلة” (في عدد أول سبتمبر) ثم رأيت الارتحال عبر البحر وعبر المحيط باعتقاد أن هناك الكثير مما يمكن استجلاؤه والبحث في تفاصيله: سؤالا، وجوابا، وحوارا وفهما بقدر ما هو ممكن. 

وعصر يوم الثلاثاء 11 سبتمبر، كانت الترتيبات في مواضعها، بما في ذلك مواعيد اجتماعات حرصت أن أضمن لها وقتا يكفيني، ولقاءات علي الإفطار والغداء والشاي والعشاء متواصلة، وهي مناسبات للكلام أكثر منها مناسبات للطعام. 

وفجأة وكنت أطل علي قناة CNN فوق شاشة التلفزيون توافقت نظرتي الأولي بمحض مصادفة مع إشارة تقطع البرامج بخبر طارئ، يفيد أن طائرة مدنية اصطدمت بأحد برجي التجارة الشهيرين في نيويورك، ولدقائق تصورت أنها حادثة وقعت بسبب طيار ضل مساره أو أخطأ ارتفاعه، فارتطم بناطحة سحاب، تمثل هي وتوأم لها، أظهر العلامات علي خط الأفق الشهير لمدينة نيويورك. 

ورحت أتابع ما بدا لي رغم مأساويته حدثا عاديا يقع مثله كل يوم مع اختلاف الظروف والمواقع. ثم استجد بعد دقائق ما ظللت لبعض الوقت غير قادر علي تصديقه، فقد ظهرت علي حافة شاشة التلفزيون طائرة ثانية، اخترقت الصورة بسرعة، ثم نفذت في البرج الثاني، ومع أنه كان من العسير علي أي عقل أن يستوعب معني ما جري، فإن الحقيقة كانت أمام العيون تفرض يقينها، حتي وإن كانت هذه الحقيقة عصية علي التصديق، متفوقة علي الخيال، داعية إلي الانبهار قبل إدراك أن الصور وراءها بالضرورة مصائب ومآسٍ إنسانية. 

ثم يزداد عمق الفجوة بين الصورة المبهرة والحقيقة الدامية، عندما يبدأ البرجان التوأمان العملاقان في الانهيار من الداخل كأنهما صرح يسقط راكعا علي ركبتيه مكوما علي الأرض ومن حوْلِه جبال من ركام الحديد والحجر، فوقها كتل اللهب المتهاوية تسحق أجسادا وأرواحا ولحما ودما وآمالا وطموحات دهمها الموت، وهو موت رهيب بآلامه وعذابه، وخصوصا أن زمان المأساة طال ما بين اصطدام الطائرة الأولي ببرج التجارة الأول، والثانية بالبرج الثاني، وتهاوي التوأمان العملاقان بثقلهما المخيف علي ما بين خمسة آلاف إلي ستة آلاف من البشر وهو زمان طال مداه قرابة ساعتين، يعلم الله ما جري فيهما.. وكيف؟ 

ولبعض الوقت دار في خلدي أن ما وقع أمام عيني وأمام عيون مئات الملايين من الناس، يحرض علي السفر أكثر مما ينهي عنه، فما جري هو بالنسبة للصحفي حدث مهول لكن صوت النهي كان مسموعا من حولي وأسبابه متنوعة. وعندما دخل الليل، كانت الأنباء تقول أن عاصفة النار والدمار فوق نيويورك وواشنطن فجرت بعدها إعصار غضب وجنون، اجتاح الولايات المتحدة الأميركية من الشرق إلي الغرب، ووصلت آثاره بعيدا وعميقا، وأن كل ما هو عربي ومسلم أصبح معرضا ومكشوفا، ولم يكن ذلك في حد ذاته ما جعلني أغير رأيي، وإنما غيرت رأيي لإدراكي أنه بعد كل ما جري فلن أكون حيث أذهب سائلا، وإنما سوف أكون مسؤولا، ولن أكون زائرا يرغب في السماع، وإنما “صاحب بيت” مفروض عليه أن يتكلم، ولم أكن علي استعداد لأكثر من سبب: 

- فيها أنني في شأن ما جري متابع مهتم، وليس طرفا ضليعا في الموضوع وخباياه. 

- وفيها أن ما لدي من الأسئلة، كان كثيرا قبل الواقعة، ثم أضيف إليه الأكثر بعد الواقعة. 

- وفيها أنه ليست عندي إزاء ما رأته الدنيا بأسرها إجابات، وحتي إذا كانت عندي اجتهادات وليس إجابات فليس يعنيني الآن طرحها بقدر ما يعنيني أن أسمع غيري إذا توصل لشيء. مع أن الإشارات الأولي كشفت أن الكل مذهول بالمفاجأة، مأخوذ بصورها، مروع بالمأساة بعد المفاجأة ووراء الصور، ثم إن المزاج العام ساخن وكذلك منفلت! 

وهكذا وفي اللحظة الأخيرة قررت إلغاء ترتيبات السفر، بترجيح أن المتابعة الآن أفضل عن طريق سيل من الرسائل لا ينقطع علي الإنترنت، وصور لا تتوقف علي شاشات التلفزيون، إلي جانب ما تحمله صحافة العالم وكلها واصلة إلي القاهرة في ساعات، ثم إن المتابعة من مسافة كذلك قدرت أدعي إلي فهم أقل توترا، وبالتالي أكثر تأنيا (إذا كان ذلك ممكنا). 

ومضي أسبوع وثان وثالث، ثم عاد الصحفي داخلي يُذَكِّر بنفسه ويُلح، فسيل الرسائل علي الإنترنت مفيد، وشرائط الصور علي شاشات التلفزيون معبرة، وصحافة العالم الواصلة تعطي تغطية عريضة وشاملة. لكن الصحفي يحتاج أكثر، يحتاج أن يري بعينيه، وأن يسمع بأذنيه، وأن يلمس بأصابعه، وأن يجلس مع ناس يعرفون، في مواقع تسمح لهم بأن يعرفوا، وأن يسأل ويستجوب ويجادل ويسعي بالحق الطبيعي لمهنته كي يوفر لنفسه رؤية واضحة، علي الأقل كافية إذا جاء عليه الدور ليقول ما عنده، بعضه أو كله، وبقدر ما تسمح له الظروف! 

وهكذا بعد انتظار ثلاثة أسابيع، عدت أحرك وأستعجل إجراءات السفر. ومن باب الاحتياط، فقد تصورت أن أبدأ ببعض العواصم الأوربية، وبعدها أفكر إذا كان عبور المحيط إلي أميركا مفيدا، أو أن مناخ الهستيريا الذي تملك الجميع ولهم العذر فيه ما زال مستحكما، وإذا كان “ذلك كذلك” (كما يقول الفقهاء تجنبا لتكرار الحيثيات في أية فتوي) إذن فإن السفر يمكن اختصاره، ويكون اقتصاره علي أوربا وحدها. 

وهكذا كان. والحقيقة أنني لم أندم علي الاختصار والاقتصار علي أوربا، فما يصلني من الولايات المتحدة كان مزعجا، ثم إن تجربة شخصية مباشرة ولو أنها واحدة لم تتكرر في لندن زادت من إقناعي، بأنني لم أخسر كثيرا حين بقيت في أوربا ولم أقارب شواطئ المحيط! 

ملخص التجربة، أنني دعوت علي العشاء ذات ليلة في لندن صديقا قديما هو “السير مايكل وير”، الذي كان لسنوات طويلة سفيرا لبريطانيا في القاهرة، ومعه قرينته “الليدي وير” وقد وصلنا جميعا إلي مطعم “سانتيني” متأخرين وعبرنا بسرعة إلي مائدة تنتظرنا. 

وبدا لي ونحن نمر بالموائد في طريقنا إلي مكاننا أن الجالسين علي مائدة قريبة منا ينظرون نحونا ويدققون، ولم يكن صعبا أن أشعر أنهم تعرفوا عليَّ من صورة كبيرة وسط حديث طويل أجراه معي الصحفي اللامع “ستيفن موس”، ونشره بعرض صفحتين في “الغارديان” أمس، ثم إن “الايفننغ ستاندارد” أعادت نشر الحديث بالكامل، ومعه نفس الصورة وبذات الحجم هذا المساء. وفي ذلك الحديث (مكررا يومين متتاليين) فإنني إلي جانب كثير قلته انتقدت بعض ممارسات السياسة الأميركية في المنطقة. 

ولم ألتفت إلي أن الذين تعرفوا عليَّ لهم كما ظهر في ما بعد رأي بشأن ما قلته. وعلي أية حال فقد اتخذنا مقاعدنا حول المائدة المحجوزة لنا، وجاءت قائمة العشاء وطلبنا ثم جري بنا الحديث مجراه ووصلنا إلي ما وقع في أميركا وهو وقتها وحتي الآن شاغل الدنيا بأسرها وليس مائدتنا وحدها. وانقضي نصف ساعة تقريبا وكنت منهمكا في حوار مع “مايكل”، حتي لفتت قرينته هيلاري (ليدي وير) انتباهي لسيدة أقبلت تقف إلي جواري، ويبدو أنها تريد أن تتحدث معي، واِلْتَفَتُّ وإذا سيدة طويلة القامة حسنة الهندام تقول بعصبية: “مهما كان ما تقول أو تقولون، فالله يبارك أميركا”. وقلت لها بصدق: “إنني أرحب أن يبارك الله أميركا ويبارك أوطان الناس كلهم”. 

وردت وهي تدير ظهرها: “لا .. فليبارك الله أميركا وحدها وليذهب الآخرون جميعا إلي الجحيم”. 

ولم أغضب، ولكن “هيلاري” (ليدي وير) غضبت، وهَمَّتْ بالرد تقول للسيدة الأميركية: “إنها لا تملك حق أن تفقد أعصابها مع الناس”. 

وجاء صاحب المطعم السنيور “سانتيني” نفسه (وهو فنان له مؤلفات عديدة عن المطبخ الإيطالي، ومطبخ فينيسيا بالتحديد، كما أنه رجل تربطه صداقات ودودة مع كثيرين من رواد مطعمه الأنيق، (وكانت ضمنهم الأميرة ديانا وكوكبة لامعة من أصدقائها، والملك حسين وقرينته الملكة نور، والسيدة مارغريت تاتشر وقرينها دنيس). وقد جاء السنيور “سانتيني” محرجا، يحاول أن يعتذر، وهو يستغرب أن السيدة الأميركية وهي زوجة مليونير أميركي يزور لندن مرتين أوثلاثا في السنة، ويملك بيتا كبيرا في ميدان “تشستر” القريب وهو من أرقي المواقع في حي “بلغرافيا” خرجت عن الأصول. وكان رأيي أن ما فعلته الأميركية (المليونيرة) ليس فيه ما يستوجب حرجه أو اعتذاره، لأنه أمر “وارد” في ظل هذه الأجواء، لكن “ليدي وير” كان لها رأي آخر. 

وعلي أية حال، فقد زاد اقتناعي بعدما سمعت في لندن تفاصيل مستفيضة عما جري لكثيرين من العرب والمسلمين في الولايات المتحدة بأنني فعلت صوابا باختصار رحلتي واقتصارها علي شرق المحيط، وكذلك ظللت مدة الثلاثة أسابيع التي قدرتها لسفرتي، ملازما للشاطئ الأوربي للأطلنطي مستغنيا عن عبور المحيط إلي الغرب الأميركي، وربما أن ذلك كان أكثر توافقا مع ميلي وحواسي وبظن أن الامبراطوريات القديمة مهما كان خلافنا معا، لديها حكمة التجربة وتوازنها بينما “الامبراطوريات الجديدة” لديها غرور القوة إلي جانب وحشية الإعلام وطغيان الغني! 

وطوال ثلاثة أسابيع من البحث في عواصم أوربية متعددة ملاحظا، ومتابعا أكثر المرات، متكلما في أقلها كان في ذاكرتي قول شهير للرئيس الأميركي الأسبق “دوايت أيزنهاور” جمع خلاصة خبرته قائدا أعلي لجيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ورئيسا للولايات المتحدة الأميركية ثماني سنوات وفيه يقول: “إن السياسات الطيبة لا تضمن النجاح أكيدا، ولكن السياسات السيئة تضمن الفشل محققا”. 

وذلك هو محور حديثي اليوم لكنني قبل الخوض فيه أقترح الالتفات بسرعة إلي عدد من الإشارات. 

********************

الاشارة الأولي 
الإمبراطوريات الحائرة والطرق المسدودة! 

باريس: 
-- في باريس تفهم عميق لحق الشعب الأميركي في الغضب وحق الإدارة الأميركية في العقاب، لكن.. هناك نوعان من الفهم: 

نوع يرق بالتعاطف أحيانا ونوع يقسو بالنقد أحيانا أخري. وفي الحالتين فإن المنطق القانوني الفرنسي يعرض نفسه بالرقة أو بالقسوة متكاملا: وخلاصته: أن هناك في ما وقع يوم 11 سبتمبر جريمة شنيعة... وذلك أمر لا يجادل فيه، ولا يستطيع أحد. لكن كل جريمة تحتاج إلي تحقيق يطرح عدة أسئلة: 

1 كيف وقعت الجريمة؟ 
2 وبالتالي من ارتكبها؟ 

(ومن الواضح أن الإجابة عن السؤال الأول هي الأساس الذي تقوم عليه إجابة السؤال الثاني). 
3 يلي ذلك أن الجرائم لا تحاكم بنيران الجيوش، وإنما بنصوص القانون، والاختصاص فيها للبوليس والمحاكم، وليس للطائرات والصواريخ. 
4 وعند المحاكمة وقبل الحكم، فإنه يتحتم أن تكون الفرصة متاحة للاطلاع علي الأدلة، والقرائن، وسماع الشهود، والتثبت من وقوع المسؤولية، بحيث تكون للحكم مشروعيته (لأن الجريمة تستغني عن المشروعية، لكن القضاء لا يستطيع)! 

وحين سمعت أن باريس تتفهم الدواعي التي حدت بالإدارة الأميركية، إلي أن تتصرف بسرعة وإلي أن يكون تصرفها سريعا وقويا، حتي وإن لم تكن لديها خطة مدروسة ومتكاملة فقد تذكرت مرة سنة 1982، قابلت فيها الرئيس “فرانسوا ميتران”، وأيامها كانت الحرب الأهلية في لبنان علي أشدها وكان حادث خروج قوات مشاة البحرية الأميركية من بيروت بعد عملية فدائية لحزب الله راح فيها أكثر من 170 قتيلا ماثلا في الأذهان، ومعه حادث مشابه أقل حجما في خسائره ضد القوات الفرنسية. ويومها سألت الرئيس الفرنسي عن السبب الذي دعا فرنسا في ذلك الوقت إلي تحريك أسطولها في البحر الأبيض، ثم إن إحدي بوارجه وهي البارجة “جان دارك” راحت تقترب من الشاطئ اللبناني، حتي تكاد تلامسه، لكنها تستدير عائدة إلي عرض البحر، ثم تقترب ثانية وتعود ثانية، ويتكرر المشهد مرات ومرات بطريقة بدت غير منطقية. 

وسألت الرئيس ميتران أثناء لقائنا، وأنا ساعتها ضيفه علي الإفطار: 

“عما كانت تفعله البارجة “جان دارك” قاصدة عائدة أمام شواطئ لبنان، وما كان القصد منه والحكمة”؟ 

ورد الرئيس الفرنسي قائلا: “إن ذلك كان طبيعيا” بل و” ضروريا”. 

ولم أقتنع، وواصلت سؤالي عن وجه الطبيعة والضرورة في ما فعلته “جان دارك” (البارجة!)، وتردد الرئيس ميتران (وأكاد أقول تلعثم!)، وإحساسي بينما كنت أتأمله أن المثقف فيه يُغالِب رئيس الدولة وكذلك قال: 

“لك أن تعتبرها نوعا من الحركة العصبية. التشويح بأطراف الجسم (استعمل الرئيس ميتران تعبير <>). ثم أضاف: 

“إنه يحدث للدول ما يحدث للأفراد حين يواجهون مواقف تقتضي منهم أن يتحركوا، ثم يكتشفون أن الخيارات المطروحة أمامهم لم تنضج بعد، وللحظة فإنهم بدلا من الكلام “يشوحون”، أي تتحرك أعضاء جسمهم تعبيرًا عما يريدون فعله. وهم لحظتها لا يقدرون”. 

ويستطرد الرئيس ميتران: “لك أن تعتبر أن “جان دارك” وقتها كانت في ذلك الموقف، تعبيرا عن قوة فرنسية تفرض عليها الدواعي أن تفعل شيئا، لكن الحقائق علي الأرض تمنعها منه: “لنقل أننا لحظتها كنا “نشوح” بالصوت والحركة”. 

وقلت: إنني الآن فهمت!


وبعد قرابة عشرين سنة (أكتوبر 2001)، كانت القوة الأميركية في وضع مشابه، فالدواعي الملحة تفرض عليها أن تتصرف، وترد بكل الوسائل كي تخفف من ثورة الشعب الأميركي، وتهيئ له أنه “أخذ بثأره وانتقم”. 

لكنه في تلك اللحظة كانت الحقيقة غائبة، والمشهد فوضي، والخطط لمواجهة هذا الذي حدث في نيويورك وواشنطن غير جاهزة أو غير كاملة (رغم أن هذا النوع من الخطر في عصر الحروب غير المتوازية، وهي حروب القرن الحادي والعشرين كانت واردة بالتقدير المسبق علي الفكر)، لأنه كان صعبا علي العقل استيعاب هذا النوع من الخطر حين وقع بالفعل. وكذلك لم تكن الخطط جاهزة أو لم تكن كافية! 

وفي الحالة الأميركية، فإن رئيس الولايات المتحدة لم يكن يقدر علي التصرف كما تصرف الرئيس الفرنسي في موقف مشابه. مع وجود أوجه توافق بين الحالتين وأوجه خلاف: 

-- أوجه التوافق: أن هناك حدثا يطلب ردا، لكنه في غموض الوقائع وفوضي الشواهد وغياب الخطط، فإن هدف التصرف لم يكن واضحا، وهكذا بدأ التشويح والتعبير بلغة حركة اليدين والقدمين، وأعضاء البدن (بما فيها ملامح الوجوه ونظرات العيون وطلوع الحواجب ونزولها!). 

-- وأما أوجه الخلاف فهي أن “عقل” القوة الفرنسية فرض عليها أن تتوقف بعدما أسماه ميتران ب: التشويح السياسي (Gesticulation Politique) لكنه في حالة أميركا فإن جموح القوة الأميركية دفع بالرئيس الأميركي إلي ما هو أبعد، مع تزايد الضغوط عليه. 

وكذلك اختار رأس القائمة الجاهزة للمشتبه فيهم (وهو تنظيم القاعدة)، وقرر أن يضرب، عارفًا أنه لا يملك فرصة أو ترف الانتظار. 

- والحاصل أنني عرفت أن جورج بوش الأب كان أكثر من ألحوا علي “جورج بوش” أن يتصرف بسرعة، وسمعت أنه قال له بعد عشاء عطلة نهاية الأسبوع في كامب دافيد ما مؤداه أنه: “ليس أمامه غير أن يضرب بسرعة لأن “العجز” هو الخطيئة التي لا تغتفر لأي سياسي، وتلك خلاصة تجربة عمره في العمل السياسي. وأن الناس يغفرون للرئيس إذا بان خطأه، لكنهم لن يغفروا إذا تبدي عجزه”!. 

********************

الاشارة الثانية 
1100 تسجيل تليفوني لبن لادن! 

لندن: 
-- وفي باريس وفي روما وفي لندن (وفي غيرها من العواصم الأوروبية)، إحساس بأن الولايات المتحدة استعملت قواتها العسكرية بسرعة ضد أسامة بن لادن الموجود وسط حركة طالبان الحاكمة (ساعتها) في معظم أفغانستان دون أن يكون لديها اليقين الكامل بأنه يتحمل مسؤولية 11 سبتمبر أو علي الأقل يتحملها وحده. 

والشاهد أن أبرز ساسة أوربا سألوا نظراءهم الأميركيين عما لديهم من أدلة علي مسؤولية “بن لادن”، ولم يحصل أيهم علي رد يغنيه أو يكفيه. علي أن ثقتهم بالولايات المتحدة أغنت وكفت. 

وفي لندن وباريس وروما وربما في غيرها من عواصم أوربا وكما يحدث في بلدان متقدمة، يدعي إلي “اجتماعات تشاور” تطلب الرأي من خارج الإدارة القائمة في أية أزمة تطرأ، وفي العادة فإن هذه الاجتماعات يحضرها خبراء فيهم أساتذة جامعات ووزراء وسفراء سابقون يعرفون أطراف الصراع أو مناطق الحوادث التي تطرح نفسها مفاجأة علي الاهتمام العام. ولكي يكون التشاور نافعا وليس صوريا، فإنه توضع أمام هذه الاجتماعات صراحةً كل ما لدي حكوماتها من معلومات، لكي تنضم الخبرة السابقة إلي التجربة اللاحقة. 

وحدث في عدد من هذه الاجتماعات وليس من الضروري أن أحدد تفصيلا كي لا أحرج أحدا أن المشاركين في أكثر من عاصمة وجهوا إلي رؤسائهم الحاليين سؤالين: 

- السؤال الأول: هل هناك دليل يمكن البناء عليه في الإقناع السياسي بمسؤولية بن لادن ومن ثم طالبان ومن ثم أفغانستان (ومن ثم الإسلام) بمسؤولية ما جري يوم 11 سبتمبر؟ 

- والسؤال الثاني: ما هي اتجاهات العمل العسكري الأميريكي الحالي، وما هو الهدف الإستراتيجي منه؟ 
وبالنسبة للسؤال الأول، كان الرد علي المستوي الوزاري أنه: 

“ليس لدينا دليل قاطع علي مسؤولية بن لادن طالبان أفغانستان فيما حدث يوم 11 سبتمبر (ثم يتواصل الرد) علي أنه لا بد أن يكون لدي الأميركيين شيء يستندون عليه، لكنهم لم يقولوه لنا. ومما قالوه أن لديهم معلومات بأن بن لادن أو وكلاء مفوضين عنه أصدروا من بنك في الإمارات العربية المتحدة عدة حوالات قيمتها نصف مليون دولار، فيها مئة ألف دولار ل: محمد عطا، وهو المتهم بقيادة عملية 11 سبتمبر، وفيها مئة ألف دولار أخري باسم زميله: مروان الشيحي. 

ثم إن المخابرات الأميركية حصلت علي صور من هذه الحوالات بتصريح من محافظ البنك المركزي للإمارات العربية المتحدة بعد طلب تقدمت به “مارسيل وهبة” سفيرة أميركا في الإمارات العربية المتحدة. 

ورأيهم كما قالوه لنا صراحةً: “إن هذه الحوالات تقطع بالصلة بين بن لادن وبين المسؤولين عن عملية 11 سبتمبر”. 

ظنهم أيضا كما عبروا عنه ضمنا : “أنهم لا يستبعدون أن بن لادن ربما كان صادقا عندما قال إنه لم يخطط ولم يوجه عملية 11 سبتمبر، فهو يعطي الأموال “يمينا ويسارا وفي الوسط” لكن الهدف العام لما يعطيه معروف بصرف النظر عن تفاصيل كل عملية”! 

“وفوق ذلك فقد أكدوا لنا (في واشنطن) أنهم أجروا تسجيلات لاتصالات تليفونية قام بها بن لادن طول السنوات الخمس الماضية من جهاز تلفون جوال متصل بالأقمار الصناعية. وأن لديهم أكثر من ألف ومئة تسجيل لمحادثات تليفونية، وقد أرسلوا إلينا عينات منها، لعلها ترشد أو تدل علي شيء!”. 

كذلك قيل في “اجتماعات التشاور” في أكثر من عاصمة أوربية في الإجابة عن السؤال الأول. 


- وسألني أحد وزراء الدولة الأوربيين (ومرة أخري لا أريد أن أحدد لأني لا أريد أن أحرج): لماذا قلت (قبل ثلاثة أسابيع) “إن بن لادن لا يستطيع ولا يقدر علي عملية مثل عملية 11 سبتمبر”؟ وكررت علي سائلي ما نشرته عن ظني بأن بن لادن وحده لا يستطيع، وأن عمليات 11 سبتمبر، سواء بمقتضياتها المعقدة في التخطيط والإدارة والتنفيذ تتعدي قدراته، ثم إن ظروفه بما فيها المراقبة المستمرة عليه واختراق تنظيمه بالعمق إلي جانب بُعد أميركا عن مواقعه تخطيطًا وإدارةً وتنفيذًا تجعل المسألة برمتها خارج طاقته. 

وسألني وزير الدولة الأوروبي المعني: إذا لم يكن بن لادن فمن؟ وقلت: “إن ذلك يتجاوز اختصاصي، لكني سمعت حوله ظنا عرضته كاملا”. 

“وأضفت أن ما طرحته من شكوك حول ضلوع عناصر من البلقان ليس رأيي، لكني نقلته عن أصدقاء في بروكسل، وفي مقر حلف الأطلنطي، ثم إنني لم أطرحه كحقيقة نهائية، وإنما طرحته كاحتمال تسانده شواهد عرضتها، ثم إنني في ما نشرت قبلت بضلوع عناصر عربية بدور أو أدوار في ما حدث، لكني أشرت إلي غياب دليل، وإلي غياب تحقيق يعطي للناس ولو شبه دليل يطمئنهم إزاء الطريقة التي تتصرف بها القوة الأميركية! 

وسألني محدثي عن: الصلة وكيف يمكن أن تكون بين عناصر من العرب وعناصر من الصرب أو البلقان عموما، والطرفان بعيدان لا رابط بينهما؟ 

وذكرته بأنه كان بين “المجاهدين” أو من أسموا كذلك في “البوسنة” أكثر من ألفين من الشباب العرب: ربعهم من مصر وربعهم من السعودية والباقون من بلدان عربية أخري، وبعضهم لم “يجاهد” في البوسنة فقط، ولكنه وصل “بالجهاد” إلي ألبانيا أيضا، وبعدهما حتي “الشيشان”. 

وقلت: “إنه كانت هناك كتائب من قوات مسلحة عربية تعمل ضمن القوات الدولية التي شاركت في ما سمي بعملية “حفظ السلام في يوغوسلافيا السابقة”. وأنني أعرف عن جنود من العرب تزوجوا من بلقانيات وصربيات أيضا”. 

وأضفت: “أنه في ما يتصل بحادث علي مستوي 11 سبتمبر، فإن أحدا منا لا يستطيع أن يستبعد شيئا من حسابه دون ترو، أو يدخل شيئا في حسابه دون أساس”!

وفي ما يتعلق بالسؤال الثاني الذي طرحته “اجتماعات التشاور” الأوربية، وهو السؤال عن اتجاهات العمل العسكري الأميركي، وعن الهدف الاستراتيجي منه، فقد كان الجواب الذي أتاهم يعرض السياق التالي: 

“أن الإدارة الأميركية كانت واقعة تحت “ضغط رهيب”، يدفعها إلي الحركة بسرعة، وإلي الحركة نحو نوع من “العقاب” يصل إلي أقصي درجات القسوة، بحيث تكون مشاهد الدم والحريق ظاهرة أمام الشعب الأميركي “تطفئ ناره” و”تشفي غليله”، وإلا واجهت الإدارة الأميركية أزمة يصعب تقدير عواقبها لكن الإدارة وهذه نقطة لصالحها (كذلك قيل ل”مجموعات التشاور” في أكثر من عاصمة أوربية) انتظرت وفكرت ووازنت بين خيارات وبدائل: 

فكروا في خطة لخطف بن لادن من منطقة جبلية في “قندهار” رصدوا وجوده فيها، لكنهم تذكروا ما حدث (24 أبريل 1980)، في محاولة إنقاذ الرهائن الأميركيين الذين احتجزهم الشباب الثوري الإيراني في مبني السفارة الأميركية في طهران. 


-- وأيامها سنة 1980 وضعت قيادة القوات الخاصة الأميركية خطة لإنقاذ الرهائن من قلب طهران، وكان المطار العسكري في المنيا (صعيد مصر)، إلي جانب القاعدة الأميركية في “مصيرة” (سلطنة عمان) قيادة تنفيذ تلك الخطة التي عرفت باسم “الصحراء رقم 1”. وكان الرئيس “أنور السادات” قد صرح “لصديقه” الرئيس “جيمي كارتر” باستعمال الأراضي المصرية وتسهيلاتها العسكرية في تنفيذ هذه الخطة، وبالفعل كان المكلف بالتنفيذ وقتها هو الجنرال “بكويث” قائد القوات الخاصة، وقد تولي من مطار المنيا توجيه العملية. ومن نفس القاعدة بعث الجنرال “ريتشارد بكويث” إلي الرئيس كارتر يخطره بأن العملية فشلت، بسبب تعطل وتصادم اثنتين من طائرات الهليوكوبتر، ورد عليه الرئيس كارتر بأن “يجهض” الخطة ويعود بقواته، وكذلك فعل الجنرال “ريتشارد بكويث” مع علمه بأن قواته علي الموقع قرب مدينة “يزد” الإيرانية علي طريق طهران تركت وراءها جثث ثمانية جنود قتلوا عندما اصطدمت طائرات الهليوكوبتر ببعضها.

وقيل أمام “مجموعات التشاور” الأوربية ضمن ما قيل: إن الذكري المريرة لتلك التجربة دعت الإدارة الأميركية في الظروف المستجدة إلي استبعاد مغامرة خطف بن لادن، لأن احتمال الفشل فيها (بعد الفشل في توقع ضربة 11 سبتمبر) مما لا يقدر الرئيس “بوش” علي تحمله الآن، وهو لا يستطيع أن يفعل مثلما فعل الرئيس “كارتر” مع الجنرال “بكويث” سنة 1980، ويأمر بإجهاض الخطة لأن مقتضي ذلك يفرض عليه في نفس اللحظة، تخليه عن منصبه، وإلا بدأت إجراءات عزله، لأن الفشل سوف يفتح الباب لتحقيقات مكبوتة بصعوبة ولكنها مؤجلة، وكلها تريد أن تعرف كيف جري ما جري؟ وأين كانت المخابرات الأميركية وماذا فعلت بميزانيتها وهي تزيد علي ثلاثين بليون دولار؟! ثم أين كان الدفاع الجوي عن عاصمة القوة الأعظم الوحيدة في العالم؟! 

وفي ذلك الصدد قيل أيضا “لمجموعات التشاور”: إن الولايات المتحدة اعتذرت لرئيس وزراء إسرائيل عندما عرض استعداد القوات الإسرائيلية الخاصة “لخطف بن لادن” نيابة عن الإدارة الأميركية (والمعني المقصود من العرض أن تدخل إسرائيل عضوا معترفا به شرعيا وعلنيا في الحلف الدولي الذي تقيمه أميركا للحرب ضد الإرهاب). وقد أبدي رئيس وزراء إسرائيل أن “الموساد” لديه خبرة في هذا النوع من العمليات أشهرها خطف ومحاكمة وإعدام “الجنرال” “إيخمان” (المسؤول الأول عن “الهولوكوست” الجحيم الذي تعرض ل”اليهود” تحت الحكم النازي أيام هتلر)، وقد اعتذرت الإدارة الأميركية عن هذا العرض رغم ثقة إسرائيل في فرص نجاحه، لأن لديها بالفعل وعلي الأرض وفي عمق “قندهار” “عناصر” جاهزة. وكان رأي الإدارة الأميركية أن ظهور إسرائيل علي المسرح في هذا الدور وفي هذا التوقيت، وحتي إذا نجحت في المهمة سوف يسبب إحراجا سياسيا واستراتيجيا في العالمين العربي والإسلامي. 

- وكان اعتذار الولايات المتحدة عن هذا “الخيار الإسرائيلي” أهم الأسباب التي دعت “أرييل شارون” رئيس وزراء إسرائيل إلي إلغاء زيارته المقررة للولايات المتحدة واجتماعه المحدد مع الرئيس جورج بوش في شهر أكتوبر ذلك أن “شارون” اعتبر الاعتذار الأميركي (عن توكيل إسرائيل بمهمة خطف بن لادن)، دليلا علي عدم رغبة الولايات المتحدة في الاعتراف بوجود إسرائيل كطرف أصيل في التحالف الدولي الذي يتجمع لمقاومة الإرهاب. وكان رأي شارون أن الحقائق عفت علي زمن كانت واشنطن فيه تخفي شواهد علاقتها الخاصة بتل أبيب عن عيون العواصم العربية، لكن حكومته الآن مصممة علي أداء دورها في العلن، وإذا لم تكن واشنطن تريد إشهار وتوثيق هذه العلاقة فذلك حقها، لكن إسرائيل لن تضع نفسها في موضع تراه أقل مما تستحق بصرف النظر عن قوة العلاقة بين البلدين. 

ثم إن شارون يضايقه أن يكون سبب الاعتذار الأميركي هو “مجرد مساعدة عدد من القادة العرب يريدون “ستر” علاقتهم بالولايات المتحدة، وتسايرهم واشنطن في ذلك بمقولة عدم إحراجهم أمام شعوبهم.

وطبقا لما عرض في “اجتماعات التشاور” الأوربية فقد كان الخيار والبديل الآخر الذي فكرت فيه واشنطن، هو “تكليف تحالف الشمال الأفغاني بالمهمة”، لأن ذلك التحالف المعارض لطالبان والذي كان يخوض الحرب ضدها فعلا من مواقعه التي تراجع إليها في شمال البلاد تحت قيادة أحمد شاه مسعود جاهزعلي الأرض ولديه حوافزه القوية للقتال إذا تلقي ما هو متأخر من طلبات سبق وتقدم بها للإدارة الأميركية، لكن ذلك الخيار البديل استبعد (وقتها)، لأن هذا التحالف “مهزوم في أعماقه” و”ممزق” ولو كان قادرا علي النصر لانتصر لحساب نفسه مع كل المساعدات التي تلقاها من قبل. ثم إن شعور “المهزوم الممزق” لدي هذا التحالف زاد وتكرس، عندما وقع اغتيال قائده العسكري اللامع أحمد شاه مسعود، (وكان اغتياله يوم 8 سبتمبر الأخير أي قبل 11 سبتمبر بيومين أو ثلاثة مما دعا كثيرين الي الربط بين اغتيال أسد بنشير (مسعود) وبين العمليات ضد نيويورك وواشنطن). 

ثم إن زعماء التحالف الشمالي حينما أحسوا أن هناك اتجاها للاعتماد عليهم، بدأوا يزايدون في طلباتهم، ويسابقون بعضهم في الانفراد بما يمكن أن تعطيه الولايات المتحدة الأميركية لمن تعهد إليه بالعملية. 

وكان هناك خيار وبديل رابع ورد ذكره في “اجتماعات التشاور” الأوربية مؤداه: “أنه يمكن الاتفاق مع بعض، أو أحد زعماء القبائل الأفغانية، وضمنها قبائل علمتها الحروب أن تبيع ولاءاتها لكي تتولي هي خطف بن لادن، وكانت وكالة المخابرات المركزية الأميركية تروج لهذا الحل بعدما قالت إنها استكشفت السبل والوسائل لتحقيقه. ولكن الوكالة تقدمت تطلب اعتمادات خرافية، واستأذنت في أَجَلْ للتنفيذ غير محدود بتاريخ معين، ولم يجد الرئيس الأميركي نفسه قادراعلي الصبر، فهو يستطيع توفير الاعتمادات العاجلة، لكنه لا يملك الوقت المفتوح، خصوصا أن الوكالة سبق لها أن خدعته في “زعماء أفغان”، طلبوا الغالي وحصلوا عليه، لكنهم عند التنفيذ تملصوا، وادعوا صعوبة المهمة، وتقدموا بمطالب مالية إضافية، لعل “فرج الله يجيء”. 

والشاهد كذلك قيل إن وكالة المخابرات المركزية الأميركية تورطت “حتي الركب” في أفغانستان وشطحت وشردت الي درجة أن “فريق عمل” من رجالها قضي ستة شهور في وضع تقرير عن “الشذوذ الجنسي” لدي الزعماء الأفغان، وأهمية استخدامه في تطويعهم! وكنموذج “ميداني” أشارت الوكالة الي معركة عنيفة طالت شهورا بين زعيمين حول “غرام” كليهما بصبي “اكتشفه” أولهما، ثم “خطفه” الثاني، وانشغل مكتب وكالة المخابرات الأميركية في “بيشاور” بهذه المعركة أسابيع حتي استطاع تهدئة الخواطر والسيطرة علي العواطف. 

وعلي أية حال، فإن الرئيس الأميركي الذي يعتزم الاستغناء عن خدمات رئيس الوكالة الحالي “جورج تينيت” في أول فرصة تسنح له أراد في ما يظهر إبطال أية حجة للوكالة، فصرح لها باعتماد قدره مليار دولار تصرفها (تحت رقابة نائبه ديك تشيني)،علي أن تأتيه في النهاية بأسامة بن لادن حيا أو ميتا. 

وكذلك فإن هذا الخيار الرابع وُضع تحت الطلب دون عجلة. 

وكان هناك في ما قيل لعلم “اجتماعات التشاور” الأوربية خيار خامس جري استبعاده بعد ساعات ومؤداه: “أنه ليس عسيرا تكليف وحدة خاصة من المخابرات الباكستانية لتنفيذ عملية خطف أو قتل بن لادن دون خوف أن يؤدي ذلك الي حرج للجنرال “برويز مشرف” رئيس باكستان، ذلك أنه مع معلومات متوافرة تقول أن شعب أفغانستان وحتي جماهير طالبان ضاق صدرهم بالمخاطر والمهالك التي سبَّبَها وجود بن لادن علي أرضهم لن يمانعوا إذا خلصهم أحد من “هذه المصيبة”. ثم إنه إذا اقتصرت العمليةعلي “بن لادن وحده”، وإذا لم تقترب من زعماء طالبان، فإن العملية قد تبدو خدمة باكستانية للأمة الأفغانية، وعندئذ يمكن قبولها في باكستان، خصوصا إذا توافقت مع حزمة مساعدات اقتصادية لإسلام آباد، يرافقها ضمان بسلامة المنشآت النووية الباكستانية من ضربة مفاجئة ضدها (من الهند أو من إسرائيل مع اختلاف النوايا والمقاصد بين البلدين)، لكن عرض الفكرة توافق مع قلاقل داخل القيادة العليا الباكستانية اضطر فيها “برويز مشرف” الي إعفاء صديقه ونائبه الجنرال “محمد عزيز خان”، وهو الرجل الذي دبر وقاد الانقلاب العسكري الذي جاء به الي الحكم، بينما هو ما زال في طائرة معلقة به في الأجواء لا تعرف لنفسها مطارا تهبط فيه. 

وكذلك لم يبق بديل غير العمل العسكري الأميركي... ومباشرة!


وكان ختام مناقشات “اجتماعات التشاور” الأوربية، إعلان رئيس الوزراء توني بلير أمام مجلس العموم البريطاني ب: “إن الولايات المتحدة الأميركية لها حق العمل العسكري ضد بن لادن، وحتي إذا لم تقدم أدلة كافية لإدانته “أمام محكمة”، فإن عقابه إجراء عادل في أي وقت قصاصا من أعمال سابقة، دبر لها من قبل مثل تفجير “قاعدة الخُبر” في السعودية، وتفجير المدمرة الأميركية كول في ميناء عدن اليمني! وغيرها. 


- وكان سماعي بذلك في جلسة مجلس العموم، داعيا الي ما قلته بعد ذلك في حديث مع الغارديان (نقلته عنها الايفننغ ستاندارد)، استشهدت فيه بالمثل الصيني الذي يقول “اضرب زوجتك كل يوم علقة، وإذا كنت لا تعرف لذلك سببا، فهي تعرف” مضيفا أن تلك في ما يظهر استراتيجية الحروب الجديدة في القرن الحادي والعشرين!


وفي باريس كان ملخص ما توصلت إليه مجموعة من مستشاري الرئيس شيراك في “قصر الاليزيه”، أن علي فرنسا مهما كان اختلاف تصوراتها السياسية والعسكرية أن تقف مع الولايات المتحدة، وأن تشعرها بالمودة والتكافل، لأن ما حدث “ولو أنه لا يمثل تهديدا حيويا للولايات المتحدة، إلا أنه يواجهها لأول مرة بشعور لا تحب المجتمعات أن تعيش معه وهو الشعور ب “عدم الاطمئنان”. والرأي أن المجتمعات يمكنها أن تواجه تفاقم الأزمات قادرة، وأن تخوض غمار الحروب واثقة، تساندها عوامل قوتها الحقيقية، لكن الخطر وإن لم يرق الي مستوي التهديد أن تشعر المجتمعات ب “عدم الطمأنينة”، وذلك الشعور هو “نصف عصبية الولايات المتحدة الآن”. 

وكان تقدير الخبراء الفرنسيين أن موقف التفهم المتعاطف يتيح لفرنسا في اللحظة المناسبة أن تضع بعض “الفرامل”علي الاندفاع الأميركي الي المجهول. 


- وكان ذلك هو الدور الذي يقال في مقر رئاسة الوزارة البريطانية 01 داوننغ ستريت أن توني بلير يحتفظ به لنفسه. وتقدير معاونيه أن هذا الموقف يبني لرئيس الوزراء شعبية واسعة تتكفل بها “الأضواء الساطعة للإعلام الأميركي”. وهذه الشعبية تستطيع أن تساعده علي الدخول بالاسترليني الي محيط العملة الأوربية الموحدة، وهي خطوة ملحة أوائل 2002، عندما يصبح اليورو وحده عملة أوربا الرسمية كلها. كما أن هذه الشعبية أيضا في تقدير معاوني توني بلير يمكن أن تكون رصيدا مدخرا لحزب العمال في أية انتخابات قادمة. وكل ذلك مطلوب حتي وإن كان طلب “بلير” المباشر الآن هو دور “الفرملة”علي الاندفاع الأميركي. 

لكن الخبراء الفرنسيين ظل رأيهم أن “توني بلير” لن يستطيع أداء دور الفرملة علي الاندفاع الأميركي، لأنه التصق أكثر من اللازم بالسياسة الأميركية، بحيث أصبح امتدادا لها يدور في فلكها ولا ينفصل عنها، فقد تصور أن اقترابه أكثر من اللازم ينفع دوره، ونسي أن الحركة في مدار القوة الأميركية سوف تستوعبه مهما حاول، وبالتالي يصعب عليه أن ينفصل ليكون له موقف مستقل، وإذا فعل فإن محاولة الانفصال بعد زيادة الاتصال الي حد الالتصاق، لا تتم إلا بدرجة من الخلاف يستحيل عليه قبولها. 

وإذن فذلك الدور (الفرامل) محجوز لفرنسا في اللحظة المناسبة. 

********************

الإشارة الثالثة 
مناقشات عن الحرب في أفغانستان وحولها 

لندن: 
-- كان هناك سؤال طرحته علي كثيرين، وفي لندن أكثر من غيرها بسبب قربها الزائد من القرار الأميركي وموجباته. مؤدي السؤال أنه: إذا كان “التشويح السياسي” قد تحول في الحالة الأميركية الي عمل عسكري بالسلاح، فما هو شكل هذا العمل العسكري؟ وما توصيفه؟ وما هدفه؟ 

وقد ضغطت علي هذا السؤال أثناء غداء في بيت الصحفي البريطاني الأشهر “أنتوني سامبسون” (وهو مؤلف عدد كبير من المراجع السياسية المهمة منها “الأخوات السبع”: عن شركات البترول العالمية الكبري و”سوق السلاح”: عن تجارة السلاح في العالم و”لمسة آلهة الذهب”: عن كيف تكونت أكبر الثروات في العالم وأخيرا سيرة حياة “مانديلا” لأن أنتوني سامبسون هو مؤرخه المختار لكتابة قصة حياته). 

وكان ضيوف الغداء جميعا صفوة من العارفين بمكامن السياسة وميادين الحرب. ولم تتوقف المناقشات من الساعة الثانية عشرة ظهرا حتي الثالثة بعد الظهر، وخلاصة المناقشات كما تداعت: 

1 إن هدف التحركات العسكرية الأميركية الأولي قبل بدء العمليات هو التواجد في قواعد الخليج والسعودية وغيرها بشكل “فاعل علي الأرض” يرفع درجة الاستعداد فيها “دون إذن من أحد”، لأن ما حدث في نيويورك وواشنطن يعطي في حد ذاته شرعية تغني واشنطن عن “طلب إذن” من أي طرف. 

وذلك حال يختلف عما كان في حرب الخليج الثانية سنة 1990 1991، ففي حال حرب الخليج كان نزول القوات الأميركية والبريطانية (وغيرها) في السعودية والخليج، يحتاج إذنا من الدول المعنية، ويحتاج غطاءً شرعيا عربيا عاما يسند الأطراف المعنية، لكن الظروف تختلف هذه المرة، فليس هناك من يستطيع أن يعترض، وليس هناك من له حق “أن يأذن أو لا يأذن”. وفي الواقع العملي، فإن الإذن السابق ما زال ساريا وبمقتضاه فإن التواجد العسكري الأميركي في قواعد شبه الجزيرة العربية ما زال فاعلا، وكل ما استجد هو أن الحاجة تدعو الآن الي رفع درجة الاستعداد في هذه القواعد بما يناسب “حالة حرب فعلية”. 

إلي جانب مطلب رفع درجة الاستعداد في القواعد الأميركية في السعودية والخليج فقد كانت هناك حاجة الي انتشار أوسع من شبه الجزيرة العربية، وبحيث يكون في مقدور هذا الانتشار أن يطال أي هدف يراد الوصول إليه، ومرة أخري فإن هذا الانتشار لم يكن يحتاج الي استئذان، فالسوابق قائمة، والغضب الأميركي لما جري في نيويورك وواشنطن يصيب الكل بالفزع، بحيث لا يجرؤ طرف علي مجرد السؤال، حتي إذا خطر السؤال علي باله. 

وكان التقدير في تلك الساعات، أن الانتشار ورفع درجة الاستعداد الي مستوي حالة الحرب، يعطي السلاح الأميركي إمكانية التدخل وفق ما يري صانع القرار الأميركي، سواء لدواعي العمليات علي المسرح الأفغاني أو أي مسرح غيره! 

وأثناء ذلك الوقت فإن تلك الأوضاع في حد ذاتها تحدث أثرا نفسيا يمكن أن تجيء نتائجه أكبر من أي تقدير. 

2 إذا لم تحقق مشاهد الانتشار العسكري هدفها النفسي، وضمنه احتمال أن تقوم طالبان بتسليم بن لادن توقيا لضربة عسكرية أميركية، أو احتمال قيام بعض الحكومات العربية التي تحتفظ بعلاقة خاصة مع طالبان بمسعي مباشر قبل أن يفوت الأوان فما تزال هناك احتمالات لا داعي لاستبعادها. 

وبالفعل فقد جري تداول اقتراح مؤداه أن يقوم وفد من “علماء المسلمين” بالتوجه الي “قندهار”، وإقناع قيادة طالبان الملا عمر نفسه وإقناع أسامة بن لادن شخصيا بأن الوقت قد حان لفداء الأمة الأفغانية والإسلامية من شر مستطير بتضحية رجل واحد (كما همَّ سيدنا إبراهيم أن يفعل بابنه إسماعيل لولا أن فداه الله بذبح عظيم)، وكان لدي بعض هؤلاء العلماء بالفعل شعور بأن المعجزة قد تتكرر، لأن بن لادن من أول لحظة يدفع ببراءته مما حدث في نيويورك وواشنطن، وإذا كان صادقا فإن الصدق قادر علي أن يثبت نفسه أمام محكمة إسلامية ودولية في الوقت نفسه، وكذلك تتحقق معجزة الفداء!. 

3 وإذا لم يتحقق شيء من ذلك كله، فإن الفعل العسكري يستطيع أن يبدأ بضربات من الطيران كاسحة بصواريخ كروز وغيرها من ناقلات الدمار. 

وذلك أيضا يمكن أن يحقق الهدف نفسيا، إذا اقتنع الملا عمر وقيادة طالبان، أن الخطر جد لا هزل فيه، وأن أبواب جهنم التي انفتحت في أجواء أفغانستان ضرر عظيم، يفرض الشرع توقيه ودرأه بكل سبيل، خصوصا إذا كان من يتعرض له لا يملك وسيلة لدفعه عن نفسه أو الرد عليه بمثله، وحينئذ يمكن تسليم بن لادن بمنطق “سد الذرائع” سواء للولايات المتحدة الأميركية أو لدولة إسلامية صديقة (تري في الأمر رأيها). 

إضافة الي ذلك، فإن نار الجحيم الموجهة الي الشعب الأفغاني، يمكن أن تدفعه للتمرد علي حكومة “طالبان”، خصوصا إذا وصل الضرب الي الطرق والجسور القليلة، ومحطات الماء والكهرباء المتهالكة، ومستودعات الغذاء والمؤن الشحيحة، وأيضا الي المزارع المملوكة لزعماء القبائل في المناطق التي لا تزال بها شواهد خضرة من شجر وثمر في الشمال والجنوب وحول العاصمة كابول. 

4 إن بدء الضرب الجوي واشتداده نافع للرأي العام الأميركي علي عدة مستويات لأنه: 

يريحه نفسيا ويشفي غليله. 

ويقنعه بأنه أخذ حقه بيده وتصرف. 

ويشغله عن حساب المسؤولية في ما جري فوق نيويورك وواشنطن علي الأقل بالتأجيل الي ما بعد الحرب (لأن الوطن في الميدان الآن وعلم النجوم يرفرف). 

وذلك بالفعل تحقق ولو للأجل القصير لأن صيحة “الوطنية” دوت زئيرا بدائيا تردد في الولايات المتحدة من الشرق الي الغرب ومن الشمال الي الجنوب حتي لم يعد في مقدور أحد أن يرفع صوته مطالبا “بالمراجعة” كضرورة للتثبت قبل الضرب وكذلك لضمان استمرار التعبئةعلي المدي الطويل. 

وكان أن الإعلام الأميركي سمح وقبل أثقل قيود رقابية وضعت عليه الي درجة أن السيدة “كونداليزا رايس” مستشارة الرئيس للأمن القومي تمكنت من إقناع كل رؤساء تحرير الصحف وقنوات التلفزيون الأميركية في الإرسال الداخلي والخارجي علي السواء بالامتناع عن نشر بيانات بن لادن وطالبان، لأنها تحوي إشارات سرية موجهة الي عملاء كامنين في الولايات المتحدة، تأمرهم بالرموز أن ينفذوا عمليات معينة في أوقات معينة عند سماعهم لألفاظ معينة! 

بل إن الرقابة عبرت المحيط الي بريطانيا، فإذا بمكتب “السير كامبل” مستشار رئيس الوزراء “توني بلير”، يستدعي كبار محرري الصحف والإذاعة والتلفزيون، ويطلب إليهم أن “لا يكونوا أدوات في يد بن لادن، يستعملهم لخططه وهم لا يعرفون”، لأن ما ينقلونه ويذيعونه بحماسة هو في الواقع أوامر منه لأنصاره بالرموز، ومن المزعج أنه حين ارتفعت بعض الأصوات، في “الغارديان” و”الإندبندنت” مثلا، تطرح الأسئلة الضرورية، فإن جريدة مثل “التيمس” شنت عليهم هجوما ضاريا تحت عنوان “أنبياء الشؤم”! 

5 بعد هذه الأهداف العسكرية والنفسية، فقد كان أول تقدير لما يستطيع الضرب الكثيف أن يصنعه علي أرض العمليات يقدِّر أن استهداف المواقع الموجودة وفيها مخابئ وملاجئ بن لادن وزعماء طالبان سوف يرغمهم جميعاعلي الخروج من المخابئ والملاجئ في طلب الأمان، فإذا خرجوا الي الفضاء المكشوف، أمكن لطائرات الاستطلاع من “شكل القوافل” أن تعثر عليهم وتنقَّضْ! 

وكان أول أمر من الجنرال “تومي فرانك” قائد القيادة المركزية الأميركية المسؤولة عن العمليات من مقر قيادته في “تامبا” فلوريدا، هو: 

“أن علينا أن نجعل مخابئهم تضيق عليهم، فإما أن “نفعصهم” داخلها وإما أن يضطروا للخروج الي حيث نستطيع اصطيادهم. علينا كذلك أن نعزل قياداتهم أن يتصلوا للتشاور بينهم والتنسيق، وأن نقطع الاتصال بين القيادة والوحدات، وبين الوحدات وبعضها، وأن ندمر الطرق وشبكات الاتصال حتي يتحول ميدان القتال الي جيوب محاصرة تتم تصفيتها واحدا بعد واحد”! 

وكان الهدف التالي المباشر للضرب الكثيف هو “ردع آخرين” (لا أحد يعرف أين هم؟) عن القيام ب: هجمات انتحارية جديدة أو التفكير في محاولات أخري من نفس النوع، إذا توهموا أن الأضرار التي لحقت بالولايات المتحدة نفسيا وسياسيا واقتصاديا كبيرة الي درجة تبرر لهم تكرار الهجمات بقصد الابتزاز، وهو أسلوب مستعمل علي الساحة الدولية. 

والمنطق هنا أن ضراوة عقاب “الجريمة الأصلية” كفيل بأن يرد آخرين عن ارتكاب مثلها مهما بلغت أوهام هؤلاء الآخرين! 

وبالطبع فقد كان للضرب الكثيف قصد نهائي هو تحقيق النصر، وهنا فإن هناك أسئلة كثيرة طرحت نفسها: عن معني النصر؟ وهل يكفي لتحقيقه إسقاط نظام طالبان وهو ممكن بل وسهل بسبب تفاوت القوة أو أسر بن لادن وقتله، وذلك وارد بل ومحتمل في أجواء أفغانستان، وماذا عن البلد نفسه وهو من عشرات السنين مسرح حروب خاضتها الامبراطوريات من قبل، رغبة في السيطرة علي الموقع الحاكم في وسط جنوب آسيا؟ ثم ماذا عن الشعب الأفغاني وهو منذ أكثر من ربع قرن يعيش في مستنقع دم؟ ثم ماذا؟ وماذا.. أسئلة لا حصر لها! 

وفي ما بدا مع مجري الحوار (علي مائدة “أنتوني سامبسون”)، فإن العمل العسكري الأميركي بعد ابتدائه بالضرب الكثيف حدد لنفسه خططا للأجل القصير وبعده للأجل المتوسط، وعلي ضوء ما يجري علي الأجلين يمتد البصر الي أبعد! 

- وفي الأجل القصير، فإن مقتضي الخطة يكرر ما جري من قبل في معارك البلقان الأخيرة في البوسنة وكوسوفو، وملخصها الاعتماد علي القوات الجوية تغلق الطرق من حول قوات “العدو”، وتحاصر منافذه بدائرة من النار، ليست فيها غير فتحة واحدة تدخلها قوات صديقة علي الأرض تطارد وتطهر وتحتل وتحقق النصر. 

وجري وضع المنطقة الشمالية بالفعل ومركزها “مزار شريف” هدفا للعمليات الافتتاحية، فهذه المنطقة جغرافيا وعرقيا ومصلحة واتصالا في النطاق “الأوزبكي”، وهو “عرق إنساني” يعيش ما بين “جمهورية أوزبكستان” وبين شمال أفغانستان. 

والظن أنه إذا ما زحف جيش يقوده جنرال “أوزبكي” مثل الجنرال “عبد الرشيد دوستم” من الشمال الي الجنوب، فإن منطقة “مزار شريف” سوف تستسلم راضية، ومهما فعلت طالبان (وكذلك كان). 

- وفي الأجل المتوسط فإنه سواء بالقصد أو بمصادفات الظروف، بدأت في الولايات المتحدة حكاية جرثومة “الإنثراكس” والحرب البيولوجية التي تشن علي الشعب الأميركي داخل وطنه، وكانت المبالغات الإعلامية في هذه “الحكاية” متجاوزة للواقع وحتي للخيال. 

وشاع أن ذلك هو التمهيد لنزول قوات أميركية برية علي الأرض في أفغانستان، يسقط فيها ضحايا وتعود جثثهم الي وطنهم في حقائب البلاستيك، وذلك هو الموقف الذي يكرهه الشعب الأميركي، ويخشاه كل رئيس أميركي لكنه إذا تبدي أن أميركا نفسها أصبحت معرضة لحرب بيولوجية داخل أرضها، إذن فإن المواجهة علي الأرض بمثابة قدر مفروض لا مهرب منه أو مفر. 

لكن الشائع راح يتحول الي اتهام بأن حكايات الحرب البيولوجية جاءت تمهيدا للمرحلة المتوسطة من الحرب إذا حان وقتها، وهي تعطي للقيادة السياسية الأميركية خيار توسيع أهداف الحرب، وفي مقدمتها: ضرب العراق. 

والذي يتابع المناقشات الدائرة في دهاليز البيت الأبيض ووزارة الدفاع والكونغرس، والذي يتابع ما ينشره نجوم الإعلام الأميركي، يلفت نظره ذلك التحريض المستميت علي ضرب العراق حتي ليبدو في بعض اللحظات، كأن العراق هدف الحرب الرئيسي، في حين أن أفغانستان مجرد مسرح ثانوي يقتصر دوره علي التمهيد والتهيئة. 

6 وكان رأي عدد من الجالسين حول مائدة الغداء في بيت “أنتوني سامبسون”، أن العمل العسكري الأميركي له فوق أهدافه الإقليمية هدف استراتيجي عالمي هو التأكيد لكل الأطراف في العالم أن الولايات المتحدة تأخذ دورها المهيمن الذي تفردت به بعد انتهاء الحرب الباردة جدَّا، وأنها إذا كانت “القوة الأكبر” في القرن العشرين، فإنها مصممةعلي أن تكون “القوة الأوحد” في القرن الواحد والعشرين. 

وهذه رسالة موجهة الي الجميع: الأصدقاء من قبل الأعداء (إذا كان هناك أعداء علي مستوي الدول). 

7 لحق بذلك رأي يعتقد أن الولايات المتحدة تقوم في ذات الوقت “بتأكيد وتطوير وامتحان” نظرية الحرب الجديدة (الحرب غير المتوازية) ضد أنواع من التهديدات تواجهها، أخطرها “الإرهاب”، ومع أن هذه الحرب الجديدة لا تحتاج الي السلاح وحده، وإنما تحتاج الي أسلحة أخري بجواره أهمها “نظام مخابرات هائل للداخل والخارج”، تشارك فيه الأطراف والقوي في العالم إلا أن هذا النظام العالمي للمخابرات يصعب بناؤه إلا بضغوط علي الجميع ولا بد أن تكون الضغوط “مبررة”، حتي إذا تم إنشاء النظام ونجح في امتحانه، أصبحت “آليته المستقلة” خارج إرادة أية دولة بعينها. 

8 أضاف أحد الخبراء المشاركين في الحوار الي ذلك قوله: 

“إن كل رئيس أميركي يحتاج الي حرب يثبت فيها للكل وللتاريخ أنه زعيم حقيقي علي مستوي الخلود (Posterity). 

وهكذا فإنه في حين أن “بوش” يحلم بأن يكون “جورج واشنطن” “عائدا الي الحياة” فإن “توني بلير” يأمل أن يبدو وكأنه “تشرشل القرن الحادي والعشرين”. 

زيادة علي ذلك فإن كل دولة عظمي تحتاج الي إثبات قدرتها، كما أن كل قوة تحتاج الي تجربة أسلحتها في ميدان حقيقي، ثم إن كل نظرية جديدة في استعمال القوة تحتاج الي إثبات”. 

ومع التسليم مرة أخري بأن الولايات المتحدة الأميركية لا تواجه تهديدا حقيقيا تكون بعده أو لا تكون كما كان الحال مع بريطانيا في الحرب العالمية الثانية إلا أن الولايات المتحدة في حالة عصبية تجعلها تشعر بعض اللحظات بأنها أمام تهديد حقيقي. 

ويمكن ملاحظة أن هناك مدرسة في التفكير تري أن التهديد هو كل حدث يختلف عن الأمر الواقع، وكل مفاجأة تجيءعلي غير انتظار، أي أن الأمر الواقع المألوف والمتوقع هو داعي الطمأنينة، فإذا اختلفت الأمور وإذا وقعت مفاجآت، فالشعور بالتهديد تلقائي (وكان ما حدث في أميركا يوم 11 سبتمبر الأخير أكثر من “أمر مختلف” وأخطر من “مفاجأة وقعت”)! 

وذكرنا واحد من الجالسين حول مائدة الغداء والمشاركين في حوارها، بأنه سمع نقلاً عن الجنرال “ريتشارد ماير” رئيس هيئة أركان الحرب المشتركة للجيش الأميركي قوله: “إن أميركا التي انتصرت في الحرب الباردة عليها أن تجعل الوضع الذي جاء بعدها “سلاما ساخنا” حتي لا تُنسي حقائق القوة في أوقات الصفاء والاسترخاء!” 

وسألني أحد الحاضرين حول مائدة “أنتوني سامبسون”، وهو “ويليام شوكروس” الذي يعتبر من أبرز الخبراء المتخصصين في صراعات آسيا، عن رؤية العالم العربي لما جري (11 سبتمبر)، وقلت: إنها لا تختلف كثيرا عن رؤية العالم كله: انبهار بجسارة المغامرة، واستنكار لعواقبها الإنسانية، وتعاطف ربما لأول مرة مع الولايات المتحدة، علي أن السياسة الأميركية لسوء الحظ لم تترك لهذا الشعور بالتعاطف، فرصة أن يتنامي، وإنما طردته مسرعة بصور الخراب في أفغانستان، والعذاب الذي يعانيه رجالها ونساؤها وأطفالها وبذلك غطت الصور علي الصور، بمعني أن صورة أبراج التجارة في نيويورك وهي تتهاوي تباعدت عن موقع النظر وموضع العاطفة، مع ملاحظة أن الإعلام الأميركي في حالة نيويورك وواشنطن ركز علي مشهد اقتحام الطائرات لبرجي التجارة التوأمين، ولم يركزعلي صور البشر، وأما في أفغانستان فلم تكن هناك ناطحات سحاب تتهاوي كأنها مشاهد أفلام سينمائية مثيرة، وإنما كانت الصور الأظهر والأكبر والأكثر تعبيرا عن المأساة الإنسانية هي صور الجراح والدماء والدموع والموت قتلا لمدنيين عزل لم يحملوا السلاح في حياتهم، ولم يقرأوا طول عمرهم كلمة عن صراعات العقائد والدول في الأزمنة الحديثة. 

ثم عاد “شوكروس” يسألني عن بن لادن، وكان رأيي دون مواربة أن بن لادن “ليس رجلنا”، فلا هو وجه قضايا العرب والإسلام المعاصرة، ولا هو اللسان المعبر عن ضمير الاثنين. 

وفي الواقع فإن كثيرين بين العرب والمسلمين ساورتهم الشكوك من سنين عديدة حول هذا الذي يجري في باكستان باسم “الجهاد” وضد “الإلحاد”. 

وهم في كل الأحوال لم يصنعوا “بن لادن”، أو يكتشفوه وإنما سمعوا باسمه لأول مرة علي لسان الرئيس “بيل كلينتون”، حين وجه الي مواقعه في جبال أفغانستان دفعة من صواريخ كروز صيف 1989، (عقابا علي تفجير سفارتين للولايات المتحدة في عاصمتين أفريقيتين). 

ثم عاد اسم “بن لادن” يترددعلي لسان الرئيس “جورج بوش” منذ ارتفع صوت الرئيس الأميركي لأول مرة مساء 11 سبتمبر، وهو يعلن الحرب عليه!! 

ومن أيامها والإعلام الأميركي والسياسة الأميركية لا تنطق إلا باسم “بن لادن”، وكأن ذلك الرجل الذي قضي صباه وشبابه مقاولا لبناء الطرق، ثم عاش ذلك النوع من الحياة التي يعيشها أقرانه من أبناء الغني السريع في المملكة العربية السعودية، ثم حملته المصادفات الي أفغانستان في ظروف شديدة الالتباس قد حلت فيه فجأة روح “هولاكو” و”هتلر” و”جنكيز خان” و”ستالين” وفي الوقت نفسه! 

ومن أكبر الأخطاء ولعله خطأ متعمد أن يقع الخلط بين الاستنكار العربي للسياسة الأميركية، وبين ترجمة هذا الاستنكار علي أنه الإعجاب ببن لادن. وربما ساعد علي الترويج لهذا الخطأ المتعمد، أن الأمة العربية لا تجد في هذه اللحظة قيادة معترفا بها تتوافر لها المصداقية ولا فكرة جامعة لها طاقة وحيوية أن تلهم وتحرك! 

وهكذا فإنه إذا كان ظهور بن لادن إعلاميا قد بلغ هذه الدرجة فدلالته الحقيقية أن الأزمة العربية وصلت الي القاع، لأن الرجل في جميع أحواله لا يقدر علي دور “البطل” ولا يصلح لدور “الشهيد”! 

زدت علي ذلك أنني في كل ما جري فوق “نيويورك” و”واشنطن”، أستشعر ما تعرض له الشعب الأميركي، خصوصا أنه جاء قاسيا ومدمرا، لكنني أعرف أنه مثل كل الأحزان الإنسانية سوف يبهت من الذاكرة الحية مع الأسابيع والشهور والسنين، لكن قلقي الكبير “الآن” وخوفي الحقيقي علي شيء آخر، أخشي أنه سوف يظل معنا طويلا في الواقع الحي وليس في الذكريات الحزينة وأعني بذلك “فكرة الطيران” ذاتها. فقد كان القرن العشرون “قرن الطيران” بحق، وكانت “الطائرة” التي ربطت الدنيا هي نجم العصر ومحركه ودافعه ووسيلته للتقريب ما بين القارات والأمم والثقافات، وخشيتي الآن هي علي “فكرة الطيران”، لأن الفكرة تعرضت لعدوان صارخ يتعدي ما تعرضت له نيويورك وواشنطن ويتعداه بكثير. 

أضفت أنني أعرف (ولا أوافق) أنه حدث من قبل أن “عربا” (وغير عرب) خطفوا طائرات، واحتجزوا من ركابها رهائن في مقابل طلبات أعلنوها، وكان ذلك خطراعلي الطيران، لكن الخطر كان محصورا. 

وأما هذه المرة، فإن أربع طائرات فيها مئات من الركاب وقع خطفها، ثم قرر الخاطفون تحويلها بما فيها الركاب من البشر رجالا ونساء وأطفالا الي قذائف من النار، وهنا فإن الخطر غير محصور. بمعني أن الخطف واحتجاز الرهائن وتقديم الطلبات كان خطرا علي الطائرات، وأما الذي جري فوق نيويورك وواشنطن، فقد أصاب فكرة الطيران في القلب. 

وعندها فإن “الإرهاب” جاوز فلسفته التي يتعلل بها، فلم يعد “الإرهاب” شخصا مستعدا للتضحية بحياته فداءً لمعتقداته، وإنما أصبح “جريمة” تضحي بحياة آخرين لا شأن لهم بمعتقداته ولا بحياته!. 

********************

الاشارة الرابعة 
مسألة الإرهاب: الأصول والفروع 

أوكسفورد: 
-- لكننا في هذا الموضع عند ضرورة تستحق إشارة مستقلة بذاتها، وأعني بذلك مسألة “الإرهاب”، والحقيقة أن الكلام كثير عن “الإرهاب” الي درجة زاد فيها الخلط حتي تحمل “المصطلح” بأكثر مما يحتمل معناه. وقد وقع في زمن الحرب الباردة وبعدها، أن أساليب تلك الحرب أمسكت بالكثير من المعاني وعبأتها بمقاصد لم تخطرعلي بال “النحاة” ثم حولتها الي قذائف يعاد صهرها بعد كل استعمال، لتتشكل بالسبك من جديد ويُعاد استعمالها، حتي فقد اللفظ في النهاية صلته بالمعني الأول الذي جري صكه للتعبير عن دلالته. 

وفي السنوات الأخيرة، فإن ذلك حدث لتعبير: “الإرهاب” الذي يعتبرونه أهم “الأشكال” الجديدة للصراع علي المستويات المحلية والإقليمية والدولية. 

وربما قلت هنا ودون مقدمات أنني من المعجبين باجتهادات السير “مايكل هوارد” أستاذ علم “الصراع” وما يتصل به من استعمالات القوة في جامعة أوكسفورد، وقد وجدتني زائرا لمكتبه عدة مرات، أسأله وأصغي إليه، وأنقل بصري من حيث يجلس واثقا علي مقعده، إلي المنظر الذي تطل عليه غرفة مكتبه، وهو الساحة الداخلية المفروشة بالعشب الأخضر، تحيط بها مساكن الطلبة القدامي في الجامعة العريقة، وهذه الساحة تبدو من نافذة مكتبه مهيبة بأعمدتها وعقودها من الطراز القوطي بينما المساكن المحيطة تتمدد حول مربع واسع، وفي وسط كل عقد من عقودها، يظهر بين الأعمدة باب قديم لمسكن عتيق عاش فيه طلاب العلم قرنا بعد قرن، وأضافوا به إلي المعرفة الإنسانية طبقة فوق طبقة وصنعوا به ما صنعوه من قيمة لجامعة أوكسفورد، ودورها في بناء الامبراطورية البريطانية، وما بعدها. 

وضمن منهجه في شرح علم الصراع فإن السير “مايكل هوارد” لديه اجتهاد في توصيف الإرهاب يختلف عن النداء الذي يتردد بين وقت وآخر في بعض العواصم العربية باقتراح مؤتمر عالمي علي مستوي القمة لبحث قضية الإرهاب كما يختلف عما يتردد في عواصم عربية أخري بما يعني: أنه لا يصح أن يوصف بالإرهاب، نضال الفلسطينيين من أجل استعادة حقوقهم في وطنهم”. 


-- والواقع أنه بالنسبة لفكرة مؤتمر عالمي لبحث قضية الإرهاب، فإن الموضوع فات أوانه، لأنه قبل عشرين سنة وأكثر دخل الرئيس “رونالد ريغان” إلي البيت الأبيض علي أساس برنامج، تحتل قضية الإرهاب رأس أولوياته، وبالفعل فإن “رونالد ريغان” بعد أن أصبح رئيسا للولايات المتحدة أنشأ لجنة عليا يشرف عليها نائبه “جورج بوش” (الأب) وكان تكليف اللجنة هو قضية الإرهاب، ثم إن هذه اللجنة (سنة 1981) انتهت إلي توصيات وقرارات تم اعتمادها، وبالتوازي مع ذلك قامت الأمم المتحدة علي عهد أمينها العام الأسبق “بيريز دي كويلار” بإحالة موضوع الإرهاب إلي اللجنة السياسية التي خصصت لها مجموعة دولية رفيعة المستوي توصلت إلي صياغة نصوص لحزمة اتفاقيات دولية معروضة الآن أمام مجلس الأمن لإقرارها واعتمادها بواسطة مجتمع الدول. 

يُضاف إلي ذلك إن فكرة مؤتمر دولي للإرهاب طرحت نفسها مرات، وانعقدت بالفعل لهذا الغرض قمة دولية التأمت في “شرم الشيخ” في مصر (مارس سنة 1996)، ومن سوء الحظ أنه تبين في ما بعد أن تلك القمة قُصد منها إنقاذ الفرص الانتخابية ل “شيمون بيريز”، حتي تتأكد له رئاسة الوزارة في إسرائيل، لأنه “حمامة السلام” المرجوة والمهددة بمخالب الصقور المتشددين من كتلة الليكود وغيرها، لكن القمة فشلت في تحقيق غرضها، وسقط “بيريز” ونجح “بنيامين نتانياهو”. 

وأما بالنسبة لما يتردد من أنه لا يصح اعتبار نضال الفلسطينيين من أجل استعادة حقوقهم في وطنهم إرهابا فإن أي توصيف للإرهاب لا يجب حصره في قضية فلسطين أو اقتصاره عليها أو تمييزها به، وإلا أصبح ما يسمونه بالإرهاب حكرا علي قضايا العرب وحدها.


المهم هنا أن ما يذهب إليه مايكل هوارد أستاذ علوم الصراع في جامعة أوكسفورد أبعد وأعمق، والأهم فيه أن الرجل يطرح ما عنده مستندًا إلي “علم”، ثم إنه يقوله واعيا بالتوقيت السياسي الذي يتكلم في إطاره، مدركا لمحاذيره (ثم إن الرجل لم يتحدث به فقط في مجلس خاص، وإنما وكما عرفت بعد عودتي إلي القاهرة فقد تحدث عنه في اجتماع مغلق في كلية الدفاع العليا التابعة لهيئة أركان الحرب البريطانية في لندن) وبالتالي فإن رأي السير “مايكل هوارد” لا يستحق الاحترام فقط لأنه يصدر عن خبير، وإنما استحقاقه للاحترام يتأتي أيضا من أن العلم قادر علي احترام نفسه والترفع علي هوي السياسة. 

وكذلك رحت أصغي لما يقوله أستاذ أوكسفورد العتيد. 

بدأ السير “مايكل هوارد” بملاحظة ملخصها، أنه قرأ تعليقا عن حوادث اقتحام العمارات بالطائرات، جاء فيه وصف العمل بأنه “كان جبانا”، وهو يري أن ذلك الوصف أبعد ما يكون عن الحقيقة، “فما حدث يصعب أن يكون فاعله جبانا”، ولو أن التعليق وصف الفاعل “بأنه مجنون، لوافق علي الوصف”. 

أي أن ما جري يوم 11 سبتمبر لم يقم به “الجبن” وإنما قام به “الجنون”! 

ثم يقول السير “مايكل هوارد”: “إن الجنون يمكن أن يكون من أعمال الإرهاب، وهنا فإنه لابد من توصيف “الإرهاب”. 

ورأي السير “مايكل هوارد” أن “الإرهاب” ليس “جريمة” بالمعني العادي للجريمة، لأنه لا توجد علاقة معرفة “شخصية” بين الجاني والمجني عليه، كما أنه لا توجد مصلحة “مباشرة” بين فاعل الإرهاب وضحيته، وعليه فإن الإرهاب “فعل عام” وليس “فعلا خاصا” وهنا اختلافه عن الجريمة. 

و”الإرهاب” لم ينشأ الآن فقط مع نشاط الفلسطينيين أو الأيرلنديين (تلك أمثلته)، وإنما نشأ من زمن طويل، ثم أصبح ظاهرة “سياسية” بشكل واضح في القرن الماضي، حين أصبح نوعا من أنواع الثورة A sort of Revolution))، لجأت إليه شعوب أو جماعات مقهورة كانت الحرب مستحيلة عليها بسبب ضعف وسائلها، وكانت الثورة غير ممكنة لها بسبب جبروت حكامها، والنتيجة أن هذه الشعوب والجماعات أقدمت علي “أعمال يأس” لم تجد أمامها غيرها، وقد لجأت إليها قابلة بدفع ثمنها وهو حياة منفذيها في كل المرات وأمن تنظيماتهم في بعضها”. 

وكذلك فإن الروس مارسوا الإرهاب ضد الدولة القيصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. 

والأرمن مارسوا “الإرهاب” ضد الدولة العثمانية بعد ذلك. 

والمصريون والأيرلنديون والهنود مارسوا “الإرهاب” ضد الامبراطورية البريطانية في النصف الأول من القرن العشرين. 

وإليهود مارسوا الإرهاب ضد الإنجليز. والفلسطينيون مارسوا الإرهاب ضد إسرائيل. 

يستطرد السير مايكل هوارد: 

“ليس الموضوع أنني أوافق أو لا أوافق علي ما فعله هؤلاء الناس في سبيل ما تصوروا من وجهة نظرهم أنه المتاح أمامهم للتعبير عن مطالب اجتماعية أو سياسية أو وطنية، ومهما كانت تكاليفها عليهم وعلي غيرهم وإنما الموضوع أن نحاول فهم ما يقصده هؤلاء الناس بأفعالهم: 

- هؤلاء الناس أولا يريدون الإعلان عن أنفسهم أو عن قضايا يريدون إشهارها بقوة الفعل الذي أقدموا عليه. 

- وهم ثانيا يريدون تأكيد تصميمهم علي القتال في سبيل ما يريدون مهما كانت التضحية. 

- وهم ثالثا وبعنف الفعل يظنون أنهم يوجهون إلي الخصم القوي ضربة الخصم الضعيف تأتيه مفاجأة علي غير توقع وتجعله يعيش بعد ذلك رهينة لوساوس القلق! 

- وهم رابعا وهذه هي النقطة الأهم يقصدون إلي دفع الطرف الآخر (دولة أو نظاما) إلي اتخاذ إجراءات قمع قاسية واسعة النطاق تثير جماهير شعوبهم ضدهم لأن إجراءات القمع والقسوة تضغط علي ضمائر جماهير هذه الشعوب! 

يستطرد السير “مايكل هوارد”: 

في المحصلة فإن الإرهاب معركة تقصد إلي إعلان التحدي لوضع قائم عن طريق استفزازه، بحيث يندفع هذا الوضع القائم بكل سلطته للضرب والقمع إلي ما لا نهاية، وتكون زيادة عنف السلطة مؤدية في العادة إلي النفور منها، وحينئذ يشعر القائم بالعمل “الإرهابي” أنه حقق غرضه، لأن الناس تعاطفوا معه، حتي وإن لم يتعاطفوا مع قضيته. 

- بدا لي رأي “مايكل هوارد” معقولا، وبدا لي أن ما نراه الآن تصديق عليه، فليس هناك كما أظن تعاطف “عربي” أو “إسلامي” عام مع طالبان أو مع “أسامة بن لادن”، لكني أظن أن قوة العنف الأميركي: بحملة من الكراهية أولا دون دليل ثم بالسلاح بعدها دون مشروعية ثم بالضرب فورا دون تمييز، خلقت ردة فعل مناهضة علي نحو ما للولايات المتحدة، متعاطفة علي نحو ما مع شعب أفغانستان، ثم تداخلت الصور فوق الأرض المخضبة بالدم! 

ومع أنه لا يصح لأحد أن يخالجه شك في أن القوة الأميركية قادرة علي أن تهدم كل حائط في أفغانستان، وأن تحرق كل كهف في جبالها، وأن تمزق حركة طالبان إرباً، وأن تأسر بن لادن في النهاية أو تقتله، فإن “الإرهاب” لسوء الحظ فاز في المعركة وفقا لمقاييس السير “مايكل هوارد”: 

ذلك أن الإرهاب حقق أهدافه المطلوبة: فهو قد أعلن عن نفسه وأكد تصميمه ووجه ضربة بالمفاجأة (إذا كان حقا أنه هو الذي وجهها أو هو وحده!)، والنتيجة أن الولايات المتحدة وقعت في فخ الاستفزاز واستعملت عنف القوة بأكثر مما هو لازم. 

وكذلك فإن “بن لادن” قد يصبح بطلا بالرغم عنه، وشهيدا بمحض مصادفة.

- وربما أضفت إلي كلام السير مايكل هوارد أنه إذا كان الإرهاب ثورة اليأس ضد القوة، فإن عصر العولمة نقل الظاهرة من حدود الأوطان إلي اتساع القارات، بحيث يمكن القول بأن معظم أزمات زمننا الراهن وعقده الفكرية والنفسية، وكذلك معظم حركات التمرد فيه والعصيان، هي بمثابة نوع من الحرب أو نوع من الثورة يقوم بها قاع العالم ضد قمته.

- خطر لي أيضا أنه إذا كان “الإرهاب” يفوز عندما ينجح في دفع الأقوياء إلي الاستفزاز، ويكون ردهم عليه بأقصي درجات العنف فإن الإرهاب يخسر إذا استطاعت القوة أن تضبط أعصابها وتواجه الاستفزاز بحكمة العقل متمثلة في حكم القانون، ونموذج “حكمة العقل” مشهور في التجربة الأميركية نفسها، حين أقدم “تيموثي ماكفي” وهو يميني مجنون علي نسف عمارة ضخمة في مدينة “أوكلاهوما”، ضاع فيها من أرواح الأميركيين أكثر مما ضاع في حرب الخليج! 

ففي حالة أوكلاهوما جري تجنب الاستفزاز، ورغم أن “ماكفي” ثبتت عليه التهمة واعترف علي عكس “بن لادن” الذي لم يثبت عليه شيء ولم يعترف فإن المحاكمة استمرت خمس سنوات كاملة، حتي دفع “ماكفي” حياته ثمنا لفعلته الإرهابية، ومد يده أولا لحقنة مخدرة تهدئ أعصابه، وبعدها لحقنة ثانية حملته إلي الموت بالسم المميت! 

والظن أن الشعب الأميركي حين رفض الاستفزاز في حالة “ماكفي”، هزم الإرهاب الداخلي الأميركي، لأنه حجب عن الإرهاب مطلبه الأساسي. أي أن المجتمع الأميركي قَبِلَ التحدي ورفض الاستفزاز، ولم يندفع إلي عنف القوة، وإنما أخذ بيده حكمة القوة: أي القانون. 

وفي المحصلة، فإن حكم القانون يقدر علي تحجيم الإرهاب وحصره. في حين أن عنف القوة يخلط ما بين الإرهاب وقضيته، ويجعل “النموذج” ملتبسا “بالفعل”، ومن ثم يصبح الإرهاب والإرهابي تيارا يجدد نفسه وفعله زماناً بعد زمان وصفًا بعد صف. 

********************

الاشارة الخامسة 
التحالف الدولي الجديد: أنواعه ودرجاته 

روما: 
-- من العالم العربي لا تظهر صورة التحالف الدولي الذي يخوض الحرب الجديدة جلية أو محددة، لكن الصورة تختلف إذا وقع النظر إليها من إحدي العواصم الأوربية المطلعة، خصوصا تلك التي تعرف دورها بذكاء وتتصرف إزاءه بحذر، وذلك هو الحال في العاصمة الإيطالية “روما”، ولعله تأثير قراءة ودراسة أستاذ علوم السياسة الأكبر “نيكولو ماكيافيللي”. 

والحاصل أن صورة التحالف الدولي الجديد ظهرت من العالم العربي مهزوزة ومشوشة، لأن الخطوط والمساحات لم تتطابق في الواقع مع ما تهيأت له التوقعات، وكان الذي جري لبعض الأطراف أن مجرد الكلام عن تحالف دولي جديد في أفغانستان سنة 2001، استدعي إلي ذاكرتهم تحالفا دوليا سبقه إلي إدارة الحرب في الخليج قبل عشر سنوات (1991). 

لكن التاريخ (مرة أخري) لا يكرر نفسه ولا تتدفق أمواجه في ذات المجري مرتين. 

-- وكان التحالف الدولي الذي خاض حرب الخليج سنة 1991 تحالفا غربيا عربيا بالدرجة الأولي، وكانت العلاقة التي ربطت الطرفين فيه: الغربي والعربي أو الأميركي والعربي بالتحديد علاقة متوازنة علي نحو معين، وفي حين أن الطرف الغربي بحكم الحقائق كان يملك وسائل القوة، فإن الطرف العربي بحكم الظروف كان يملك غطاء المشروعية، خصوصا أن مطالب الحرب اقتضت نزول قوات أميركية علي نطاق واسع ومكشوف فوق أرض يعتبرها المسلمون مقدسة، وكانت الأسرة الحاكمة في السعودية هي التي طلبت الغطاء العربي الإسلامي حتي تتحمل نزول قوات أجنبية علي ثري هذه الأرض المقدسة، وكان الغطاء المطلوب مصريا سوريا وزيادة علي ذلك عربيا وإسلاميا بأوسع ما هو ممكن. وذلك تحقق وبه توازنت عناصر القوة مع مطالب المشروعية. وبدا أن هناك نوعا من التكافؤ بين الطرفين، وكذلك نوعا من التوافق، ظهر تأثيرهما علي قرار وقف العمليات البرية ضد العراق، والداعي أن بعض الأطراف العربية المشاركة في الحرب وجدت أنه وقد تم إخراج القوات العراقية من الكويت، فإنها لم تعد راغبة ولا قادرة علي تحمل الضغوط الشعبية وإلا بان وانكشف أمام الكل أن الهدف هو تدمير العراق وليس تحرير الكويت. 

وبالفعل فإن الرئيس “جورج بوش” الأب اتصل أيامها بالجنرال “كولين باول” رئيس هيئة أركان الحرب المشتركة يستطلع رأيه، وكان رأي “باول” ورأي غيره من أقطاب الإدارة أن “القتال يمكن أن يتوقف الآن”، وذلك ما حصل وإن تكشف بعده أن القتال توقف لكن الحرب علي العراق استمرت بوسائل أخري تعمل علي تدمير البلد وشعبه بغير أن تسبب حرجا يحسب علي أطراف التحالف من العرب. ثم كان أن الولايات المتحدة قدمت أو ساعدت علي تقديم بعض المكافآت إلي هذه الأطراف العربية، لكنها أحالت بقية الحساب يصفيه العرب بينهم وبين بعضهم، وهنا ظهرت الفكرة “التعيسة” لما سمي ب: “ميثاق دمشق” والقصد منه أن يدفع الخليج بقية “فاتورة المشروعية” التي وفرتها الأطراف العربية للقوة الأميركية وكأن الميثاق تجارة في الحماية! 

ولسوء الحظ هذه المرة فإن بعض العواصم العربية عندما سمعت كلمة “التحالف” تتردد مرة أخري بعد أكثر من عشر سنوات، قاست اللاحق علي السابق. 

ولم يكن القياس سليما وكذلك لم تتطابق الخطوط والمساحات بين المنتظر والمتحقق، والنتيجة أن الصورة الجديدة بدت للناظرين إليها من بعض العرب مستغربة، وربما أن ذلك هو الذي أوجد أسبابا لسوء الفهم في المرحلة الأولي من حرب أفغانستان، وأوقع مظاهر للارتباك في التصرفات ما زالت بقاياها محسوسة إلي الآن. 

وفي الغالب أنه غاب عن بعض الأطراف العربية وهي تتابع المجري الجديد للحوادث، أن التيار هذه المرة مختلف، بل إن حساب جميع العناصر هذه المرة بعيد عن حساب المرة السابقة: 

- فليس هناك إذن مطلوب من أحد (لأن الولايات المتحدة موجودة بالفعل حيث يهمها). 

- وليست هناك مشروعية يستطيع طرف أن يمنحها (لأن ما جري في نيويورك وواشنطن يعطي للقوة الأميركية حق أن ترد بالعقاب دون أن يعترض أحد). 

- وبالتالي فإن الإذن غير مطلوب عربيا والمشروعية هذه المرة أميركية (وإذن فليست هناك مساواة بين الأطراف). 

- وبالتالي ليست هناك فوائد يحصل عليها أحد بل العكس فهناك ضرائب مستحقة علي الجميع (وهذه الضرائب تدفع حين تطلب وليس هناك “تراضٍ” يمكن التوصل إليه بين الممول وبين المحصل)! 

وكانت تلك “مداخل” التحالف الدولي الجديد هذه المرة ومفاتيحه! 

وفي روما وفي غيرها من العواصم الأوربية شمال البحر الأبيض تبين صورة التحالف الدولي الجديد دون تناقض بين الخطوط والمساحات. وفي هذه الصورة تظهر معالم رئيسية يُستحسن فهمها وإلا استمر خطأ الحساب وتراكمت عواقبه. 

وأهم ما يتكشف بمطالعة الصورة من الموقع الأوربي أنه ليس هناك تحالف واحد، وإنما هناك جملة تحالفات، ثم إن التحالفات أصناف: 

- فهناك تحالف دول وهناك تحالف مهام وهناك تحالف توقيت. 

يترتب علي ذلك أن داخل كل نوع من هذه الأنواع من التحالف درجات واحدة بعد الأخري. 

-- ففي الدرجة الأولي من تحالف الدول توجد: بريطانيا وحدها، والذي وضع بريطانيا في هذه الدرجة بمفردها هو إحساسها برباط المصلحة، وإيمانها بالعلاقة التي تربط مجتمع الناطقين باللغة الإنجليزية مما يجعل هذه العلاقة شراكة قوة ونفوذ، وكان ظن رئيس وزراء بريطانيا “توني بلير” أنه حين يعطي للولايات المتحدة بغير شروط، فإن الولايات المتحدة سوف تعطي بريطانيا بغير حدود، خصوصا في الوزن السياسي. 

-- وفي الدرجة الثانية من تحالف الدول توجد روسيا والصين، وتلك حقيقة أوضاع دولية تفرض علي الولايات المتحدة وعلي روسيا والصين أن يكون بينها حجم من التفاهم يكفي ليصنع أرضية مأمونة للحركة. ذلك أنه حين تقدم قوة عظمي حتي ولو كانت القوة الأميركية علي العمل المسلح بالقرب من حدود أو تخوم قوة عظمي ثانية، فإن كل نقطة يجب أن تكون في مكانها، لأن الأوضاع لا تحتمل أن يدوس طرف علي قدم طرف آخر، أي أن أي عمل أميركي مسلح في أفغانستان لابد له من رضا روسي وصيني حتي ولو كان الرضا بالسكوت. 

ثم إن روسيا كانت متشوقة لتحصيل ديون قديمة وجديدة، بينها أن لها ثأرا مع “المجاهدين الأفغان القدامي” ومع “ثوار طالبان المحدثين”، فكلاهما اعتبر الحرب مع الاتحاد السوفياتي السابق (روسيا) واجبا مقدسا، يجاهد في سبيله (بتوجيه وكالة المخابرات المركزية الأميركية وتمويلها)، والآن وقد وقعت الواقعة بين “المجاهدين” “قديما وحديثا”، وبين السياسة الأميركية، فإن روسيا يسعدها أن تحل لحظة الحساب، وأن يكون عقاب الأفغان بسلاح الأميركيين! 

إلي جانب ذلك فإن “روسيا” يهمها أن تفهم الجمهوريات السوفياتية السابقة في الجنوب (أوزبكستان وتركمانستان وطاجكستان وغيرها) أن مسارعتها إلي إعلان الاستقلال عن الاتحاد السوفياتي (روسيا) بمقولة أن لهذه الجمهوريات هوية إسلامية خاصة تجذبها دائما نحو الجنوب مغامرة ثبت فشلها، والآن لعل هذه الجمهوريات تتعلم وتفهم أن مستقبلها الحقيقي في الشمال (مع روسيا) وليس في الجنوب (مع وسط آسيا المحاصر بالتخلف وبالجيوش الغازية أيضا!). 

وأخيرا فإن روسيا تري أن الضرب في أفغانستان رسالة للتمرد في الشيشان، وهو تمرد تسللت إليه ولا زالت تتسلل عناصر من “المجاهدين”! العرب والمسلمين تطوعوا للقتال في معركة لا يعرفون دخائلها علي أرض لا يعرفون معالمها. 

وكذلك أصبحت روسيا بقدر من الشراكة قابل للاتساع حليفا لأميركا شرطه الرئيسي أن لا يتم في المستقبل إجراء سياسي أو اقتصادي (بشأن موارد وسط آسيا من النفط وغيره)، إلا بعد التشاور معه والاتفاق. 

- وبالنسبة للصين كانت المصلحة واضحة: فهي لا تريد أن تترك أميركا لروسيا وحدها ولا تريد تسوية أمور وسط آسيا في غيبتها، ولا تريد للهند أن تصبح القوة الغالبة في شبه القارة الهندية، إذا سقطت باكستان في بحور الفوضي بسبب ضغوط العمليات العسكرية علي التركيبة الباكستانية (عرقية دينية ثقافية سياسية واقتصادية). 

مضافا إلي ذلك، فإن الصين كانت في دهشة من نشاط “جهادي” إسلامي موجه من أفغانستان إلي منطقة “جيانغ جانغ” وهي علي السفح الآخر من جبال الهملايا، وفيها قرابة مئة مليون مسلم في المقاطعات الغربية للصين لديهم مشكلات اجتماعية واقتصادية مع الحكومة المركزية في “بكين”، ويريد “المجاهدون” لهم نظاما إسلاميا علي طريقة “طالبان”! 

-- في الدرجة الثالثة من تحالف الدول تجيء باكستان ومجموعة دول الخليج، وأهمية هذه الدول ترجع إلي أن أراضيها هي ذاتها القواعد التي تشن منها الحرب، وكان يمكن أن تكون هذه المجموعة من الدول في مكان الدرجة الأولي، لكن الدرجات لا تقاس علي أساس “الحاجة عند الاستعمال”، ولكن علي أساس “القدرة الذاتية للأطراف في المنح وفي المنع”. 

ذلك أن باكستان ولو أنها المسرح المتقدم في قيادة وتوجيه العمليات، وقاعدة ارتكازها الضرورية إلا أنها جاءت إلي دورها مجبرة، ممزقة بين مشاعر أهلها وبين ضرورات أمنها الوطني وهي كثيرة، وأولها سلامة النظام الحاكم وثانيها المحافظة علي الإمكانية النووية لباكستان وهي حتي الآن إمكانية وليدة معرضة للإجهاض أكثر مما هي قادرة علي الردع (وتلك أخطر مراحل أي مشروع نووي إذ تكون أعباؤه وتكاليفه قد دفعت لكن قدرته علي الردع لم تكتمل بعد، وبالتالي يصبح المشروع في هذه الفترة من عمره نقطة ضعف أكثر منه عامل قوة). 

ونفس الحساب إلي حد ما ينطبق علي مجموعة الخليج، ذلك أن القوات الأميركية موجودة علي الأرض، والقواعد علي هذه الأرض تعمل، وليس هناك من يستطيع أن يعترض، وإذا اعترض بالكلام، فحرية العمل لا تحجر عليها الكلمات ما دام فعل الاعتراض معطلا بالعجز علي الأقل. 


-- وفي هذا المجال ظهر أن هناك فعلا واحدا يقتضي إذنا، لأنه طلب يوفر لوكالة المخابرات المركزية الأميركية “إمكانيات” و”تسهيلات خاصة” تتيح لها مراقبة موسم الحج هذا العام. 

ذلك أن الوكالة عرفت من مصادرها (هكذا قالت!) أن عددا من القادة غير الظاهرين للإرهاب وأعوانا لهم من مختلف المراكز تواعدوا علي لقاء في مواقع الحج ووسط مناسكه ليبحثوا سياساتهم وخططهم في المرحلة القادمة، ووكالة المخابرات المركزية تظن أن تلك فرصة لا يصح أن تفوت عليها لترصد وتتابع، خصوصا أن زعماء الإرهاب ومساعديهم سوف يخلعون ستائر الحذر عندما يخلعون ملابسهم ويستبدلونها بملابس الإحرام، وهنا يمكن التقاطهم جماعة وبالجملة. والواضح أن واشنطن طلبت، لكنه ليس واضحا بعد أي رد تلقَّتْ.


إلي جانب ذلك فإن مجموعة الخليج في وسعها أن تدفع بعض التكاليف، وسوف تدفع رغم الأزمة الاقتصادية الناشئة عن انخفاض أسعار البترول من قبل الحرب وبعدها. 

وأخيرا بصدد تحالف الدول فإن البقية بعد ذلك حبات عقد لا ينتظمها حبل، ولكن كل واحدة منها يجري التقاطها حين يجيء دورها! 

هناك بعد ذلك تحالف المهام، والمهام بالطبيعة موكلة بدول، لكن المقصود في هذا السياق أن التحالف مع هذه الدول يجيء في إطار عمل محدد في مرحلة محددة من هذه المواجهة الدائرة الآن، وحتي إذا كانت علاقة الولايات المتحدة السابقة بهذه الدول ببعضها علاقة أوسع من المواجهة الحالية، فإن التحالف مع “هذه الدول” هو في هذه اللحظة مهام مطلوبة هنا والآن. 

ولعل ذلك ما عبر عنه وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد حين قام بتحديد الفوارق بين تحالف حرب الخليج سنة 1991 وبين تحالف حرب أفغانستان، وكذلك قال رامسفيلد: 

“في المرة الماضية كان “أطراف التحالف” هم الذين يحددون “مهام الحرب”، وأما هذه المرة فإن “مهام الحرب” هي التي تحدد “أطراف التحالف”“! 

- وفي “تحالف المهام” فإن الدولة التي تتصدر القائمة هي “تركيا”، وتركيا تمارس المهام الموكولة إليها الآن فعلا علي ساحة الأزمة: 

وفيها أن تركيا قريبة من وسط آسيا، كما أن لها صلات وثيقة مع أفغانستان، أهمها القرب الجغرافي وأظهرها تأثر محاولة الإصلاح الأفغاني في العصر الحديث بحركة “كمال أتاتورك”، إلي درجة أن أحد ملوك أفغانستان وهو “أمان الله خان” جرب في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، تقليد أتاتورك في فرض لبس القبعة علي الرؤوس بدلا من العمامة، لكن التجربة كانت متجاوزة للحقائق الأفغانية وأولها الحقيقة الثقافية. 

يلي ذلك أن تركيا قاعدة عسكرية قريبة من الجوار، وأن هيئة أركان حرب الجيش التركي تعتبر أن أفغانستان واقعة في نطاق الأمن الإقليمي التركي، ومع جوار أفغانستان لجمهوريات جنوب الاتحاد السوفياتي السابق (تركمانستان وطاجكستان وأوزبكستان وحتي كازاخستان) وهي في الطموح التركي منطقة نفوذ يتعين حجزها لها فإن تركيا تري لنفسها دورا ومجالا، وبالفعل فإن تركيا تحركت في هذا الاتجاه عقب سقوط الاتحاد السوفياتي ثم واصلت الحركة حتي الآن، (ولسوء الحظ بتعاون وتنسيق في معظم الأحيان مع إسرائيل)! 

هناك أيضا أن تركيا لديها تجربة في محاولات إقامة دول تنفك من رباط دول قديمة بدعاوي عرقية ودينية، ومن ذلك فقد تمكن القادة العسكريون من الأتراك من إقناع “حليفهم” الأميركي بأن تجربتهم في ضرب وحصر حزب العمال الكردستاني تصلح درسا يستحق النظر والاعتبار، وقد وجدوا أوجه شبه بين الرفيق “عبد الله أوجلان” الكردي والملا “محمد عمر” الطالباني، وكذلك فإن هناك الآن مع القوات الأميركية العاملة ضد قوات تحالف الشمال الأفغاني وحدات تركية تقدم الخبرة في التدريب وتشارك عمليا علي الأرض! 

والمطلب مقابل ذلك أن تركيا لديها حلم “نائم” أو في الحقيقة حلمان آن لهما أن يستيقظا: 

أولهما “حلم” أن تعترف سوريا تحت “ضغوط ما” بأن قضاء الاسكندرونة (الذي تنازلت عنه فرنسا لتركيا أيام الامبراطورية) قد أصبح شرعيا ونهائيا ولاية تركية. 

والثاني حلم ولاية “الموصل” التي تأمل تركيا في سلخها عن العراق العربي لكي تصبح هي الأخري ولاية تركية، لأن أنقرة ما زالت تتهم الحكومة البريطانية بالعمل علي ضم الموصل إلي العراق الخاضع لها ساعة تصفية دولة الخلافة العثمانية تلك الأيام. وتشير تلك الدعاوي التركية إلي أنه كان هناك بند في الميزانية التركية تحت عنوان “الموصل” ظل مطبوعا في كل مشروع ميزانية حتي عهد إدارة الرئيس “تورغوت أوزال”. 

- إلي جانب تركيا يجيء الدور “في تحالف المهام” علي مصر ومعها عدد آخر من الدول العربية (ضمنها السلطة الوطنية الفلسطينية)، وأول المطلوب من هؤلاء علي المشاع معلومات مخابرات، فهذه الدول كلها اقتربت علي نحو أو آخر مما جري في أفغانستان وبعضها شارك مشاركة فعلية في إنشاء ما يسمي ب “الجهاد الأفغاني”، وبعضها الآخر كان الداعم الرئيسي لحركة “طالبان”. 

وقد كان الجميع علي استعداد لتقديم معلومات المخابرات بما في ذلك بعض الدول التي كان يصعب تصورها في إطار مثل هذه المهام (وبينها سوريا والسودان وليبيا وغيرها). 

لكنه إذا كانت معلومات المخابرات هي البند الأول في مهام هذه المجموعة، فإن المهمة الأكثر حساسية هي “إبعاد” القضية الفلسطينية وتفاعلاتها عن الحرب في أفغانستان وتطوراتها، وهنا فإن الدول العربية خصوصا مصر والأردن مطالبة بالعمل علي وقف العنف في فلسطين (دون تحديد لمصدر العنف وسببه)! كما أنها مطالبة بالعمل علي استئناف المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين (دون أن يكون هناك مشروع معقول يمكن التفاوض عليه) وهي أيضا مطالبة بضبط التصعيد الإعلامي وما يثيره من أجواء نفسية معادية لإسرائيل وللولايات المتحدة وللسلام (دون مراعاة لأسباب الاستفزاز الداعية إلي هذا التصعيد). 

وأخيرا فإن هذه المجموعة من الدول مطلوب منها أن تقدم خدمات وتسهيلات لصالح العمل العسكري الأميركي، وقد حاول الكثيرون إخفاء ما سمحوا به أو سكتوا عليه وأغمضوا عيونهم. 

لكن الحقائق لا تقبل غطاء الشادور الأسود الذي فرضته طالبان علي نساء أفغانستان، وبالتالي فإن الحقائق تفضل السفور، وسفورها يسبب الكثير من أسباب الحرج. 

وبرغم ذلك فإن العرب ليست لهم قوائم طلبات “غالية” في مقابل ما يقدمونه متحمسين أو ما يفرض عليهم ويسبب لهم الحرج، والأغلب أن الطلب العربي الأساسي: هو السلامة أولا. 

- وفي تحالف “المهام” أيضا فإن هناك دورا للهند، و”مهمة الهند” ثنائية: إزاء الصين من ناحية وإزاء باكستان من ناحية أخري، فظهور الهند في التحالف من شأنه المساعدة علي تثبيت موقف الصين، وعلي الناحية الأخري فإن مجرد ظل الهند يفرض علي النظام في باكستان كبت مشاعره وقمع جماهيره، كما أن شبح الهند قادر علي تحديد وضبط حركة الجيش الباكستاني، ومنع وقوع انقلاب مفاجئ في إسلام آباد يؤثر علي مسرح العمليات في أفغانستان! 

وتنتظر الهند من ظهورها بمهمة في التحالف مكاسب تسعي لها: 

أولها تحجيم قدرة باكستان العسكرية والنووية بالذات، وكانت باكستان من قبل مستنزفة بأحوالها السياسية والاقتصادية، والآن زاد علي هذه الأحوال عبء جديد يضاف إلي أثقال قديمة. 

والمكسب الثاني للهند هو أن باكستان المنهكة سوف تكون أبعد عن “كشمير” بمسافة أو مسافتين عما كانت. 

والمكسب الثالث أن ضرب “منهج طالبان” ومدارسها سوف يضعف عناصر تنتمي إلي المنهج والمدرسة تطوعت ل “الجهاد” فوق قمم الهمالايا (منطقة كارجيل) ضد الهند (التي تعبد الأصنام في رأيهم)! 

أخيرا في أنواع لتحالفات وبعد تحالف الدول وبعد تحالف المهام يجيء “تحالف التوقيت”، وهو تحالف لحظة معينة حتي وإن طالت عليها الأسابيع والشهور، وضمن هذا التحالف في التوقيت فقد لا يكون مطلوبا من الأطراف أحيانا ما هو أكثر من مجرد تحييد نفسها، أي اتخاذ موقف الانتظار وترك الأمور تجري في مساراتها. 

وربما أن “إيران” هي أهم الأطراف في هذا التحالف السلبي في أدائه والإيجابي في تأثيره، ذلك أن إيران حتي بالسكوت عنصر ضاغط الي أبعد الحدود علي حركة طالبان بحكم حدود مشتركة تملك فيها إيران بالتداخل السكاني وبوحدة المذهب الشيعي نفاذا عميقا في منطقة وسط أفغانستان. 

والشاهد أنه إذا كان يمكن تقسيم أفغانستان الي ثلاث مناطق إثنية، فإن المنطقة الشمالية أوزبكية طاجيكية، والمنطقة الوسطي فارسية شيعية، والمنطقة الجنوبية باشتونية ممتدة الي عمق باكستان. 


-وأتذكر أن صديقا عزيزا بادرني عندما قابلني في لندن قبل سنوات بقوله: 

“لماذا لا تذهب لكي تري طالبان، إنك رأيت وكتبت عن قيام الثورة الإسلامية “الشيعية”، والآن واجبك أن تري وتكتب عن الثورة الإسلامية السنية في أفغانستان (يقصد حركة طالبان)!”. 

ولم أتحمس، وكان يكفيني أن أسمع بما جري للتعليم وقد تحول كله الي كتاتيب للحفظ والترديد والرجال وقد فُرِضَ عليهم طول اللحي مع العمائم والجلابيب والنساء وقد دخلن سجن الشادور الأسود والفنون وقد صودرت كلها كلمةً ورسماً وصوتاً وصورةً والأطفال وقد حُرِّمَ عليهم حتي اللعب بطائرات الورق، كأنه يُراد إقعاد أحلامهم علي الأرض لا تفارقها. 

مع ملاحظة أن أعداء طالبان ليسوا أفضل منها ولا أكثر استنارةً ولا أوسع عقلاً!. والحقيقة أن انتقال أفغانستان من حكم طالبان الي حكم التحالف الشمالي هو رحلة من كابوس الي كابوس!


علي أن الطرف الأهم في تحالف التوقيت هو أوروبا ألمانيا وفرنسا وإيطاليا أساسا ثم بعيدا عن أوربا: كندا وأستراليا. 

والشاهد أن هذه الدول بدرجات متفاوتة هي في الواقع نصف شريك، لكن استدعاء دولة بقضها وقضيضها الي كل موقف تفريط في القوة لا تدعو إليه ضرورة، وأفضل منه توزيع الأدوار علي المواقع المناسبة من مجري الصراع. 

وتقدر الولايات المتحدة وهي تدير عملية التحالف، دولا أو مهام أو توقيتات، أن بعض أصدقائها لهم رؤي ومصالح وحتي ثقافة، يمكن أن تكون مغايرة، وأن من العقل والعدل معا أن تترك لكل منهم هامش حركة يشغله كما يختار، ثم يقع استدعاء كل منهم لمهام التوقيت حين يكون الدور عليه. 

(وذلك هو موضع دول أوربية كبري مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا). 

ويلاحظ أن هذا الهامش من المرونة يتسع ويضيق حسب تطورات الحوادث، ومن الملحوظ أن واشنطن تريده أقرب الي الضيق منه الي الاتساع، فهي بالنسبة لأوروبا تريد حلفاء ولا تريد شركاء، وهي تعتقد أن فرنسا علي وجه التحديد تبحث لنفسها عن ساحة أوسع تتحرك فيها. 

وفي لقاء بوش وشيراك في واشنطن كان الاحتكاك بين دور الحليف ودور الشريك ملحوظا، وعلي سبيل المثال فإنه حين قال الرئيس جورج بوش: “إن التحالف مع الولايات المتحدة هو البديل الوحيد للتحالف علي الإرهاب” لم يستطع شيراك أن يمنع نفسه عن الرد بقوله: “نحن نحارب الإرهاب بمقتضي قرار من مجلس الأمن يمثل إرادة المجتمع الدولي”. 

وحين حاول الرئيس شيراك أن يلفت نظر الرئيس بوش الي أهمية تحريك قضية السلام في الشرق الأوسط، حتي يرفع العالم العربي والإسلامي تحفظه علي الحرب ضد الإرهاب في أفغانستان، كان رد بوش بحدة: 

“إنه سوف يواصل معركة أفغانستان ضمن حربه علي الإرهاب سواء تحركت قضية السلام في الشرق الأوسط أو توقفت”! 

وأضاف الرئيس الأميركي: “إنه إذا تصور بعضهم أنهم يستطيعون المقايضة “واحدة بواحدة” هنا فإن تصورهم سوف يخيب”. 

وحين ألح شيراك تنازل الرئيس الأميركي خطوة بقولِهِ: “إن أسلافه من رؤساء أميركا كانوا يتحفظون علي قيام أوروبا بدور في أزمة الشرق الأوسط، وأما هو فليست لديه الآن تحفظات وهو لا يمانع أن تقوم أوروبا ببعض الجهود ل”تليين” مواقف الأطراف العربية!”. 


-- وفي هذا السياق فإن الرئيس بوش رفض أن يتضمن خطابه أمام الجمعية العامة شيئا عن أزمة الشرق الأوسط فيما خلا عبارة وردت فيها إشارة الي “دولة فلسطينية”، وإزاء رجاء وإلحاح عربي ودولي وعد بوش أن وزير خارجيته كولن باول “سيعرض بالتفصيل أمام الجمعية العامة ما اختصره الرئيس في خطابه”! 

ثم قيل بعد أيام إن كولن باول لن يتحدث أمام الجمعية العامة (لأن خطاب الرئيس يكفي) ولذلك فإن حديثه سوف تكون له مناسبة أخري قريبة. وبعد أيام أعلن أن وزير الخارجية الأميركي سوف يتحدث باستفاضة عن أزمة الشرق الأوسط وأن حديثه سوف يكون في جامعة “لويفيل” (وهي الجامعة المحلية لولاية “كنتكي” الشهيرة بمزارع الدواجن). 

ثم تواردت من واشنطن معلومات “رسمية”: 

- أن كولن باول لن يتقدم في خطابه بمقترحات أو صياغات أو أفكار جديدة “لأن تلك مسؤولية أطراف النزاع أنفسهم”! 

- أن السيدة كونداليزا رايس أبلغت وزير الخارجية أثناء إعداد مشروع خطابه أن “الرئيس” لا يرغب في كتابة عبارات “تثير غضب الإسرائيليين أو تثير شكوكهم”. 

- أن علي وزير الخارجية “أن يأخذ في علمه” أن الرئيس سوف يبعث بنسخة من خطاب وزير خارجيته الي رئيس وزراء إسرائيل مسبقا، ولهذا فإن الأفضل توخي الحذر من البداية. 

- أنه بما أن الحكومة الإسرائيلية سوف تقوم بتسريب خبر اطلاعها مسبقا علي الخطاب فقد يكون ملائما إطلاع بعض أعضاء وفد التفاوض الفلسطيني علي نص خطاب “باول” مع إبلاغهم أنها “للاطلاع” فقط! 

- أن نسخة الخطاب التي وصلت الي رئيس الوزراء الإسرائيلي عادت وعليها ستة تحفظات واقتراحات بتعديلات أخذ بها جميعا حذفا وإضافة! 

وعندما ألقي “كولن باول” خطابه في النهاية كان المزعج وبحق! أن عددا من العواصم الأوروبية تحفظت عليه لكن عددا من العواصم العربية رحبت به!


ولم تكن واشنطن سعيدة بما ترامي إليها عن اجتماع عدد من كبار قادة أوروبا (وفيهم شيراك وشرودر وبلير وبرلسكوني)، وقد جلسوا علي عشاء في بيت رئيس الوزراء البريطاني، وتحول حديث السهرة بينهم الي “شيء” من نميمة تهمس بأن الولايات المتحدة تحاول “الهيمنة علي الحاضر لكي تتسلط علي المستقبل”. 

لكن النميمة محصورة، لأن لأوروبا وأميركا في النهاية مصلحة متقاربة، وإلي سنوات طويلة قادمة، ومع ذلك وتحسبا لمستقبل بعيد، فإن الولايات المتحدة تفضل أن تكون مع الدول الأوروبية الكبري ضمن “تحالف توقيت” تلك حدودها الآن! 

والغالب أن أهمية التحالف الأوروبي سوف تزيد في المراحل القادمة من الصراع، وخصوصا إذا تقرر توسيع مسرح العمليات في أفغانستان الي ما وراءه وإلي ما حوله، ثم امتدت ألسنة النار الي مواقع لها في الأوضاع الراهنة حساسية خاصة مثل العراق، (يتبعه جنوب لبنان، والسودان، واليمن، وليبيا، والصومال، وربما غيرها). 

والمشكلة أن التوجيه الاستراتيجي الموجه من البيت الأبيض الي القيادة المركزية الأميركية التي يتولاها الجنرال “تومي فرانكس” وهو القائد المسؤول عن العمليات في الشرق الأوسط! وضمنها أفغانستان توجيه مفتوح كأنه تفويض علي بياض. 

وقد استمعت بنفسي الي الجنرال “فرانكس” وهو يقول: 

“ليس هناك موقع مقصود بذاته، وليس هناك موقع مستبعد من الأصل، لأن التوجيه الرئاسي الصادر إليَّ بتحديد الهدف الاستراتيجي للعمليات هو بالنص: 

“عليك أن تعثر علي وتقوم بتدمير قواعد ومواقع وخطوط شبكة الإرهاب العالمي والقوي التي تساعده علي أن تكون البداية ب: “تنظيم القاعدة ونظام طالبان”“. 

والتوجيه بهذا النص مطلق في الطول والعرض وممتد في الزمن الي بعيد، ومع الزمن مواقع ونتائج، لها تداعياتها وبعد التداعيات مسؤوليات وترتيبات. 

وفي هذه الأنواع والمستويات من التحالفات (الدول والمهام والتوقيتات)، فإن البيت الأبيض في واشنطن هو مقر القيادة العليا. 

هناك أولا يجري “الفرز” لكي يتحدد “من يصلح” ومن “لا يصلح”، ومن “المستعد” ومن “المتردد”، ومن “الجاهز” ومن الذي “يستحق التجهيز”؟ 

ومن هناك يكون القطع النهائي ب: “من”؟ و”كيف”؟ و”متي”؟ 

ومن هناك تتقرر مستويات التعامل مع كل طرف طبقا لما يستحق. 

وفي هذا الصدد قام نائب الرئيس “ديك تشيني” بعملية تقييم للأحجام والأوزان، فقال لزائر عربي كبير المقام ما معناه: 

“بعض الناس يكبرون في الأزمات وبعضهم يصغرون: الجنرال “برويز مشرف” (رئيس باكستان) كبر في هذه الأزمة وطالت قامته، كذلك “أجاويد” (رئيس وزراء تركيا) وإلي حد ما فإن “خاتمي” (رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران) أصبح أكبر”. 

********************

الاشارة السادسة 
أين العرب؟ وأين إسرائيل؟ 

لندن: 
-- وهناك سؤالان هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة: 

- السؤال الأول: أين إسرائيل في خريطة هذه التحالفات المتعددة الأنواع والمستويات: من “تحالفات الدول” الي “تحالفات المهام” الي “تحالفات التوقيت”؟! 

- والسؤال الثاني: لماذا تلوح الآن في العلاقات العربية الأميركية بغير مقتضي حقيقي أو واضح علامات علي سوء فهم تسري فيه “برودة شتاء” قبل أن يجيء موسم الشتاء الطبيعي في الإقليم؟ 

والإجابة عن السؤال الأول هي أن: “إسرائيل حليف مشارك بنصيب في جميع أنواع التحالفات التي توظفها الولايات المتحدة الأميركية في الأزمة الحالية أي: تحالف الدول وتحالف المهام وتحالف التوقيت. 

وقد سمعت وسمع معي الصديق الأخضر الإبراهيمي (وزير خارجية الجزائر الأسبق، ومساعد وممثل السكرتير العام للأمم المتحدة في أزمة أفغانستان حاليا) سمعنا نحن الاثنين معا في نفس “المقام” في ذات العاصمة الأوربية من يقول: 

“لتكن الأمور واضحة: 

إسرائيل صديق وحليف، ونحن نسلم أنها حليف متعب ومشاكس لكنها حليف، وهي حليف قادر، يستطيع أن يعتمد علي نفسه في تحقيق مطالبه (ومطالب أصدقائه)”. 

وعلي الناحية الأخري: 

“فإن العرب أصدقاء، لكنهم ليسوا حلفاء ونحن نسلم أنهم صديق طيب ومريح لكنه صديق لا يستطيع أن يعتمد علي نفسه في تحقيق مطالبه (ويطلب من غيره أن يحققها له)”! 

- وبهذه الإجابة الصريحة يظهر وجها العملة في السؤالين: وجه عليه نقش يحدد قيمته وقوته ظاهرة وواضحة بحيث لا يقع عليها خلاف والوجه الآخر عليه صورة تذكارية لا تستطيع وحدها أن تشتري شيئا، ثم إنها مثل كل الصور تحتمل النظر إليها من كل الزوايا، ومن كل زاوية موقع نظر.

ويستطرد القائل: “لا يعرف العرب أن الولايات المتحدة لها سياسة هي التي ترسمها، وأن لهذه السياسة أولويات لا يحددها الآخرون”! 

وسألت القائل ولم يسأله غيري :”إذا كانت الأطراف العربية صديقا، وصديقا له قيمته ولو بالرمز بصرف النظر عن أي شيء آخر، فما هو السبب في برودة الشتاء تسابق الفصول في التأثير علي أجواء العلاقات بين الولايات المتحدة وأصدقائها العرب”، وكان ملخص الرد علي هذا السؤال: 

“في واشنطن وبصفة عامة وفي الظروف العادية قدروا موقف أصدقائهم العرب، لكن طلبات هؤلاء الأصدقاء زادت عن حدها: معظمهم لهم طلب مستمر طول الوقت من الولايات المتحدة بأن تضغط علي إسرائيل ولا تفعل شيئا آخر، وكأن السياسة الأميركية في المنطقة وظيفة يمكن اختزالها في: “مواصلة الضغط علي إسرائيل”.” 

“وفي الأزمة الراهنة: أضاف الأصدقاء العرب الي طلباتهم من واشنطن نداءات إضافية: نداء بعدم توسيع نطاق العمليات خارج أفغانستان، ونداء بتقصير مدة الضرب في أفغانستان، وأخيرا نداء بوقف الضرب في شهر رمضان”، (ولعلها رحمة للجميع أن نظام طالبان تبعثر فعلا مع رؤية هلال رمضان!). 

أضاف القائل: “وأسوأ من ذلك فإن النداءات العلنية الي الولايات المتحدة تمثل نصف الحقيقة: فلم يكن كل أصدقائنا العرب يطالبون بقصر نطاق العمليات علي أفغانستان، لأن بعضهم كان ومازال يلمح الي أنها فرصة متاحة لإنهاء ما بقي معلقا بعد حرب الخليج، محرضا علي “أن نظام صدام حسين أخطر من نظام طالبان”!. ثم إن الذين نادوا بتقصير مدة الضرب، كانت نصيحتهم تكثيف الضرب بحيث تنتهي المهمة بسرعة. وأما عن وقف الضرب في شهر رمضان، فإن واشنطن أبلغت الجميع عندكم “أنهم شنوا حربا في شهر رمضان، بل وأسموها في أدبياتهم حرب رمضان”. 

ولحسن الحظ فإن التطورات رفعت الحرج عن الكل وأوقفت الإلحاح علي وقف الضرب في الشهر الفضيل!

ويواصل القائل كلامه: 

“لقد سمحت واشنطن لبعض الأطراف العربية بأن يعلنوا علي الملأ آراء ومواقف مخالفة لما تسمعه منهم في الاجتماعات المغلقة، وكان ذلك عن تقدير لعلاقة هؤلاء الأطراف مع شعوبهم. لكننا الآن في ظرف لا يحتمل هذه الدرجة من المرونة، وهي في رأيهم ميوعة. 

وربما تتذكر “أنهم” في إسرائيل يقولون للناس كل شيء وهذا يطمئن، لكنه علي الجانب العربي لا يعرف الناس عما يجري إلا أقل القليل”. 

والخاتمة في قول القائل: 

“إنه لا يستطيع أن يكون صادقا مع الآخرين من لا يستطيع أن يكون صادقا مع أهله، ولعلم الجميع فإن الحكومة الأميركية لم تطلب من أي طرف عربي شيئا إلا واستجاب للطلب بالكامل. 

ومع ذلك راح بعض العرب يقولون إنهم “تحفظوا” و”رفضوا” و”منعوا”، وكل ذلك يَخصم من أرصدة الصديق العربي، ويخصم من بند مهم فيه، وهو بند الثقة بالنفس والاستناد عند التصرف الي شرعية معترف بها من الكل، مقبولة في تعبيرها عنهم، بما لا يضطرهم الي التغطية علي “التصرف” بالإخفاء أو بالتمويه!”. 

والكلمة الأخيرة في القول: 

“هناك نقطة لا يعطيها الساسة العرب قدرها من الاهتمام مع أنها ظاهرة أمام كل زائر للبيت الأبيض أو راصد للأجواء فيه، هذه النقطة هي أن “الرئيس” يستعد من الآن لانتخابات المدة الثانية لرئاسته”. 

والمسألة شديدة التعقيد: 

من الأصل كان الرئيس “بوش” ومعه كبار مساعديه ومستشاريه يأملون تحقيق إنجاز كبير يتأكد لهم به رصيد من الأصوات أعلي، بحيث يوفر للرئاسة الثانية أغلبية واضحة، ولا يكرر ما جري في انتخابات المدة الأولي، حين تعلق النجاح والفشل بمئات من الأصوات تفرز ويعاد فرزها بالطعون لستة أسابيع كاملة. 

لكن حوادث 11 أيلول/ سبتمبر قذفت الي البيت الأبيض بكارثة يثق الرئيس وكذلك معاونوه بأنها سوف تكون المحور الذي تدور عليه معركة سنة 2004 التي تبدأ عمليا سنة 2002 بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس وبعدها مباشرة حملة الرئاسة. 

و”التقصير” في توقع ما جري يوم 11 أيلول/ سبتمبر والفشل الأمني والعسكري في توقّيه، سوف يطرح نفسه. والحزب الديموقراطي الآن بالفعل تسبقه المراكز التابعة له يسعي الي جمع البيانات، ويسجل، ويحلل لمعركة انتخابية سوف تدور علي “صياغة جديدة” للسياسة وللدفاع للسنوات المقبلة من هذا القرن. 

في مواجهة مثل هذه الأخطار الانتخابية علي المدة الرئاسية الثانية للرئيس “بوش” فإن استراتيجيته واضحة الآن: 

1 الخط الأول فيها هو التغطية علي يوم 11 ايلول/ سبتمبر بانتصارات ضخمة يصعب علي المعارضة إنكارها. 

2 وذلك يعني أن تكون أفغانستان التي وقعت عليها مسؤولية “تنظيم القاعدة” عن 11 أيلول/ سبتمبر دواءً أو شفاءً لما أحست به الولايات المتحدة في ذلك اليوم. 

3 وذلك يعني تسوية حساب أفغانستان بما يجعل الميزان متعادلا: ضربة إزاء ضربة لكن الرئيس “بوش” يتطلع الي ما هو أكثر يريد ما يكفي من الانتصارات حتي يميل الميزان لصالحه علي نحو لا يقبل تشكيكا أو “إعادة فرز” للأوراق. 

4 ومن حسن الحظ أن المواقع التي تركزت عليها حملات الكراهية الأميركية كلها “مرهقة ومنهكة” ولذلك فإن الانتصار عليها بأقل التكاليف يعطي “بوش” أمام الرأي العام الأميركي صورة “السوبر مان” القادر علي المعجزات وهو ذاهب إليها لا ينتظر أحدا. 

وهنا فإن أمام الساسة العرب في علاقتهم مع البيت الأبيض مرحلة صعبة: لا تحاسب أحدا علي ما فعله أو لم يفعله ما قاله أو لم يقله في معركة أفغانستان، ولكن التعامل مع كل طرف سوف يكون علي أساس ما فعله أو لم يفعله ما قاله أو لم يقله مما يساعد علي زيادة فرص الرئيس الأميركي في انتخابات المدة الرئاسية الثانية. 

وأسرة بوش باختصار لا تريد لابنها أن يدخل التاريخ مثل والده “رئيس ولاية واحدة”، وإنما تريده الأسرة رئيس ولايتين علي الأقل مثل “بيل كلينتون”! 

وهذا هو مأزق أميركا وأصدقائها العرب “هذا الشتاء” (الملتهب). 

ومع ذلك فإن مناخ العلاقات العربية الأميركية ينزل في برودته أحيانا درجة الصقيع. 


-- وقد حدث مع السيد ياسر عرفات أنه كان مطروحا من عدة شهور احتمال عقد لقاء بينه وبين الرئيس جورج بوش في البيت الأبيض بمناسبة زيارة “عرفات” للولايات المتحدة لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان المفروض أن يكون اللقاء تعبيرا عن معني التزام الرئيس الأميركي بما أعلن عنه من اهتمام بالصراع العربي الإسرائيلي، حتي وصل (كما قال) الي التفكير في تقديم مشروع تسوية أميركي كان ينوي إعلانه قبل 11 أيلول/ سبتمبر. 

لكن الرئيس الأميركي في لحظة صقيع سياسي، رأي إلغاء اجتماعه في البيت الأبيض مع رئيس السلطة الوطنية، وحين بدا أن بعض الدول العربية محرجة من إلغاء اجتماع البيت الأبيض المقترح بين بوش وعرفات، وأنها كانت تتمناه ولو كمجاملة تشيع بعض الدفء في الأجواء أشار المندوب الأميركي الدائم الي أنه يمكن للرئيس بوش أن يلتقي بالرئيس عرفات لقاء “مصادفات” في ممرات الأمم المتحدة حين دخول وخروج الرئيس الأميركي ووقوفه بضع دقائق مع عدد من رؤساء الوفود. 

و”لقاءات المصادفات” أسلوب يمارس بالتمهيد والتوافق، والغرض منه أن يكون حلا وسطا بين لقاء “بالشكل” وبين اجتماع “للموضوع”. 

وكان أن أحد رؤساء الوفود العربية أراد أن يتأكد أن “لقاء المصادفات” بين بوش وعرفات له مناسبة علي خريطة زيارة الرئيس الأميركي للأمم المتحدة، حتي لا يحدث خطأ يمكن حسبانه إهانة مقصودة، لكن الوفد الأميركي رفض أن يعطي التأكيد المطلوب، وكان رد رئيسه: “إن التحديد بالتأكيد علي خريطة تواجد الرئيس بوش في مبني الأمم المتحدة يرقي الي مرتبة تحديد موعد، وهذا غير مطروح، ولذلك فإن المصادفات يستحسن تركها للمصادفات”.

وهنا رأي ياسر عرفات، تجنبا للإحراج أن يؤجل زيارته لنيويورك يوما واحدا يكون الرئيس “بوش” قد زار فيه الأمم المتحدة وألقي خطابه في الجمعية العامة وعاد الي واشنطن!. 

********************

الاشارة السابعة 
ظلام فوق ظلام في أفغانستان 

لندن: 
-- إن ما سموه ب: “الحرب في أفغانستان” قارب نهايته، لكن البركان سوف يواصل الفوران، وصحيح أن طالبان تبعثرت، لكن طالبان ما تزال حية، وما تزال طرفا في الاقتتال الأهلي والتناحر الطائفي والقبلي، الذي نزل ظلاما فوق ظلام علي أفغانستان، علي أن مشكلة طالبان في كل أحوالها أنها طرف لا يمكن رؤية حساباته، لأن كل حساب لابد له من قواعد يقاس عليها في زمنه. وقد عاشت طالبان حتي الآن خارج الزمن وليس مؤكدا إذا كانت الكارثة التي حلت بها سوف تعلمها حسابه، وإذا حدث فأمام طالبان أربعة احتمالات: 

- احتمال أن يري أصحابها أن فرصتهم ضاعت ومن ثم فإنه الوقوع في الأسر أو الانعطاف الي النسيان. 

- أو احتمال مواصلة المقاومة عن طريق حرب عصابات تساعد عليها طبيعة أفغانستان الوعرة، وميزة حرب العصابات أنها تحرر طالبان من مسؤولية “المدن” وهي حصار للحركة وارتهان لمطالب كتل ضخمة من السكان في مدن مثل “مزار شريف” و”كابول” و”جلال أباد”، علي أن المتفق عليه أن حرب العصابات لا تؤثر إذا لم يكن وراءها حجم واسع من التأييد الشعبي وفي الغالب فإن ذلك ليس متوافرا لطالبان ولا حتي في مركز قوتها الرئيسي وهو إقليم “قندهار” وسكانه من “البشتون”. 

- والاحتمال الثالث أن تعاود طالبان تأهيل نفسها للاشتراك في ائتلاف حزبي أفغاني، والمأزق أن الأطراف المرشحين لهذا التحالف الحزبي، غاصوا جميعا في مستنقع الوحل والدم بحيث لا يستطيع أحد منهم إنقاذ نفسه أو إنقاذ أفغانستان. 

- والاحتمال الرابع أمام طالبان هو “الكمون” في انتظار أن يتورط غيرهم من أطراف التحالف الشمالي في تدمير بعضهم بعضا فيقوم “رباني” (الطاجيكي) بمحاولة تصفية “حكمتيار” (البشتوني)، أو يقوم الجنرال “عبد الرشيد دوستم” (الأوزبكي) بالانقضاض علي غيره من أمراء الحرب والعلماء والمشايخ، أو أن ينجح الملك السابق “ظاهر شاه” في إزاحة الجميع ليجد نفسه أمام أفغانستان لم يعرفها من قبل رغم أنه جلس علي عرشها أكثر من أربعين سنة!. 

وكانت مرحلة ما بعد طالبان هي سؤالي طوال أربع ساعات متواصلة قضيتها في حوار مع الصديق “الأخضر الإبراهيمي” وهو المكلف باعتباره مساعد الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض بقرار من مجلس الأمن بترتيب مستقبل أفغانستان في مرحلة ما بعد طالبان. 

كان الأخضر قادما من باريس ليوم واحد في لندن (قضي صباحه في مقر رئاسة الوزارة البريطانية)، وكان علي الطريق الي نيويورك يقدم أول تقرير الي السكرتير العام للأمم المتحدة ليعرضه علي مجلس الأمن. 

وتقابلنا في الساعة السابعة بعد الظهر وافترقنا في الحادية عشرة قبل منتصف الليل. 

وكان الأخضر وهو رجل بطبيعته متفائل مثقلا طوال ذلك النهار مهموما يتحسب للعمل الذي ينتظره في أفغانستان في مناخ وخضم أزمة خبرها قبل خمس سنوات حين سقطت “حكومة المجاهدين” في كابول، وزحفت “قوات طالبان” تقيم دولتها إمارة المؤمنين هناك! 

وقال الأخضر في سياق كلامنا الطويل، إنه عندما كُلِّف بالمهمة بادئ الأمر كان تكليفه: “تأمين المعونة الإنسانية للسكان الأفغان ثم محاولة إنشاء ائتلاف داخلي بين القوي والزعماء يحكم أفغانستان ولو لمرحلة انتقالية”. 

وكان تقديره من أول لحظة أن التكليف شبه مستحيل، فهو في الجانب الإنساني من مهمته يعرف حجم “الشُحْ” في الإمدادات مقابل “وفرة” في عدد المحتاجين وبينهم ستة ملايين لاجئ ومع أنه شديد الثقة بفريقه الذي يعمل معه في هذا المجال علي الأرض فعلا، فإن الأمر يحتاج الي تخصيص مئتي باخرة، ومئة طائرة، وخمسة آلاف شاحنة تعمل كلها ليل نهار حتي يمكن تجنب “حالة مجاعة” حقيقية وليست مجازية. 

وهو يدرك مقدما أن مجتمع الدول غير مستعد لمثل ذلك الجهد الكثيف مع وجود احتياجات إنسانية كبيرة للمعونة في مناطق أخري من العالم غير أفغانستان. 

وعلي الجانب السياسي من هذه المهمة فهو يعرف زعماء أفغانستان، ويدرك عمق ما بينهم من أحقاد وثارات، لكنه يصلي عسي أن تكون سنوات طالبان قد علمتهم شيئا. 

وبرغم أثقال هذين التكليفين الإنساني والسياسي، فإنه (الأخضر) وجد أن هناك مهمة أخري مطلوبة منه وهي: 

“العمل علي بناء نوع من نظام الدولة في أفغانستان”. 

وهنا يقول الأخضر: “وجدت أن ما هو مطلوب مني ليس “شبه مستحيل” وإنما هو “المعجزة وزيادة”. 

والمعجزة أمامها فرصة فقط إذا أمكن التزام بعض المبادئ: 

أولها: أن أي حل للأزمة لابد أن يكون أفغانيا، حتي يُكتب له الاستمرار بعد توقف النيران. 

وثانيها: تقدير أن الدمار الذي حل بأفغانستان دمار ليس له شبيه نعرفه في التاريخ الحديث، فالبلد من الأصل فقير ومعزول، والحرب الأهلية ربع قرن دون توقف لم تترك له شيئا يبني عليه. 

وثالثها: أن مشكلة حفظ الأمن حتي يمكن البدء في أي بناء مشكلة مخيفة، لأن البلد ألف نار السلاح في يده وتعود سيل الدم أمام عينيه. 

ورابعها: أن إقامة نظام دولة أو شبه نظام ليس مسألة كتابة تقارير، وإنما مسألة إرادة أفغانية تعمل بتجرد ! وإرادة دولية تساعد بسخاء. 

وخامسها: تعاون صادق من دول الجوار الأفغاني وأولها باكستان وإيران. 

ويستطرد الأخضر: 

“اتفقنا السكرتير العام للأمم المتحدة وأنا علي أن أهم ضمانة للنجاح إذا كانت هناك فرصة أن يظل دور الأمم المتحدة في أفغانستان مدعوما بتأييد القوي العظمي وخصوصا الولايات المتحدة ودون تردد أو فتور”. 

وهو يتذكر أنه في الأزمة الأفغانية الماضية قبل خمس سنوات وحين تعثرت الأزمة علي الأرض تفرقت القوي العظمي واختفت سريعا وراء الأفق الأفغاني. 

وهذه المرة لا يجب أن يتكرر ما جري قبلها. 

هناك أيضا أننا نريد أن نضع مسافة بين دور الأمم المتحدة في أفغانستان وبين الأدوار السياسية للقوي العظمي وحتي لغيرها! 

سألت الأخضر: هل ذلك ممكن؟ 

وجاء رده: “لابد أن يكون ممكنا، والحقيقة أنني قبل أيام كنت في البيت الأبيض مع أحد المستشارين الكبار فيه ودخل علينا نائب الرئيس “ديك تشيني” وجلس معنا لنصف ساعة، وطرحت أمامه مخاوفي، وقد أبدي تفهما لضرورة أن يكون عمل الأمم المتحدة في أفغانستان متجاوزا للمطالب السريعة والمناورات السياسية “للدول”. 


وقاربت الساعة منتصف الليل وخرجنا من حيث كنا في حديثنا الطويل الي رصيف شارع “ابيوري”، ووقفنا وكل منا ينتظر سيارته تحمله الي حيث يقيم. وكان مطر لندن حفيا بزوارها حتي في هذه الساعة من الليل، وفجأة سألني الأخضر بلهجته الجزائرية: “غول لي يا خوي”؟ ورددت نفس كلماته باللهجة المصرية بصفة الجواب: “قل لي يا أخي” واستكمل الأخضر سؤاله: 

“ماذا فعلنا بالأمة العربية، وقضاياها، وحاضرها ومستقبلها؟!”. 

وقلت وكانت سياراتنا قد وصلت الي حافة رصيف شارع “ابيوري”: 

“هل تريد السهر هذه الليلة حتي الفجر؟!”. 

وأجدني استغرقت كل المساحة المخصصة لهذا الحديث، وتعطلت أمام الإشارات، لم أصل بعدها الي الموضوع الذي قصدته من البداية، وهو القول المأثور عن الرئيس “دوايت أيزنهاور” والذي لخص فيه تجربة حياته بقوله “إن السياسات الطيبة لا تضمن النجاح أكيدا، ولكن السياسات السيئة تضمن الفشل محققا”! 

وذلك يعني أن للحديث بقية.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic