السيد جعفر

عباس بيضون

  الكاتب:

السفير

  المصدر:

الثلاثاء، 29 كانون ثاني / يناير 2002

  تاريخ النشر:

 

     بعض الناس كتاب بحد ذاته ولغة قائمة برأسها. كتب السيد عبد الحسين كثيرا لكنه كان الكتاب. محضره كتاب وكلامه كتاب والجالس اليه كمن يجالس اللغة والكتب. لم يكتب السيد جعفر شرف الدين كثيرا، ولم يجلس الى الكتابة الا حين استراح من السياسة، لكن اللغة كانت دمه وهواءه، واذا تكلم تكلمت عبره، واذا تكلم نبع الكلام من هذا الكتاب الذي تجسم شخصا ولسانا. عرفت السيد عبد الحسين وأنا أدرج في طفولتي لكنني رأيته وسمعته. وما رأيته وسمعته لا ينسى. شيخ جعله السن وجعلته اللغة وجعلته الحياة وجعله المحضر تاريخا. وقد كُتب لي ان ألمح هذا التاريخ لمحا قبل ان يغيب. اما السيد جعفر فعرفته معرفتي لأبي، وكان يمكن ان تختلط الصورتان في بالي ويختلط الصوتان والهيئتان ويختلط الصدى والذكر والشوق. كان السيد جعفر في فتوتنا قمر احلامنا. وما كنا نعرف من أين يطلع علينا؛ من سماء مزدوجة هي سماء البيت العالي والحرف العالي والماضي العالي. تداولت السيد عبد الحسين شرف الدين الزعامة والفصاحة يوم كانت الزعامة للفصاحة وكانت الفصاحة سلطة بحد ذاتها وقوة ومجدا. لم تبق الفصاحة والزعامة تاجا واحدا عهد السيد جعفر، لذلك كانت الفصاحة تغربه احيانا عن الزعامة والزعامة تغربه احيانا عن الفصاحة، لكنني أذكر وأنا في أوائل فتوتي السيد جعفر يخطب في معركة انتخابية بعد حرب ال1958 الصغيرة التي كانت خطابة ولغة اكثر مما كانت عنفا. يومها كان السيد صاحب التاجين تاج الفصاحة وتاج الزعامة وقد اتحدا في خطبة سالت بلاغة وحلقت فوق الحشد وبدت أجراسا خالصة وهزجا خالصا وحداء خالصا. 

لكن الزعامة افترقت شيئا بعد شيء عن الفصاحة، بل بدا وكأن الزعامة تحولت شيئا بعد شيء الى ركاكة خالصة. لكأن الحرب اللبنانية الاخيرة خلّصت السياسة كلها من الأدب واللغة والكلام كله وأحالتها الى تقنية بحتة وفعل بحت يتهم الكلام كله او يؤْثره رخوا عيّا متأتئا مطاطا. هكذا غابت أقمار الفصاحة وأقمار الحرف العالي والبيت العالي، وأنا لست هنا لأشهد مع او أشهد على. لكن شيئا يخالطني مخالطة الدم والنفس لا يسعني ان أكون شاهدا عليه او له، انني أصغي وأتذكر وأشرق بإصغائي وتذكري وكفى. 

نعمت بحضور السيد جعفر أمسية من القلائل التي تجرأت على ان ألقي فيها من شعري، وأعرف ان اسمي هو الذي جذب السيد الى حضورها؛ اسم الابن وابن الأخ. نعمت ايضا بوقوف السيد مدافعا عن الشعر العربي واللغة العربية ضدي. سمعت مجددا فصاحته السيالة تترحم على أبي وتترحم عليّ، وأشهد أنني سمعت صوت أبي في صوته وهزني الصوت وهو يدافع عن مثَل أعلى وهب حياته له. هزني وهو يتهمني بمروق عن لغتي ودمي ورحمي. كانت هذه محاكمة الآباء، وخفتُ لكن صوت الآباء يطمئن اكثر مما يزعزع ولو بدا لائما، وصوت الآباء حب ولو بدا اشتباها، وصوت الآباء قوة لنا ولو بدا علينا. 

تأخرت حتى خرجت من عجيج المتكلمين. لكنني متأخر من زمن عن كل شيء، وأعرف أنه يعذر.

 

§ وصـلات:

 

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic