“يورو”، نظرة عربية حزينة

جوزف سماحة

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

الخميس، 3 كانون ثاني / يناير 2002

  تاريخ النشر:

 

      في توقيت محدد بالثانية وُلدت عملة موحدة لإثنتي عشرة دولة أوروبية. لا يدل الأمر على معجزة. يدل على ما هو أكثر. على القدرة الاستثنائية لشعوب عندما تمسك مصائرها وتقرر في شأنها. شعوب ذات تجارب تاريخية متباينة، وثقافات متنوعة، وتقاليد سياسية متباعدة، وأنظمة اجتماعية مختلفة، شعوب تقاتلت واحتربت وتنافست ثم قررت أن تسلك طريقاً آخر. 

إن لحظة الانتقال إلى يورو تكثيف لجهود دامت سنوات تزاوجت فيها القرارات المصيرية الكبرى بالتفاصيل الصغيرة المملة. وانخرطت فيها حكومات، وأحزاب، ونقابات، وقطاعات اقتصادية، وقوى أهلية، ونقابات، ومؤسسات إعلامية... صحيح أن السجال الخاص بالموضوع كان صاخباً، وصحيح أيضاً أن أرثوذكسية اقتصادية دفعت بالمنظومات الفكرية إلى التقارب، ولكن الأصح من ذلك كله أن عشرات الملايين من البشر ساروا نحو لحظة ذروة تؤكد أن السياسة يمكنها أن تكون شأناً نبيلاً. 

وضع الأوروبيون معايير معينة يجب توفرها كشرط للانضمام إلى يورو. فعلوا ذلك وشرعت كل حكومة، منذ سنوات، في العمل من أجل ضبط التضخم، والسيطرة على عجز الميزانية، وخفض الدين. ولا ضرورة، هنا أيضاً، لتقويم المضمون الاجتماعي لهذه السياسات، ولا لكشف درجة ممالأتها للرساميل، فالأهم من ذلك أن تحولات جذرية شهدتها مجتمعات قررت أن ركوب القاطرة الأولى يستحق تضحيات وأن إيجابيات الوعد الاتحادي تفوق سلبيات الأثمان المؤلمة للوصول إليه. 

إن صك العملة فعل سيادي بامتياز. وهو، في بلد أوروبي مثل ألمانيا، يكاد يكون الفصل السيادي الأبرز بعد الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك وافقت دول وطنية متشكلة منذ قرون على التخلي الطوعي عن هذا الحق ولو قادها ذلك إلى عمليات جراحية مؤلمة. 

إن صفة “الطوعي” هي المفتاح الأول. وهي تعني احتراماً كبيراً للسيادات الوطنية التي تشكل، حتى إشعار آخر، النطاق الأساسي لممارسة الديموقراطية. ويعني ذلك أننا أمام تنازل سيادي عن بعض السيادة. “التدرج” هو المفتاح الثاني. فمشروع بهذه الجسامة يقتضي “منح الوقت وقته” كما كان يحب أن يقول الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران. غير أن هذا السلوك يقوم على التدخل المستمر، والمتصاعد، والمنسق من أجل حسن استخدام الوقت وصولاً إلى تحديد المواعيد المتتالية بالثواني. 

لا يمكن أمام مشهد “يورو” في التداول إلا استذكار الوضع العربي المتفكك يوماً بعد يوم. إن ما اقترحه العرب لأنفسهم منذ عقود هو ما يحققه الأوروبيون اليوم. المسيرتان متعاكستان. تتميز الأوروبية بقدر عال من التطابق بين القول والفعل، والثانية، العربية، بانفصام كامل يؤسس لقطريات مريضة تزداد رسوخاً في ظل ضوضاء وحدوية يحمّلها البعض، زوراً، مسؤوليات الانحدار المتمادي. 

ولقد قدمت الاجتماعات العربية الأخيرة نموذجاً إضافياً عن محدودية العمل المشترك. فالعناوين كبيرة جداً والنتائج متواضعة. ولعل النتائج متواضعة لأن العناوين كبيرة وترفض الاعتراف بطوعية الخيارات وتدرجية الوسائل وتنوع المصالح وضرورة قيادتها نحو توافقات. ويهدد المصير نفسه القمة العربية حتى في لحظة الإقرار بدورية انعقادها. لا بل أن أحداً لم يكلف نفسه عناء الاستنتاج مما تعنيه دورية الانعقاد لجهة البحث عن إنجازات محدودة والرهان على الفعل التراكمي من أجل إحداث التغيير المطلوب. 

تقدم التجربة الأوروبية، عبر “يورو”، مثالاً عن مشروع اتحادي أكثر ملاءمة للواقع العربي الراهن. أكثر ملاءمة من مشاريع الوحدات الوطنية الماضية في أوروبا نفسها. غير أن الحائل دون الاستفادة منها هو هذا الائتلاف المخيف بين “انعزاليات” صلبة، وميول ما دون وطنية، والإصرار على التصرف انطلاقاً من واقع وحدوي متخيل.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic