حزب الله والسياسة الخارجية الأميركية

هنادي سلمان

السفير

الأربعاء، 9 كانون ثاني / يناير 2002

 

حزب الله والسياسة الخارجية الأميركية في دنيا ما بعد 11 أيلول:
“ورقة” قابلة للاستعمال بحسب تطور العلاقات مع سوريا وإيران

     واشنطن اليوم ارض خصبة للنقاشات والضغوط، تشهد جدلا سيتسارع وسيزداد حدة مع انتهاء الحرب في افغانستان، وكل طرف مشارك في الجدل يستعد لفرض رأيه وتحقيق مصالحه. 

وفي واشنطن اليوم، كل الخيارات واردة، وكل الاوراق مطروحة على طاولة البحث، بعضها سيستخدم فعلا، وبعضها سيكفي التلويح به للحصول على تنازلات، وبعضها الآخر سيبقى سيفا مسلطا على الرقاب الى ما شاء الله. كل طرف يعد اوراقه جيدا، يعيد خلطها وترتيبها، يتنازل عن بعضها للحصول على غيره، ويتمسك بالبعض الآخر لأنه سيضمن له “الربح”. 

وورقة حزب الله مطروحة للنقاش، وان كان البت النهائي بها مرجأ بعض الشيء، ويتوقف على نتائج “المعركة الداخلية” الاميركية كما انه يعتمد على ما ستفضي اليه العلاقات الاميركية المستقبلية مع كل من سوريا وايران. 

وورقة حزب الله ستبقى على مائدة النقاش كوسيلة للضغط على اكثر من طرف، ربما لن يتم استخدامها قط، وربما تتم تجزئتها (ارهاب ومقاومة). وهي ورقة مفيدة ليس فقط للضغط على كل من سوريا وايران ولكن ايضا في ما يتعلق بعملية التسوية. 

وبين الداعين الى محاسبة الحزب على “جميع اعماله” وبين الداعين الى تجاوز الماضي والتركيز على الحاضر والحصول على ضمانات تتعلق بالمستقبل، مروحة واسعة من الآراء، وتمايزات في أراء وحسابات حتى الاطراف المحسوبة على جهة واحدة أو مدرسة فكر واحدة. والامر ذاته ينطبق على الدعوات الى التشدد ازاء كل من ايران وسوريا وتلك التي تقابلها والتي تدعو الى التعاون مع الدولتين المصنفتين راعيتين للارهاب على اساس ان في التعاون ما يخدم مصالح مشتركة مع الولايات المتحدة. 

في ما يلي عرض لآراء بعض الشخصيات المنتمية للتيارين (المتشدد والكثر انفتاحا)، وهي لا تمثل “كل الوان الطيف” الا انها تقدم على الاقل بعض الأفكار المتداولة والمتصارعة حاليا في العاصمة الاميركية، والمتعلقة بالمواقف المتخذة إزاء كل من حزب الله وسوريا وايران. 

لماذا اضيف حزب الله الى القائمة ؟ 

يقول باحث في الشؤون الدولية مقرب من اوساط صناعة القرار ان وزارة الخارجية لم تكن في البداية (مباشرة بعد 11 ايلول ) راغبة فعلا بوضع قائمة تحدد فيها اسماء المنظمات التي تعدها ارهابية، بل كانت تفضل توجيه ما يشبه التنبيه العام، من دون ذكر أي منظمات على وجه التحديد، في خطوة تسمح لها بهامش اكبر للمناورة وتمكنها من درس مدى استعداد كل الاطراف للتعاون، لا سيما وان المنظمات الاسلامية يمكن ان تكون مفيدة في جمع معلومات استخباراتية، على ان يتم اللجوء الى التصعيد وتحديد الاسماء والاهداف المحتملة في مرحلة لاحقة، تعتمد على استعدادات التعاون وعلى تطور الاحداث . 

ويوضح الباحث ان اصدار القائمة امر اجبرت عليه الوزارة بعد الضغط الذي تعرضت له من قبل الصحافة ومن قبل الجماعات الموالية لاسرائيل، مستبعدا ان تكون الاجراءات المنوي اتخاذها في حق هذه المنظمات قد تقررت ومعربا عن اعتقاده ان جميع الخيارات تبقى واردة وستتحدد بحسب تغير الظروف. 

ويكمل الشرح مصدر في وزارة الخارجية قائلا انه تم في البداية استهداف ارصدة حزب الله المالية فقط، “لكن الجماعات الموالية لاسرائيل مارست ضغوطا كبيرة لاتخاذ خطوات اضافية وكنا نحن ( في الخارجية ) لا نحبذ ذلك لأنه كان من الممكن ان يصرف الانتباه عن تنظيم القاعدة، فأصدرنا لائحة المجموعات الارهابية التي تضمنت مجموعات ذات خلفيات وجنسيات متعددة حتى لا يقال ان المجموعات المعادية لاسرائيل هي وحدها المستهدفة”. 

ويشير المصدر الى انه ليس في نية احد حاليا اتخاذ أي اجراءات اضافية “لأن الجميع يعرف ان استهداف حزب الله في الوقت الراهن سيزيد الامور تعقيدا وسيؤدي الى فوضى في ترتيب الاوراق والاولويات”. 

وتخفف بعض المصادر من الاهمية التي توليها بيروت لقضية حزب الله على اساس انها حملة تستهدف النيل من لبنان ومعه سوريا، مشددة على ان الامر يحتمل الكثير من المساومة والاخذ والعطاء وكله يعتمد على قدرة الجهات المعنية على استغلال الفرصة للحصول على ما تصر عليه في مقابل تقديم تنازلات للولايات المتحدة تكون غير مكلفة في الجوهر لكنها تضمن اسكات الذين يشنون حملة على حزب الله. 

وتتمحور الشكاوى من حزب الله حول عدد من النقاط. ويشرح المستشار الخاص في وزارة الخارجية الاميركية كريستوفر روس ان الموقف من الحزب تطور مع مرور الزمن، ففي مطلع الثمانينات ارتبط اسم الحزب “باعمال ارهابية مثل تفجير السفارة ومقر المارينز في بيروت” ثم ارتبط في فترة لاحقة بعمليات خطف الاميركيين والاجانب، “كما يبدو ان هناك ادلة تربط بين الحزب وبين تفجيرات بوينس ايرس”، الا ان روس يشير الى عناصر اخرى تحدد الموقف من الحزب منها كونه حزبا سياسيا مشروعا يشارك في النظام السياسي اللبناني وممثلا في البرلمان كما انه قاوم الاحتلال الاسرائيلي للبنان”. 

وتتفق المصادر على ان تفاهم نيسان، عندما طلب تجنيب المدنيين، اقر بشكل غير مباشر بشرعية مهاجمة جنود الاحتلال، الا ان ما حدث في 11 ايلول جعل من الصعب اللعب على الكلمات واستخدام الاشارات المبطنة، ومكن البعض من الضغط لازالة الفروقات بين “العنف المشروع” و”العنف غير المشروع”.وما يزيد الامر تعقيدا هو اعلان الرئيس الاميركي جورج بوش الحرب الشاملة على الارهاب من دون أي تحديد لمعنى الارهاب او للاهداف المقبلة المحتملة. 

ويضيف مصدر مقرب من وزارة الدفاع ومن الجماعات الموالية لاسرائيل في واشنطن طلب عدم ذكر اسمه الى ما عدده روس عن وجود معسكرات تدريب تابعة لحزب الله في البقاع والى شهادات ادلى بها مفجرو السفارتين الاميركيتين في نيروبي وفي دار السلام، “وهي شهادات موثقة في محاضر المحاكمات، اعترفوا فيها”، بحسب المصدر، “بلقاء اعضاء في حزب الله وبقيام عماد مغنية بتدريبهم” لفترة من الزمن. 

وعلى عكس المصادر التي تسعى الى التخفيف من وطأة الحملة ضد حزب الله، يعتبر المصدر المقرب من وزارة الدفاع انه يتعين على لبنان التأكيد على انه دولة مستقلة قادرة على حماية حدودها مشيرا الى ان بلاده اوضحت لسوريا انه لن يتم التسامح مع الدول الراعية للارهاب وان لبنان يؤوي ارهابييين مما يمكن ان يعرضه لمشكلات كثيرة، ربما لن تشمل أي ضربة عسكرية ولكنها ستكون كافية لعرقلة كل الجهود الهادفة الى اعادة اعمار البلاد وتعزيز اقتصادها، كما انها ستعيق مساعيه السياسية. 

ويذهب المصدر الى حد التلويح بأن دوائر صناعة القرار في واشنطن ستناقش ذات يوم اذا كان يتعين وضع اسم لبنان على القائمة الاميركية للدول الراعية للارهاب. 

وفي ما يتعلق بمزارع شبعا، يرى المصدر انه حتى الامم المتحدة اعترفت بتطبيق القرار 524 كاملا “لذا يتعين على لبنان نشر الجيش على امتداد الحدود .. ليس لحماية امن الاسرائيليين ولكن لحماية الحدود ممن يريدون عبورها للاساءة لاسرائيل”... 

وفي حين يستبعد المصدر ان يكون حزب الله الهدف المقبل في الحرب ضد الارهاب الا انه يؤكد “ان هناك ما يكفي من الاسباب لملاحقته. فضلوعه في عدد من الاعمال الارهابية في الخارج امر مثبت وموثق وهي قضية يجب معالجتها”. 

ويؤيد استاذ الشؤون الدولية في جامعة ماريلاند شبلي تلحمي ذلك بقوله بأنه لم يتحدد أي قرار بعد في ما يتعلق بحزب الله وبأن الخيارات كلها واردة وستحدد الظروف ارجحيتها، معتبرا انه بامكان حزب الله المحاججة بأنه كان في مقاومته لا يستهدف المدنيين عمدا على عكس اسرائيل، كما انه قادر على التعهد بأنه لن يستهدف مدنيين في المستقبل. 

ويشير تلحمي الى نقطة ثانية هي استحالة اللجوء للقوة للقضاء على الحزب متسائلا “كيف يمكن ذلك فاسرائيل اجتاحت لبنان مرتين ولم تتمكن من الانتصار وسحق مقاوميها. ماذا تستطيع ان تفعل بعد؟” 

اما باتريك كلاوسن، مدير الابحاث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى الموالي لاسرائيل والمؤثر في دوائر صناعة القرار الاميركية، فيقول وهو يختار كلماته بعناية انه “سيكون لطيفا لو اعلن حزب الله ان ما مضى قد كان وانه ارتكب اخطاء في الماضي” مشيرا الى ان الرئيس بوش في خطاب الى الكونغرس “المح الى انه ربما امكن نسيان الماضي، لذلك اذا اعترف الحزب بأخطائه وقال انه من الآن فصاعدا سيركز على الشؤون السياسية اللبنانية الداخلية وقضية مزارع شبعا فقط فانه بذلك سيضطر الادارة الاميركية الى اعادة النظر في موقفها”. 

ويسارع كلاوسن الى التأكيد على ان ذلك لن يكون كافيا بالطبع “الا انه سيحرج بعض الاطراف وسيضطر البعض الى اعادة النظر في مواقفه مما سيؤدي حكما الى اطلاق نقاش مثير للاهتمام. هم طبعا سيصرون على الحصول على عماد مغنية مثلا ولكن هناك اشياء اخرى كثيرة. واذا رفض حزب الله الخوض حتى في قضية مثل قضية مغنية فان الولايات المتحدة ستستمر في الضغط لتجميد حسابات حزب الله وسيأتي وقت يصبح فيه ذلك امرا ملحا وجديا”. ويعتبر كلاوسن ان ورقة حزب الله ستلعب ضد سوريا وايران، وحتى اذا انتهت مشكلة حزب الله نهائيا ستبقى هناك قضية حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين لتحريكها ضد ايران كما ان هناك اعترافات لدى الاسرائيليين من قبل موقوفين من حركة حماس تؤكد انهم تلقوا تدريبات في معسكرات تابعة لحزب الله. 

ويقول كلاوسن انه ليس من المرجح ان تشن أي عمليات عسكرية ضد لبنان او سوريا الا اذا استمرت عمليات حزب الله مما سيدفع اسرائيل لتوجيه ضربة عسكرية للحزب وللسوريين في لبنان وفي سوريا. 

بدوره، يستبعد عضو جماعة “ايباك” سابقا والعضو الحالي في احدى جماعات الضغط الاميركية رالف نورنبرغر، شن أي هجوم عسكري من قبل الولايات المتحدة او من قبل اسرائيل ضد حزب الله، معتبرا ان اسرائيل مكتفية بوقف عمليات الحزب العسكرية وهي لن تعود الى اجتياح جنوب لبنان” . 

ويقول نورنبرغر ان الحكومة اللبنانية “غير قادرة او ربما غير راغبة باتخاذ أي اجراءات للسيطرة على حزب الله في الجنوب، ولذلك ستستمر المناوشات لبعض الوقت والكل ينتظر ليرى ما سيحدث على الساحة الفلسطينية حيث الوضع معرض لانهيار تام. سينتظر السوريون وحزب الله وسيراقبون ما يحصل بين اسرائيل وبين الفلسطينيين بانتباه شديد ثم سيقررون لاحقا خطوتهم المقبلة فهم ليسوا مضطرين لاتخاذ أي قرارات في الوقت الراهن”. 

بدوره يؤكد مسؤول في وزارة الخارجية انه “اذا لم تكن هناك نشاطات لحزب الله الا على “المستوى المعتاد” فان الاهتمام المنصب على الحزب سيتحول الى مكان آخر”. 

ويقول المصدر ان في الادارة “صقورا” يرغبون في شن حملة شاملة تستهدف كلا من سوريا وايران والعراق ولكن في الواقع الامور ليست بهذه السهولة فهناك مثلا مصالح اميركية ايرانية مشتركة تتعلق بأفغانستان مما يجعل هامش التحرك ضد طهران على ارض الواقع امرا صعبا في الوقت الراهن. 

سوريا 

تتضارب الآراء حول سوريا والموقف الواجب اتخاذه منها،كما تتعدد الروايات حول مدى تعاونها مع الادارة الاميركية في الحرب ضد الارهاب. وفي حين يصر البعض على ضرورة التشدد ازاء دمشق يرى البعض الآخر انه سيكون من الافضل للمصالح الاميركية فتح حوار مع العاصمة السورية واستطلاع مدى استعدادها للتعاون. 

ويحرص كريستوفر روس على التأكيد ان بوش كان جادا عندما قال ان الدول التي ساعدت “الارهاب” في الماضي يجب ان تتوقف عن ذلك اليوم، مشيرا الى ان ذلك يشمل سوريا “التي يتعين عليها ان تستمع الى ما يقال بانتباه شديد”. 

ويشرح روس ان العناصر الاساسية المتعلقة بسوريا تشمل وجود فصائل المعارضة الفلسطينية في دمشق، وتزويد ايران لحزب الله بالاسلحة عبر مطار دمشق، بالاضافة الى مخيمات التدريب العسكرية التابعة لأحمد جبريل والتي تقول دمشق ان هدفها هو التدريب على المقاومة المشروعة. 

ويوضح روس انه ليس لأي من هذه النقاط علاقة بالنظام السوري نفسه كما انه لم توجه اليه مباشرة تهمة القيام بأعمال ارهابية. 

ويضيف المصدر المقرب من وزارة الدفاع نقطة اخرى وهي ما يشاع عن تهريب مئة وخمسين الف برميل نفط من العراق الى سوريا (يوميا) باعتبار انه مشكلة لا يمكن تجاهلها (أي انه حجة يمكن استغلالها)، مشككا في صدق الاعلان السوري عن النية الى وقف التهريب ومعتبرا ان الحل الامثل يكون بقصف خط الانابيب بين البلدين من الجانب العراقي للحدود تحت غطاء الامم المتحدة وبحجة الحرص على حسن تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء. 

كما يذهب المصدر الى حد اتهام سوريا بالتورط في تفجير القاعدة العسكرية الاميركية في الخُبر مما يشكل برأيه سببا اضافيا لملاحقتها. 

ويعدد المصدر ثلاثة مطالب موجهة الى سوريا أولها اغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية العشر العسكرية والسياسية، وثانيها عدم استقبال عماد مغنية “وأمثاله” وثالثها وقف عمليات حزب الله ضد اسرائيل. 

وبرأيه فان قيام سوريا بتلبية هذه المطالب يعتمد على ما ستحصل عليه في المقابل مثل تعزيز العلاقات التجارية الثنائية مع الولايات المتحدة بالاضافة الى نزع اسمها عن لائحة الدول الراعية للارهاب وحصولها على تعهد بعدم استهدافها عسكريا، ويقول انه “اذا التزم السوريون الصمت فلن يتعرضوا للمضايقة، واذا طالت لائحة الاهداف المحتملة، فاننا ربما لن نصل اليهم”. 

وعلى الرغم من ان المصدر المقرب من وزارة الدفاع يقول ان سوريا مشكلة قائمة بحد ذاتها، الا انه يؤكد وجود نوع من “الرضى لأنها لا تتدخل في حربنا نحن ضد الارهاب” مشيرا في الوقت ذاته انه لن يمكن القبول بأقل من تغيير نسبته 081 درجة مئوية عن سياسات سوريا الراهنة الا انه يشكك في قدرة دمشق او رغبتها في اجراء تغيير من هذا النوع. 

اما كريستوفر روس فيوضح انه لم يتخذ أي قرار بعد في ما يتعلق بكيفية التعامل مع الدول الراعية للارهاب وان جميع الخيارات واردة، مشيرا الى ان القرار سيتأثر بشكل كبير بمدى تعاون هذه الدول وبرد فعلها على ما يحدث، علما بأن هامش المناورة بات ضيقا جدا بسبب تأثير اعتداءات 11 ايلول على الشعب والادارة الاميركيين. لكنه لا ينسى ان يشدد على ان “كل شيء له أوانه” بمعنى انه لن يتم التساهل مع احد. 

ويشرح خبير في الشؤون الدولية مقيم في نيويورك ان اولوية الادارة الآن تتركز حول افغانستان اولا تليها القضية الفلسطينية فالعراق، مشيرا الى ان قضية حزب الله وسوريا لن تأتي الا بعد ذلك، وموضحا ان الجماعات ذاتها التي تضغط لضرب العراق هي التي تشن الحملة ضد لبنان وسوريا، في حين ان وزير الخارجية الاميركية الاسبق جيمس بيكر والسفير الاميركي السابق لدى دمشق ومساعد وزير الخارجية السابق ادوارد دجيرجيان وهما يعدان من المقربين لبوش الابن، يريان الامر على اساس انه لن يمكن تحقيق تسوية في المنطقة من دون سوريا ومن هنا ربما يكون من المفيد الضغط عليها. 

ويشدد الخبير على ان سوريا ولبنان ليسا ضمن الاولويات الراهنة وانه يتم التداول بشأنهما لأسباب داخلية بحتة (ارضاء لبعض الاطراف) وان لا شيء محددا مطلوب من سوريا في الوقت الحالي. 

اما باتريك كلاوسن فيحدد المطالب الموجهة الى سوريا وهي تتعلق بالمنظمات العشر وبتعاون دمشق في ما يتعلق بقرارات مجلس الامن حول العراق (النفط مقابل الغذاء) وتهريب النفط العراقي الى سوريا، “وكل ذلك يخلق مناخا لا يشجع على تعزيز العلاقات التجارية مع دمشق”. 

ويشرح كلاوسن، في اشارة الى احتمال التمييز بين الأجنحة السياسية للمنظمات الفلسطينية المعارضة وبين اجنحتها العسكرية، انه لم يعد من المقبول “في عالم ما بعد 11 ايلول” ان تقول سوريا مثلا انه من المشروع ان تقوم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقتل وزير اسرائيلي وان تبقى مكاتبها في دمشق مفتوحة. 

ويصر كلاوسن على ان بإمكان السوريين الطلب الى المنظمات الفلسطينية وقف جميع انشطتها “وهي قامت بذلك في الماضي”، كما يمكنها ابداء المزيد من التعاون في الملف العراقي “وسيكون هناك في هذه الحالة هامش كبير للأخذ والعطاء”. 

ويعتبر كلاوسن ان الولايات المتحدة اوضحت لكل من سوريا واسرائيل انه اذا رغب الاسرائيليون في الرد على عمليات حزب الله فانه سيكون من الخطأ استهداف لبنان، بل يتعين استهداف سوريا، في مواقعها في لبنان وحتى داخل اراضيها. 

ويعتبر كلاوسن ان الرئيس السوري بشار الاسد يستخف بالقوة العسكرية الاسرائيلية “لكنه مخطئ في ذلك واذا استمر يردد بان ما حصل في جنوب لبنان يثبت ان الاسرائيليين يخافون القوة، فانهم سيقومون بتلقينه درسا”. 

ويشرح رالف نورنبرغر، العضو في احدى جماعات الضغط، انه ليس لدى سوريا اصدقاء في الادارة او في الكونغرس “واذا اخذت تصريحات بشار في عين الاعتبار يجب الا يكون لسوريا اصدقاء. في البداية ساد الاعتقاد انه سيكون افضل من ابيه لأنه تعلم في الغرب ويدعو الى نشر المعلوماتية الخ.. لكن ذلك الانطباع لم يستمر طويلا، فهو ليس اقل تشددا من ابيه”. 

اما المصدر المقرب من وزارة الدفاع فيقول ان “بشار الاسد يخطئ اذا اعتقد انه سيقدر على الحصول على اكبر قدر ممكن من المكاسب مقابل اقل قدر ممكن من التنازلات كما كان ابوه يفعل، فهو غير ابيه”. 

في المقابل، يقول مصدر في وزارة الخارجية ان هناك رغبة لدى الطرفين السوري والاميركي في تحسين العلاقات الثنائية، مشيرا الى تعاون اميركي سوري حالي يتعلق بالارهاب والى نقاش مفتوح يسمح بالقول بأن العلاقات لم تعد كما كانت في السابق. 

ويقول المصدر انه لا يعرف الى أي مدى يعي المناوئون لسوريا (في واشنطن) مدى تعاون دمشق الاستخباراتي الحالي، لأنهم ينظرون الى كل شيء بمعيار مصالح اسرائيل. 

ويقول المصدر “اننا لا نريد للدول والمجموعات ان تبقى على قائمة الارهاب فالهدف هو التوصل لاتفاق، لتسوية ما، وفي كل مرة تبدأ العلاقات مع سوريا في التحسن يحدث تطور مهم في العالم، فتنصرف الانظار عن الحوار مع دمشق”. 

ويؤكد المصدر ان احدا لا يعرف متى سيتم استخدام ورقة حزب الله، مشيرا الى ان المفاوضات الاسرائيلية السورية مجمدة راهنا “ولكن سنصل الى هناك. سنحاول ان نكتشف من السوريين ما يمكنهم ان يقدموه لتطميننا حول النشاطات والمنظمات الارهابية حول اشخاص من امثال عماد مغنية وحول مفاوضات التسوية، كلها امور يجب ان تناقش، اذ يجب ان نتسلم الاشخاص الثلاثة الذين خطفوا طائرة تي دبليو آي”. 

على صعيد آخر، يقول صحافي اميركي، فضل عدم الكشف عن هويته، ان مسؤوليين اميركيين كبار عبروا له مؤخرا عن “رضاهم التام ازاء التعاون السوري” وهو “اكبر بكثير” مما يتم الاعلان عنه، مما يدفعه الى الاعتقاد بان سوريا لن تكون بعد اليوم هدفا محتملا في الحرب ضد الارهاب لأنه تمت تسوية الامر معها. 

إيران 

يتساءل المصدر المقرب من وزارة الدفاع “ما هي الدولة المسؤولة عن قتل العدد الاكبر من الضحايا الاميركيين في خلال الاعوام العشرين الماضية؟ طبعا ايران. كيف نغفر ذلك؟” وكأنه بسؤاله يحدد الطريقة التي يتبعها بعض صقور واشنطن لترتيب اولوياتهم. اما مصدر في وزارة الخارجية فيشرح ان المطالب الاميركية من ايران تتعلق برعايتها للارهاب ومعارضتها لمفاوضات التسوية وامتلاكها لأسلحة الدمار الشامل. 

وهناك ايضا ما أشار اليه نائب وزير الخارجية الاميركية ريتشارد ارميتاج مؤخرا عن المساهمة الروسية في بناء المحطة النووية المدنية الايرانية، مشيرا الى انه “على الرغم من ان واشنطن مازالت قلقة ازاء تسرب بعض الاسلحة والتكنولوجيا الى إيران الا انه يمكن التساهل ازاء الاستخدام السلمي للمحطة بوجود ضمانات انه لن يتم تحويلها” للاستخدام العسكري. 

ويبدو ان أي بادرة مستقبلية تجاه ايران ستتأثر كثيرا بالنقاش الداخلي الدائر في الولايات المتحدة حاليا، ولكنها ايضا مرهونة بالتطورات في كل من افغانستان والعراق. وتكاد جميع الاطراف تجمع على ضرورة التمييز بين المتشددين الايرانيين وبين الشعب والاصلاحيين الايرانيين. 

ويحذر المصدر المقرب من وزارة الدفاع من بوادر التقارب الاخيرة بين واشنطن وبين طهران والتي توجت بالمصافحة بين وزيري خارجية البلدين الشهر الماضي في نيويورك، فهو يعتقد انه يتعين تفادي تعزيز شرعية النظام ويتوجب في المقابل فتح قنوات اتصال “مع الشعب الايراني الذي يحب الولايات المتحدة وما تمثله ويكره نظامه كرها شديدا” من دون ان يحدد مصدر معلوماته هذه. 

ويعرب المصدر عن اعتقاده بأن النظام الايراني محكوم بالسقوط قريبا وان المسألة مسألة وقت، وانه يجب على الادارة تفادي انقاذه عبر عملية التقارب او عن طريق رفع العقوبات او اقامة علاقات تجارية ثنائية بين البلدين. 

وبالنسبة للمصدر فان وزاة الخارجية وحدها تؤيد التقارب مع ايران، وهي بذلك لا تمثل الادارة الاميركية بكل فروعها، كما انه يرفض القبول بوجود مصالح مادية تملي تقاربا من نوع ما، تجاريا واقتصاديا على الاقل، مع طهران، معتبرا انه “لا يمكن للمصالح وحدها ان تحركنا فهناك ايضا قيم مثل الديموقراطية وحقوق الانسان والحرية لا يمكننا التنازل عنها”. 

ويعبر المصدر بذلك عن رأي شريحة لا يستهان بها من الجمهوريين المبدأيين او الايديولوجيين، كما تتم الاشارة اليهم، الذين يتمسكون “بالقيم” عندما تقتضي مصلحتهم ذلك ويتجاهلونها لدى تغير الظروف. 

وفي ما يتعلق بالنفط، يقول مصدر في وزارة الطاقة الاميركية، وهو جمهوري، أن شركات النفط الاميركية الخاصة ترغب في تحسين العلاقات مع أيران وفي رفع العقوبات عنها الا ان “ذلك لا يعني ان الادارة ستستجيب لمطالبهم على الرغم من العلاقات الوثيقة التي تربطها بقطاع النفط، فلا أحد يرغب في الدخول في معركة مع الكونغرس حول هذه القضية”. 

الى ذلك، يستبعد المصدر المقرب من وزارة الدفاع شن حرب ضد ايران الا انه يبتسم وهو يقول “ربما تقوم حركة احتجاجات شعبية في البلاد، وتظاهرات يومية، سيعمل النظام على قمعها وعندها سيتعين علينا تأييد المعارضين”، رافضا تحديد سبل القيام بذلك . 

اما تلحمي فيرى انه سيكون من الصعب التحرك ضد حزب الله حاليا لأن ايران لاعب مهم في افغانستان، فطهران راغبة بدور في مرحلة ما بعد طالبان كما ان الولايات المتحدة تفهم ان طهران اساسية لتحقيق الاستقرار في المنطقة. بالاضافة الى ذلك، لا يمكن تجاهل ايران في الجدل الدائر حاليا حول العراق، لذا يصبح من المستبعد استعداؤها. 

اما الخبير في الشؤون الدولية في نيويورك فيرى ان الولايات المتحدة تريد علاقات جيدة مع ايران “التي تختلف عن طالبان مثلا” كما انه يمكن ان تكون مفيدة في الضغط على العراق على الرغم من ان الجماعات الموالية لاسرائيل ترفض قيام علاقات جيدة مع ايران . 

ويشرح انه ليس باستطاعة الولايات المتحدة ان تتعامل مع ايران كما تفعل مع كل من العراق وكوريا الشمالية (والدول الثلاث مصنفة راعية للارهاب). ويشير الخبير الى ان كلام الرئيس الايراني محمد خاتمي لدى زيارته لنيويورك للمشاركة في الدورة الاخيرة للجمعية العامة التابعة للامم المتحدة والذي اعتبر فيه ان ايران مستعدة للقبول بما يرضى به الفلسطينيون، سببه الجو السائد منذ اعتداءات 11 ايلول، بالاضافة الى انه يخدم مصالح العلاقات العامة. 

الا ان مصادر متشددة مقربة من وزارة الدفاع الاميركية تشكك في مصداقية كلام خاتمي وترى فيه خدعة مكشوفة. وترى مصادر محايدة ان الجماعات الموالية لاسرائيل لن تسمع الا ما تريد سماعه ولن يكفيها كلام خاتمي الذي وصل حتما الى دوائر صناعة القرار الاميركية والتي لها ان تقرر كيف تستغله. 

وفي الوقت ذاته يقول مصدر في وزارة الخارجية ان “البعض هنا في واشنطن ربما لم يلاحظ حتى كلام خاتمي، اذ تحركهم فقط معتقداتهم المبدئية وهم لا يرون الامور الا بالأبيض والأسود ويتجاهلون المساحات الرمادية، وبالنسبة لهم فان ايران تؤيد حزب الله ولذلك يجب ان نكرهها”. 

ويقول باتريك كلاوسن ان ايران دولة ترعى الارهاب لكن غالبية الايرانيين تعارض النظام (ولا سيما المثقفين والصحافيين)، وطريقة التصرف معها تتطلب تفكيرا جديا وعميقا لتحديد وسيلة لمد الشعب الايراني بالمساعدة من دون ان يستفيد النظام من ذلك. 

ويعتبر كلاوسن ان النظام الايراني “لا يتحدث بصوت واحد، ولكن هل سبب ذلك هو عملية توزيع ادوار ام ان هناك خلافا فعليا بين اطراف الحكم؟ لا يمكن للولايات المتحدة سوى الضغط على المتشددين ومد يد العون للاصلاحيين وللشعب الايراني ومن ثم سيصبح على خاتمي ان يختار. فهو على الرغم من تمتعه بشعبية كبيرة الا انه لا يقدم على اتخاذ خطوات ملموسة”. 

يضيف انه ربما يتعين على الولايات المتحدة تخفيف قيود الحظر على القطاع الخاص في ايران، آخذة في الاعتبار مصالحها على المدى البعيد “اذ يجب الا ننسى انه بعد عشرين سنة، سيكون هناك نظام مختلف في ايران”

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic