جمال الدين الحسيني المعروف بالأفغاني لم يكن أفغانياً

حسن الشامي

  الكاتب:

جريدة السفير (لبنان)

  المصدر:

الجمعة، 14 كانون أول - ديسمبر 2001

  تاريخ النشر:

 
جمال الدين الأفغاني

جمال الدين الأفغاني

     حتى الآن، وفي حدود متابعة متواضعة ومتقطعة للآراء والتعليقات اللبنانية والعربية الدائرة على ذيول عمليات 11 ايلول وما استنهضت وما تزال من صور وتقويمات ودروس، استخدم ثلاثة مثقفين لبنانيين صورة عن جمال الدين الافغاني وتوسلوا بها استخراج عبرة لمن يحب الاعتبار. والعبرة المنشودة التي تناولها اصحابنا (وهم بحسب تعاقب آرائهم زمنيا، الروائي والناقد الياس خوري، والمفكر علي حرب والشاعر والكاتب محمد علي شمس الدين) تدور على حصول نوع من التفاوت الصارخ ومن المقايضة التاريخية اللامتكافئة بين الافغان والعرب -أعطانا الافغانيون رجلا نهضويا وتنويريا وأعطيناهم اسامة بن لادن المتزمت والقصير النظر. هذه المقايضة تقرب ان تكون اذا، وفي ما يخص صورة الاسلام وآفاقه، “قسمة ضيزى “ اي عوجاء ومغشوشة. صحيح ان الكتاب اللبنانيين المشار اليهم استخدموا الصفة الافغانية للسيد جمال الدين من زوايا مختلفة وأدرجوها في سياقات مختلفة. وصحيح ايضا ان الياس خوري، وحده، اشار الى روايات تقول بأن جمال الدين لم يكن افغانيا بدون ان يمنعه ذلك من مواصلة مسعاه، ومن بعده علي حرب، لتقديم طرفة او “قفشة” عن المفارقة التاريخية التي وصفناها آنفا. 

لنعد الى مقالات اصحابنا ولنبدأ من الأخير، اي من مقالة الشاعر محمد علي شمس الدين (السفير في 23 تشرين الثاني) وهي خواطر للتعبير عن أسى وحسرة حيال أحوال العرب والمسلمين اليوم. يرى شمس الدين ان “جمال الدين الافغاني يئن انينا حقيقيا في قبره الآن. إنّي أسمعه كنمر يتحطم تحت ضراوة الضربات الاميركية في كابول وقندهار”. اذا كان المقصود بهذه العبارات هو الاستخدام المجازي للصفة الافغانية لجمال الدين، فهذا من حق الكاتب. على ان العبارة تميل الى الاصرار على “حقيقية” التشخيص والأنين. والحال ان الرجل مدفون في اسطنبول عاصمة السلطنة العثمانية بعد ان صلي عليه في جامع التشويقية إثر وفاته يوم 9 اذار عام 1897. وللمزيد من الدقة نشير الى انه دفن في مقبرة المشايخ (شيخلر مزارلفي بالتركية) في تلة “نشانطاش” على مقربة من البيت الذي اسكنه فيه السلطان عبد الحميد الثاني. ويضيف الاستاذ شمس الدين بأنه لا يحسب “حفدته (يقصد الافغانيين) اليوم بقادرين على ادارة حوار فكري مع الغرب (الذي اصبح الشمال) على غرار ذلك الحوار الذي أداره جمال الدين مع ارنست رينان في نهايات القرن التاسع عشر، حول “الاسلام وقابليته للتطور العلمي والحضاري”. ليس هنا مجال الخوض في مجريات وحيثيات المناظرة بين الافغاني ورينان، ونكتفي بالاشارة الى ان المنشور من رد جمال الدين على محاضرة رينان لا يتجاوز خمس النص الأصلي، والى ان هذا الرد اثار استياء واستغراب مسلمين مصريين مقيمين للدراسة في باريس، وفي مقدمهم حسن باشا عاصم، اذ وجدوا فيه ممالأة وتنازلات فكرية تجعل الرد، في نظرهم، فاترا وغريبا. في النهاية يشير شمس الدين الى احتمال ان يرد الى تصورنا، اليوم بالذات، ما كان جمال الدين الافغاني قد كتبه عن “طبائع الاستبداد”، (كتاب “طبائع الاستبداد” لعبد الرحمن الكواكبي وليس للافغاني). 

افغاني وليس افغانيا 

جمال الدين الافغاني لم يكن افغانيا في المعنى الشائع للكلمة، والذي توارثه، كل واحد على طريقته، اصحابنا اللبنانيون وكثيرون غيرهم من قبل. ومعظم هؤلاء، وليس كلهم، معذورون كما قلنا سابقا. في المقابل، من الصعب ان نعذر الدارسين والباحثين في سيرة واعمال الافغاني الذين قيض لهم الوقوع على سلسلة من العبارات والاشارات والروايات التي تشكك في صحة الرواية المريحة التي وضعها الشيخ المصلح محمد عبده عن اصل وفصل استاذه جمال الدين والتي تلقنها على الارجح من هذا الاخير، ومن “كمال الخبرة وطول العشرة”، كما يقول. ومن يقرأ المقدمة الطويلة جدا التي وضعها الدكتور محمد عمارة لطبعة الأعمال الكاملة للافغاني وطرائقه في التعليل، وفي تنفيذ ودحض الروايات المخالفة، تنتابه الرغبة في ان يضرب رأسه بالحائط. فهو يقر بأن يكون “السيد” قد درس مدة ثلاث او اربع سنوات في النجف الاشرف، بحسب ما جاء في السيرة المناقبية التي كتبها عام 1929 لطف الله أسد آبادي بالفارسية عن حياة خاله (لطف الله هو ابن اخت جمال الدين)، والمنقولة الى العربية عام 1957، بدون ان يدعوه هذا الاقرار الى مراجعة بعض وجوه الرواية الموقوفة او التي يراد جعلها وقفا لورثة دون غيرهم. وقد تسنى للباحث عمارة ولغيره الاطلاع على العبارة القاسية والمتحاملة التي ارسلها الشيخ ابو الهدى الصيادي عام 1898 الى رشيد رضا وأوردها هذا الاخير في كتابه الضخم المنشور عام 1931 (وهو “تاريخ الاستاذ الامام محمد عبده”). فالشيخ ابو الهدى الملقب بشيخ العرب في بلاط السلطان عبد الحميد ارسل كتابا الى رشيد رضا يقول فيه: “إني أرى جريدتك (المنار) طافحة بشقاشق المتأفغن جمال الدين الملفقة. وقد تدرجت به الى الحسينية التي كان يزعمها زورا، وقد ثبت في دوائر الدولة رسما أنه مازندراني من أجلاف الشيعة وهو مارق من الدين كما مرق السهم من الرمية”. لدينا، من جهة ثانية، وفي ما يخص المصادر العربية والشرقية الاسلامية، عبارة كتبها الشيخ مصطفى عبد الرازق عام 1927، في تقديمه لمقالات مجلة “العروة الوثقى” (التي أصدرها الأفغاني وعبده في باريس عام 1884)، ويشير فيها الى احتمال ان يكون الأفغاني إيرانيا وشيعيا، استنادا الى شهادة وأدلة المستشرق الانكليزي ادوارد براون صاحب كتاب معروف صدر عام 1910 حول “الثورة الفارسية ما بين عام 1905 وعام 1909” وهي المعروفة بالثورة الدستورية او “المشروطية”. ولدينا أيضا رواية الكاتب قدري قلعجي الذي نشر عام 1951 كتابا في عنوان “ثلاثة من أعلام الحرية”، وهم الأفغاني وعبده وسعد زغلول. في الفصل المخصص لجمال الدين، يذكر قلعجي أنه قرأ مقالتين عام 1944 لكاتب عراقي اسمه عبد الكريم الدجيلي يؤكد فيهما ان جمال الدين من أصل إيراني ولا صلة له بالأفغان مطلقا، وان أستاذ اللغة الفارسية في الجامعة الاميركية في بيروت، واسمه ميرزا غلام حسين خان أثبت ذلك بوضوح في كتاب مطبوع عام 1929 في عنوان “مردان نامي شرق”، وان الشاعر أحمد الصافي النجفي روى لقلعجي حيثيات لجوئه الى طهران إثر الثورة العراقية الأولى ونزوله في دار الحاج حسين آغا ابن الحاج محمد حسن آغا الذي كان يعرف بأمين الضرب. وأكد الحاج حسين آغا للشاعر النجفي بأن السيد جمال الدين فارسي من قرية أسد آباد القريبة من همذان وأسرته معروفة هناك. ويضيف قلعجي بأنه أراد ان يتحقق من الامر بنفسه خلال رحلة قام بها الى إيران سنة 1951، “فاذا الايرانيون مجمعون ان السيد جمال الدين إيراني عريق، وأطلعت على كتاب فارسي عنه بعنوان (السيد جمال الدين أسد آبادي المعروف بالأفغاني) وتعرفت في أسد آباد على أناس يؤكدون أنهم من أسرته ويسمى واحدهم “جمالي” نسبة الى السيد”. ولدينا العديد من الاشارات الصريحة أو الملتوية، حول إيرانية جمال الدين، لدى رشيد رضا والشيخ عبد القادر المغربي ومحمد باشا المخرومي، ومن شأن هذه الاشارات ان تثير فضول الباحث وتحضه على التثبت والتنقيب والتمحيص. 

فلنعد الى أصل المشكلة، إذ ثمة مشكلة كما رأينا في ما يخص السنوات السبع والعشرين الاولى من حياة الأفغاني، بما في ذلك تحديد جنسيته ونسبه وبلده ومذهبه. أصل المشكلة يعود الى رواية محمد عبده التي وضعها بمثابة مقدمة لترجمته الى العربية لكتاب أستاذه جمال الدين في “الرد على الدهريين” المكتوب بالفارسية ما بين عام 1881 وعام 1882 أثناء إقامة الافغاني في الهند بعد نفيه من مصر في أواخر آب 1879. الترجمة العربية حصلت في بيروت عام 1885 تقريبا وبمساعدة “أبو تراب” تابع الأفغاني وخادمه، وهو إيراني. رواية محمد عبده الموقوفة (أو ستاندارد بحسب توصيف ناجح للباحثة الاميركية نيكي كيدي التي نشرت بالانكليزية عام 1972 كتابا لافتا للنظر عن السيرة السياسية للسيد جمال الدين) تقول ما يلي: “هذا والسيد محمد جمال الدين، ابن السيد صفدر، من بيت عظيم في بلاد الأفغان، ينمى نسبه الى السيد علي الترمذي المحدث المشهور، ويرتقي الى سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه. وآل هذا البيت عشيرة وافرة العدد في خطة “كنر” من أعمال “كابل” تبعد عنها مسيرة ثلاثة أيام، ولهذه العشيرة منزلة علية في قلوب الأفغانيين، يجلونها رعاية لحرمة نسبها الشريف، وكانت لها سيادة على جزء من الاراضي الأفغانية تستقل بالحكم فيه، وانما سلب الامارة من أيديها “دوست محمد خان” جد الامير الحالي، وأمر بنقل أبي السيد جمال الدين وبعض أعمامه الى مدينة “كابل”.ولد السيد جمال الدين في قرية “أسعد أباد” من قرى “كنر” سنة 1254ه، وانتقل بانتقال أبيه الى مدينة كابل. وفي السنة الثامنة من عمره أجلس للتعليم، وعني والده بتربيته، فأيد العناية به قوة في فطرته وإشراق في قريحته وذكاء في مدركته، فأخذ من بدايات العلوم ولم يقف دون نهايتها”. 

الرد على محمد عبده 

من المؤكد أن جمال الدين قرأ هذه الترجمة التي وضعها تلميذه محمد عبده ونشرها في بيروت عام 1886. وقرأ كذلك المقطع الذي يصف فيه عبده مذهب أستاذه بعبارات جازمة كما لو أنه يبدد الشكوك التي كانت تخرج من هنا وهناك حول هذا الجانب من شخصية وهوية أستاذه. يقول محمد عبده: “أما مذهب الرجل فحنيفي حنفي، وهو وان لم يكن في عقيدته مقلدا، لكنه لم يفارق السنة الصحيحة، مع ميل الى مذهب السادة الصوفية، رضي الله عنهم، وله مثابرة شديدة على أداء الفرائض في مذهبه، وعرف ذلك بين معاشريه في مصر أيام اقامته بها، ولا يأتي من الأعمال الا ما يحلّ في مذهب إمامه، فهو أشد من رأيت في المحافظة على أصول مذهبه وفروعه، أما حميته الدينية فهي ما لا يساويه فيها أحد، يكاد يلتهب غيرة على الدين وأهله”. لقد قرأ جمال الدين هذه الرواية ولم يصدر عنه أي تصويب او تعديل او تبديل، مما يسمح بالاعتقاد بأنه قنع بهذه الرواية لاعتبارات يعرفها هو وتلميذه، ولنؤجل قليلا ترجيحاتنا لقوام هذه الاعتبارات ودلالاتها، ولنواصل متابعتنا للمادة التي تكونت فيها وعليها الصورة الافغانية التي تناقلها وتوارثها عدد كبير من الكتّاب العرب قبل وبعد صدور “الأعمال الكاملة” للأفغاني. 

لقد اطلع محمد عمارة على روايتين تؤكدان إيرانية وشيعية جمال الدين. ومن حسن الحظ ان عمارة أخذ بعين الاعتبار هاتين الروايتين بدون ان يتخلى عن المنحى السجالي في تعاطيه مع عناصر بارزة في الروايتين المذكورتين. الرواية الاولى هي كتاب “جمال الدين الأسد آبادي المعروف بالأفغاني” والذي كتبه لطف الله أسد آبادي، ابن أخت السيد كما أشرنا، ونشره بالفارسية عام 1929 ثم ترجم الى العربية وصدر في القاهرة عام 1957. الرواية الثانية هي كتاب بدون تاريخ ومكان النشر وضعه المصلح الشيعي العاملي السيد محسن الأمين، صاحب كتاب التراجم الضخم “أعيان الشيعة”. ومع ان هاتين الروايتين تختلفان الواحدة عن الاخرى من حيث الغرض والأسلوب، فان سردها لسيرة الأفغاني لم تخلُ من بعض المبالغات التي استثارت نزعة محمد عمارة السجالية وجعلته يحيد بدرجة كبيرة عن مهمته كمؤرخ ومحقق لسيرة وأعمال الأفغاني، ونعني بذلك مهمة الغربلة وتنظيم العناصر المقنعة والوقائع الثابتة وتعهدها في رواية تتمتع بقدر من التماسك. فالسيد محسن الأمين يتوقف (في ترجمته لجمال الدين في أعيان الشيعة) عند رواية محمد عبده، ويعتبر ان كل ما جاء فيها “لا نصيب له من الصحة بل يشبه قصص ألف ليلة وليلة، والظاهر أن جمال الدين كان يملي هذه القصص على تلميذه الشيخ محمد عبده مبالغة في تعمية الأمر وإغراقا في إثبات أنه أفغاني. فالرجل إيراني أسد آبادي همذاني لا أفغاني ولا كابلي ولا كنري بل لعله لم ير الأفغان ولا كابل في عمره، وعشيرته في أسد آباد حتى اليوم لم تكن لها سيادة على جزء من أرض الأفغان ولا دخل الأفغان واحد منها”. يبالغ السيد محسن بالطبع، إذ هناك قرائن وأدلة تثبت بأن السيد جمال الدين خاض تجربة أفغانية ودخل في النزاعات الأهلية بين أخوة وأشقاء تنافسوا على حكم أفغانستان، وكان مقربا او مستشارا لأحد الأمراء الأخوة واسمه محمد أعظم خان. 

غير ان السيد محسن لم يكن ربما في مقدوره ان يطلع على هذه الوثائق والأدلة (من بينها تعليقات حميمة كتبها الأفغاني في أفغانستان وتقارير الشرطة البريطانية واستخباراتها)، الامر الذي حمله على الإمعان في المبالغة والنفي كالقول بأن “كل ما بني على كونه أفغانيا من دخوله سلك رجال الحكومة الأفغانية وحضوره بعض حروبها وميله الى بعض أمرائها (...) كله لا أصل له أريد به تكميل القصة المخترعة تمهيدا لكيفية وصوله الى مصر وغيرها وبيانا لسببها المخترع ولعله كان لا يحب ان يظهر أنه منفي من قبل شاه إيران او كان يريد ان يبالغ في تحقيق أفغانيته التي ألبس نفسه إياها، ومذهبه شيعي كما هو مذهب آبائه وأجداده وعشيرته وأهل بلده، حنيفي جعفري لا حنفي، فانظر الى هذا الامر الذي اشتهر وشاع بين الناس في كل صقع وقطر ودوّن في الكتب التي طبع منها الآلاف فنرى في أقطار الدنيا في عصر المترجم وليس له أصل، تعلم صدق القول بأنه رب مشهور لا أصل له (...)، هذا في أمر لا أهمية له فما ظنك بما يكون له نصيب مما يسمونه السياسة والملك ونصرة العقيدة والنحلة وأمثال ذلك. ولعلها اذا مضت مدة طويلة يصبح كونه ايرانيا او افغانيا من الامور المختلف فيها وينتصر لكل فريق”. حدس السيد محسن، في عبارته الاخيرة، كان في محله، ولكن الامر ليس بلا اهمية ان انعقد عليه وما يزال ارث الرجل بعد ان تحول الى معلم تاريخي والى “رأسمال رمزي” قد لا يكون مستغربا ان تتباين الآراء حوله. 

تسوية محمد عمارة 

في كل الاحوال، احتوت الروايتان المذكورتان على عناصر ووقائع اقلقت، على ما يبدو، محمد عمارة واثارت حيرته. فارتأى ان يعقد “تسوية” اشبه بالصفقة الانتقائية بين الروايتين وبين رواية محمد عبده، واخرج عمارة هذه الصفقة في قالب “بطاقة حياة” للافغاني يصعب الركون إليها لانها انطوت على امور اقرب الى المحال، كأن يكون والد الافغاني في مكانين مختلفين (أسعد آباد الافغاني وأسد آباد الايرانية) في وقت واحد. ذلك ان محمد عمارة لم يشر، ولم يطلع على الارجح، الى المصدر الذي من شأنه ان يحسم الجدل ويبدد الشكوك في ما يخص اصل وفصل الافغاني. والكتاب المصدر هذا يتضمن وثائق اساسية ومراسلات وخواطر العربية والفارسية وانطباعات حميمة كتبها جمال الدين نفسه، وهذه النصوص المتنوعة تجزم بما لا يقبل الشك في ان الافغاني ولد وترعرع في اسد آباد التي “تبعد نحو سبعة فراسخ من مدينة همذان الى جهة العراق بين همذان وكرمانشاه، فيها نحو 800 بيت وعدد سكانها نحو 4000 نسمة”، بحسب تقديرات محسن الامين. 

بالاستناد الى الوثائق والى العديد من الادلة والقرائن، نستطيع اليوم ان نروي سيرة جمال الدين كما يلي: اسمه محمد جمال الدين الحسيني، وهو ابن السيد صندر (وليس صفتر) بن علي بن مير رضي الدين محمد الحسيني، ابن مير زين الدين الحسيني، القاضي، ابن مير ظهير الدين محمد الحسيني وصولا الى الإمام علي مرورا بالمحدث السيد علي الترمذي، وامه هي السيدة سكينة بيكم بنت مير شرف الدين الحسيني، القاضي، وهي تنتمي الى اسرة ابنه، فهي ابنة عمه لان والدها كان أخا لمير رضي الدين محمد الحسيني، ولد السيد جمال الدين في بلدة أسد آباد، وبالتحديد في حي او حارة “سيدان” اي السادة الاشراف، لان الالف والنون تفيد الجمع بالفارسية كما هي الحال مع كلمة “طالبان”. وقد انجب الابوان اربعة اولاد، يتوزعون مناصفة بين الذكور والاناث وهم: جمال الدين ومسيح الله (وضريح هذا الاخير موجود في اسد آباد وشاهدة القبر مكتوب عليها هنا يرقد السيد مسيح الله ابن السيد صفدر... الخ)، اما البنتان فهما طيبة بيكم ومريم بيكم. وقد انجبت طيبة بيكم ولدين ذكرين هما ميرزا لطف الله (صاحب الكتاب الذي اشرنا إليه) وميرزا شريف. ويحتوي كتاب الوثائق على نص رسالة ارسلها لطف الله الى خاله المقيم في باريس طالبا الالتحاق به، وجواب جمال الدين طالبا من ابن اخته ان ينتظر لان الوقت غير مناسب، وقد اوصى الاب، السيد صفدر، ان يدفن في مدينة قم مما يرمز الى شيعية الاب وعائلته (اذ في ايران اقلية سنية لم يلتفت إليها الخائفون في نسب الافغاني، كما هناك في افغانستان اقلية شيعية جرى اغفالها كذلك). وقد درس جمال الدين في القرية ثم في مدينة قزوين ثم في طهران وانتقل مع ابيه عام 1851 الى مدن العتبات المقدسة في العراق، ودرس جمال الدين في النجف مدة اربع سنوات، فيما رجع الاب بعد ثلاثة اشهر الى اسد آباد. في عام 1855 تقريبا ذهب جمال الدين الى الهند وتعلم شيئا من الرياضيات والعلوم الاوروبية، وقد ترك الفتى الممعن في دراسة الحكمة والفلسفة رسالتين حميمتين حول دراسته في الهند وفي النجف ويتأسف فيهما على تضييع وقته في معاشرة علماء سطحيين مأخوذين بظواهر الالفاظ. وقد تكون اقامته في الهند لعبت دورا كبيرا في مساره اللاحق، فكريا وسياسيا، وثمة ما يشير الى ان تجربته الافغانية لا تتعدى السنتين او الثلاث (من عام 1865 الى عام 1868). وسوف نتناول في مقالة لاحقة هذه التجربة الافغانية. بعد ذلك، اي منذ عام 1869 الى حين وفاته، ستصبح سيرة جمال الدين اكثر وضوحا او لنقل اقل غموضا. 

ما يمكن قوله هو ان السيد جمال الدين خرج من بيئة ايرانية وشيعية. والمشكلة كلها تدور على المعنى الذي يحتمله دلاليا ولغويا لكلمة وفعل “خرج”، وتبعا لحرف الجر الذي يبدل معنى الكلمة الفعل، هل خرج السيد “من” او “عن” او “على” البيئة المذكورة؟ وليست مصادفة ان الذين خرجوا على الطاعة للإمام علي عرفوا في بدايات التاريخ الاسلامي باسم الخوارج. والحال ان سيرة الرجل تحتمل معاني الخروج كلها تبعا لزاوية النظر وللمستوى الذي تضعه عليه هذا الخروج. وقد سعى الرجل، في رأينا، الى توليد هذه المشكلة لانه كان يرى في اطر الانتماء الشائعة آنذاك (واليوم ربما) اشكالا للتعصب والتفرقة والتنابذ. والرجل كان استثنائيا في معنى ما، فهو لامس مشكلات كبيرة يبدو ان العالم الاسلامي لم ينجح كثيرا في حلها، كي لا نقول بأننا ما زلنا نتخبط فيها. وقد اكتسب الافغاني وتبنى سلوكا فلسفيا حكميا جعله دائما ينظر عن علو وارتفاع الى المشهد الكئيب لعالم إسلامي يعج بالعصبيات المتناحرة وبالاستبداد والغلظة الامر الذي كان، في نظره، يتيح للسياسات الاوروبية الاستعمارية، خصوصا بريطانيا، ان تنفذ وان تقولب مصائر بلدان الشرق.

وما دمنا في نطاق “الخروج”، فإن من غرائب الامور ان يرتضي الباحثون الحداثيون بصورة للرجل تجعله بلا نسب وحسب وارحام، اي مقطوعا من شجرة، حتى وان كان هو لم يتزوج ولم يترك ذرية. وهذا الارتضاء، في مجتمعات تعير مكانة كبيرة ولو متفاوتة للروابط العائلية والقرابية والمحلية، انما هو التعبير عن رغبة في “إخراج” الرجل من التاريخ. وهذا ما نقصده بالمغالطة التاريخية التي تحدثنا عنها في بداية المقالة. ومعنى هذا أنه كان من الصعب على البيئة الأفغانية، وهي ما هي، أن تخلق الشروط التاريخية والفكرية والثقافية، التي تسمح آنذاك بنشأة ظاهرة من طراز السيد جمال الدين. وليس في الامر اي حكم قيمة. إذ ليس مصادفة او محض اتفاق ان تكون تجربة جمال الدين تخاطب بيئات وأوساطا مدينية انتقالية تتلقى اكثر من غيرها مفاعيل الاحتكاك بأوروبا والرد عليها بطريقة جديدة (كما هي حال القاهرة والاسكندرية واسطنبول وطهران).

هل يفهم من هذا أنه لن نجد في تاريخ العالم الاسلامي وتبادلاته، اشارة او صورة لعلاقة ما، او لمقايضة ما، بين الأفغان والعرب؟

بلى ثمة شخصيات تدخل في هذا الاطار، واذا كان أصحابنا مصرّون على العثور على “قفشة” تاريخية يتعظون بها، فليأخذوا، على سبيل المثال، حالة شيخ أفغاني آخر اسمه محمد أكرم وقد توفي في القاهرة عام 1870، وكان في التسعين من عمره، ودفن في مقبرة المجاورين الأزهريين. وخريطة رحلته التي أوصلته من أفغانستان الى القاهرة تشبه كثيرا خريطة رحلات جمال الدين (الذهاب الى الهند والى مكة ومن ثم الى اسطنبول ودمشق والقاهرة)، لكن الدلالات مختلفة كثيرا. فالرجل، أي محمد أكرم كان مولعا بتعاليم التصوف وتحديدا بالشيخ الاكبر محيي الدين ابن عربي، وأقام في الازهر في “رواق الأفغانية” المعروف أيضا باسم “رواق السليمانية”، وكان يزوره كبار العلماء والأعيان، واستضافه شيخ طائفة النحّاسين، اضافة الى تاجر أقمشة أفغاني، ويبدو ان بعض كبار المشايخ عرضوا عليه مشيخة الأزهر، لكنه رفض ذلك مبتسما، ويروى أنه قال بأنه لو أعطي حكومة مصر لرفضها. وهو يقصد بقوله هذا ان المتصوف الحقيقي لا يلتفت الى هذه الامور الدنيوية المغرورة. قد لا يجد أصحابنا في ترجمة الشيخ محمد أكرم الأفغاني (الذي لم يتزوج هو ايضا) ما يسعفهم في الحصول على العبرة التي ينشدونها، ذلك ان الشيخ ومعه عالم ثقافي بكامله يعج بالعلماء والطرق الصوفية وطوائف الحرف، “خرجوا”، هم ايضا، من المخيلة التاريخية الحداثية العربية، بالاحرى “أخرجوا” او تعرضوا للكتم التاريخي، ثم يسألون من أين “خرج” أسامة بن لادن؟

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic