دفاتر أزمة

محمد حسنين هيكل

السفير

الخميس، 3 كانون ثاني / يناير 2002

 

     ما الذي فعلناه بأمتنا العربية، وما الذي فعلناه بأنفسنا، وقضايانا، والمستقبل؟ أسئلة تذكر بها مناسبات: 

- المناسبة الأولى: أننا في نهاية عام أخذ وقته وانقضى، وفي بداية عام جديد تهل اليوم مطالعه، وقد تعوّد الناس في مثل هذه المناسبات أن يقوموا بعمليات جرد يفحصون فيها دفاترهم، ويراجعون بنودها، ثم يتفكرون في ما كان ويكون! 

- والمناسبة الثانية: أن الأمة، بشكل واضح، تعيش حالة أزمة، والأزمات في التجربة الإنسانية الواعية أشد ما يدعو الناس إلى الفحص والمراجعة، لأن أحوال اليسر تزين لهم بحقائق الأشياء أن يتساهلوا ويتفاءلوا، لكنه في أوقات العسر فإن حقائق الأشياء تضغط عليهم بالتنبيه والتحذير قبل أن تتراكم الخسارة على الخسارة ويحل الإفلاس! 

AdabWaFan

محمد حسنين هيكل

السعر: 9:00 $ فقط!

- والمناسبة الثالثة: أن الأمة العربية (بكافة شعوبها) تحس أن ما جرى ويجري في أفغانستان وفلسطين اليوم، والمنطقة الواقعة بين أفغانستان وفلسطين غدا يطوقها بحالة حصار أو شبه حصار: عسكري وسياسي اقتصادي وفكري. وكانت الأمة تستشعر قبل أحداث 11 سبتمبر 1002 (صواعق النار فوق نيويورك وواشنطن) أنها تنزلق إلى منحدر، وفي أعقاب ما تداعى بعد 11 سبتمبر، اكتشفت الأمة أنها بالفعل على حافة الهاوية، وحولها ركام من بقايا حقائق وأكاذيب وبقايا أحلام وأوهام ليس بينها “وتد” متين يمكنها التعلق به أو الاستناد إليه لتفادي السقوط إلا أن تقع معجزة! 

والمعجزة في حياة إنسان فرد تحتاج إلى الخوارق أو شيء منها، لكنها في حياة الشعوب والأمم لا تحتاج لغير شرط واحد هو “يقظة الإرادة”، خصوصا في حالة أمة وراءها تجربة في صنع التاريخ ومعها ثقافة استوعبت عصورا من شراكة الحضارة الإنسانية بدرجة زادت أحيانا وقلّت وفوقهما نضج صنعته قرون طويلة من صراعات القوة انتصرت فيها مرات أو عجزت. 

والشاهد أن “يقظة الإرادة” تستدعي ثقافة التجربة، ثم إن ثقافة التجربة بدورها تستدعي حكمة العقل، برغم ما تدفع إليه مشاعر الخوف بهاجس أن مزالق الخطر لا تستطيع انتظار الحكمة، بل تستعجل سرعة الحركة. بينما الحقيقة أن الحركة بغير الحكمة رد فعل لا إرادي، عصبي أقرب إلى التشنج منه إلى القصد والفعل الواعي، كما أن الخوف وما يتعجل به آخر المطلوب عند الحافة وعندما تكون فرص النجاة معلقة بالمعجزة! 

ولعل مساءلة النفس بقصد المراجعة والفحص هي النقلة الأولية والضرورية لناحية السلامة، ثم الابتعاد ولو زحفا عن الحافة نقلة بعد نقلة حتى يمكن الوقوف على القدمين بحثا عن مخرج من حالة الحصار والعودة من جديد إلى مجرى الحياة. 

والأمم والشعوب القادرة حين تسائل نفسها لا تفعل ذلك بقصد التفجع والندم، فهي تعي أن حركة التاريخ زمان غير قابل للاستعادة حتى يمكن تعديل مساره بأثر رجعي، وهي تعي أيضا أن حركة التاريخ تتأثر بعناصر لا إرادية، مجملها أن الأمم والشعوب لا تختار مواقعها من الأرض ومواردها، ولا تتحكم في جوارها ومحيطها كي تختار الأكثر أمناً فيه والأوفر غنى. 

وبالتحديد فإن حركة التاريخ احتكاك مطالب ومصالح، وضغوط مشاق ومصاعب، وتدافع أشواق تطلب الرقي والرفعة، وهي توفر لنفسها حق الاختيار إذا أحسنت التقدير، وتلك بالضبط مهمة السياسة، باعتبارها علم وفن استخدام إرادة المجتمعات في إدارة إمكانيات مواقعها ومواردها وطاقاتها الإنسانية لتحقيق طموحاتها حاضرا ومستقبلا. 

وهنا يجيء ما يستحق الوقوف أمامه في ذلك القول المأثور عن الرئيس الأميركي الأسبق “دوايت أيزنهاور” والذي جمع فيه خلاصة خبرته قائلا: “إن السياسات الطيبة ليست ضمانا أكيدا للنجاح، لكن السياسات السيئة ضمان محقق للفشل”. 

وأمام مناسبات تدعو الأمة إلى التذكر والتفكر، وتفرض إعادة فحص الدفاتر ومراجعة الحسابات فإن مساءلة النفس واردة وربما واجبة: 

كيف وصلنا إلى هنا؟ عن أي طريق؟ ولأي سبب؟ 

وتلك الأسئلة في الظروف الراهنة، مشروعة، عاجلة وملحة، وهي تستحق إجابات تقريرية وليست إنشائية، محددة وليست مطلقة، وذلك هو الأسلوب المعتمد في تقدير حسابات الربح والخسارة والمضاهاة حسب تعبير أيزنهاور “بين سياسات طيبة قد لا تضمن النجاح أكيدا، وسياسات سيئة تضمن الفشل محققا”! 

والظاهر للجميع أن “الفشل المحقق” هو النتيجة التي ضمنتها السياسة العربية لنفسها بشهادة ما جرى ويجري اليوم في أفغانستان وفلسطين وغداً حولهما وفي المنطقة الواقعة بينهما من قلب آسيا حتى شرق البحر الأبيض ومعنى ذلك بمرجعية أيزنهاور: أن السياسات العربية كانت سيئة مع اعتبار أن أيزنهاور مرجعية يمكن الاعتماد عليها لأن تجربته كانت بشهادة النتائج ناجحة وكذلك شاملة: 

فأيزنهاور هو الضابط العسكري الرفيع الرتبة الذي قاد جيوش الحلفاء لانتصار الحرب العالمية الثانية، وتلك أقرب وأشهر قصة صراع في الذاكرة البشرية. 

وهو أيضا رئيس الدولة الذي أدار سياسة أميركا ثماني سنوات من بداية إلى نهاية خمسينيات القرن العشرين، وهي فترة شهدت مجيء الولايات المتحدة من وراء المحيط مصممة على أن يكون لها الدور المحوري في ترتيب شئون عالم ما بعد الحرب والنصر. 

ثم إن تلك السنوات الثماني كانت مرحلة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، وفيها جرى اعتماد “السياسة” أو السياسات التي ثبت أنها حققت لأميركا انتصارها في الحرب الباردة بدليل سقوط الاتحاد السوفياتي وانفراط عقده. 

ومن المدهش أنه حين يسأل العرب أنفسهم: كيف وصلنا إلى هنا؟ وعن أي طريق؟ ولأي سبب؟ فإن المفاجأة التي تنتظرهم هي لحظة يكتشفون أن بداية الخلل في دفاترهم وأخطائهم في الرصد والقيد وقعت بإملاء أيزنهاور أو سياساته على الأقل. 

والشاهد هو الملفات والأوراق! 

********************
الدفتر الأول 
الورقة الأولى 
الحرب بإطلاق الأفكار وليست بإطلاق النار

     عندما استسلمت جيوش ألمانيا النازية بلا قيد ولا شرط أمام الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية بقيادة “دوايت أيزنهاور”، كانت القوى المسيطرة في أميركا تفكر فعلا في الحرب القادمة مع الاتحاد السوفياتي، رغم أنه كان شريكها الشرقي في النصر. وكان محسوسا وملموسا حتى من قبل نشوب الحرب، أن العداء لهتلر هو الذي جمع الأميركيين على الروس مضطرين أكثر من مختارين، فالرأي الأصلي عندهم قبل هتلر وبعده أن المستقبل صراع إلى النهاية بين الرأسمالية والشيوعية، أي بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي. 

وفي اللحظة التي انتهت فيها الحرب العالمية الثانية فإن القوى المتنفذة في أميركا وقع اختيارها على قائد النصر ضد “هتلر” ليكون بنفسه قائد النصر ضد “ستالين”! 

وكان ظاهرا بدون إعادة السؤال مرتين أن الحرب الجديدة ليست تكرارا للحرب السابقة، لأن السلاح الذي فصل في الحرب السابقة، وهو القنبلة الذرية، لم يعد قابلا للاستعمال في الحرب اللاحقة، لأن الولايات المتحدة خسرت احتكارها للأسلحة الذرية عندما لحقها الاتحاد السوفياتي إلى سرها بفاصل سنتين اثنتين. 

وكان تأهيل “أيزنهاور” لقيادة الحرب الجديدة إعدادا يستحق النظر: 

ومثلا فإنه عندما نشر “أيزنهاور” مذكراته عن سنوات الحرب كان العنوان الذي “اختاروه” لها هو: “حملة صليبية في أوروبا” <> (النازية في تلك الحالة)، لكن الإشارة إلى الحروب الصليبية الدينية الإيمانية كانت لها مقاصد ومعبأة بحمولات. 

وفي مثال آخر فإنه عندما بدأ إعداد “أيزنهاور” للحياة المدنية، كان المنصب الذي “اختير” له هو منصب رئيس جامعة “كولومبيا”، وهكذا فإن الرجل الذي خلع سترته العسكرية بنهاية خدمته قائدا عاما لقوات الحلفاء، اكتسى بالرداء الجامعي يبدل هندامه ويرتبه للخدمة في البيت الأبيض رئيسا للولايات المتحدة الأميركية (وزعيما للعالم الحر كما كان يقال تلك الأيام). 

وحدث في ما بعد عندما أراد “أيزنهاور” أن يكتب مذكراته عن سنوات رئاسته للولايات المتحدة، أن العنوان الذي “اختاروه” لها كان “شن السلام” <>، لكن السلام لا “يُشن” وإنما يصنع بأسلوب آخر غير شن الحملات (صليبية أو غير صليبية). 

لكن تلك كلها كانت إشارات محسوبة ومتعمدة، تومئ إلى تغيير رئيسي في الأسلحة تنتقل به الحرب من “إطلاق النار” إلى “إطلاق الأفكار”. 

كان التقدير أن الصراع بين الرأسمالية والشيوعية حتمي، وأن هذا الصراع لا يمكن أن يدور بين الاثنين مباشرة في ميادين قتال، لأنه في تلك الميادين معرض في أي لحظة للتصاعد إلى المستوى النووي، وذلك فوق احتمال أي طرف حتى إذا سبق عدوه في حجم ما تكدس داخل ترساناته من رؤوس نووية، ذلك أن إمكانية الردع المتبادل بحاملات الرؤوس النووية من الصواريخ المتحركة (في أعماق البحر أو أعالي الفضاء) تلغي الفاصل بين النصر والهزيمة بدمار مروّع للطرفين، المهزوم فيه قتيل بالكامل والمنتصر ثلاثة أرباع قتيل، وكلا الاحتمالين مستحيل! 

وإذن فهو صراع إلى النهاية بغير سلاح وبغير نار! 

ثم إنه صراع مزدوج: 

طرفان لكل منهما نظرية في ترتيب وإدارة شؤون المجتمعات: مواقعها، مواردها، ومستقبلها. ومكمن الخطر أن كل نظرية تطلب التفوق تجسد نفسها ذات الوقت في قوة عظمى، ومؤدى ذلك أن النظريتين في النهاية قوتان نوويتان على طريق صدام. وفي غيبة القدرة على فرض التفوق بالنار، فإن كل نظرية ليست لديها وسيلة غير أن تعرض ما لديها على الدنيا وعلى الناس باعتباره طريق الخلاص. 

ومعنى ذلك أنها صور في الأحلام لها القدرة على صنع مثال في الواقع يجذب قلوب وعقول آخرين بعضهم ينتمي إلى العالم المتقدم (وهم يريدون إعادة ترميم حياتهم بعد إعصار الحرب)، وبعضهم الآخر ينتمي إلى العالم المتخلف الذي أيقظه إعصار الحرب، (وقد هرولوا إلى الساحة باحثين عن حلم وعن مثال). 

ومعنى ذلك أيضا أن الصراع في شكله الجديد صراع نظريات (أفكار) لها القدرة على التحقيق (تجربة حية). 

يصاحب ذلك إدراك عملي بأن احتكاك النظرية الرأسمالية والشيوعية و”المثال” المجتمعي المتجسد للاثنتين في دولة، لن يكون بينهما مباشرة وإنما “يجوز” أن يكون عند غيرهما وعلى أرضه. 

يلي ذلك أنه إذا وصل الاحتكاك إلى الدرجة التي يتطاير فيها شرر وينشب حريق، فإن النار يجب أن تظل بعيدة عن الترسانات النووية أي هناك على أرض الآخرين! 

وهكذا فهي بالدرجة الأولى حرب في قلوب وعقول هؤلاء الآخرين ثم إنها في الدرجة الثانية وإذا حكمت الظروف حريق على أرض هؤلاء الآخرين. 

وكذلك انطلقت النظريتان القوتان إلى سباق يقطع الأنفاس وكانت تلك هي الحرب الباردة!، وقد توافقت بدايتها مع رئاسة “أيزنهاور” للولايات المتحدة الأميركية، وكانت إدارته هي التي وضعت استراتيجياتها وخططها وسياساتها. 

********************
الورقة الثانية 
حول البحر الأبيض ... شرقا وغربا 

     وكانت الساحة الرئيسية على خريطة الحرب الباردة تدور حول البؤرة التي دار حولها التاريخ الإنساني المكتوب، وهي البحر الأبيض وما حوله في كل الاتجاهات: شمالا وشرقا وجنوبا. 

إلى الشمال: هناك أوروبا الغربية وقد خرجت بلدانها بلا استثناء منهكة من الحرب (فرنسا وإيطاليا مثلا)، أو مدمرة (ألمانيا وحتى بريطانيا). 

إلى الشرق: هناك الخلجان والوديان والصحاري الواقعة من البحر وحتى أقاصي الهند، وهي ما يطلق عليه وصف الشرق الأدنى أحيانا والشرق الأوسط أحيانا أخرى. 

إلى الجنوب: هناك الشواطئ الخضراء وبحار الرمال والغابات حتى قلب أفريقيا. 

وهنا موقع العالم العربي في الوسط تماما من هذه الرقعة الواسعة. وخارجها كانت بقية العالم بعيدة خصوصا أن بعض الأقاليم تبدت مصائرها مقررة أو مؤجلة أو معزولة: أميركا اللاتينية مقررة كمنطقة نفوذ للولايات المتحدة، والصين مؤجلة لأنها الآن فتحت أبوابها للشيوعية، وبلد مثل أستراليا بعيد بالمكان وحتى بالزمان! 

وكذلك تركز صراع الحرب الباردة حول البحر الأبيض: شماله (في أوروبا)، وشرقه (العالم العربي وغلافه الإسلامي: بالذات تركيا وإيران وباكستان). 

وباختصار فقد كانت للحرب الباردة ضفتان: ضفة غرب أوروبية وضفة شرق أوسطية، وكل منهما تحتاج إلى استراتيجية خاصة بها وإلى خطط وسياسات تصلح لها وحدها. 

وبان للناظرين أن كل ضفة رسمت خريطتها بنفسها أي بأحوالها وظروفها: 

( بالنسبة للضفة الشمالية الغرب أوروبية فإن بلدانها جميعا كانت دولا متقدمة استنزفتها الحرب، والظاهر أن هذا الاستنزاف هو الذي يكشفها لغواية العقيدة الشيوعية ومثالها السوفياتي مع ملاحظة أن هذه البلدان والدول وصلت بالتقدم الذي أحرزته قبل الحرب إلى درجة عالية من الديمقراطية سمحت ضمن ما سمحت بوجود أحزاب شيوعية، ومع الأوضاع المستجدة بعد الحرب فإن هذه الأحزاب يمكن تشجيعها وتوجيهها بحيث تتحول إلى قواعد موالية لموسكو داخل أوطانها، وإذا كان يُراد حماية هذه الأوطان من غواية العقيدة الشيوعية ومثالها السوفياتي إذن فإن الحل هو مساعدة هذه البلدان والدول بما يمكنها من العودة إلى سابق أحوالها المتقدمة ويضخ الحيوية في عروقها، ويحصنها بالرخاء ضد العثرات والمزالق، وذلك ما فعلته الولايات المتحدة الأميركية بمساعداتها السخية التي أتاحت للغرب الأوروبي أن يعاود الوقوف على قدميه قادرا على مواصلة التقدم، متمسكا بالتعددية الديمقراطية، وقد عرفها من قبل الحرب العالمية. 

وأما بالنسبة للضفة الجنوبية الشرق أوسطية فإن واقع الحال كان مختلفا، ذلك أن معظم بلدانها ودولها فاتتها عصور التنوير، والنهضة، ومنظومة القيم التي أتت معها، كما فاتتها عصور الانطلاق التجاري والصناعي والمالي واتساع الثروة التي راكمتها، وبالتالي فهذه البلدان والدول أمامها على طريق التقدم عقبات وعوائق يصعب اجتيازها ببرامج للمساعدات الاقتصادية مهما كانت سخية، ومع التخلف والضعف الذاتي زائدا عليها جاذبية صور التقدم التي تراها هذه البلدان والدول الشرق أوسطية متحققة أمامها في عوالم قريبة منها (على الضفة الأخرى شمال البحر الأبيض) فإن هذه البلدان والدول جنوب البحر سوف تجد نفسها ممزقة بين واقعها وطموحها، وذلك يجعلها مكشوفة، فإذا أريد تحصينها ضد الغواية، إذن فهو الدين يعوض عن الدنيا، ويعد بجنة في الحياة الأخرى تشتريها هذه الحياة الأولى. والأرضية اللازمة لهذه المقايضة جاهزة لأن مادية الشيوعية بالقطع متصادمة مع روحانية الدين. 

وكذلك رسمت الخرائط وكذلك تحددت وسائل الحرب الباردة وتحددت أسلحتها على ضفتي البحر الأبيض: شمالا وجنوبا: 

- الضفة الغرب أوروبية فإن الوسيلة الرئيسية فيها “مشروع مارشال” يعطي للمتقدمين سابقا فرصة استعادة التقدم ومعه الديمقراطية، والسلاح الحامي لاستئناف التقدم هو منظمة حلف الأطلنطي. 

- والضفة الشرق أوسطية فإن الوسيلة الرئيسية فيها هي الدين وأفضله من وجهة نظر أميركية ما ركز على استعادة القديم بدعوى الرجوع إلى الأصول، والسلاح الضامن للأصول في هذه الحالة عمل من وراء ستار، لأن الولايات المتحدة لا تستطيع على المكشوف أن تقف وتدعو من شرفات المآذن أو أبراج الكنائس إلى التمسك بأهداب الدين والعزوف عن مطالب الدنيا رجاءً في نعيم الآخرة. 

********************
الورقة الثالثة 
خطف الأديان سبق خطف الطائرات! 

     عندما انتخب “دوايت أيزنهاور” رئيسا للولايات المتحدة الأميركية في شهر نوفمبر سنة 2591 ودخل البيت الأبيض أواخر يناير 3591 اختار معه رجلين لأعلى المناصب في إدارته، وتصادف أنهما شقيقان لأب قضى عمره وعمله قسيسا داعيا إلى ملكوت السماء! 

أولهما “جون فوستر دالاس” في موقع وزير الخارجية، وكان المبشر الأعلى صوتا بأن “الدين” هو السلاح الأكثر فاعلية ونفاذا في العالم الثالث، لأنه الهوية التقليدية لشعوب وأمم ما زالت مع وعيها العذري الفطري، والدين بالنسبة لها عقد سياسي واجتماعي وحيد تقيم به جسرا بين الآخرة والأولى! 

والشقيق الثاني “آلان دالاس” في موقع مدير وكالة المخابرات المركزية التي أوكلت إليها مهمة إدارة الحرب الجديدة (الباردة) وسلاحها “إطلاق الأفكار وليس إطلاق النار”، وبما أن الاستراتيجية الأميركية في العالم الثالث اعتمدت على سلاح الاعتقاد ضد تهديد الإلحاد، فإن وكالة المخابرات الأميركية تجاسرت على اتخاذ شعارات الإسلام وهي العقيدة الأكثر انتشارا في المنطقة لتكون وسيلتها وذخيرة سلاحها. 

وفي الشهر الأول من رئاسة “أيزنهاور”، كانت الخطوط الرئيسية لسياسة إدارته قد تم تحديدها، بل وتسميتها بوصف معركة القرن (نصف القرن في الحقيقة لأن القرن العشرين كان قد بلغ منتصف عمره!). وميدان المعركة هو الشرق الأوسط بالتحديد، والسبب حسب شرح الرئيس “أيزنهاور” في وثيقة توجيه استراتيجي بتوقيعه: “أن منطقة الشرق الأوسط هي المنطقة الوحيدة في العالم التي تعيش حالة انكشاف كامل أمام الاتحاد السوفياتي عسكريا وسياسيا”. 

عسكريا: لأن حلف الأطلنطي يغطي أوروبا الغربية، كما أن حلف جنوب شرق آسيا يدور على جوار الصين، لكن المنطقة بين الحلفين هي الثغرة المفتوحة والقلقة. والإمبراطورية البريطانية تزعم أنها قادرة على ملء الفراغ في هذه المنطقة، بينما هي عاجزة وحدها، ثم إنه عندما اقتنعت بريطانيا بأن الأمن في المستقبل ترتيبات جماعية وليس تفردا إمبراطوريا فإن الحكومة البريطانية أصرت على أن تكون هي التي تعرض الترتيبات الجماعية للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، لكن دول هذه المنطقة تشككت على الفور في العرض البريطاني واعتبرته محاولة للتغطية على الوجود الإمبراطوري الذي طال على أراضيها، والآن يراد منحه رخصة متجددة للاستمرار بتمويه شكل حلف جماعي، وكذلك كان الرأي في واشنطن أنه إذا كانت بريطانيا في موضع الشك، فإن الولايات المتحدة تستطيع أن تطل على المنطقة بشيرا بوعد جديد ليس له ماضٍ إمبراطوري (في الشرق الأوسط على الأقل)، وإذن فإنه يتعين على الولايات المتحدة أن تأخذ الأمور في يدها وتبادر هي وتعرض! 

وسياسيا: فإن شعوب منطقة الشرق الأوسط راودها حلم أن تستقل وتنهض بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لكن هذه الشعوب فقيرة مستضعفة، فإذا كان على الولايات المتحدة أن تملأ الفراغ العسكري في المنطقة، فإن الفراغ السياسي يصبح مسؤوليتها كذلك، ومن أجل ملء الفراغ السياسي في المنطقة فإن الولايات المتحدة عليها: 

1 أن تساير القوى الجديدة في المنطقة بأن تدغدغ أحلامها بأسلوب وطريقة الحياة الأميركية وبريقها، وتحاول مساعدتها إلى حد يعطيها الفرصة للضغط عليها عند اللزوم وتقديرها أن طموح هذه القوى الجديدة لا يستند إلى بنية أساسية حديثة: زراعية أو صناعية أو علمية قادرة أو تراث تحرري له في الأرض جذور بحيث تنطلق لتحقيق مشروعها بالطريق الديمقراطي، ومؤدى ذلك أن القوى الجديدة في الشرق الأوسط سوف تواجه في الغالب عقبات كبيرة تعطل أحلامها وتصيب شعوبها بالإحباط نتيجة التناقض بين “الوعد” والتأخر في “الوفاء بالوعد”! 

2 أن الولايات المتحدة عليها في الوقت نفسه أن تحتفظ بعلاقاتها وتدعمها مع القوى التقليدية في الشرق الأوسط؛ لأن هذه القوى هي الأقرب إلى أرض الواقع الراهن، يساعدها أن مسؤوليتها فيه مأمونة، فهي ليست مطالبة بغير “المحافظة على الموروث”، وذلك على عكس التزام قوى التجديد “بالتغيير” ولكل تغيير مخاطره. 
يتصل بذلك وتلك حقيقة لا يصح أن تُنسى أن القوى التقليدية في الشرق الأوسط هي بذاتها السلطة الحاكمة في مناطق البترول، في شبه الجزيرة العربية (على الأقل إلى عقود قادمة)، ومعنى ذلك أن السياسة الأميركية عليها حفظ ميزان شديد الحساسية بين القوى الفاعلة في الشرق الأوسط: تقليدية سابقة أو تجديدية لاحقة. 

3 ولأن حفظ هذا الميزان مسألة معقدة فإن مرونة السياسة الأميركية أمامها امتحان صعب: كيف يمكن لها مسايرة قوى التجديد بحيث لا تتحول إلى تهديد تجمح به التطلعات إلى بعيد داخل المنطقة أو خارجها؟ 
وفي المقابل كيف يمكن مساندة قوى التقليد بحيث تستطيع المحافظة على سلطتها إلى أطول زمان ممكن، لأن هذه القوى فضلا عن سلطتها في مناطق النفط تستطيع تثبيت قوى التجديد في مكانها، وتعطلها إذا “شردت” بما يؤثر على استقرار وأمن المنطقة (من وجهة نظر أميركية)؟ 

4 وبما أن هذا الشد والجذب بالدرجة الأولى صراع أفكار في عقول الناس وقلوبهم، وبما أن ممارسته لا يمكن إدارتها بأي وسيلة من وسائل الإجبار فإن وكالة المخابرات المركزية مكلفة بإدارة معركة القرن في الشرق الأوسط، ولها كل الصلاحيات في مسايرة قوى التجديد وحماية قوى التقليد، ولها في ذلك مساندة العنف إذا دعت الضرورة (مع ملاحظة أن عنف أجهزة المخابرات لا يكون في العادة حربا مسلحة وإنما يكون انقلابا من الداخل). 

5 ولكي يمكن إدارة معركة القرن بأمان فإن الضرورات تستوجب فك أجهزة التفجير في “بؤر التوتر” المشحونة بالخطر في المنطقة، وأولها الصراع العربي الإسرائيلي. فهذا الصراع هو “جهاز الاشتعال” الجاهز الذي يستطيع الاتحاد السوفياتي أن يلعب به، ثم إن هذا الصراع هو كذلك مخزن الوقود الذي يمكن أن تستولي عليه قوى التجديد “لتسخين” جماهيرها وتعبئة هذه الجماهير. 
أي إن حل الصراع العربي الإسرائيلي يصبح المهمة الأولى التي يجب أن تضطلع بها “وكالة المخابرات المركزية” تساعدها وزارة الخارجية ووزارة الدفاع، كلٌّ في دورها وبإمكانياتها. 
وبالفعل فإن وثائق تلك المحاولات لحل الصراع العربي الإسرائيلي تتكدس تلالاً من الملفات السرية تحت عناوين مختلفة فيها: “العملية أوميغا” (ترتب لسلام عربي إسرائيلي عام) وفيها “العملية ألفا” (ترتب لصلح مصري إسرائيلي منفرد.

6 وبينما هي تؤدي ذلك كله فإن الولايات المتحدة لا بد لها أن تتحمل بالتزام قطعي تجاه الدولة اليهودية في إسرائيل، فهذه الدولة كانت “تعهدا” بريطانيا تحول إلى “مشروع” أميركي، ومع ذلك التحول أصبحت إسرائيل هي الدولة الأقرب في الإقليم إلى النموذج الأميركي بجانب أن تقدمها وضمنه قوتها العسكرية (على ذلك الموقع من شرق البحر الأبيض) يجعل منها قاعدة ملجأ أخير Last Resort إذا تعقدت الأمور في الإقليم لسبب آخر بما يؤثر في مصالح وأمن الولايات المتحدة. 

وفي أوائل عهد “أيزنهاور” ما بين انتخابه في نوفمبر 2591 ودخوله إلى البيت الأبيض أواخر يناير 3591 واعتماده لسياساته في الشرق الأوسط، شاءت الظروف أن أكون في الولايات المتحدة؛ لتغطية الحملة الانتخابية “لأيزنهاور” (ضد منافسه “أدلاي ستيفنسون”)، ثم لمتابعة توجهات الإدارة الأميركية الجديدة بعد ظهور نتائج الانتخابات. 

وقد أشرت مرات من قبل إلى هذه الزيارة وإلى أطراف من وقائعها، وأهمها لقاء في وزارة الدفاع (البنتاٌون) مع الجنرال “ألفريد أولمستيد” المشرف على برامج المساعدات العسكرية الأميركية. ولأن سياق هذا الحديث يستقيم أكثر باستعادة وقائع هذه المقابلة وما جرى فيها، فإني أعود إلى روايتها (معتذرا عن التكرار): 

طرحت على الجنرال “أولمستيد” حاجة مصر إلى أسلحة أميركية، وأشرت إلى أن نائب وزير الدفاع الأميركي السابق “ويليام فوستر” وعد بذلك أثناء لقاء أجراه في شهر سبتمبر الماضي مع عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة في مصر بينهم اللواء “محمد نجيب” و”جمال عبد الناصر” وآخرون غيرهما. وقلت: “إنه بناءً على هذا الوعد يزور واشنطن الآن وفد عسكري برئاسة قائد الجناح “علي صبري”، وقد أتى هذا الوفد ليتفاوض عمليا فيما وعد به مساعد وزير الدفاع الأميركي قبل شهور. لكن هذا الوفد حتى الآن كما ذكر لي رئيسه (“علي صبري”) لا يفعل شيئا إلا القيام برحلات منظمة إلى بعض القواعد العسكرية الأميركية بمقولة “مشاهدة السلاح الأميركي والتعرف إليه عن قرب”، والوفد الآن يطلب خطوة عملية على أساس ما جاء إلى هنا من أجله”. 

واستمع الجنرال “أولمستيد” إليّ بصبر ثم سألني بما ملخصه: 

“لماذا تريدون سلاحا قبل أن تقرروا من هو العدو؟ أنتم حتى الآن اعتبرتم إسرائيل عدوكم، كان ذلك قبل التغيير الثوري في مصر (32 يوليو 2591)، ونحن حتى الآن لم نعرف من الجنرال “نجيب” ولا من الكولونيل “ناصر” إذا كان رأيهما في العداء لإسرائيل هو ما كان أيام “فاروق”، أو أن الدراسة العسكرية لكلا الرجلين وخبرتهما منذ 8491، إلى جانب آمالهما للشعب المصري قد علمتهما أن الخطر على المنطقة ليس من إسرائيل وإنما الخطر من الاتحاد السوفياتي ومن الشيوعية. 

أنتم كلكم في المنطقة دول إسلامية، والإسلام دين سماوي يتصادم مع الإلحاد الماركسي، أليس كذلك؟!”. 

قالها الجنرال ثم وقف من مقعده واستدار يلمس زرا كهربائيا انفتح به ستار كبير كان يبدو للناظر وكأنه جزء طبيعي من جدار المكتب، وبفتح الستار بانت خريطة بعرضه لمنطقة الشرق الأوسط وجوارها غربا وشرقا، وكان جوار المنطقة على الناحيتين مغطى ببقع من الأعلام والدبابيس الملونة تشير وتلفت، في حين أن وسط الخريطة ظهر سطحا خاليا إلا من الألوان الأصلية للخريطة. 

ومد الجنرال “أولمستيد” يده فتناول مؤشرا وجهه نحو غرب القارة الأوروبية وقال: “هنا حلف الأطلنطي يصد الاتحاد السوفياتي ويحصره في الشرق”. 

ثم وجه المؤشر إلى ناحية رسم القارة الآسيوية وقال: “وهنا حلف جنوب شرق آسيا يصد الاتحاد السوفياتي والصين”. 

ثم عاد الجنرال بالمؤشر إلى وسط الخريطة الشرق الأوسط وواصل “عرضه”: “هذه المنطقة بين القارات فراغ برغم أنها الأهم، وهي كما ترى خالية من أعلام أو دبابيس، ترمز إلى وجود قواعد عسكرية ومطارات وموانئ ومراكز للقيادة ونطاقات للدفاع... أي إنه لا شيء في الشرق الأوسط حتى الآن إلا الفراغ. 

وعاد الجنرال “أولمستيد” إلى مقعده وركز نظره عليَّ قائلا ببطء بقصد إعطاء الفرصة لسامعه ليتدبر ما سمع: 

“نحن نعرف أنك صديق ل الكولونيل ناصر وهو الرجل القوي في النظام المصري الجديد، وإذا كنت تريد أن تخدم بلدك وتساعد صديقك فقل له أن يتذكر دروسه في الاستراتيجية، وأن يعرف أن أمن بلاده ليس معلقا بصفقة سلاح معنا، وإنما معلق بانضمام مصر إلى حلف عسكري يملأ فراغ المنطقة ويبني حائطا دفاعيا ضد الاتحاد السوفياتي كما حدث في أوروبا الغربية وكما حدث في جنوب شرق آسيا”. 

وكنت أسمع الجنرال “أولمستيد” باهتمام واستطرد هو: 

“الحلف المرغوب فيه والمطلوب عندكم جاهز وأساسه طبيعي متسق مع طبيعة الإقليم، الإقليم كله إسلامي ولذلك فإن ما يطرح نفسه للدفاع عنه لا يمكن إلا أن يكون حلفا إسلاميا”. 

وكنت ما زلت أسمع، واستطرد الجنرال “أولمستيد”: 

“تصور لو أن حلفا إسلاميا قام على أساس ثلاث ركائز: مصر وهي أعرق بلد إسلامي بالتجربة التاريخية وتركيا وهي أقوى بلد إسلامي بجيش حسن التدريب والتسليح وباكستان وهي أكبر البلاد الإسلامية من ناحية التعداد. 

هذا الحلف يستطيع أن يجذب إليه بقية شعوب ودول المنطقة من أفغانستان حتى المغرب. والدول الإسلامية تستطيع إقامة هذا الحلف في أربع وعشرين ساعة؛ لأن هناك كثيرين جاهزين للمساعدة لأن أمن المنطقة يهمهم، “مثلنا نحن والبريطانيين وربما قوى أوروبية أخرى”! 

وبدا لي أن الجنرال أولمستيد لم يفرق بين اهتمامي بسماع ما يقول وبين اقتناعي به، فقد زاد في شرحه وفاض ووصل إلى صميم الموضوع وقلبه قائلا: 

“هذا الحلف لن يكون حلفا عسكريا فقط، ولن يكون مجرد تجمع دفاعي، وإنما سيكون تنظيما له قوة جذب فكري غالب من الناحية الاستراتيجية العالمية؛ تذكر تذكروا جميعا أن هذا الحلف سوف يكون بمثابة “مغناطيس جبار” يشد إليه كتلاً من المسلمين داخل الاتحاد السوفياتي وداخل الصين. لاحظ أن الجمهوريات الجنوبية في الاتحاد السوفياتي مسلمة: كازاخستان طاجيكستان تركستان تركمانستان أذربيجان، القوقاز بأسره تقريبا كلهم يعتنقون الإسلام. وإذا كان تعداد الاتحاد السوفياتي 150 مليونا (في ذلك الوقت) فمعنى ذلك أن داخل الدولة السوفياتية ما لا يقل عن ستين مليون مسلم. والصين نفس الشيء لأننا نعرف أن الإسلام قوي في غرب الصين، تقديرنا أن هناك ثمانين مليون مسلم على الأقل في غرب الصين. 

وتوقف الجنرال “أولمستيد” ونظر إليَّ يحاول قياس رد الفعل ثم أضاف: 

هل تستطيع تقدير تأثير “مغناطيس إسلامي جبار” على جنوب الاتحاد السوفياتي وعلى غرب الصين؟ 
وختم الجنرال “أولمستيد”: 

في هذا الإطار مستقبلكم ومن داخله تحصلون على السلاح والمساعدات الاقتصادية، ويصعب عليّ تصور أننا نعطيكم سلاحا دون أن تعرفوا ونعرف نحن أيضا من هو العدو الذي تستعدون له. 

تأكدوا أن إسرائيل ليست عدوا “طبيعيا” لكم في إطار إسلامي، وإنما هي عدو “مصطنع”، والحقيقة أن التناقض بينكم وبينها يظهر عندما تضعون عملكم في إطار قومي لكنه في إطار إسلامي يزول التناقض لأن إسرائيل قريب لكم وابن عم “فأنتم جميعا أبناء إبراهيم”!

في نفس الزيارة إلى أميركا قابلت لأول مرة وزير الخارجية الأميركية العتيد “جون فوستر دالاس” وكان “دالاس” الذي يتأهب لزيارة الشرق الأوسط حريصا على أن يسمع عن أحوال المنطقة ما يستطيع سماعه قبل أن يرى بعينيه على الأرض. لكن اللقاء مع “دالاس” جاء مختصرا لم يزد على عشرين دقيقة بسبب ضيق وقته، على أن معظم هذه الدقائق العشرين أكدت اهتمام الإدارة الجديدة بالحالة الإسلامية للمنطقة، باعتبارها المحدد الرئيسي (في تقديرهم) لهويتها ولمستقبلها. 

وحاولت أن أشرح لوزير الخارجية الجديد، أن هوية المنطقة عربية باللغة الواحدة والتاريخ المشترك على الأقل وأن المحتوى الحضاري للهوية القومية “إسلامي” بلا جدال، وهو في معظمه إسهام ثقافات عاشت قبل الإسلام ثم آمنت به وصبت فيه ثقافاتها مثلما فعلت مصر والشام (حافة الدولة البيزنطية) وفارس وتركيا وحتى أوروبا المسلمة في الأندلس لكن وزير الخارجية الجديد لم يكن جاهزا للكلام عن مكونات الحضارة وإنما كان يفكر في شيء آخر وقد أفلت منه أثناء الحديث قوله “إن المنطقة عندكم تعوم على بحرين: بحر من البترول وبحر من الدين”! 

ولم يكن على بالي وقتها أنها معركة حول “الأفكار” وأن للإسلام فيها دورا مرسوما، وأن شعارات هذا الدين على وشك أن تصبح رهينة في يد “آلان دالاس” شقيق “جون فوستر دالاس” في معركة القرن التي بدأت، وأن خطف العقائد في الخمسينيات سوف يسبق خطف الطائرات في السبعينيات! 

وفي ما بعد علمت (ومن مساعد وزير الخارجية والسفير الأميركي بالقاهرة “هنري بايرود”) أن إدارة أيزنهاور تأثرت في سياستها إزاء العالم العربي بدراسة قام بها فريق من أساتذة جامعتي “برينستون” و”شيكاغو” وعلى رأسهم الدكتور “بولك” أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة شيكاغو وقد ذهبت هذه الدراسة إلى أن الدولة الوطنية في العالم العربي ظاهرة حديثة وهشة، وأن المنطقة عاشت إلى مطالع القرن العشرين تحت سلطة خلافات إسلامية انتهت “بالعثمانيين” الذين حكموا من “اسطنبول” إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى. 

وأضافت الدراسة أنه حتى في قرون الحكم المملوكي الطويلة فإن أمراء المماليك غطوا فجوة الشرعية في دولهم بخلفاء من بقايا العباسيين حمل كل واحد منهم لقب “خليفة المسلمين”، ومع ذلك ظل ألعوبة في يد “الأمير المملوك”. 

أضافت الدراسة أيضا أن مشايخ الدين بمن فيهم علماء الأزهر قاموا باستمرار بدور الوسيط بين الأمير “المملوك” وبين رعاياه المسلمين. وعن طريق هؤلاء المشايخ كانت الرعية ترفع للمملوك مظالمها، وإلى هؤلاء المشايخ كان المملوك وأعوانه يعطون التوجيهات ضمانا للسمع والطاعة.

والدول العظمى لا تغير استراتيجياتها بسهولة؛ لأن هذه “الاستراتيجيات” لا تصنع بالإلهام أو النزوة، ولا تتقرر بقيام حكم أو سقوط حكم، ولا يؤثر فيها أن يذهب رئيس ويجيء رئيس، فالاستراتيجيات إملاء جغرافيا وتاريخ، وقد تتغير السياسات المعبرة عنهما لتتلاءم مع متغيرات الظروف، لكن الاستراتيجية تعلم دارسيها أن الأهداف يمكن الاقتراب منها عن طريقين: اقتراب مباشر أو اقتراب غير مباشر، مع بقاء الهدف في الحالتين ظاهرا أمام عيون طالبيه حتى وإن أخذتهم “التضاريس” إلى الطرق الدائرية! 

والذي حدث في المنطقة بعد ذلك معروف مشهور: 

كانت مصر تدعو إلى العمل القومي وجاءت إليه بقوى التجديد، وفي المقابل أنشأت الولايات المتحدة حلف بغداد وجمعت فيه قوى التقليد العربية مضافا إليها القوى الإسلامية الموالية لها في المنطقة: باكستان وإيران وتركيا. 

وعندما سقط حلف بغداد بثورة العراق سنة 8591، كان دالاس هو صاحب نظرية الحلف المركزي كي يضم دول النطاق الشمالي للعالم العربي وهي: باكستان وإيران وتركيا، وكلها إسلامية. على أن من “معجزات” تلك الفترة أن الحلف المركزي ما لبث أن سقط بدوره، وذلك عندما قام انقلاب في تركيا أطاح بعدنان مندريس (داعية حلف بغداد والحلف المركزي بعده) وأكثر من ذلك فإن هذا الانقلاب حاكم مندريس وحكم عليه بالإعدام ونفذ حكمه! 

وكان أن السياسة الأميركية توجهت في أعقاب ذلك ومباشرة إلى إنشاء “حلف إسلامي” صريح نقل مركزه إلى الجنوب والشرق خطوة أو خطوات، فبعد أن كان حلف بغداد يجمع في عضويته كلا من: العراق وباكستان وتركيا وإيران، جاء الحلف المركزي ليجمع في عضويته: باكستان وإيران وتركيا (أي بدون العراق) وعندما تحول الحلف المركزي إلى الحلف الإسلامي أوائل الستينيات، فقد جمع في عضويته كلاً من: باكستان وإيران (أي بدون تركيا التي عدلت مسارها والتفتت إلى أوروبا ولو بالانتساب) وأخيرا وفي نهاية المطاف أمكن تشجيع المملكة العربية السعودية بعد حرب سنة 7691 وضربتها القوىة ضد الحركة القومية العربية على إنشاء “منظمة المؤتمر الإسلامي”. 

********************
الورقة الرابعة 
باكستان: دور خاص في الحرب الباردة! 

     في ذروة سنوات الحرب الباردة (من 5591 إلى 5791)، كانت معارك هذه الحرب على أشدها في آسيا وأفريقيا (والعالم العربي جسر واصل بين الاثنتين). 

وفي حرب قصد بها أن تدور “بأسلحة الأفكار وليس بأسلحة النار”، فإن بلدين دولتين بقيت لهما بعد كل ما جرى لسياسة الأحلاف أهمية خاصة في الحسابات الأميركية لهذه المنطقة الشاسعة (آسيا وأفريقيا والجسر الواصل بينهما). 

- البلد الأول هو المملكة العربية السعودية، باعتبارها موطن الإسلام الأصلي (ومع أن الإسلام هاجر شمالا في كل اتجاه ليحقق انتشاره ويصنع تاريخه ويقيم حضارته) فإن ذلك البلد (مهما قيل عن الانتشار والتاريخ والحضارة) بقي مقر الحرمين الشريفين بما لهما من هيبة وقداسة، لكن وساوس المملكة ظلت تؤرقها لأنه حينما تكون القيمة غنى فإن القيمة ذاتها تصبح مصدر التهديد لأن الطمع حولها يزيد! 

يضاف إلى ذلك أن الطبيعة خصت هذا البلد بثروة نفطية هائلة تمكنه من نفوذ سياسي يضيف إلى المكان مكانة يساعد عليها قيام منظمة المؤتمر الإسلامي. 

- وأما البلد الثاني فهو باكستان باعتبارها “دولة الإسلام” في شبه القارة الهندية، وربما في العالم؛ لأن الإسلام فيها هوية وطنية إلى جانب كونه عقيدة دينية. وقد نشأت باكستان بالعداء وبالانسلاخ عن الهند في وقت كان للهند فيه وضع خاص في حركة التحرر الوطني عبر القارات وبهذه النشأة فإن باكستان شعرت بوحشة حاولت تعويضها بصلات وثيقة مع الولايات المتحدة، وكان من هنا أن باكستان شاركت في كل مشروعات الأحلاف الأميركية للشرق الأوسط (حلف بغداد والحلف المركزي والحلف الإسلامي) والمشكلة أن هذه الأحلاف جميعا تعثرت على الطريق وسقطت، وبقيت دولة الإسلام وحيدة تبحث عن صحبة أو تبحث عن غطاء. 

كانت باكستان موقعا وضعته الجغرافيا ملاصقا للهند ومجاورا للصين وقريبا من الاتحاد السوفياتي، وعلى الخريطة فإن باكستان هي أقرب نقطة من جنوب الاتحاد السوفياتي إلى المياه الدافئة، وذلك حلم الإمبراطوريات الروسية من عصر بطرس الأكبر إلى عصر ستالين الرهيب. 

بالزيادة على ذلك ومع اشتداد الحرب الباردة، فإن موقع باكستان جعلها بالضبط في منتصف المسافة بين عالمين كلاهما يفور مثل بركان: 

عالم على الشرق منها يحتوي كوريا والهند والصين وفيتنام. 

وعالم على الغرب منها يحتوي الدول العربية وإيران، وكانت تلك الدول تلك الأيام وعلى خط ممتد من القاهرة إلى طهران تعيش مرحلة من التغييرات العنيفة سياسية واجتماعية، اندلعت فيها ثورات ووقعت انقلابات ونشبت صراعات أهمها بالطبع صراع العرب مع إسرائيل. 

وفي المسافة بين العالمين على الشرق وعلى الغرب كانت باكستان أرضا واسعة وسماء مفتوحة تنادي القواعد العسكرية برية وبحرية وجوية. وبالطبع كانت الولايات المتحدة أول الراغبين. 

وكانت باكستان بحكم التاريخ بعد حكم الجغرافيا تكوينا إنسانيا فريدا في تركيبته، ذلك أنه حينما أصر حزب الرابطة الإسلامية بقيادة محمد علي جناح على تقسيم الهند لأن الحياة داخل وطن واحد غدت مستحيلة بين المسلمين والهندوس فإن اللورد “لويس مونتباتن” نائب الملك (الأخير) في الهند قام بتشكيل لجنة عهد إليها برسم خطوط تقسيم شبه القارة بين دولة هندية هندوكية وبين دولة جديدة (هندية في أعماقها)، إسلامية في تعبدها وصلاتها وكان المبدأ الذي جرى اعتماده عند رسم الخط الفاصل بين الدولتين، أن المناطق التي تحوي أغلبية هندوكية تبقى في الهند وأما المناطق التي تكون أغلبيتها من المسلمين فإنها تتجمع مع بعضها لتصبح كيان باكستان. وكانت عملية التقسيم أشبه ما تكون بسكين يقطع في اللحم الحي، وعلى الأرض فإنه لم يكن في باكستان غير ثلاثة أقاليم إلى حد ما هي إقليم “البنجاب” وإقليم “السند” وإقليم “البنغال” (الذي انفصل عن باكستان في ما بعد وأصبح اليوم بنغلادش) وأما بقية الدولة فقد كانت قطعة من هنا وقطعة من هناك، وإضافة تلتحق بهذه الناحية أو تلتصق بالناحية الأخرى. 

وترتبت على قيام باكستان بهذا الشكل خصائص حتمية: 

بما أن باكستان دولة جديدة جرى سلخها عن دولة قائمة إذن فهي في خطر من البلد الأصلي الذي يعتبرها جزءا منه ولذلك يتعين عليها أن تحمي نفسها ضده وتلك مهمتها الأولى. 

نتيجة ذلك أن الجيش الباكستاني الذي جاء إلى الدولة الجديدة شتاتا لا بد من تقوىته لأنه رباط الوحدة في الداخل وحارس الأمن على الحدود، وبالتالي فهو لم يصبح فقط أهم جهاز في الدولة وإنما أصبح دولة داخل دولة. 

أن المخابرات العسكرية في هذا الجيش تحتاج إلى قوة نفاذ لأنها القادرة على استطلاع نوايا الهند، وعلى كشف عناصر الطابور الخامس ممن طوَّح بهم قرار التقسيم إلى الوطن الجديد، وبقي معهم انجذابهم سواء بالعادة أو بالحنين أو حتى بالولاء إلى الوطن الأصلي. 

وفي الحقيقة فإن الجيش والمخابرات بدورهما المحوري في أمن باكستان الخارجي والداخلي على السواء كانا طاقة الاندفاع نحو ما شاركت فيه باكستان من أحلاف عسكرية (حلف بغداد الحلف المركزي الحلف الإسلامي). وكانت هذه الأحلاف (مع استحالة الحرب) غارقة إلى الآذان في العمل السري. ومع ضرورات التخفي في حروب العقائد، فقد جرى الخلط بين الدعوة الدينية والتجسس الأمني بما لذلك في معظم الأحيان من نتائج خطرة. 

أنه إزاء هوية باكستان الإسلامية فإن تعميق الوطنية يتأكد بتعميق الإيمان الديني، وفي العادة فإنه عندما تتداخل السياسة في الدين، فإن شدة الضغط والرغبة في التوظيف تحول وهج الإيمان إلى نار تعصب. ومع أن الإيمان بالمضمون والجوهر عقل، فإن التعصب درجة من درجات الحمق! 

وكان المناخ الذي صنعته هذه الأوضاع وتأثيراتها وتفاعلاتها قد جعل باكستان مسرحا مثاليا لما تتمناه الولايات المتحدة الأميركية وتطلبه (وبينه ما سمعته بنفسي من الجنرال “أولمستيد” في مكتبه وأمام خريطته داخل البنتاغون سنة 3591 وضمنه خطة المغناطيس الإسلامي الجبار الذي يجذب إليه كتلا إسلامية تعيش في جنوب الاتحاد السوفياتي وقرب الصين الشعبية). 

وهكذا أصبحت وكالة المخابرات المركزية الأميركية لاعبا رئيسيا في باكستان، وكذلك أصبحت هيئة الاتصال العسكري بين قيادة القوات المسلحة الباكستانية وبين البنتاغون. (وفي عصر رئاسة “أيزنهاور”) عملا مشتركا لقيادة عمليات مقرها مدينة “بيشاور” وجري تقسيم العمل: 

تولت باكستان مهمة الاتصال بعناصر المقاومة الإسلامية للدولة السوفياتية في الجمهوريات الجنوبية للاتحاد السوفياتي، وكانت بعض هذه العناصر على حق في مقاومتها للدولة السوفياتية التي طبقت سياسة نزعت إلى طمس الأثر الإسلامي في أقاليم ساهمت بنصيب وافر في التراث الحضاري للإسلام. 

وكانت المخابرات الباكستانية قادرة على الوصول بالمسالك الجبلية والوسائط القبلية عبر أفغانستان إلى جمهوريات طاجيكستان، وأوزبكستان، وتركمانستان. 

وفي هذا الإطار قامت المخابرات الباكستانية ووراءها المخابرات المركزية الأميركية على تشجيع وإنشاء جماعات تنفذ أشكالا من عمليات المقاومة تنبه على الأقل إلى وجود معارضة إسلامية حية وفاعلة. 

ومع أن “المقاومة” الإسلامية جنوب الاتحاد السوفياتي كانت لها حجة مشروعة، فإن القوى الوافدة التي جاءت لمساعدتها كانت موضع شبهة؛ لأن دافعها لم يكن حفاظا على الإسلام أو حرصا عليه، وإنما كان خطط حرب خفية تدور في الأفكار ولا بأس فيها من شرر نار طالما كان محصورا وبعيدا عن الكبار ومن المفارقات أن الاتحاد السوفياتي أصبح مكتوبا عليه أن يتألم في صمت، لأنه إذا اشتكى كشف ضعفه حتى إذا نجح في إثبات سوء نية خصمه. 

والذي حدث هو أن السلطة السوفياتية راحت تقمع، وفي نفس الوقت تداري، وفي مقابل ذلك فإن نشاط المخابرات الباكستانية والأميركية راح يواصل ضغوطه ويزداد إصرارا. 

وفي هذا الإطار وداخله بدأت طائرات التجسس الأميركية الجديدة من طراز “يو 2” التي تحلق على ارتفاع عال لا تطوله الدفاعات السوفياتية تقوم بمهام استطلاع في العمق الشرقي للاتحاد السوفياتي، وتلك هي المناطق التي اختارتها الدولة السوفياتية لمنشآتها العسكرية النووية والفضائية. فقد أراد السوفيات إبعاد هذه المنشآت إلى أقصى ما يمكن عن أوروبا الغربية حتى لا يطولها التجسس الأميركي، والآن ومن “بيشاور” (شمال باكستان) وعبر أفغانستان (وذلك أقصر طريق إلى قلب روسيا) وجدت الولايات المتحدة منفذا سالكا مفتوحا أمامها لتطل وتراقب المواقع الحساسة للقوة السوفياتية. 

وقد ظلت مهام الاستطلاع والتجسس من “بيشاور” تواصل عملها بطائرات “يو2” حتى ربيع سنة 0691، حين تمكن صاروخ روسي من إسقاط إحداها، وتكتم السوفيات على أسر قائد الطائرة وحطامها، حتي فوجئ الرئيس “أيزنهاور” في باريس وأثناء افتتاح مؤتمر قمة للأربعة الكبار في العالم، بالزعيم السوفياتي “نيكيتا خروشوف” يصرخ في وجهه ويرمي أمامه على المائدة بصور تبدأ بقائد طائرة التجسس الكولونيل “فرانسيس باور” ملقى على الأرض ثم ممددا على سرير مستشفى ثم جالسا أمام صحافيين عسكريين، ومجموعة كبيرة لصور أخرى التقطتها آلات التصوير الدقيقة لطائرة التجسس وتظهر فيها تفاصيل بعض المنشآت العسكرية مبينة وكاشفة. وبعد الصراخ يمضي “خروشوف” ويصف “أيزنهاور” على مسمع من الرئيس الفرنسي “شارل ديغول” ورئيس الوزراء البريطاني “هارولد ماكميلان” بأنه “كذاب ومنافق” وهذه هي الأدلة! 

في تلك الأوقات كان تدخل الجيش الباكستاني في شؤون الحكم طاغيا، وكانت لهذا التدخل ذرائع جاهزة، فهو حارس الدولة الإسلامية وسط المخاطر، وهو الأمين على العقيدة بالمسؤولية عن دولتها، وهو الشريك الرئيسي في التحالف الباكستاني الأميركي، وخصوصا جانبه الأمني! 

وأدى ذلك إلى تكرار الانقلابات العسكرية، وفي الحقيقة فإنها لم تكن انقلابات بالمعنى الدقيق للانقلاب، ذلك أن الذي قام بها في جميع الأحوال قيادة الجيش التي وجدت في بعض الظروف أن الساسة المدنيين ليسوا على مستوى الكفاءة المطلوبة للدولة، وكذلك قررت أن تتدخل لإزاحة هؤلاء الساسة المدنيين بغرض ضبط الأمور وتقويمها، وذلك تكرر من انقلاب الجنرال “أيوب خان” وحتى انقلاب الجنرال “برويز مشرف”. 

ومن اللافت للنظر أن الجيش الباكستاني كان هو أيضا عنصر الوصل الأهم في الصحبة بين الدولتين الحائرتين (إسلاميا): السعودية وباكستان. 

ومن ذلك أنه حين أحست الأسرة الحاكمة السعودية بالخطر من ضغط الحركة القومية عليها وتأثيرها المحتمل على القوات المسلحة السعودية، فإن الملك “فيصل” بمشورة أميركية، استعان أو استأجر فرقتين من الجيش الباكستاني تتولى مدرعاتهما حفظ الأمن: أمن المملكة وأمن الأسرة. 

وحتى هذه اللحظة لا تزال هناك قوات باكستانية تشارك في الأمن السعودي. 

وفي إطار تلك الصحبة وعندما بدأ الجيش الباكستاني يشعر بأن الهند تتقدم نوويا، وبأن دولة الإسلام تحتاج قنبلتها الذرية حتي تصمد وتردع فإن السعودية (وغيرها من الدول الإسلامية) بادرت تساعد، (وربما أنه كانت هناك رغبة أن تكون أول قنبلة ذرية ذات هوية إسلامية وليس بالتحديد عربية وكأن الأسلحة لها في حد ذاتها معتقدات). 

وكذلك فإن الصحبة بين البلدين الحائرين إسلاميا: باكستان والسعودية أصبحت متجاوزة لدعوى العقيدة، وثيقة بمطالب الأمن والدفاع، وكان الصديق الأميركي للاثنين سباقا باستمرار يمهد ويشجع ويساعد. ويرضى في بعض الأحيان عن الفعل المشترك (كما هو الحال في وجود فرق باكستانية لحماية الداخل السعودي)، ولا يرضى في أحيان أخرى (حين يجد أن المشروع النووي الباكستاني بمساعدات إسلامية يتقدم ويهدد الموازين الحساسة في المحيط الهندي). 

********************
الورقة الخامسة 
أفغانستان: سقف العالم 

     وسط معمعان الحرب الباردة ومع خطط إثارة الفتنة في الجمهوريات الجنوبية الإسلامية للاتحاد السوفياتي أصبحت أفغانستان على صعوبة أرضها وعزلة شعبها، جسرا مزدحما بأكبر عملية مخابرات سرية جرى تدبيرها وتنفيذها طوال القرن العشرين. 

وأتذكر سنة 8691 وأثناء زيارة رسمية قام بها جمال عبد الناصر إلى الاتحاد السوفياتي يطلب مزيدا من السلاح؛ لأن الجيش المصري أتم مرحلة الدفاع على جبهته، وبدأ يستعد لعبور قناة السويس تحقيقا لهدف إزالة آثار العدوان أن الزعيم السوفياتي “ليونيد بريجنيف” قال لجمال عبد الناصر أثناء جلسة المحادثات الرسمية: “إنه يريد أن يذهب معه إلى جناحه في قصر الضيافة؛ لأن لديه موضوعا يرغب في بحثه وهو يحمل في شأنه رجاء من القيادة السوفياتية”. 

واتضح أن طلب بريجنيف ورجاء القيادة السوفياتية لهما صلة بأفغانستان. 

وكان ما قاله “بريجنيف” من واقع ملخص للاجتماع كتبه السيد “علي صبري”: 

“أن القيادة السوفياتية منزعجة من زيادة النشاط المناوئ للدولة في المناطق الجنوبية من البلاد، وهذه المناطق في غالبيتها إسلامية، والنظام السوفياتي منذ إقامته احترم عقائد وشعائر كل الأديان، ولم يتدخل في حرية أصحابها وحقهم في معتقداتهم، (وأنت يا سيادة الرئيس ذهبت بنفسك في زيارة سابقة إلى طشقند وزرت مساجدها والتقيت بشيوخها وصليت معهم واستمعت إليهم). 

والحكومة السوفياتية لديها معلومات موثقة (وهي على استعداد لوضعها تحت تصرف صديقنا الرئيس ناصر)، وكلها تؤكد أن هناك جهدا منظما تقوم به المخابرات الباكستانية لإثارة تعصب ديني “عدواني” ليس هناك ما يدعو له. والمخابرات الباكستانية في ذلك مدفوعة بالمخابرات المركزية الأميركية ونحن لا نعرف ما الذي يدعو باكستان إلى مثل هذه المغامرات، وقد سألنا رئيس باكستان الجنرال “أيوب خان” ما السبب الذي يدعوهم إلى ذلك، وكان رده: “إن ما يجري ليس سياسة الحكومة الباكستانية لكنه يعرف أن هناك عناصر في الجيش الباكستاني غاضبة من المساعدات العسكرية التي يقدمها الاتحاد السوفياتي للهند”. 

“يستكمل بريجنيف كلامه وفق الملخص الذي كتبه علي صبري”. 

“إن دوائر عربية معينة بدأت تدخل في جوانب من هذه الأعمال المعادية للسوفيات، وقد لاحظنا أن بعض الجهات السعودية وفرت أموالا لبناء عشرين مسجدا في كازاخستان، ونحن لا نعترض على أي نوع من علاقات التعاطف بين المسلمين في الاتحاد السوفياتي وأبناء دينهم خارجه، ولكننا نريد أن نستفهم من أصدقائنا العرب عن الهدف الذي يقصدون إليه في تعاملهم مع المسلمين في الدولة السوفياتية. نحن نظن أننا نساعد العرب والمسلمين في معركتهم لتحرير أرضهم من عدوان إسرائيل بتحريض الولايات المتحدة، كما أننا نساعد على التوصل إلى حل عادل لحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه وفيها مقدسات إسلامية عزيزة عليهم لكننا في بعض المرات نجد أن فهمنا للأمور يتعثر: 

نحن نساعد القضايا العربية بقدر ما نستطيع، لكننا نجد على الجانب العربي بعض المرات تصرفات نستغربها... أخيرا صادرنا شحنات من كتب وصل عددها إلى مليون، وقال خبراؤنا ان بينها مئة ألف مصحف وبقيتها كتب في الدعوة والتفسير، وقد سمحنا بالمصاحف؛ لأن المصحف كتاب مقدس، ومع أنه باللغة العربية ولن يعرفها أحد في جمهورياتنا الجنوبية سوى حفنة من الناس فقد كان تقديرنا أن الناس يسعدون باقتناء الكتب المقدسة حتى وإن لم يستطيعوا قراءتها أما بقية الكتب فقد تحفظنا عليها في المخازن، وقد رصدنا في أعقاب ذلك ظهور منشورات تحرض الناس على السلطة لأنها تصادر كتبا عن المعتقدات”. 

وقال الرئيس عبد الناصر (طبقا لملخص المحضر) “إنه يشعر بأن الأصدقاء السوفيات يبالغون في الحساسية: فتوزيع المصاحف على أوسع نطاق مفيد روحيا لكل الناس، وأما بقية كتب الدعوة والتفسير فإن مصادرتها خطأ لأن ما فيها معروف ومحفوظ، ثم إنه إذا كان الناس لا يقرؤون العربية إذن فليست هناك من الأصل مشكلة”. 

ومع ذلك وعد الرئيس عبد الناصر أن يتصل في هذا الشأن بالملك فيصل، وكذلك برئيس باكستان ورئيس وزراء أفغانستان السردار “داود خان”. 

(وذلك تم بالفعل وقامت الرئاسة في مصر بإبلاغ القيادة السوفياتية بنتائجه). 

كانت أفغانستان جسرا غريبا، لكنه جسر مرصوف ومهيأ لكي تمشي عليه الفتن وتتحرك المؤامرات، لأن طبيعته الجبلية، ووديانه شبه المغلقة على نفسها بالقمم العالية، ومناخه القاري القاسي يجعله نموذجيا للمطلوب منه، فهو معزول وعازل، مطروق وإن كان بصعوبة سالك ولكن بشروط، وأهم هذه الشروط هو التوافق مع نفر من أهل البلد الذين يعرفون المداخل والمسالك، وهم جميعا تركيب إنساني يمتزج فيه الضعف بالقوة، والخيال بالقسوة، والغنى النفسي بالفقر المادي، والكبرياء الفردي بالولاء القبلي، وما يترتب على ذلك كله في التعامل مع القوى داخل البيت وخارجه. وذلك يفتح للتعامل معهم وسائل وأساليب! 

وموقع البلد وسط آسيا تماما “في قلبها” كما كان يقول اللورد كيرزون نائب الملك في الهند مع بدايات القرن العشرين، ثم إن الموقع هضبة مرتفعة تطل على شبه القارة الهندية وعلى القوقاز وعلى الصين وعلى إيران، حتى أن “ماركوبولو” الرحالة الإيطالي “الأسطوري” وصف أفغانستان بأنها “سقف العالم”. 

وأهل البلد أعراق وقبائل بعضها في أفغانستان وبعضها وراء حدودها، حتى تكاد أفغانستان أن تكون ثلاث مناطق عرقية مقسومة بعرض البلد بخطوط شبه فاصلة. 

الشمال: من العرقين الطاجيكي والأوزبكي، بعضهم في أفغانستان وبعضهم في جمهوريات الاتحاد السوفياتي الجنوبي (في ذلك الوقت) طاجيكستان وأوزبكستان. 

الوسط: ينتمي إنسانيا إلى عناصر “الحزارا” وهم بقايا هجرات مغولية عبرت من الشرق إلى الغرب واستقرت جحافل منها في أفغانستان وفاضت على شرق إيران. 

والجنوب: بأكمله من قبائل البشتون وأرض هذه القبائل ولغتها وثقافتها عائلة واحدة مع شمال باكستان. 

وفي كل منطقة من هذه المناطق الثلاث مدينة رئيسية هي الواجهة وفيها المفتاح. 

“مزار شريف” مدينة الشمال وهي طاجيكية أوزبكية ومدينة “هيرات” عاصمة الوسط وهي شيعية فارسية، وفي وقت من الأوقات كانت “هيرات” تمثل مجتمعا يعكس صورة مصغرة للبلاط الشاهنشاهي في طهران بمقدار ما أن “قندهار” عاصمة الجنوب توشك رغم بعد المسافات أن تكون ضاحية من ضواحي “بيشاور” عاصمة إقليم الحدود الشمالية الشرقية في باكستان وهو الإقليم الذي أضفت عليه قصص وأشعار الكاتب البريطاني الشهير “رديارد كيبلنج” لمسة من الغموض المثير، وربما أنه من “بيشاور” استوحى كيبلنج عبارته المأثورة ب: “إن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا”! 

وقد عاشت أفغانستان تاريخها الحديث وسط صراع الإمبراطوريات التي تسابقت إلى التوسع في آسيا طوال القرن التاسع عشر: 

الإمبراطورية البريطانية تحاول تدعيم مواقعها حول درة التاج الغالية في الهند. 

وروسيا القيصرية تضغط جنوبا بأمل الوصول إلى المياه الدافئة في المحيط الهندي بعد أن أكملت توسعها شرقا وأطلت على المحيط الهادئ. 

وفرنسا في الهند الصينية تحاول أن تقفز فوق الجبال نحو الموقع الأعلى لتراقب ما تفعله بريطانيا وما تفعله روسيا. 

والطبيعة الأفغانية قاسية إلى درجة جعلت اللورد كيرزون نائب الملك في الهند (أوائل القرن العشرين) يلخص منطق الإمبراطورية قائلا: “لا داعي لاحتلال أفغانستان، الأرخص أن نشتريها”! 

وكان شراء أفغانستان ممكنا؛ لأن توجهات الأجناس متضاربة، وولاءات القبائل لمن يقدم السلاح والذهب، وكان الشعب الأفغاني أول من وصف أحواله بقسوة، ومنها قول ذائع مؤداه: “أن الله حين خلق الطبيعة والناس، ووزع أجناس الأرض على أقاليمها وجد عنده بقايا من كل شيء: بقايا طبيعية وبقايا إنسانية وقد أخذ كل هذه البقايا وطوَّح بها وسقطت كلها كومة واحدة على كوكب الأرض في مكان أصبح اسمه أفغانستان”! 

وأتذكر المرة الوحيدة التي زرت فيها أفغانستان والتقيت بآخر ملوكها “ظاهر شاه” في قصره وسط كابول، وبدا لي الرجل رغم مظاهر البروتوكول الصارمة في بلاطه بسيطا وادعا، وعندما قلت له: “إنني مبهور بالأجواء الأسطورية لسوق كابول الذي زرته قبل أن أتوجه إلى القصر للقائه، تبسم الملك برقة ورد بما معناه أنه “يخشى أن الجو الأسطوري الذي يراه الزائرون لبلاده يلفتهم عن الحقائق فيها”. 

وكان الملك “ظاهر شاه” محقا فيما قاله بأكثر مما تصورت حين سمعت منه. 

وفي تلك الزيارة وبعد أيام من لقاء الملك كانت لدي فرصة أن أطوف وأرى وقد أصابني شعور لم يغب طول الوقت بأن البلد “معتقل” في موقعه معتقل في تاريخه، وقد ظللت معطلا في “كابول” أياما فوق ما قدرت أنتظر الطائرة القادمة من “بيشاور”، فالعاصمة الأفغانية تحيط بها سلسلة جبال شاهقة يسمونها “تخت سليمان”، والطائرة الوحيدة إلى “كابول” تلك الأيام تجيء من “بيشاور” في الضحى وتعود عند الظهر. لكن الطائرة لابد أن تجد لها فتحة بين الضباب والجبل حتى تنفذ بينهما إلى مطار كابول على هذه الناحية من “تخت سليمان”. وكان أول ما أفعله كل صباح أيام الانتظار أن أقصد إلى ساحة قريبة من الفندق الخان الذي أقيم فيه وأتطلع ببصري إلى أعلى أقيس المسافة بين “تخت سليمان” وبين قاع السحاب، وأتساءل إذا كانت تسمح للطائرة أن تمر أو تعوقها؟ وتثاقلت ثلاثة أيام والجو مغلق، وفي اليوم الرابع سمعت أزيز محركات الطائرة، وأعددت حقيبة السفر وهرعت بأسرع ما استطعت إلى المطار قبل أن تنزل كتل الضباب مرة أخرى تلف الذرى العالية وترقد فوقها على تخت سليمان!

وفي أزمنة مستجدة فإن نشاط المخابرات الباكستانية والمخابرات الأميركية عبر الجسر الأفغاني إلى الجمهوريات الإسلامية جنوب الاتحاد السوفياتي، ظل يتسع ويتزايد ويخلق مشكلاته وعقده، ويصنع توتراته وأزماته، حتى ازدحمت الأجواء وضاقت بها سماء “كابول”. 

والذي حدث أن السردار “داود خان” وهو ابن عم للملك وصهر له ورئيس لوزرائه راح يحاول إقناع الاتحاد السوفياتي بمساعدة أفغانستان ومساعدة نفسه ذات الوقت عن طريق تقديم أسلحة للجيش ومساعدات للاقتصاد الأفغاني، وبالفعل فإن الاتحاد السوفياتي استجاب وساعد، ربما لأنه أراد أن يتوقى من بعيد ويصد التيارات “الإسلامية” التي تهب عبر أفغانستان. 

لكن نشاط المخابرات الأميركية والباكستانية على الجسر وفي طبيعة أفغانستان وأحوالها وأجوائها اخترق كل شيء أمامه، وإذا رئيس الوزراء يطيح بالملك، ثم يعلن أفغانستان جمهورية، وينصب نفسه رئيسا لها ويحاول أن يحكم بيد من حديد تضبط الإسلاميين الأصوليين، وتحجم العلمانيين اليساريين، وكانت مهمة “داود خان” مستعصية بين يمين يهرب إلى الجهل ويسار يندفع إلى المجهول! 

وفي ظرف أقل من سنتين كان “داود خان” الواقع بين المطرقة والسندان قد سقط ضحية انقلاب يساري ساندته مجموعة من ضباط الجيش الذين درسوا في الاتحاد السوفياتي! 

ولم تكن تلك كما بدا على السطح نكسة للمخابرات الباكستانية والمخابرات المركزية الأميركية بل على العكس فإنها بدت فرصة ملائمة بل وهدية من السماء إذا أحسن استغلالها؛ لأن النظام اليساري وعناصره من الشيوعيين هدف حي ومستفز يشجع على التصويب نحوه علنا وسرا! 

ومع أوائل السبعينيات كانت أفغانستان في حالة احتقان: 

المجموعة اليسارية الشيوعية تمارس الهواية الدائمة للحركات اليسارية وهي الانقسام والتشرذم والتفتت إلى درجة أن الفصيل الواحد يصبح ألف شظية! 

كذلك فإن “محمد تراقي” القائد المختار لرئاسة الانقلاب اليساري الأول ما لبث أن سقط ليحل محله ضابط أقوي منه شكيمة. والداعي أن المقاومة الإسلامية للنظام راحت تقوي وتنظم نفسها في تشكيلات مقاتلة، رفعت صيحة الجهاد، وراحت تطلب المساندة من ناحية الجسر الأخري. وكانت المخابرات الباكستانية والأميركية جاهزة تلبي أي طلب وتزيد عليه. 

ثم تأزمت الأمور وتعقدت عندما فوجئ الكل بقيام الثورة في إيران وإعلان دولتها الإسلامية في طهران، بعد سقوط “محمد رضا بهلوي” من فوق عرش الطاووس. 

ووسط تلك التعقيدات وخشية تأثيرات الثورة الإيرانية على الجنوب الإسلامي في الاتحاد السوفياتي، دفع السوفيات إلى قمة السلطة بضابط من غلاة الشيوعيين هو “بابراك كارميل” الذي لم يكد يدخل القصر الجمهوري، حتى دعا الجيش السوفياتي إلى دخول أفغانستان بحجة أن الخطر داهم، وأن نشاط المخابرات الأميركية والمخابرات الباكستانية على وشك أن يحدث انقساما في الجيش الأفغاني يمهد الطريق ويفتحه لعناصر في كابول مستعدة للتفاهم مع الولايات المتحدة. 

********************
الورقة السادسة 
موسكو تقع في الفخ الأفغاني 

     لم يكن قرار القيادة السوفياتية بدخول الجيش الأحمر إلى أفغانستان سهلا، بل كان اختيارا بالغ التعقيد فرض عليها ما لم تكن مستعدة له أو متفقة عليه. والحقيقة أن قرار التدخل أحدث انقساما داخل المكتب السياسي للحزب الشيوعي، كما أنه أوقع خلافا بين المكتب السياسي وبين القيادة العليا للقوات المسلحة السوفياتية. وطبقا للوثائق (التي فتحت ملفاتها قبل أوانها بأمر من الرئيس الأسبق “بوريس يلتسين” بقصد تحديد المسؤوليات في النهاية المؤلمة للنظام الشيوعي) فإن أول إشارة واضحة عن احتمال دخول الجيش السوفياتي إلى أفغانستان وردت في مذكرة من الجنرال “ليونيد شيبارشين” الممثل الرئيسي للمخابرات السوفياتية في كابول والمذكرة “تشير إلى اتصالات سرية يقوم بها الجنرال “حفيظ الله أمين” مع “قيادات التمرد” الإسلامي نهايتها تمكين عملاء المخابرات الأميركية من مقادير البلاد، وتظهر بعد ذلك في الوثائق السوفياتية رسائل من “بابراك كارميل” تشرح خطورة الأوضاع في كابول، ثم تتحدد الخطوط أكثر في مذكرة مشتركة قدمها إلى المكتب السياسي أربعة من أعضائه هم: “يوري أندروبوف” المشرف على الأمن الداخلي، و”أندريه غروميكو” وزير الخارجية، و”ديمتري أوستينوف” نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع، و”بوريس بوناماريوف” مسؤول الشؤون العقائدية. وفي هذه المذكرة أبدى الساسة الأربعة “أن الموقف في كابول يقتضي دخول قوات من الجيش السوفياتي وإلا فإن أفغانستان سوف يجري تسليمها للولايات المتحدة الأميركية وعملائها بكل ما يعنيه ذلك من انكشاف يعرض للخطر أمن الجمهوريات السوفياتية الجنوبية (الإسلامية). 

وعندما عرضت المذكرة وهي مكتوبة بخط اليد على اجتماع المكتب السياسي يوم 52 ديسمبر 9791 اعترض عليها خمسة من أعضائه وهم: “سوسلوف” و”غريشين” و”كيرلينكو” و”بلش” و”تيخونوف”. وكان رئيس المكتب السياسي وهو الزعيم السوفياتي “ليونيد بريجنيف” موزعا بين الفريقين، والداعي إلى حيرته أن ثلاثة من كبار القادة العسكريين الذين حضروا اجتماع المكتب السياسي اعترضوا هم أيضا على إدخال الجيش السوفياتي أو وحدات منه إلى “ساحة الفوضي الأفغانية”، وكان الثلاثة هم: الماريشال “نيكولاي أوغاركوف” والماريشال “سيرغي أخراموييف” من رئاسة أركان حرب الجيش والجنرال “فالنتين فادينيكوف” وهو المستشار العسكري لرئيس المكتب السياسي (زعيم الاتحاد السوفياتي). 

وطالت المناقشات طوال يومي 52 و62 ديسمبر وعند الظهر انضم “بريجنيف” إلى معسكر الداعين للتدخل، وبانضمامه إليهم رجحت كفتهم وصدر القرار، ومع غروب مساء يوم 62 ديسمبر 9791 نزلت وحدات من الجيش السوفياتي بالطائرات في مطار “كابول”، كما أن فرقة مدرعة من هذا الجيش بدأت عبور الحدود بسرعة متوجهة إلى العاصمة الأفغانية. 

وصباح يوم 72 ديسمبر سنة 9791 نزل الرئيس الأميركي “جيمي كارتر” إلى مكتبه البيضاوي في الساعة السادسة والنصف كما هي العادة كل يوم ليجد مستشاره لشؤون الأمن القومي “زبغنيو برجينسكي” في انتظاره بنفاد صبر، ومع أن ذلك الاجتماع الصباحي موعد مقرر كل يوم بين الرئيس ومستشاره، فإن “كارتر” كان يعرف أن أخبارا مثيرة تنتظره. فقد أيقظه “برجينسكي” من النوم في الساعة الثانية صباحا ليخطره بأن “الجيش السوفياتي دخل أفغانستان”، وكذلك كان “كارتر” يتوقع وقد مرت أربع ساعات ونصف على هذا الإخطار المبدئي أن مستشاره للأمن القومي ينتظره في المكتب البيضاوي حاملا “سيلا من التفاصيل” و”قائمة من الخيارات”: للعرض وللقرار. 

ومن المصادفات أنني سمعت بنفسي بعد عشر سنوات تفاصيل حوار الرئيس الأميركي مع مستشاره للأمن القومي، وقد سمعتها من الطرف الأقدر على روايتها وهو “زبغنيو برجينسكي” نفسه، ووقتها كنا في أحد صالونات السفارة المصرية في موسكو ليلة 81 نوفمبر 9891 والسفير في ذلك الوقت هو وزير الخارجية المصري الحالي “أحمد ماهر”. 

وقتها كانت موسكو (أيام غورباتشوف وفترة الغلوسنوست أو الشفافية) تشهد اجتماعات مصارحة بين الروس والأميركان، وكانت الاجتماعات تحت قيادة رجلين كلاهما يعرف الخبايا: 

“أناتولي دوبرينين” السفير السوفياتي في واشنطن لربع قرن، وهو عضو في المكتب السياسي مع غورباتشوف على الناحية السوفياتية. 

وأما على الناحية الأخري فقد كان “زبغنيو برجينسكي” مستشار “كارتر” للأمن القومي هو الذي يتصدر المجموعة الأميركية. 

وكان “أحمد ماهر” بيقظة دبلوماسي مجرب قد دعا المجموعتين: الروسية والأميركية إلى العشاء في بيت السفارة المصرية، وكان السفير الأميركي في موسكو وقتها (ماتلوك) وكنت الضيفين الوحيدين من خارج مجموعتي “المصارحة”! 

وعلى مائدة العشاء دار كلام لاحظ فيه “أناتولي دوبرينين” أن الدبلوماسية في الزمن الجديد تقتضي تشاورا مسبقا بين الأطراف لا تتخفي فيه النوايا وراء العبارات المبهمة، لأننا في عصر لم يعد في مقدور طرف أن يخبئ فيه شيئا، وأن “الشطارة” الزائدة في السرية كما كان في عهود سابقة لم يعد لها لزوم؛ لأن تصرفات الأطراف في أي أزمة تدل عليها الخيارات المفتوحة أمامهم وضمنها حسابات قوتهم. ثم إن “مناخ السرية قد يوقع الجميع وبينهم أصحابه في خطأ التقدير وكذلك تبدأ ردود أفعال تصعب السيطرة عليها وتؤدي لأوخم العواقب”، وأشار “دوبرينين” على سبيل التدليل إلى قرار دخول الجيش السوفياتي إلى أفغانستان، وكيف أن سرية التصرف ومفاجآته أوقعت الطرف الأميركي في خطأ كبير عند تقدير النوايا السوفياتية، بمعنى أن السوفيات اعتبروا دخولهم إلى أفغانستان إجراءً دفاعيا محضا، لكن الأميركان “قدروه” هجوميا وتصرفوا على هذا الأساس”. 

وبعد أن غادرنا مائدة العشاء وجلسنا للقهوة ومعها أحاديث السهرة، في ركن من الصالون الرئيسي لبيت السفارة، قلت ل “برجينسكي” ول “دوبرينين” معا أن حكاية الدخول العسكري السوفياتي إلى أفغانستان والرد الأميركي عليه واقعة مهمة في سياق الحرب الباردة تساوي التقصي والتدقيق، ولذلك أستأذنهم في العودة إليها. 

والشاهد أنني لم أكن في حاجة إلى أكثر من سؤال واحد وجهته لدوبرينين، ورد عليه بقوله: “صحيح مازال اعتقادي أن أصدقاءنا الأميركان أخطأوا في تقدير نوايانا: كان إجراؤنا دفاعيا صرفا وكان ذلك ظاهرا أمامهم، لكنهم أخذوه هجوميا وعدوانيا وكذلك فعلوا ما فعلوا”! ثم كان أن “برجينسكي” تدخل وأفاض في الحديث ولقرابة ربع الساعة راح يتكلم ونحن جميعا نصغي دون مقاطعة (وحين حاول السفير الأميركي “ماتلوك” أن يتدخل في الحديث وجدتني دون قصد أشير إليه بيدي راجيا منه أن لا يقطع تدفق الرواية واستجاب الرجل). 

قال “برجينسكي” وبأسلوبه الذي تتدافع فيه العبارات وتتماسك الألفاظ وتجيء مخارج حروفها قائمة محددة موجها كلامه في البداية لدوبرينين: 

“كيف كان يمكن لي أو لغيري فجر 72 ديسمبر تقدير نواياكم باعتبارها “عملا دفاعيا” بينما كانت الشواهد أمامنا تقول بعكس ذلك؟ 

يستطرد برجينسكي وقد عاودته حرفته القديمة أستاذا للعلوم السياسية: 

- أولا: كانت الأجواء في المنطقة شديدة التوتر بقيام الثورة الإسلامية في إيران ونجاحها وسقوط النظام الإيراني بكل مؤسساته: العرش والحكومة والجيش في يد آية الله الخميني قائد الثورة الإسلامية الذي راح يهاجم أميركا باعتبارها الشيطان الأكبر، ولم تمض أسابيع حتى أنتج التحريض أثره وإذا السفارة الأميركية في طهران تقع تحت الحصار ويتحول كل من فيها رهائن لشباب إسلامي غاضب. 

- وثانيا (موجها كلامه لدوبرينين): أنكم تدخلتم في حرب أهلية أفغانية بين حكومة شيوعية وأغلبية من السكان مسلمة، وقد وجدناكم ذات صباح تقتحمون حدود أفغانستان وإذا القوات السوفياتية طرفا في هذه الحرب الأهلية ضد المسلمين!. 

- وثالثا: فإنني شخصيا وغيري من أعضاء مجلس الأمن القومي الأميركي (الذي دعوته قبل اجتماعي الصباحي مع الرئيس). قدرنا أنه لا يمكن أن يكون تدخل الجيش السوفياتي نهاية النهاية في أفغانستان، وإنما لابد أن يكون دخولكم بداية البداية. 

يستطرد “برجينسكي”: 

“وعندما جلسنا أمام الرئيس “كارتر” صباح 72 ديسمبر سألني عن تقديرنا لنواياكم وقلت له: 

“سيادة الرئيس نحن أمام جيش سوفياتي يزحف جنوبا في أفغانستان وأفغانستان هي أقرب طريق للسوفيات إلى المحيط والخليج، ونحن لا نستطيع على الإطلاق وبضمير مستريح أن نقطع بأنهم لن يذهبوا إلى أبعد من أفغانستان، وحتى من أفغانستان فإنهم اقتربوا أكثر مما ينبغي من المياه الدافئة للمحيط الهندي ومن منابع النفط في الخليج وذلك يدعونا إلى التصرف وتصرفنا يكون له هدفان: 

- الهدف الأول: وقف السوفيات الا يتقدمون بعد أفغانستان. 

- والهدف الثاني: إرغامهم على التراجع والخروج من أفغانستان. 

وبصراحة فإنني قلت للرئيس أيضا: 

“سيادة الرئيس إن الروس وقعوا في فخ، وتلك فرصتنا كي نرد لهم جميل فيتنام، ولذلك يتعين علينا أن نعمل على سد الطرق أمامهم بحيث تتحول أفغانستان إلى مصيدة لا يخرجون منها إلا بفضيحة تهز هيبة الدولة السوفياتية وتكسر شوكتها”. 

********************
الورقة السابعة 
أنجح عملية مخابرات في القرن العشرين 

     في الساعة الثانية من صباح يوم 27 ديسمبر 1979 انعقد مجلس الأمن القومي بحضور الرئيس “كارتر” لبحث “الدخول العسكري السوفياتي في أفغانستان واستعراض الخيارات المفتوحة أمام الولايات المتحدة للردعليه”. 

وكانت جلسة مجلس الأمن في الواقع حوارا نشيطا بين مستشار الرئيس للأمن القومي “زبغنيو برجينسكي” وبين الأميرال “ستانسفيلد تيرنر” مدير وكالة المخابرات المركزية، وطبقا للوثائق الأميركية وضمنها مذكرات “كارتر” ووزير الخارجية “سايروس فانس” (ومذكرات برجينسكي نفسه) فإن اجتماع مجلس الأمن القومي استقر على الخطوط التالية: 

  1.  أن ما عرضه مستشار الأمن القومي وما توافر لدي وكالة المخابرات المركزية الأميركية ووكالة الأمن القومي ومخابرات وزارة الدفاع تقطع كلها بأن حجم التدخل العسكري السوفياتي في أفغانستان كثيف، وبالتالي فإنه “ضمن الاحتمالات التي لا يمكن استبعادها أن يكون الهدف التالي لهذه القوات عملا سوفياتيا في اتجاه الخليج حتى بحر العرب والمحيط الهندي، وذلك تهديد للمصالح القومية الأميركية”. 
     

  2.  إن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتدخل علنا ضد السوفيات في أفغانستان لأنها لا ترتبط مع هذا البلد بأي اتفاقيات دفاع مشترك، ثم إن تدخلها الصريح حتى مع تجاوز الاعتبارات القانونية، يمكن أن يؤدي إلى صدام مباشر مع الاتحاد السوفياتي ويمكن أن يستفز من ردود الفعل السوفياتية، ما يجعل الخطر على الخليج (حتى بحر العرب والمحيط الهندي) محققا وليس محتملا فقط. 
     

  3.  إن الولايات المتحدة مدعوة إلى تعزيز وجودها المسلح في الخليج، تحسبا لكل الاحتمالات، ولذلك فإن سفراءها المعتمدين عليهم الآن أن يطلبوا من “الأطراف المحليين” أن يسمحوا بهدوء وبغير صخب إعلامي بتفعيل تفاهمات واتفاقيات سابقة في التعاون العسكري مع الولايات المتحدة. 
     

  4.  إن الولايات المتحدة عليها أن تشجع عناصر المقاومة في أفغانستان على تكثيف نشاطها بما يمكنها من تعطيل الجيوش السوفياتية، ثم الانتقال من حرب التعطيل إلى حرب التوريط أي حرب استنزاف ترغم السوفيات في النهاية على الانسحاب من أفغانستان عسكريا في ظروف غير ملائمة سياسيا. 
     

  5.  وبما أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تظهر فاعلا رئيسيا في النشاط العسكري المعادي للسوفيات في أفغانستان حتى لا يؤدي ذلك إلى صدام مسلح بين القوتين فإن عليها (الولايات المتحدة) أن تجد قياد ة بديلة لهذه الحرب الخفية في أفغانستان، ولابد أن تكون لهذه القيادة أهلية تعطيها نوعا من مشروعية “التدخل عمليا” ضد السوفيات في أفغانستان. 
     

  6.  بما أن المقاومة الأفغانية التي أدى نشاطها إلى خلخلة الأوضاع في أفغانستان بما أوصل إلى التدخل السوفياتي مقاومة إسلامية، فإنها لابد أن تستمر كذلك وتتصاعد باستنفار كافة أصدقائها ومناصريها في العالم الإسلامي والدول الإسلامية، والوصول في ذلك إلى حد تكوين تحالف إسلامي واسع يحمل عبء محاربة ضد السوفيات في أفغانستان. 
     

  7.  وهذه المقاومة لابد لها من مصدر سلاح وذخيرة لا ينقطع، وحين سأل أحد الحاضرين عن مصدره كان الرد عليه (من برجينسكي): لابد أن نحصل عليه من أي مكان، نشتريه، نستأجره، نسرقه إذا استدعى الأمر. 
     

  8.  ومن الأفضل أن يكون السلاح سوفياتي الصنع حتى يصعب اتهام الولايات المتحدة بأنها مصدره، وذلك يعطيها فرصة أن تقول للسوفيات إذا سألوها، إن هذا سلاح سوفياتي تحصل عليه المقاومة الإسلامية من الاتحاد السوفياتي أو قواته في أفغانستان “أي من عندهم”! 
     

  9.  إن المملكة العربية السعودية قدمت من قبل دعمها إلى العناصر الإسلامية في أفغانستان، وفيما تقول به التقارير، فإن المملكة العربية السعودية التي تشعر الآن بضغط الثورة الإسلامية في إيران عليها، وترى أن سقوط الملكية في إيران نذير شؤم للأسرة الحاكمة على استعداد لأن تتخلى عن حذرها التقليدي وتوظف “موارد المملكة المعنوية والمادية” في “جهاد إسلامي مقدس ضد الإلحاد السوفياتي، وإذا تحمست المملكة للدعم فإن السلاح يمكن ضمانه بالشراء من مصادر عديدة (والمال عصب كل أنواع الحروب بما فيها الجهاد الإسلامي!). 
     

  10.  ومن باب الاحتىاط لاحتمال أن تتحرج المملكة “بترددها الدائم” في الخروج وحدها إلى هذا الجهاد المقدس، فإنه من الضروري تدعيمها مبكرا بشراكة إسلامية واسعة راسخة وقوية، بحيث يكون من ذلك إغراء لها بدور قيادي على رأس تجمع إسلامي يخوض “الجهاد” دفاعا عن الدين والشرع. 

    والسعودية في الواقع جاهزة لهذا الدور إذا وجدت تشجيعا عليه؛ لأن الثورة الإيرانية حركت قلقا إسلاميا في المملكة وتظهر في وسطه قيادات متشددة من الوهابيين الذين علا صوتهم بالنقد لتصرفات الأسرة الحاكمة في ثروة المملكة، كذلك فإن الثورة الإيرانية كان لها ردود فعل في المناطق الشرقية من المملكة وهي مناطق شيعية المذهب وعلاقتها بالنظام من الأصل متوترة. 

    ولم أكن أتصور درجة عداء الوهابيين للمذهب الشيعي حتى لقاء مع الملك فيصل في فندق فلسطين بالإسكندرية في شهر يونية 1971، وخلال حوار طال أكثر من ساعتين سمعت الملك فيصل يمتدح شاه إيران “محمد رضا بهلوي” بحرارة ويستفيض في وصفه كرجل ذكي و”مقدام” ثم يستدرك فجأة قائلا بالحرف: 

    “لا عيب فيه طال عمرك إلا أنه شيعي”!
     

  11.  إن مصر يمكن إقناعها بأن تتقدم سندا قويا للسعودية في “تدخل إسلامي معاد للسوفيات في أفغانستان”، والرئيس “أنور السادات” متحفز في أي وقت للعمل ضد الاتحاد السوفياتي وهو بالفعل منهمك في نشاطات متنوعة في هذا الاتجاه بموجب اتفاق “نادي السافاري” الذي يضم السعودية والمغرب وإيران ومصر وفرنسا، ومع أن تجمع السافاري يركز نشاطه على أفريقيا فإنه ليس صعبا إقناع الرئيس السادات بفتح جبهة أخري لهذا النشاط يقوم عليها عمل جهادي ضد السوفيات في أفغانستان. 

وهناك مغريات إضافية تقنع الرئيس السادات بذلك: 

إن الثورة الإسلامية في إيران تشغل باله (أي الرئيس السادات) خشية زيادة نفوذ الجماعات الإسلامية في مصر ولو بالعدوى. وهو (أي الرئيس السادات) غاضب من الثورة الإيرانية لأنها أنهت حكم أسرة “بهلوي” وعزلت صديقه “محمد رضا بهلوي” شاه إيران. 

إن الرئيس السادات راغب إلى أقصي درجة وإلى آخر حد في التعاون مع الولايات المتحدة عن اعتقاد لديه من أيام إدارة نيكسون وكيسنجر بأن “99% من أدوار حل قضية الشرق الأوسط في يد الولايات المتحدة وحدها”. وهو لم يقصِّر في إعلان ما يعتقده ولا في التصرف على أساسه. 

وكانت هذه العلاقة بين الرئيس “السادات” وبين شاه إيران من مفارقات السياسة المصرية وعجائبها ! ذلك أن شاه إيران كان باستمرار وبغير انقطاع أقرب الأصدقاء إلى إسرائيل، كما أن بترول إيران كان وقود أسلحة الجيش الإسرائيلي في البر والجو والبحر طول معارك السويس 6591، وسيناء 7691، والاستنزاف 8691 إلى 0791، والعبور سنة 1973. 

ولكن الرئيس “السادات” روى في معرض دفاعه عن استضافته لشاه إيران في مصر بعد طرده من الولايات المتحدة الأميركية وليس فقط من إيران بقوله: “إنه استضاف شاه إيران حتى يرد له جميلا سبَّق به “الرجل” إلى مساعدة مصر وتمثل بشحنة بترول كان المجهود الحربي في أكتوبر 3791 يحتاجها وطلبها (الرئيس السادات) من شاه إيران، فقام الشاه بتحويل إحدى ناقلات البترول الإيرانية بكامل حمولتها من عرض البحر إلى مصر بدلا من وجهتها الأصلية. 

وتلك واقعة فيها من العواطف أكثر مما فيها من الحقائق (فيما أعرف عن مسار الحرب وقد كنت قريبا منه، مقيما طول الوقت تقريبا في قصر الطاهرة الذي كان الرئيس السادات يمارس منه قيادته، كذلك لا يظهر للواقعة أثر في الملفات الرسمية ذات الصلة، وقد بحثت فيها زيادة في طلب التأكيد)، والأرجح أن الرئيس السادات كان يحاول البحث عن ذريعة لاستضافة الشاه، ومع أن الذريعة الإنسانية كانت تكفيه إلا أنه قصد في مواجهة المناخ المتعاطف مع الثورة الإيرانية ذلك الوقت، أن يستدعي الوطنية المصرية لتسهيل قبول قراره باستضافة الشاه. 

والمدهش في الأمر أن إطار الواقعة مستعار من قصة حقيقية جرت سنة 1965 أثناء الخلافات بين مصر والولايات المتحدة على اتفاقيات توريد القمح بمقتضي القانون رقم ب. ل 480. وذلك أنه في نهاية صيف ذلك العام أوقفت واشنطن شحنات القمح إلى مصر، وطلبت مصر شراء قمح سوفياتي، ولم يكن لدط الاتحاد السوفياتي فائض، لكن رئيس الوزراء “اليكسي كوسيجين” بعث يقول: “إن المحصول السوفياتي من الحبوب هذه السنة جاء أقل من المتوقع، مما اضطر الاتحاد السوفياتي أن يدخل سوق القمح مشتريا من السوق الكندي، لكنه بالنظر إلى تعرض مصر لضغوط أميركية، فإن القيادة السوفياتية أمرت بتحويل شحنات قمح مشتراة للاتحاد السوفياتي إلى مصر، وسوف تتوجه البواخر الحاملة للقمح وهي الآن في المحيط الأطلسي إلى ميناء الإسكندرية على البحر الأبيض بدلا من الذهاب إلى ميناء “أوديسا” على البحر الأسود!”. 

وهذه الواقعة منشورة في وقتها معلنة ومسجلة (الصفحة الأولط من الأهرام، العدد الصادر صباح 25 يونيه 1965). 

ويظهر أن الرئيس “السادات” في رغبته لمساعدة شاه إيران، استعار له مشهدا من قصة العلاقات المصرية السوفياتية وأعاد صياغته بما يناسب هواه في ظرف مختلف. 

وذلك مسلك يستطيع علم النفس تفسيره في “حالة” تقوم فيها “الرغبة” باستعارة مشهد من واقعة حقيقية وتقوم ب: “تلبيسه” على واقعة أخرى وهو نوع من إعادة تركيب الصور وتوظيف قدرتها على خلق الانطباع (حتى وإن كانت الصورة مركبة!)

وعلى أي حال فقد انتهت مداولات مجلس الأمن القومي الأميركي برئاسة “جيمي كارتر” صباح 27 ديسمبر 1979 بتوجيه رئاسي يقضي ب: 

“أن يتوجه مستشار الرئيس للأمن القومي “زبجنيو برجينسكي” إلى منطقة الشرق الأوسط بادئا بالقاهرة لمقابلة الرئيس “أنور السادات” والبحث معه في تنظيم جهد إسلامي شامل يساند المقاومة الإسلامية الأفغانية في مواجهتها لجيش الاحتلال السوفياتي، ثم يتوجه مستشار الأمن القومي بعد القاهرة إلى الرياض لمقابلة الملك خالد وولي العهد الأمير “فهد” ووزير الدفاع الأمير “سلطان” ويجري معهم محادثات تضمن حشد موارد السعودية ونفوذها لقيادة “جهاد إسلامي” ضد الشيوعية في أفغانستان، وإذا نجح “برجينسكي” في مهمته مع الرئيس السادات فإنه يستطيع أن ينقل إلى القادة السعوديين ما يطمئنهم إلى أنهم ليسوا وحدهم (في ساحة الجهاد)”. 

“وأخيرا يتوجه مستشار الأمن القومي إلى باكستان ليقوي موقف الحكومة فيها بموارد السعودية ونفوذها وبثقل مصر ووسائلها وحتى تثق هذه الحكومة في إسلام اباد أنها سوف تكون وسط عمل إسلامي يلتف فيه من حولها ويجمع على أرضها قوى الإسلام وإمكانياتها”. 

وكان ذلك حلم باكستان الذي بدا بعيد المنال والآن أصبح في متناول اليد! 

وطوال الأسبوع الأول من شهر يناير 1980 كان “زبجنيو برجينسكي” مستشار الرئيس “جيمي كارتر” للأمن القومي في زيارة سرية ممتدة للشرق الأوسط. 

يوم 3 يناير قابل الرئيس “أنور السادات” لمدة ثلاث ساعات ونصف الساعة، وفي اليوم التالي 4 يناير كان في جدة يقابل الأمير “فهد” والأمير “سلطان”، ويوم 5 يناير وصل “برجينسكي” إلى إسلام اباد ليرتب الأرضية للجهاد باسم الإسلام ضد الإلحاد. 

لكن العملية كما اتضح الآن كان وراءها أكثر مما ظهر منها لأن الجهاد الإسلامي الذي أعلن ضد الاتحاد السوفياتي لم يكن رد فعل طبيعيا لدخول الجيش السوفياتي، وإنما كان: خطوة وسط سياق جرى قبلها واستمر بعدها: 

كانت الخطوة الأولى قرارا أميركيا بإزعاج السوفيات في جمهورياتهم الجنوبية من قواعد في أفغانستان. 

والخطوة الثانية تصعيد هذا النشاط وتكثيفه إلى درجة تضطر السوفيات إلى التدخل العسكري. 

وأخيرا تجيء الخطوة الثالثة وهي إعلان الجهاد عندما يقع الدخول السوفياتي المأمول والمطلوب. 

وذلك سياق الحقائق التي تكشف أخيرا أن “برجينسكي” كان يتستر عليها بأستار سميكة من الغموض، لكنه أخيرا فتح خزائن ذاكرته (وأوراقه) واعترف في حديث طويل مع المجلة الفرنسية “لانوفيل أوبسرفاتور” اعترافا كاملا وافيا وقد جرى الحديث بالنص التالي: 

سؤال: إن المدير السابق لوكالة المخابرات الأميركية “روبرت غيتس” كتب في مذكراته التي صدرت أخيرا بعنوان “من الظلال” أن المخابرات الأميركية بدأت تساعد “المجاهدين” في أفغانستان بشكل مكثف قبل ستة شهور من دخول الجيش السوفياتي إلى ذلك البلد، وقد كنت أنت في تلك الأيام مستشارا للأمن القومي لرئيس الولايات المتحدة، ومعنى ذلك أنك تعرف وأنه كان لك دور، فهل ما ذكره “غيتس” صحيح؟ 

برجينسكي: نعم. طبقا لما تقول به السجلات الرسمية، فإن الولايات المتحدة لم تدخل بثقلها في أفغانستان إلا سنة 1980 بعد أسابيع من دخول القوات السوفياتية إلى كابول، لكنه في التاريخ الحقيقي (بصرف النظر عما تقول به السجلات) فإن التدخل الأميركي لمساندة “المجاهدين” بدأ قبل ذلك بستة شهور. 

إنني يوم 3 يوليه سنة 1979 عملت على إصدار توجيه رئاسي من “كارتر” بتقديم كل المساعدات الممكنة إلى العناصر المعادية للسوفيات في كابول، وفي ذلك اليوم كتبت للرئيس مذكرة قلت فيها: “إن موقف السوفيات يزداد صعوبة في أفغانستان مع كل يوم، وأعتقد أننا إذا رفعنا الضغط درجة، فاعتقادي أن الاتحاد السوفياتي سوف يرغم على التدخل عسكريا ومباشرة في أفغانستان”. 

سؤال: معنى ذلك أنك فعلت ذلك عامدا لاستفزاز السوفيات؟ 

برجينسكي: ليس بالضبط، نحن لم نقم ب”زق” الروس حتى يتدخلوا، ولكننا عارفين بما نفعل رفعنا درجة احتمال تدخلهم وقد حصل. 

سؤال: هل معنى ذلك أن الروس كانوا على حق في تبرير دخولهم إلى أفغانستان على أساس أنهم اضطروا إليه لمواجهة عملية سرية تقوم بها الولايات المتحدة ضدهم؟ كانوا يقولون ذلك ولم يكن أحد يصدقهم والآن يظهر أن فيما قالوه شيئا من الحقيقة، وذلك أمر يدعو إلى الأسف! 

برجينسكي: الأسف على ماذا؟ أن العملية السرية التي قمنا بها كانت فكرة رائعة، لقد أدت إلى دخول السوفيات في فخ تمنينا أن يدخلوا في مثله وقد دخلوا، فهل تريدون أن أقول لكم انني آسف على مخطط وضعناه ونفذناه ونجح بامتياز؟ 

يوم تدخل الروس بجيشهم في أفغانستان كتبت للرئيس “كارتر” مذكرة قلت له فيها: “إن أمامنا الفرصة الآن لكي نجعل الاتحاد السوفياتي يذوق مرارة الكأس التي شربناها في فيتنام، والحقيقة أننا ولمدة عشر سنوات جعلنا الروس ينزفون دما ولا يستنزفون جهدا فقط؛ فهم حين دخلوا أضروا باقتصادهم وأرهقوا سلاحهم وأضعفوا معنويات جنودهم وأضروا بهيبتهم، وذلك أدى في النهاية إلى تمزق الإمبراطورية السوفياتية. 

سؤال: هل تعرف أن ذلك معناه أنكم أعطيتم السلاح للإرهابيين الذين أصبحوا أعداءً لكم؟ ... أنكم خلقتم بذلك صورة الإسلام الإرهابي. 

برجينسكي: أيهما أفضل للغرب: انهيار الاتحاد السوفياتي، أو ممارسة الإرهاب بواسطة بعض الجماعات الإسلامية؟ أيهما أخطر على الغرب: طالبان أو الاتحاد السوفياتي؟ 

سؤال: لكن الإرهاب الإسلامي يمكن أن يتحول إلى موجة عالمية؟ 

برجينسكي: هذا كلام فارغ، يخلط بين الإسلام وبين ظواهر العولمة، لننظر إلى الأحوال الإسلامية بدون تهييج، هناك دين له احترامه وله أتباع يقدر عددهم بمليار ونصف المليار من الناس، لكن الدين لا يجمع هؤلاء سياسيا في التحليل الأخير. ما الذي يجمع مسلما أصوليا من السعودية، أو مسلما عسكريا من باكستان، أو مسلما معتدلا من المغرب، أو مسلما متعلما من مصر، أو مسلما قبليا من وسط آسيا؟ لا شيء يجمع هؤلاء إطلاقا، لا يجمعهم إلا ما يجمع المسيحيين في العالم وهو في الواقع لا شيء!

هكذا تكلم الرجل الذي “صمم” و”هندس” “مشروع الجهاد الإسلامي في أفغانستان” متواصلا فيه مع استراتيجية أميركية ثابتة جرى وضعها من قبل زمنه وزمن رئيسه “جيمي كارتر” بهدف كسب معركة كان عليها أن تدور في أفكار الناس وعقولهم، والهدف أن تتفوق الرأسمالية الأميركية ومثالها الإمبراطوري. 
وتلك معركة بدأها “دوايت أيزنهاور” (ومعه الأخوان فوستر وآلان دالاس) وواصلها “جيمي كارتر” (ومعه برجينسكي وستانسفيلد تيرنر) وأخيرا وصلت المعركة إلى “جورج بوش” (ومعه دونالد رامسفيلد وكونداليزا رايس)، وكان وصولها إلى “بوش” في ظروف متغيرة ذابت فيها ثلوج كثيرة فوق جبال أفغانستان، وذابت قربها إمبراطوريات. 

وكان الدفتر الأول من دفاتر الأزمة قد بلغ آخره وانطوى، وانفتح غلاف دفتر ثان على بقية لمعركة إطلاق الأفكار قبل إطلاق النار على أن إطلاق النار في الدفتر الجديد جاء أكثر من إطلاق الأفكار! 

وكان الدفتر الأول تسجيلا لتطور العمليات لكن الدفتر الثاني يجيء ومعه نتائج الحسابات وهي خسائر على طول الخط وحريق “في المخازن” كما هي العادة مع الخسائر حين يريد “بعضهم” إخفاء مسؤوليته عنها بالإهمال أو بالجريمة وتحويل الدفاتر والأوراق من شاهد صادق وأمين إلى رماد صامت وحزين ينتظر هبة ريح تطويه في النسيان!

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic