شرق وغرب... عنف الإسلام الكولونيالي

عباس بيضون

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

السبت، 29 كانون أول / ديسمبر 2001

  تاريخ النشر:

 

     نادراً ما يستعمل المثقفون العرب مصطلح “شرق غرب”. فالشرق اسم قديم في تاريخ المسيحية الا انه بالنسبة للمسلمين ليس سوى تسمية الغربي لكل ما يقع خارجه، الغرب يقع بالنسبة للعرب قبل اي شرق آخر. لن نجد بالطبع بين الهند وبلاد العرب اليوم ما بينها وما بين الغرب الفرنسي او الانكليزي او حتى الاسباني، وأظن ان هذه حال الهند. فالغرب هو البلد الثاني او الوطن الثاني لكل من بلدان هذا العالم الآخر غير المنسجم والذي لا يجمعه الا ذلك الاسم الغربي “الشرق”. 

الاسلام لا يكفي اسما للبلدان التي يؤمن اهلها به. انه دين هذه البلدان لكنه بالتأكيد ليس قوميتها ولا يستوعب كل ثقافتها. ما بين المسلمين في بلدان الشرق الاوسط وآسيا الوسطى واهٍ جدا. وما بين مصر وأندونيسيا بل وما بين جمهورية إيران الاسلامية والعرب ثقافيا قليل وهو لا يقاس بما بين إيران والغرب والعرب والغرب. 

لا يجد العربي نفسه في الشرق ولا يجد نفسه كليا في الاسلام، وهو على الاقل لا يصدق ان هناك عالمين على الارض وأن الشرق يتوازن حقا مع الغرب. لا يصدق المثقف العربي ان هناك عالمين ولا يعرف لنفسه عالما. لقد فقد عالمه من اللحظة التي بدأ فيها الغزو الغربي العسكري والاقتصادي والثقافي او هو منذ تلك اللحظة اكتشف انه لا يملك عالما. فمن الانصاف ان نقول ان الآلة الغربية الغازية لم تجد مقاومة كافية وخاصة على المستوى الثقافي. لقد غيّر العرب معمارهم ولباسهم وأثاثهم ومرافق حياتهم بسرعة قياسية. الاغلب ان الغزو الغربي لم يجد امامه سوى بنى متآكلة منخورة لكنها لا تزال تحسب نفسها في عالم، بل تظن احيانا انها هي العالم. هذا الاستسلام السريع نسبيا لم يغفره المسلمون العرب لأنفسهم، والارجح ان قدرا من الشعور بالذنب والميل للتكفير في أساس الكراهية العامة للغرب. 

في البدء لم يستطع الاسلام ان يواجه الغزو الغربي. رد المثقفون العرب ذلك حينها الى ترهله وبعده عن عصره وافتقاره الى عصب مواجهة، أما هذا العصب فوجدوه في الثقافة الكولونيالية الجديدة، في دعوة للتغريب ذات عمود فقري قومي، اي دعوة داخل الغرب وضده على طول الخط، فالحركات القومية التي هي الابن غير الشرعي لثقافة مغربة ذهبت بعيدا في تهديم الارث الاسلامي. لقد دمرت العمارة القديمة الرائعة لتحل محلها عمارة عالمية بائسة، وقُضي على الشعر القديم وطرق العيش القديم، وعوملت الفنون القديمة باحتقار، وبطبيعة الحال باتت السمفونية والباليه حلم الموسيقيين، وقامت رواية على النمط البالزاكي واستُلهم الشعر السوريالي والانطباعية (impressionism) في التصوير، وساد مثال الحكومة القومية القوية والجيش الحديث والصناعة... كان الغرب في كل ذلك هو المرجع المثال. لا يُحترم اسم عربي، ولو كان تراثيا، إلا اذا وجد مقابل له في الغرب، ولا يوثق بفكرة او دعوة ان لم يوجد لها اصل غربي. اقيمت فلسفة قومية على بناء سارتري واتخذت تجربة الوحدة الايطالية وتجربة الوحدة الالمانية والدولة البسماركية مثالا قوميا. كان الغرب هو المثال في دعوة معادية للغرب الذي بادر الى دعم الاستبداد الملكي ضد الاكثريات المسلمة والعربية، والاوتوقراطيات ضد الحركات الديموقراطية، فكانت السياسة الغربية ايضا مزدوجة ومتناقضة. 

بوسعنا عند ذاك ان نتكلم عن مثلث غريب: حركات مغربة ضد الغرب وغرب ضد المثال الغربي، وعن هذا المثلث نشأت في بلاد العرب اوضاع غرائبية: نزعات قومية تدمر التراث، وتغريب ثقافي يوازيه سياسيا تحريض ضد الغرب، اقليات عسكرية وأحيانا دينية تدعي التماهي مع الأمة ومستقبلها القومي، حركات إسلامية ترفض الغرب ثقافيا وتسايره سياسيا، ديموقراطيات قبلية وطوائفية، مظاهر تحديث استعراضي تنتهي بنكبات اقتصادية وثقافية، رأسماليات دولة تنتهي بتقاسم الدولة والمتاجرة بها، دول تنهب المجتمع من دون رادع ومجتمعات تنهب الدول، شيوعيات قبلية، استعادة ألف ليلة وليلة عن طريق غارسيا ماركيز، والتصوف الاسلامي عن طريق السوريالية، والمتنبي عن طريق نيتشه وابن رشد عن طريق ديكارت. 

اوضاع غريبة بلا شكل ولا طابع هي ما تبقى من الشرق الاسلامي والعربي. ما تبقى نوع من وضع افتراضي صوري (Virtual): أمم ليست أمما ودول ليست دولا وأنظمة مزدوجة ومتناقضة وشعوب ليست شعوبا وجماهير ليست جماهير وديموقراطيات عشائرية. اي ان ما تبقى مجرد اسماء ذات مرجع غربي وتطلق على اشياء لا تشبهها ولا تشبه اي شيء. انها جمع تناقضات ومظاهر غير متناسبة وأشكال لا شكل لها، فكيف يمكن ان نعتبرها عالما او نعتبرها في عالم. ربما يمكن اعتبارها تلفيقات وادعاءات بل وحتى اكاذيب، وفي ابسط الاحوال هي مظاهر لم تجد اسما بعد لكنها ليست شرقا ولا إسلاما، وأكثر ما يناسبها ان تُعتبر تشويهات غربية او ان تنسب الى عالم معلق هو العالم الكولونيالي الذي هو المرآة المشوّهة للغرب. 

**********

لا يصدق المثقفون العرب ان هناك عالمين، وأن لهم عالمهم الخاص الشرقي او الاسلامي او العربي، فما نسميه شرقا او عالما إسلاميا هو نوع من غرب افتراضي (Virtual). هو ما تركه النظام الاستعماري. تدمرت البنى القديمة او استلحقت بآليات النظام الغربي. تم ذلك على نحو خبيث ومؤلم ودون اي اعتبار إنساني. النظم التي نشأت على الغزو الاستعماري واستمرت بعده هي اذرعة ومخافر أمامية لنظم عالمية. “الشرق” الحالي هو اختراع غربي. ليس هناك سوى عالم واحد ونظام واحد وما نسميه الشرق هو الوجه الخطأ كما يقول "Baudrillardس او الوجه السيّئ للنظام الغربي. 

هناك شرق كولونيالي او انظمة كولونيالية في الشرق، اي ببساطة تركيبات غريبة لا تشبه سوى نفسها، وهي مزيج من انهيار البنى واستعمال سيّئ وخارجي لها (هل نعود الى الحديث عن الاستلاب Alienation). هذه التركيبات تحمل ظاهريا اشكالا موصوفة لكن عندما نقول هنا: دولة، مجتمع، ثقافة وطنية، نظام سياسي، نقول عناوين لا تملك بنى ملائمة لها وقد تملك بنى مضادة. بنى يصعب تآلفها او قبولها او الانتماء إليها برغم السنين الطويلة التي انقضت عليها. فهي تبقي اهلها في غربة دائمة وانقسام دائم. انهم لا يستطيعون ان ينتموا الى حاضر ولا يملكون شيئا خاصا بهم. لا يملكون مثالات وصورا ومعايير خاصة بهم. كل ذلك من الغرب وليس من حقيقة في المجتمعات المدعوة “شرقية” خارج الغرب. ليس فيها سوى ذلك الهوس الغربي. الغرب هو كل حياة الشرق المكروهة وكل عالمه، ففيه (اي الغرب) الاصل والحقائق الصحيحة والكاذبة والمثالات السلبية والايجابية والرموز والمعايير كلها. ما من شيء موجود او قابل للوجود في حياة هذا “الشرق” ما لم يتدعم بإثبات غربي. حياته هي الظل والصدى والتقليد والمحاكاة، اي ان وجوده ممتص تماما من الآخر، وليس امامه سوى الافتتان والعبادة او الرغبة في القتل، او الافتتان مع الرغبة في القتل (رمزية ودموية احيانا). 

**********

في عالم معلق كهذا وفي معاناة وجود بلا حقيقة لا تبقى سوى “العناوين” لشعوب فخورة بتاريخها ولأفراد لا يعيشون سوى الاقتلاع داخل نفوسهم وثقافاتهم وبلادهم نفسها. تبقى الذكريات الكاذبة والصحيحة والمخترعة. تبقى عبارات مقطوعة عن سياقها. تبقى ايديولوجيا صافية مع القوة الاستثنائية للكلمات والشعارات والاتكال المطلق على فتات تاريخي وعلى القوة التعزيمية للهتافات والكليشيهات. هذا فقر في معرفة الحاضر، لكنه ايضا إفقار للتاريخ وتحويل له الى فتات ايديولوجي. من هنا يخرج ايضا اسلام كولونيالي. 

من الغريب إلقاء اللوم والمسؤولية على الاسلام التاريخي الذي ظهر من حوالى 14 قرنا، او القول ان بذرة العنف والانتحار موجودة في هذا الدين منذ ذلك الزمن، او الادعاء بأن هذا الدين هو وحده الذي لا يتحول ولا يجري عليه التاريخ ومجتمعاته بالتالي لا تتحول ولا يجري عليها التاريخ. هذا، من دون مواربة، عنصرية وتخلٍّ عن محاسبة الذات. 

تلك للأسف الفكرة التي زرعها كثيرون في العقل الغربي. فكرة شعوب وعقائد لا تاريخية. ان البحث عن مصدر العنف الاسلامي في دعوة “الجهاد” وحدها تبسيط مضحك، وخاصة عندما يتعلق الامر بشعوب مغلوبة وعقيدة لم يعد لها منذ مئات السنين قدرة على الدفاع، وتحطمت قوتها في اماكنها وأوطانها. التلويح برعب فكرة “الأمة الاسلامية” هو ايضا، من هذا القبيل، تبسيط عنصري وجاهل. فالواقع ان المسلمين لم يؤلفوا امة واحدة في اي وقت، كما ان الاسلام الاول كان ذكيا للدرجة التي فضل فيها ان يستفيد من خبرات غير المسلمين وضرائبهم بدلا من ان يعرضهم للاستئصال العنصري. سرعان ما فضلت الدولة الاولى بعد محمد (الاموية) الجباية على الهداية، ولا يسعنا ان نجد في فتوحات الدولتين الاسلاميتين الاوليين الاموية والعباسية سوى توسع امبراطوري تحت شعار ديني تجري خيانته كل يوم ولا يرتب عبئا. لا ننسى تبعية رجال الدين المطلقة للحاكم والسلوك اللاديني للطبقات العليا. 

تحول الاسلام في طور كبير من تاريخه الى مجتمع كوني وثقافة كونية وشاملة تحوي الدين والهرطقة والمنطق الارسطوي والدعوة الى توحيد الاديان ومطابقة العقل والوحي والباطنية والتصوف وحتى التلويح بديانات جديدة. 

العنف الكولونيالي 
هناك بالطبع تاريخ عنفي للإسلام لكنه ليس استثنائيا بالقياس للتواريخ الامبراطورية في العالم القديم، وقد يكون رحيما بالنسبة للعنف الاستعماري والتوتاليتاري في العالم الحديث. لكن هذا الاسلام تحطم في جملة ما تحطم او تحطمت بقاياه المتكلسة بعد الغزو الاستعماري، والعنف الذي نشهده اليوم هو عنف اسلام ما بعد الغزو. عنف الاسلام الكولونيالي ابن الثقافة الكولونيالية والعنف الكولونيالي نفسه. لقد فرض الاستعمار في البلدان المستعمرة عنفا غير مسبوق يسمح بالاستئصال الجماعي والاغتيال والعقوبات الجماعية والتهجير الجماعي والازدراء الثقافي. للمثال اذكّر بالاستعمار الفرنسي للجزائر وأحسب ان عنف الجماعات الاسلامية الجزائرية هو الابن الشرعي لهذا العنف ولم ينزل من مبدأ الجهاد الاسلامي وحده. العنف الاستعماري والثقافة الكولونيالية هما المحيط الذي نشأ فيه العنف الاسلامي الحديث (لنتذكر ايضا الاستعمار الانكليزي والسوفياتي في افغانستان). الارجح ان النزعة الاستئصالية ومبدأ العقوبات الجماعية لا يعودان الى العقيدة الاسلامية بقدر ما يعودان الى الممارسة الاستعمارية نفسها. كما اننا لا نعرف في التاريخ الاسلامي طورا انتحاريا، وفترة الحشاشين هامشية وضيقة وغير مسبوقة. 

**********

عودة الاسلام الى البروز في الساحة السياسية العربية بعد فشل الانظمة القومية لا يعني الا ان الاسلام هو الوريث الحالي للنزعة القومية الراديكالية التي لا تستمد من عقيدة الأمة الاسلامية بقدر ما تستمد من الثقافة الكولونيالية نفسها، والاسلام العنيف الحالي، وإن بدت هذه فكرة بعيدة جدا، هو لقيط غربي. 

الغرب ليس اختراع الشرق لكن الشرق اختراع الغرب. إنه اللاعالم، اللامكان الذي وجد في ظل سيادة النمط الغربي حاملا نوعا من الغربة الكونية. مهما كان تفجير البرجين والبنتاغون بربريا ومؤلما الا ان تأديب العالم بالصواريخ لا يفعل سوى تعزيز فكرتنا عن العنف الغربي وسوى استفزاز العنف المضاد الذي هو ابنه غير الشرعي. في ذلك مزيد من تجاهل الغرب لمسؤوليته في إلغاء “الشرق” ومعاقبة اسمه كل مرة. تضخيم الاسلام المهزوم والتقديم المشهدي له تمهيد لهزيمته ثانية وثالثة وسيتسبب ذلك بمزيد من الكره لأميركا التي تتحمل، مشكورة اليوم، كل مساوئ وعنف النظام الغربي داخل كل العالم المقهور وحتى داخل الغرب الهامشي نفسه. ان اختراع “الشرق” بغية إبقائه هدفا ثابتا لصراع مشهدي (Spectacular) لا يمنع ان هذا الشرق لا يملك ابسط اواليات الدفاع. تهرب اميركا من مسؤوليتها تجاه الكون (البيئة والسلاح النووي والفقر والتنمية) لكنها تريد ان تهرب من مسؤولياتها في صورة مشهدية: حملة فضائية عالمية على الكوكب الافغاني المتمرد، وأميركا بذلك ترث ليس بذكاء كل تاريخ العنف الاستعماري الغربي وحججه الاولى وأوالياته البدائية. كان بوسع النظام الطالباني ان يتعفن وحده لو قدمت مساعدة كافية لمنشقيه ومعارضيه وأحكم حصاره، لكن اميركا لا تريد حلولا وهي تفعل في افغانستان ما فعلته في العراق، اي ترك وضع مأساوي معلقا وتحت رحمتها كل حين. 

اليوم نكاد ننسى تفجير البرجين او نرى بالعين نفسها تقريبا مئات الافغان المدنيين الذين يدفنون تحت الركام. ليس هذا بالطبع السبيل الافضل للمصالحة بين الشرق والغرب، ولا السبيل الافضل لإعادة الشرق الى عالم يستحقه بدلا من ان يبقى اسما معاقبا ومشبوها. انها على الاقل، مشهديا، صورة الغزو مجدداً تحت شعارات التمدين ومرة ثانية الاسطورة الاستعمارية نفسها التي يبدو فيها الضعيف مهاجما والقوي القادر في موقف الدفاع. 

**********

الشرق بالطبع مسؤول. انه لا يبدي إرادة قوية ومبادرة، لكن ذلك بحجة ضعفه ودماره التاريخي، وإذا لم يفعل احد شيئا جديا لمساعدته فإن حجة كهذه قد تتحول الى هذيان. كذلك فإن فكرة الاميركي القادر على القتل في الفضاء من دون ان يموت او يتعرض للموت هي فكرتنا السيئة عن الله وهي فكرة جنونية ايضا. هكذا يتقابل المبدأ الاستعماري القديم بالشعار الإلهي القديم. التمدين الاميركي مقابل الهداية الطالبانية. تنبعث اسطورتان وجنونان في عالم لم يبق له الا ان يتعلم الكثير من السينما. 


 نُشر هذا النص مترجماً إلى الألمانية في العدد السنوي لمجلة “دي تزايت”.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic