اننا نعيش في عالم تتحكم في مساره الصراعات والنزاعات. والفرق بين الإثنين ان النزاع يمثل حالة صدام على قضية، وقد تكون القضية حدوداً مختلفاً عليها أو أرضاً محتلة أو سيادة سليبة، وقد تكون القضية تلك الظواهر الثلاث معاً، كما في فلسطين. فالنزاع العربي الصهيوني ناشب في فلسطين من دون انقطاع منذ ان كان حول حدود لإسرائيل غير مرسّمة، وحول أرض عربية تحتلها الدولة العبرية، وحول سيادة عربية مفقودة تنتظر قيام الدولة الفلسطينية. كل ذلك خلافاً لقرارات الأمم المتحدة ولمبادئ القانون الدولي.
أما الصراع فيدور حول خلاف أو تعارض أو تناقض بين تيارات وقوى ذات مفاهيم عقائدية أو حضارية أو فكرية أو مصلحية على المستوى الدولي. هكذا كان الأمر عبر ثلاثة أرباع القرن بين الرأسمالية والشيوعية حتى نهاية الحرب الباردة أو، بحسب تعبير فوكوياما، حتى نهاية التاريخ بانتصار الرأسمالية، وهكذا كان الأمر عبر بضعة عقود من الزمن بين الأنظمة الشمولية المتمثلة بالتيارات النازية والفاشية وأخيراً الشيوعية من جهة والليبرالية من جهة أخرى. وقد دلت التجارب أن القوة تكون حاسمة في تحقيق السلام عندما يكون الحق والقوة في جانب واحد.
في كلتا الحالين، في حال النزاع كما في حال الصراع، يبرز الاحتكام للقوة سبيلاً رئيساً لفرض تسوية ما أو حل ما. ويكاد يكون من المحتّم ان يستمر النزاع أو الصراع في كل الأحوال إلى ان يحسمه فارق القوة بين الفريقين أو بين الأفرقاء. وكثيراً ما يختلط النزاع والصراع في حلبة واحدة للمواجهة. وهكذا حسمت الحرب العالمية الثانية بالقوة نزاعات حول الحدود وحول السيادة على بقع معيّنة من الأرض، وحسمت الصراع بين الفاشية والليبرالية في آن معا. كذلك فرضت الحروب الموضعية المتفرقة تسويات معينة لصراعات بين أنظمة وتيارات ومفاهيم في فيتنام وكوريا وسواهما. لم ترجح فيها كفة القوة المتفوقة عسكرياً في كل الحالات، بل كان لحق الشعوب في حصيلتها صولة، كما في فيتنام، حيث لم يكن الحق والقوة في جانب واحد. وفلسطين ما زالت تشكل حالة من حالات النزاع على الأرض والسيادة ومن حالات الصراع بين العروبة والصهيونية، التي لم تبلغ مبلغ الحسم بعد، على الرغم من فقدان التكافؤ في القوة العسكرية بين العرب وإسرائيل المستقوية بأعظم قوة عسكرية في الزمن المعاصر، أي الولايات المتحدة الأميركية، وبتفوّق السلاح الذي تملكه الدولة العبرية بدعم مباشر من أميركا. هكذا تكون فلسطين أسطع حالة للصدام بين الحق والقوة.
إن إسرائيل تسعى إلى حسم الصراع ببطش القوة الغاشمة، وهي عاجزة عن تحقيق مأربها حتى الآن أمام قوة الحق العربي الفلسطيني. وكان لبنان قد سجّل امثولة ناصعة في انتصار الحق على القوة من خلال المقاومة الباسلة للاحتلال الإسرائيلي المتمادي. وتشكل فلسطين اليوم، كما كان لبنان في زمن الاحتلال، أنموذجا صارخا لا يتبدى فيه الحق والقوة في جانب واحد بل على طرفي نقيض.
يسود السلام في العالم يوم تكون القوة والحق في جانب واحد. والأمر ليس كذلك اليوم في ما يعود للصراع العربي الإسرائيلي. فالقوة الأميركية الساحقة إنما تنتصر من دون أدنى مواربة للعدوان الإسرائيلي على فلسطين، وذلك بفعل هيمنة المصالح الصهيونية على اللعبة السياسية داخل الولايات المتحدة الأميركية وسطوتها تالياً على القرار السياسي في الدولة العظمى. وتبدو من ثم كفة إسرائيل في الحرب الدائرة على أرض فلسطين هي الراجحة ولو أنها حتى الآن ليست حاسمة بفعل قوة الحق الفلسطيني الذي جعل من الإيمان والتضحية وروح الفداء والصبر على الشدائد سلاحاً ماضياً في يد هذا الشعب العظيم في انتفاضته المباركة.
مع اصطفاف أميركا إلى جانب إسرائيل، وربما وراءها، في عدوانها المتمادي على العرب، يبدو جلياً أن فلسطين باتت أنموذجاً صارخاً لوجود الحق في جانب من الصراع والقوة الغاشمة في جانب آخر. ولا غلو في القول إن العرب باتوا مقتنعين بأن أميركا لا تملك سياسة أو استراتيجيا ذاتية حيال الشرق الأوسط، بل ثمة سياسة أو استراتيجيا إسرائيلية تتبناها أميركا وتطبقها من دون تردد أو تحفظ أو تساؤل. إذا نجحت أميركا، من خلال دعمها المطلق والأعمى لإسرائيل، في فرض حل غير عادل لقضية العرب المركزية في فلسطين، فإن النتيجة لن تكون في حال من الأحوال سلاماً ناجزاً بل مجرد محطة جديدة في سياق الصراع العربي الإسرائيلي، كما كانت كل الحروب العربية الإسرائيلية في الأعوام 1948 و1956 و1967 و1973. فالسلام يفترض الاستقرار. والاستقرار المنشود لن يتحقق ما دام هناك شعب يشعر بأنه مقهور وحقه مهدور، وما دام وراء هذا الشعب أمة تنتصر له ولحقه. لا بد أن يعود الحق إلى نصابه إن عاجلاً أم آجلاً.
إلى كل ذلك، إذا سخّرت أميركا قوتها الساحقة في دعم العدوان الإسرائيلي على شعب فلسطين، فإن ذلك لن يكون إلا على حساب القيم التي قام عليها المجتمع الأميركي ويقوم، ومنها الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. ففي تلك الحال ستكون أميركا في وضع هجين تطبق فيه هذه القيم داخل الولايات المتحدة الأميركية وتطبق نقيضها خارج أميركا.
يبدو أن العلة الأساسية في نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية أن الولايات المتحدة الأميركية حلت محل الأمم المتحدة في الدور الذي كان مرسوماً لها في إدارة شؤون العالم بحيث تكون محور القوة على الصعيد الدولي في العالم وحصن الحق في آن معاً، وهذا الدور، في وجهيه، تتولاه عملياً اليوم الولايات المتحدة الأميركية. وهي إذ تعلن الحرب على الإرهاب في العالم، تلتزم جانب الإرهاب الإسرائيلي.
§
وصـلات:
