محطات نقدية في مشروع قانون البلديات

إميل الحايك

  الكاتب:

النهـار

  المصدر:

14 كانون أول - ديسمبر 2001

  تاريخ النشر:

 


     يأخذ القانون جذوره من الواقع، بمقدار ما يكون هذا الواقع جلياً في ذهن المشترع، يصيب القانون الهدف، ونجني الغاية منه في العدالة والمنافع. 

من هنا كان لا بد لكل قانون من أسباب موجبة في أساسه أسباب مبررات له، أسباب مدركة واقعية عملية وعلمية معاً، مستقاة ممن خبروا الواقع وخبروا النصوص، وإلا جاء مماثلاً لقصيدة شعر منثور طاش معها السهم. 

موضوعنا هو مشروع قانون البلديات الذي اقره مجلس الوزراء وهو في طريقه إلى المصادقة عليه لدى مجلس النواب، لاغياً لقانون البلديات الحالي الرقم
118/.77 

يأخذ مشروع هذا القانون بمعظم الخطوط الواردة في القانون الحالي لكنه يتجاسر ويطيح اصولا جوهرية سابقة يستبدلها بما هو أسوأ بما لا يستقيم قانونا ولا منطقاً مبعثراً الصلاحيات يميناً ويساراً، انزل عن المهم منها على ما هو نافر فيها على أن اترك النقاط الاخرى لمقام آخر لم يسعه هذا المجال، عارضاً الأسباب في النقاط الاتية : 

أولاً: في اخطار النقاط المهمة المجتزأة من الرقابات الإدارية 

1 - هناك قرارات مهمة تتخذها البلديات لا يصح أن تتفرد بها خارج موافقة السلطات العليا، اغفل هذا القانون عن إخضاعها للرقابة وكانت قائمة باستمرار عبر القوانين السابقة نظراً الى دقتها، وهي : 

- قرارات الموازنة البلدية وفتح الاعتمادات فيها وحسابها القطعي وهي تخضع لمصادقة القائمقام (مادة
60 من قانون البلديات الحالي). 

- قرارات تعويضات الرئيس ونائب الرئيس (مادة
62 من قانون البلديات الحالي ،رقابة الوزير). 

- قرارات المصالحات وتسوية المخالفات (مادة
60 و66 من قانون البلديات الحالي، القائمقام وهيئة الاستشارات). 

- قرارات إسقاط الملك العام البلدي إلى الملك الخاص البلدي (مادة
62 الوزير). 

- قرارات عقد الصفقات العامة (مادة
60 و61 القائمقام والمحافظ). 

2- إن إخراج هذه القرارات من سلطة الرقابة يفترض وجود بلديات في أرقى مستوى من هذا الواقع ، إنها قرارات تحتاج إلى سلطة عليا لتشرف على صحتها وتمنع عنها المخالفات القانونية والتجاوزات العملية معاً. 

فمن الدخول في تفاصيل كل منها نرى ضرورة إبقائها في ظل الرقابات عليها للأسباب الآتية: 

- لأن موازنة البلدية عمل مهم ودقيق معاً، كونها العمود الفقري لعمل البلدية السنوي، لها أصولها الدقيقة في جذور العلم المالي الصعب لذلك لا يصح تركها بلا رقابة. كذلك حركة الاعتمادات داخل الموازنة وكذلك حساب القطعي لسبل تنفيذ الموازنة... كلها لا بد من ان تبقى تحت سلطة الرقابة في هذه المرحلة. 

- لأن قرارات تعويضات الرئاسة ونيابة الرئاسة لا بد من إخضاعها للرقابة فلا تتمادى مجالس بلدية ورؤساء في تحديد مبالغ باهظة مرهقة قد لا تتحملها مالية البلدية في سبيل غايات خاصة. 

- كذلك قرارات المصالحات والتسويات وهي الأخطر كونها تعتمد عادة لتغطية مخالفات متمادية مرتكبة لا بد من موافقة السلطة على اعتدالها وعلى وجوبها فلا تتغطى معظم المخالفات بمثل هذه الطريقة المتحررة من أي قيد رقابي. 

- قرارات إسقاط الملك العام البلدي إلى الملك الخاص البلدي بغية بيعه من الآخرين كذلك فهو عمل دقيق عرضة لأنه يتضمن الأسباب المريبة والأضرار بالمصلحة العامة فتتغلب المصلحة الشخصية عليها إذا لم يكن هناك رقابة ضابطة. 

ثانياً: في إلغاء الرقابة المالية واخطارها : 

لقد ألغى القانون الحالي وكذلك الرقابة المالية على البلديات مع ما في ذلك من اخطار هائلة لا يقدرها إلا من اختبر أسباب هذه الاخطار في الوقائع الآتية : 

الرقابة المالية في وضعها الحالي تختص بمرجعين الأول المراقب العام المالي والثاني ديوان المحاسبة. 

يختص عمل هاتين الرقابتين بالنظر في قانونية المعاملات المالية في صحة التكليف بالرسوم وصحة تحصيلها وصحة الإنفاق، أي في مراقبة مالية البلديات عبر موازناتها وحركة اعتماداتها، ثم رفض التأشير على كل معاملة مالية لا تنطبق أصولها على القوانين المالية. 

إن العلم المالي هو عمل دقيق لا تطاله معارف البلديات بسهولة، مع الإشارة إلى حقيقة قائمة هي أن عدم التزام الأصول المالية يؤدي حتماً إلى اهدار المال العام. 

علماً بأنه من اصل
715 بلدية حالياً هناك نحو 30 بلدية خاضعة للرقابة المالية. وحدها هذه البلديات تدرك الأصول المالية الضابطة إلى حد متقدم، أما بقية البلديات غير الخاضعة للرقابة المالية فتعيش دوماً في "الخطيئة المميتة" في المخالفات المالية في الاهدار من حيث تدري أو لا تدري، إذ من أين لها أن تدرك أصول الإنفاق العام باوجهها الدقيقة وأساليبه المختلفة. من علمها إياها، من يحفظها من سيهديها، والى أن تهتدي؟ 

فإذا كان سبب إلغاء الرقابات عن البلديات يعود إلى أنينها الواهم من هذا الثقل عليها باعتباره تقليصاً لصلاحياتها واستقلالها وسرعة تحركها في العمل فان ذلك يتضمن اغفالا أعمى لمعنى جوهر عمل هذه الرقابات الذي هو ضبط الأعمال البلدية في حدودها القانونية السليمة. 

ففي الواقع، أن القرار البلدي لا تؤثر عليه أي رقابة متى كان قراراً سليماً، ذلك أن دور الرقابة هو دور هامشي فقط، يشير إلى جعل المعاملات في إطارها الصحيح وليس له أن يتدخل في مبرراتها وجوهرها. انه "ضابط سير"، لا يقود السيارة ولا علاقة له بها بل يهديها إلى طريق النظام. 

علماً بان إعفاء البلديات من الرقابة المالية هو نقض للأسس العامة المعتمدة في الدولة بجميع أجهزتها، نقض لقاعدة مراقبة عقد النفقات المسبقة في الإدارات العامة (مادة
64 وما يليها من قانون المحاسبة العمومية). 

ونقض للأصول المعتمدة كذلك لدى المؤسسات العامة والمصالح المستقلة التي تخضع قوانينها كلها لتأشيرة المراقبين الماليين المسبقة. فكيف الخروج عليها هنا؟ والبلديات طفلة تحبو في هذا المجال! 

ففي العلم المالي والفقه المالي، تظهر الرقابة المالية في طليعة العمل بهدف وقاية المال العام من اخطار الخروج على ضوابطه النظامية وللحد من الأطماع الهينة عليه ان اعتبرت الرقابة عملاً من قواعد النظام الذي لا يصح الخروج عنه تحت أي ذريعة لدى اي مؤسسة. 

"La fonction de contrôle est une fonction essentielle de" l'etat, il apparaôt comme une fonction generale ê l'interieur de l'Etat et il a une particuliere utilite en matiere budgetaire etant donne la mobilite des deniers publics et la facilite avec laquelle ils seraient detournes de leur destination"

(Finances Publics no. 331, P.M. Gaudmet - 1997) 

وتبقى الرقابة المؤخرة التي يعتمدها هذا القانون وحدها لديوان المحاسبة. إنها غير مجدية إنها سراب! فمن ستلاحق بعد أن يسبق السيف العزل. وما ينفع الصراخ بعد أن تكون الذئاب قد نهشت القطيع ليل أمس وأول من أمس؟ 

من هنا أن الوقاية عبر الرقابة المسبقة هي الوسيلة الفضلى لحماية المال العام بمعزل عن أي أعذار لا تستقيم. 

فالدولة بدلاً من أن تخضع البلديات كلها للرقابة المالية، ترفعها عن البلديات التي نظمت بعضها هذه الرقابات المالية لهذا الحين فيكون مثلها في ذلك مثل من يخرج من المصح معالجين معافين ويطلقهم مع مصابين فيتعمم الوباء ، بعكس ما يقتضي أن يكون. 

ففي الواقع الذي يراه غير محاسبي "الدوبيا" ولبينما تحفظ البلديات أمثولاتها، هناك عشرون سنة لا بد من ان تنقضي على إنشاء معهد التدريب البلدي (المشروع الحلم) قبل أن نفكر في رفع هذه الرقابات عن الأعمال البلدية، لو ندري! 

ثالثاً: في إغفال القانون لصلاحية عقد النفقات 

أهم ما أغفله هذا القانون، وهو ينبـئ عن غياب خطير لواقع الأمور، هي مسألة عقد النفقات في البلديات، ووجوب إيراد نص صريح صارخ واضح في شأنها يحدد مرجعية هذا العمل الأساسي المهم الذي هو عقدة عمل الإدارات العامة وأهم عمل داخلها لأنه مرجعية صرف المال العام الذي هو كل شيء. لم نجد له أثراً في هذا القانون. 

حتى إذا رجعنا إلى قانون المحاسبة العمومية الرقم
14696/63 الذي تخضع له البلديات الكبرى، وهي بعدد أصابع اليد، لم نر نصاً يختص بتحديد هذه الصلاحية في البلديات كونه خاصا بعمل الإدارات العامة. 

وإذا رجعنا إلى أصول المحاسبة في البلديات بالمرسوم
5595/82 الذي تخضع له معظم البلديات للمحنا أثراً ضئيلاً لقول "يعطي رئيس السلطة التنفيذية في البلدية صلاحية الإنفاق بالبيان والفاتورة"... وبالاستنتاج أصبحت صلاحية عقد بقية طرق الإنفاق للمجلس البلدي. 

إذاً، فعلى أي غارب نترك هذا الأمر الخطير وأي جهل أو تجاهل نحن فيه ومنه؟ بسبب غياب مثل هذا النص سابقاً، والنـزاع على هذه الصلاحية قائمٌ على اشده. تدخل ديوان المحاسبة وقسم هذه الصلاحية للرئـيس البـــيان والفاتورة وللمجلس بقية طرق الإنفاق. فلماذا نترك هذا الأمر الخطير للاجتهاد وللأمزجة؟ 

فعليه، ان البلديات تطالب المشترع بان يتدارك هذا النقص الخطير في جوف هذا القانون ويضبط هذه الصلاحيات بنص صريح وواضح "وبحرف بولد" دفعا لاي قلق حول هذا الدور المهم من أعمال البلديات اقترح نصه الوحيد الذي لا بديل عنه كالآتي : 

"يعقد رئيس السلطة التنفيذية في البلدية نفقات البيان والفاتورة فقط ويعقد المجلس البلدي سائر طرق النفقات التي هي : المناقصة العمومية - والمناقصة "المحصورة - واستدراج العروض - والتراضي - وصفقة الخدمات التقنية - والأشغال بالأمانة وما تحدده سائر القوانين من صلاحيات له وذلك وفقاً لأصول كلٍ منها المحددة في القوانين والأنظمة المالية الخاضعة لها". 

رابعاً: في نفور رقابة وزير المال على قرارات المجالس البلدية 

يخضع هذا القانون في إحدى مواده (54) قرارات المجالس البلدية لمصادقة وزير المال إلى جانب وزير الداخلية في موضوعين: موضوع رواتب موظفي البلديات واجرائها، وموضوع قروضها. 

وما يقتضي تصويبه في خطأ دور وزير المال في هذا المجال، هي الأسباب المختصرة الآتية : 

1- إن المادة الأولى من هذا القانون تنص حرفياً على الاستقلال المالي للبلديات، لذلك لا بد من تحقيق معنى هذا الاستقلال. 

2- لا يتبين من موازنات الدولة أي اثر لاعتماد يختص بالبلديات مما يسقط حق الدولة وعلى الأخص سيد موازنتها - وزير المال - عن أي علاقة له بما هو مرتبط بمالية البلديات. 

3- ثم إن لكل بلدية موازنتها المستقلة تضعها في ضوء وارداتها في سبيل نفقاتها ولا اثر لرابطة اعتمادات متصلة بمالية الدولة. تضع موازنتها سنداً لموارد تأتي إليها من قانون خاص بها هو قانون الرسوم البلدية الرقم
60/88 وهو يتيح لها خمسة عشر مطرحاً للرسوم الخاصة بها تطرحها وتحصلها لصندوقها الشخصي الذاتي المستقل. 

وعلى هذه البلديات أن تمد نشاطها على "قد بساطها"، فلا تنفق اكثر مما تحصّل. حتى إذا أنفقت فهي مقصرة ومسؤولة ومعاقبة وليست الدولة هي المسؤولة. كما القروض، فالبلدية مسؤولة عن حدود ضبطها، كذلك الرقابة الإدارية والمالية في ظل القانون الحالي. 

4- والمشكلة هنا في ظن يعادل اليقين أن الدولة لا يمكنها أن تقلع عن زعم لديها يخلط أموال البلديات بأموالها واعتبارهما واحداً، وعبر هذا الاعتقاد تدخل على هذا الخط، وتسيطر على أموال الصندوق البلدي المستقل قضماً على هواها بما خطر على بالها من
Caprices financieres - عفواً - ناسية أو متناسية أن هذه الأموال أمانة في البنك المركزي للبلديات وحدها وليست لها. 

كما لا يصح لها زعم ان عليها أن تبادر إلى انتشال بلديات مقصرة (بلدية طرابلس مثلاً) من عثراتها المالية. لذلك، تدخل على الخط من هذا الباب، إذ ان على الدولة (وزارة الداخلية بالذات) أن تبادر في مثل هذا الحال إلى معالجته عن طريقٍ قانوني آخر يمكنها اللجوء إليه عبر الحصص المخصصة لمشاريع المناطق، في المادة
11 من نظام الصندوق البلدي وهي حصص بنسبة 30 في المئة من الحصص المخصصة للبلديات فتعطي هذه البلديات، من حسابها الهائل في هذا الصندوق. 

5- حتى إذا صح هذا التدخل لوزير المال من هذه الزاوية، فهناك زوايا أخرى اقرب إليها لمثل هذا التدخل، إذ يصبح من المعقول أيضاً ربط البلديات بوزارات الأشغال والبيئة والعمل والتربية والشؤون الاجتماعية... وبذلك يستقيم الروتين الإداري المشكو منه! 

خامساً: في خطورة إلغاء الرقابة المالية والإدارية وإخضاع البلديات للتفتيش

قد تطرب البلديات لرفع الرقابات الإدارية والمالية عنها وإخضاعها للتفتيش دون أن تدري خطورة هذا الأمر. 

إن الرقابتين الإدارية والمالية هما رقابتان واقيتان للبلديات من اخطار المخالفات، اضافة إلى ما يتضمنه ذلك من توجيه لها. فالقرارات البلدية ومعاملاتها المحالة على هاتين الرقابتين للمصادقة عليها والتأشير المسبق، المتضمنة مخالفات، تعاد إلى البلدية دون موافقة وبدون عقوبة، فتتوقف المعاملة وقرارها عن التنفيذ وتحفظ; فتكون هذه الرقابة بمثابة وقاية Une prevention من اثر المخالفات. 

أما الواقع مع سلطة التفتيش فهو مختلف تماماً، إذ انه حين يقع التفتيش على أي مخالفة فعلية، عليه أن يقضي لها بالعقوبة المواجهة المناسبة. وعندئذ فالقصة لا تنتهي ومزاريب المصاعب على البلديات تصبح شديدة الوطأة مع واقع البلديات القائم. 

اذا فالحل الأنسب للبلديات أن تبقى الرقابتان عليها صمام أمان لها والتفتيش وسيلة ردع غائبة حالياً غياباً يقتضيه الحضور دفعاً لتجاوزات جريئة لا مرجعية لها حالياً لدى وزارة الداخلية ولدى الدولة سوى القضاء الذي لا بد له من أن يكون في درجة أخرى من محاكمة المخالفين. 

من هنا الخلل في هذا القانون المشروع بإيهام البلديات بتبسيط أمورها عبر رفع الرقابات عنها من جهة ومن جهة اخرى إلقاؤها "عريانة" في مقلاة الزيت الحامي بيد التفتيش. 

سادساً: في نقد موضوع إخضاع البلديات للرقابات الخارجية 

اتعس ما يتضمنه هذا القانون هو إخضاع مالية البلديات لرقابة ما يسمى مفوض مراقبةAuditor على البلديات التي يزيد قطع حسابها عن مئة مليون ليرة، والى رقابة محاسبTs للبلديات التي يقل قطع حسابها عن هذا المبلغ (الفصل الرابع من مشروع القانون) يعينون من المجلس البلدي. 

يخطئ هذا النص في ثلاثة أمور: 

- الأمر الأول: انعدام المعنى في ما يسمى "قطع الحساب السنوي"، ذلك أن الحساب القطعي يتضمن رقمين: رقم الإنفاق الحقيقي خلال العام الماضي المنصرم ورقم الواردات الحقيقي لدى هذه السنة، فأيهما هو المعني يا ترى في هذا النص، رقم التحصيل أم رقم الإنفاق أم رقم الوفر؟ 

- والأمر الثاني : تعيين المجلس البلدي هؤلاء الخبراء، فيكونون تحت سلطته وتسلطه، وبهذا تنتفي فاعلية عملهم حكماً كما يفيد الواقع. 

- والأمر الثالث: أن تكليف "خبراء محاسبة" من خارج القطاع العام للقيام بمهمات وظيفية كانت من صلاحيات المراقب العام وديوان المحاسبة، أمر مخالف لأبسط قواعد العمل العام. فهل يجوز إسناد مهمات الرقابة المالية العامة إلى أشخاص من القطاع الخاص، هم حكماً "وثنيون" في العلم المالي العام وفي الوقت عينه غير خاضعين لسلطة الدولة ورقابتها؟ حتى إذا كان هذا الهدف هو الطريق إلى الخصخصة حتى في العمل البلدي، فإن ذلك هو عين الفشل. 

علماً ان الأصول المالية في البلديات هي الأصول المعتمدة في الدولة في قانون المحاسبة العمومية وتعديله بالمرسوم
5595/82 أصول المحاسبة في البلديات مع تشعباتها المتمادية، من أين لخبير المحاسبة فهمها والولوج إليها وهي علم متماد في الدقة؟ 

وعلماً ان ديوان المحاسبة بالذات الذي هو القضاء الأمثل، القضاء المختص في هذا الحقل مراراً ما يسلك متردداً في مفاهيم هذه القوانين ثم يعيد النظر فيها، سنداً لتشعبات هذا العلم وأبعاده. فكيف هذا النص؟ إلا إذا كــانت أعجبتــنا عبارة مفوض مراقبة
Auditor و Ts؟! 


إن استبدال رقابتي المراقبين العامين وديوان المحاسبة المسبقة برقابتي مفوض محاسبة ومحاسب "دوبيا" على البلديات لهو اخطر واجهل ما يخطر في بال نحو هذا الفشل المستمر . 

سابعاً: في شأن مكننة المعاملات البلدية 

يعتقد هذا القانون أنه قد احدث فتحاً جديداً في تكريسه مسألة مكننة المعاملات البلدية. علماً أنها لا تحتاج إلى نص قانوني للأخذ بهذا العمل، فهي تدابير تنظيمية داخلية بإمكانها تقرير شراء كومبيوتر كما اقتناء الآلة الكاتبة... كما هو حال بعض البلديات التي اعتمدتها حالياً قبل "الحبل" بها في هذا النص. 

بيد أن المهم في هذا الشأن قبل اعتماد المكننة هو توجيه الجهاز البلدي داخل العمل الإداري الصحيح وتدريبه، على فهم سبل فرض الرسوم البلدية وصحة تحصيلها وصحة القرارات المجلسية والرئاسية وصحة المعاملات النظامية المفقودة حالياً لدى البلديات ذلك قبل "تلقيمها" هذه المعلومات داخل الكومبيوتر، قبل مكننتها، ولئلا تتكدس الأخطاء وتتكرس وتثبت بعيوبها فتكون كالجسم الوسخ بثوب نظيف! 

ثامناً: في مسألة انتخاب الشعب لرئيس البلدية مباشرة 

ألغى هذا القانون انتخاب رئيس البلدية من الأعضاء وجعل انتخابه مباشرة من الشعب. 

إننا نرى أن هذه القاعدة تتنافى مع قاعدة الدستور والواقع لأربعة أسباب: 

السبب الأول: أن مبدأ القانون الانتخابي عندنا على درجتين يأخذ بقاعدة انتخاب الشعب لممثليه ثم ينتخب الممثلون الرؤساء بالاستناد إلى المادة
49 من الدستور في انتخاب المجلس لرئيس الجمهورية واختيار رئيس الحكومة بموافقة مجلس النواب في المادة 53 من الدستور عينه. 

مما يفرض التزام القانون لمبادئ الدستور وخصوصا لجهة التمثيل البلدي، وكما يشير إليه العلم: 

"Une des caractristiques des systemes juridiques" modernes est la hierarchie des regles de droit. Chaque regle doit Etre conforme aux regles qui viennent avant elle dans la hierarchie, au double point de vue formel et materiel: 

Formel: Elle doit Etre edictee selon les procedures prevues par les regles superieures

Materiel: Elle ne doit pas Etre en contradiction dans son contenu avec le contenu des regles de droit superieur
(Droit Const. P. 118, G. VEDEL) 

"Le systeme politique auquel fait appel la constitution ne doit pas Etre viole par les lois ordinaires"
(Idem P. 113) 

كما أن هذا الارتباط بين الانتخاب البلدي والانتخاب النيابي يتأكد في المادة 14 من مشروع هذا القانون التي تجعل من واقع الانتخابات البلدية متوافقا واحكام قانون المجلس النيابي. 

والسبب الثاني: أن انتخاب الشعب رئيس يتعسر في حال شغور هذا المركز أثناء الولاية الواحدة، إذ لا يصح من جهة أن يعطى الأعضاء حق إعادة انتخاب رئيس جديد للمركز الشاغر خلافا لطريقة انتخابه الأولى ومن جهة اخرى فإنه يتعسر عملياً على الدولة أن تجري انتخابات فردية لرئيس بلدية كل مرة يشغر فيها هذا المركز مع ما يرافق ذلك من صخب ونزاعات محلية حول هذا الموضوع. 

والسبب الثالث: يتوزع العمل البلدي قانوناً بين المجلس والرئيس، فلكي ينجح هذا العمل لا بد من قيام انسجام بينهما يتحقق أساساً بالمقدار الأوفر من طريق انتخاب الرئيس من الأعضاء على أساس انسجام يتأتى من طريق نجاح أكثرية لائحة تنسجم وتختار الرئيس ومعه تعمل. 

أما في حال اختيار الشعب الرئيس، فغالباً ما يتأتى أعضاء من جهات مختلفة في سياساتها ونهجها لا تأتلف عادة معه، فيشل عمل البلدية. 

والسبب الرابع: أن مجمل الهدف من مثل هذا التمثيل الشعبي هو تأمين الأفضل لرعاية المصالح العامة، حتى إذا تحرينا الواقع تبين لنا أن الأعضاء المنتخبين، والمفترض أن يكونوا من النخبة هم الأكفأ من عامة الشعب في اختيار الرئيس الأفضل. وعلى هامش ذلك فإذا كان الهدف تحرير رئيس البلدية من طغيان الأعضاء فسلطتهم هي قائمة عليه بحكم القانون والدستور معاً في حقهم "التقريري" وفي حقهم "الرقابي" على جميع أعمال الرئاسة. 

عاشراً: في النتيجة 

ولما ترونه عفواً، فإن المطلوب هنا هو شيء آخر لو شئنا أن ندري : انه في النصوص لقانون مفصل مبسط كتاب قواعد أبجدي مقروء على الجلد حتى من تلامذة الصفوف الابتدائية; كما هو في النفوس في إنشاء وزارة متكاملة متفرغة لشؤون البلديات وحدها، وزارة تستحقها 700 بلدية متروكة منسية في رأس "تلة الريس" (مكان وجود وزارة البلديات الحالي) ترتبط مهمات الدولة بالذات في رعاية المصالح العامة المحلية... وزارة محكمة الصنع بيدها Remote Control البلديات، على رأسها هذا الوزير العارف الصادق المتفرغ بجهاز توجيه ورقابة وجهاز استشاري فني وصحي وأمني وحقوقي وجهاز تفتيش وتأديب ومعهد تدريب فعلي. 

الآن الآن وليس غداّ. بها توضع أسس المدينة الفاضلة المنشودة، مدينة افلاطون وليس بلغته هذه، وتأجيل مواعيد المحاضرات عن اللامركزية... وإلاّ فعبثاً نحن منظرون ! عبثاً نحاول عدّ النجوم! 

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic