دفاتر أزمة! الدفتر الثاني
واشنطن تؤذّن للجهاد فى كابول! 

محمد حسنين هيكل

السفير

السبت، 2 شباط / فبراير 2002

 

     في يوم قادم مع المستقبل سوف تقف الأمة العربية محاسبة، تطلب التحقيق في شأن السياسات التي ساقتها إلى تلك المغامرة على جبال أفغانستان وفي أعماق كهوفها. ومع أني تابعت معظم فصول ومشاهد هذه المغامرة، فإني أوثر الآن أن أترك روايتها لغيري، طلباً لأقصى قدر متاح من الموضوعية، ذلك أنه عندما يتحدث طرف من الأطراف عن مسألة له فيها وجهة نظر، فالخشية دائما أن وجهة نظره تنعكس على رؤيته، وبالتالي على روايته! 

ومن حسن الحظ أن هناك وفرة في المصادر الدولية التي تعرضت بالتقصي والبحث في دخائل وخفايا ما جرى على جبال أفغانستان وفي كهوفها وضمنه دور السياسة العربية هناك. وكذلك اخترت أن أستند في هذا الحديث على ثلاثة مصادر بين عشرات غيرها أعرف أن وراءها جهدا دؤوبا، وصلات وثيقة، ومصداقية تقنع أي باحث عن الحقيقة بأنه وجد جوابا لسؤاله كي يبدأ من هنا حقه العام أن يعرف وأن يتخذ لنفسه ولو بالضمير موقفا! 

AdabWaFan

محمد حسنين هيكل

السعر: 9:00 $ فقط!

والمصادر التي اخترتها عمادا لهذا الحديث ثلاثة كتب: 

1 كتاب “طالبان: الإسلام والنفط والصراع الكبير في وسط آسيا” ومؤلفه عميد الصحفيين الباكستانيين “أحمد رشيد”، وقد ظهر هذا الكتاب ونشر في لندن لأول مرة سنة 2000، ثم أعيد نشره من جديد ثلاث طبعات سنة 2001 (وأعرف أن هذا الكتاب كان أمام الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في نفس الوقت من أواخر شهر سبتمبر الماضي).

2 كتاب: “الحروب غير المقدسة: أفغانستان، أميركا، والإرهاب الدولي”، ومؤلفه الصحفي الأميركي المخضرم “جون كولي” الذي قام بتغطية منطقة الشرق الأوسط سنوات طويلة لكبرى وكالات الأنباء الأميركية ABC، وقد نشر الكتاب لأول مرة عام 1999، وأعيدت طباعته مرة ثانية سنة 2000، ومرة ثالثة سنة 2001. 

3 كتاب: “غسيل الواقع” وتلك هي الترجمة الأقرب إلى معنى العنوان الإنجليزيWhite Out)، ) والسطر الثاني من هذا العنوان هو: “وكالة المخابرات المركزية الأميركية والمخدرات والصحافة”، وقد اشترك في تأليف الكتاب اثنان من نجوم التحقيق بالعمق، أولهما “ألكسندر كوكبيرن” وهو الآن محرر مجلة “ذي نيشن”، وكاتب مجموعة من أكثر الكتب رواجا. والثاني “جيفري سان كلير” وهو صحفي مشهود له في متابعة نشاط أجهزة المخابرات الدولية وقد نشر الكتاب عام 1998 في لندن، وكانت هناك جهود مُلِحَّة نجحت فيما سعت له، ولم يطبع الكتاب في نيويورك كما كان مقدرا. 

********************
الورقة الأولى: 
التحالف ضد “الإلحاد” وأطرافه الأربعة! 

     تتفق الكتب الثلاثة وعشرات من المصادر غيرها على مجموعة من الحقائق الأساسية تتصل بإدارة الولايات المتحدة لحربها الباردة ضد الاتحاد السوفياتي (وهي الحرب التي بدأت أول الخمسينيات من القرن العشرين، واستراتيجيتها إطلاق الأفكار قبل إطلاق النار، وخطف العقائد والأديان واستخدامها ضد الخصم الشيوعي الأخطر) وهذه المجموعة من الحقائق الأساسية تظهر في مصادرها مترابطة ومتكاملة: 

1 إن المخابرات المركزية الأميركية متعاونة مع المخابرات العسكرية الباكستانية، سبقت إلى إدارة عمليات “حرب نفسية”، هدفها إثارة المشاعر المعادية للاتحاد السوفياتي داخل جمهورياته الجنوبية وفيها غالبية إسلامية، مستغلة في ذلك فجوة أو جفوة طبيعية بين النظام السوفياتي “المادي” في فلسفته، وبين الإسلام “الروحاني” في مبادئه، وبالطبع فإن دافع المخابرات الأميركية لم يكن “الحرص على الدعوة أو صدق الإيمان”، وإنما “إقلاق وإزعاج” الاتحاد السوفياتي في أكثر المواقع إثارة للمواجع! 

2 إن استعمال أفغانستان قاعدة لإدارة وتوجيه عمليات إقلاق وإزعاج الاتحاد السوفياتي، بدأ على استحياء أوائل الخمسينيات، واشتد في الستينيات، وبلغ الذروة أواخر السبعينيات حين أصبح هدف مجلس الأمن القومي الأميركي وعلى رأسه في ذلك الوقت “زبغنيو بريجنسكي” (مستشار الرئيس كارتر للأمن القومي) استفزاز الاتحاد السوفياتي بتصعيد النشاط المعادي له في أفغانستان من المستوى النفسي إلى المستوى العملي والوصول في ذلك إلى درجة ترغمه ولو كارها على التدخل عسكريا في أفغانستان، فإذا تحقق ذلك فهذه هي الفرصة لتحويل ذلك البلد إلى فيتنام سوفياتية تؤثر عليه بمقدار ما أثرت فيتنام الأميركية على أصحابها! 

3 وكان تقدير “بريجنسكي” كما عرضه على الرئيس جيمي كارتر (وبالاعتماد على روايات كارتر وبريجنسكي قبل أي مصدر غيرهما) أن الولايات المتحدة لا يصح لها أن تظهر علانية في أفغانستان (عندما تتحول إلى فيتنام سوفياتية)، وإنما الأفضل أن تظل بعيدة بمسافة كافية، وأن تترك المعركة للمسلمين يخوضونها باسم “الجهاد الإسلامي” ضد “الإلحاد المادي”. وأهم من ذلك يتكفلون بتمويلها لأن العبء أثقل مما تستطيع وكالة المخابرات المركزية أن تُحَمِّلَه على ميزانيتها، كما أنه أكبر مما يقبل به الكونغرس في الموافقة على اعتمادات لعملية سرية تقدم اليه “مستقلة وحدها”، زيادة على ذلك فإن الذهاب إلى “لجنة الأمن” (المتفرعة من لجنة الشؤون الخارجية) لطلب الموافقة على مبالغ بهذا الحجم يؤدي إلى كشف العملية (لأن الكونغرس “مبني من الفخار”، ما فيه يرشح خارجه)، وذلك يحرج السياسة الأميركية، والإحراج في مثل هذه الحالة خطر؛ لأنه قد يؤدي لتعقيدات دولية من الأفضل تجنبها! 

وكان معنى ذلك في تقدير “بريجنسكي” (كما عرضه في مذكرة للرئيس “جيمي كارتر”):
أن الولايات المتحدة لابد لها من ترتيب يُمَكِّنها من “العمل على الأرض”، والصرف على العمل وإدارته تحت إشرافها، دون أن يظهر دليل يثبت عليها شيئا تتورط بسببه في ما لا ضرورة له! 

يتداعى من ذلك أن الولايات المتحدة وهي تخوض معركة استنزاف الاتحاد السوفياتي في أفغانستان بـ: “سلاح الجهاد”، عليها أن تجد “وكالة إسلامية” معتمدة تحمل المسؤولية على الأرض وتدفع تكاليف العمل وتتلقى التوجيهات بشأن خططه وتوقيتاتها من الأجهزة الأميركية المعنية. 

ومع أن هذه المواصفات لما هو مطلوب أميركيا في أفغانستان بدت شبه المستحيل في معادلاتها فإن “بريجنسكي” عرض تصورات رآها قادرة على شبه المستحيل! 

وقد كان في حسابات “بريجنسكي” أن “الوكالة الإسلامية الجهادية” المرغوب فيها والمطلوبة بمواصفاتها قائمة بالفعل وعاملة في الواقع، وكل ما يلزمها الآن: إثارة همتها، وتطوير وسائلها، وتنشيط خططها وتركيز فعلها وتعبئته في إطار “جهاد إسلامي” صريح ومُعلن ضد الاتحاد السوفياتي “الذي اعتدي على ديار الإسلام”!. 

********************
الورقة الثانية: 
توزيع الأدوار في سيناريو “بريجنسكي” 

     وتجمع الكتب الثلاثة التي يستند اليها هذا الحديث على أن “بريجنسكي” خطا بعد ذلك خطوة في عرض تصوراته على الرئيس “كارتر” وعلى مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض فتقدم باقتراح لتوزيع مسؤوليات “الجهاد الإسلامي” المُبتَغى في مرحلة جديدة على أدوار رئيسية ثلاثة: 

أولا: دور ل: باكستان تصبح به “دولة الإسلام الأنقى” قاعدة للعمليات في أفغانستان كما كانت باكستان في مرحلة سابقة قاعدة للعمليات عبر أفغانستان (جسرا إلى الجمهوريات السوفياتية الجنوبية).

وكان تقدير “بريجنسكي” أن “إسلام أباد” مهيأة نفسيا وسياسيا لتطوير عملها في أفغانستان، فهناك مصالح قامت بالفعل وترسخت خلال المرحلة السابقة من العمل في الجمهوريات الجنوبية للاتحاد السوفياتي، وهناك دواع سياسية تغري باكستان بقبول مسؤوليتها في “العمل الجهادي” داخل أفغانستان إذا ضمنت تأييدا إسلاميا أوسع يلتف حولها. والجيش الباكستاني وهو السلطة الأقوى في “دولة الإسلام الأنقى” متحفز. وحتى إذا قامت في “إسلام أباد” حكومة مدنية ترى في قضية “الجهاد” رأيا آخر، فإن المخابرات العسكرية الباكستانية لا تعتبر نفسها ملزمة بطاعة ساسة “إسلام أباد” لأن رأيها فيهم بالغ السوء من كثرة ما تعرفه عن دخائلهم، وإذن فإن تعاون المخابرات العسكرية في باكستان على هذا الأساس مضمون، وذلك المطلوب الأهم. 

ثانيا: دور للمملكة العربية السعودية تصطف به المملكة وراء باكستان مباشرة وكان تقدير “بريجنسكي” أن الرياض جاهزة بدليل أن المملكة ساعدت من قبل ولا تزال تساعد في عملية إحراج السوفيات عبر أفغانستان، فإذا أصبح الإحراج “جهادا إسلاميا” داخل أفغانستان ذاتها، فإن المملكة سوف تكون أكثر من مستعدة، خصوصا أن الرياض مهتمة بدور متميز في قيادة العالمين العربي والإسلامي؛ لأن غياب مصر بعد صلحها مع إسرائيل ترك الساحة العربية خالية وبالتالي مهيأة لدور تستطيع المملكة أن تقوم به، فإذا جمعته إلى دورها القيادي في منظمة المؤتمر الإسلامي وزادت عليه وضعها داخل منظمة الدول المصدرة للبترول الأوبك فقد أصبحت المملكة رسميا وفعليا دولة الرجاء والأمل عربيا وإسلاميا. فإذا أضافت الرياض إلى هذه القائمة دعوة جهاد مقدس ضد الإلحاد، فإن ذلك يوفر لها ظروفا مثالية؛ لأنه يعطيها القيادة العربية الإسلامية دون أن يفرض عليها بالضرورة أن تتحمل مسؤولية المواجهة مع إسرائيل، وهي مسؤولية تخشاها وتحاذر يوما أن تجد نفسها وجها لوجه أمامها. وفي ظروف عادية فقد كان شبه مؤكد إذا أصبحت المملكة هي القيادة المُعترف بها في العالم العربي والإسلامي أنه سوف يقع استدعاؤها بهذه الصفة إلى فلسطين، لكنها حين تستبق استدعاء فلسطين بدعوة إلى أفغانستان جهادا من أجل الإسلام فإنها بذلك تضع نفسها في موقف إسلامي يصعب على أحد أن يطلب منها زيادة عليه. وكذلك كان تقدير بريجنسكي، أن السعودية سوف تتحمس. 

وثالثا: دور لمصر على أساس أن الرئيس “أنور السادات” يمكن إقناعه أن “يتعاون” حتى يقوي عزيمة باكستان (المنقسمة على نفسها)، ويطمئن وساوس السعودية (وهي حاضرة كل وقت)، وكان ظن “بريجنسكي” أن الرئيس السادات تواق إلى إرضاء الولايات المتحدة التي تملك في حساباته المُعْلَنة 99% من أوراق حل قضية الشرق الأوسط، وهو بمشاعره كاره للسوفيات ومنغمس بالفعل في نشاط معاد لهم في أفريقيا ضمن التنظيم الذي اقترحه الكونت “ألكسندر دي ميرانش” الرئيس الأسطوري للمخابرات الفرنسية وأُطلِقَ عليه وصف “نادي السفاري” (وذلك التنظيم يضم كلا من السعودية وإيران والمغرب ومصر) ويقوم بالفعل بنشاط معاد للسوفيات في القرن الأفريقي (وأيضا في غرب أفريقيا أنغولا والكونجو).

والراجح وذلك تقدير “بريجنسكي” أن السياسة المصرية النشيطة ضد السوفيات في أفريقيا لن تجد مانعا من تحويل نشاطها أو جزء منه إلى أفغانستان، خصوصا أن الرئيس السادات بذلك يسابق الثورة الإسلامية في إيران وهو لا يغفر لها أنها أَسْقَطَت حكم صديقه الشاه “محمد رضا بهلوي” (وفقا لما يقوله ويعلنه!)

وطبقا لكتاب “الحروب غير المقدسة” (صفحة 31)، فإن “زبغنيو بريجنسكي” مستشار الرئيس الأميركي “جيمي كارتر” لشؤون الأمن القومي كان جالسا أمام الرئيس السادات يوم 3 يناير 1980، ينقل له رسالة من “جيمي كارتر” تدعو “مصر الإسلامية” أن تقوم بدور في “جهاد إسلامي” ضد الإلحاد السوفياتي الذي غزا بجيوشه بلدا إسلاميا. 

وطبقا لتعبير “بريجنسكي” فإن الدعوة التي حملها للرئيس المصري طلبت اليه أن “يدخل في الفريق” الجهادي الإسلامي في أفغانستان (Join The Team)، وكانت الحجج التي عرضها لإقناع الرئيس السادات: 

1 “إن مصر بمكانتها الخاصة في العالم الإسلامي مؤهلة لدور في الدفاع عن العقيدة الإسلامية”! 

2 “إنه لا يصح ترك “شعارات الإسلام العظيمة” يحتكرها “آية الله الخميني” لنفسه أو للإسلام الشيعي”! 

3 “إن دخول مصر في هذا “العمل الجهادي” يعطي الرئيس السادات نفوذا أوسع في المنطقة إزاء أطراف عربية تعارض سياسته في السلام مع إسرائيل، ومنها سوريا والعراق وليبيا”. 

4 “إن قيام الرئيس السادات بدور في “الجهاد الإسلامي” يرد بشدة على أولئك الذين يتهمونه “بالتفريط” في فلسطين، ويهيئ له قاعدة إسلامية أوسع من “الحيز المحدود” لدول الجامعة العربية”. 

5 “إن مصر تملك مؤهلات تيسر لها العمل في أفغانستان بينها أنها بلد الأزهر الذي يقبل المسلمون مرجعيته، كما أنها موطن جماعة الإخوان المسلمين التي تأثرت بها أو تفرعت منها جماعات إسلامية عاملة في باكستان وأفغانستان، والرئيس السادات كرئيس لمصر يملك سلطانا على الأزهر، وكسياسي فهو يحتفظ بعلاقات طيبة مع بعض زعماء الإخوان، وبرغم حساسيات (يعرف بها بريجنسكي)، فإن ميدان الجهاد الإسلامي يستطيع جمع السلطة المصرية، والأزهر، والإخوان المسلمين على عمل مشترك يواجه شرور الإلحاد من ناحية، ومن ناحية أخرى تذوب به حساسيات مع الإسلام السياسي مترسبة من ظروف سابقة أو تلين معه مفاصل في العلاقات بين الطرفين متصلبة في الوقت الراهن”! 

6 “إن مصر لن تتكلف شيئا لأن الولايات المتحدة سوف تنشئ صندوقا خاصا للجهاد في أفغانستان تشارك بنفسها في تمويله وتدعو للمشاركة عددا من دول الخليج، أولها المملكة العربية السعودية. وهو يحمل رسالة حول هذا الموضوع من الرئيس “كارتر” إلى الملك والأمراء في السعودية، وهو (بريجنسكي) على ثقة بأن المملكة سوف تستجيب سياسيا وماليا”! 

7 “إن مصر تستطيع أن تستفيد “بأكثر من أجر الجهاد وثوابه”؛ لأن الجهاد في أفغانستان يضمن عقودا سخية للصناعات العسكرية المصرية؛ لأن ذلك الجهاد بالذات! يلزمه سلاح سوفياتي الصنع والنوع”. 
(وكان “بريجنسكي” يقصد بذلك إغراء الرئيس “السادات” بأن “الجهاد الإسلامي” سوف يحتاج أن يشتري من مصر أسلحة سوفياتية الصنع لم تعد تريدها، أو أسلحة سوفياتية النوع قامت بتصنيعها في منشآتها (الصناعات الحربية)، ولا تجد مشتريا لها، لأن المنطقة تشهد تحولا ظاهرا إلى الأسلحة الأميركية!).

8 وكان الختام في حجج “بريجنسكي” كالمعتاد “أن مشاركة مصر في “الجهاد الإسلامي” ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان تساعد الرئيس “كارتر” على مواجهة أصدقاء إسرائيل في الكونغرس لأنها ترد على دعايات يقوم بها “مناحم بيغن” (رئيس وزراء إسرائيل وقتها) تزعم “أن مصر ليست صديقا للولايات المتحدة إلا بمقدار ما تريد منها أن تضغط على إسرائيل” وتلك حجة سوف تبطل عندما يظهر أن مصر على رأس التصدي الإسلامي للسوفيات في أفغانستان”. 

وتجمع الكتب الثلاثة (وغيرها من المصادر وضمنها مذكرات بريجنسكي نفسه) أن “بريجنسكي” خرج من مصر متوجها إلى السعودية وقد وجد نفسه رسولا مكلفا من الرئيس “السادات” (أيضا)، إلى جانب تكليفه من الرئيس “كارتر”، لأن الرئيس المصري خوله إبلاغ الملك وولي العهد ووزير الدفاع في السعودية عندما يلقاهم أن ينقل اليهم رسالة إضافية منه مؤداها أنه “جاهز ومستعد للعمل، والتعاون معهم (اليوم قبل غد) في عمل جهادي ضد الإلحاد! 

********************

ومن مفارقات السياسة المصرية أن أحد الرجال الظاهرين في صفوف ثوار 23 يوليو وهو السيد “مجدي حسنين” الذي أشرف على أول مشروع كبير لاستصلاح أراضي الصحراء في مصر باسم مديرية التحرير وقد أصبح بعد ذلك سفيرا في تشيكوسلوفاكيا بعث إلى “جمال عبد الناصر” مذكرة شهيرة حول الفوائد المحتملة “للإلحاد في العالم الشيوعي”! 

وكان رأي “مجدي حسنين” في مذكرة بخط يده إلى “جمال عبد الناصر”: “أن وجود الاتحاد السوفياتي (وبقية حلفائه) بغير دين أي ملحدين باب مفتوح لدعوة تقنعهم بالإسلام، باعتبار أن وجودهم بلا دين يجعلهم أكثر تقبلا من آخرين لهم دين ورثوه ويتمسكون به. وكانت رؤية “مجدي حسنين” أن “الإلحاد الشيوعي” “منطقة محايدة” إيمانيا، وبالتالي فإن الدعوة للإسلام فيها ممكنة. 

وفي ختام مذكرته، قال “مجدي حسنين”: “تصور يا سيادة الرئيس لو أن الاتحاد السوفياتي والصين وشعوب الكتلة الشرقية دخلت الإسلام وقتها لن تصبح إسرائيل مشكلة ولا حتى أميركا وبريطانيا”! 

وقد قرأ “جمال عبد الناصر” هذه المذكرة، ثم كتب على هامشها بخط يده تأشيرة موجهة إلى المشير “عبد الحكيم عامر” نصها بالحرف: 
“حكيم 
اتصل بمجدي واطلب منه أن يكف عن هذه الخزعبلات”! 
جمال 

وفي الحقيقة فإن هؤلاء الذين وجدوا في “الإلحاد” فرصة سانحة لدعوة الإسلام في منطقة محايدة إيمانيا لم يكونوا أكثر شططا من الذين وجدوا في الإلحاد فرصة سانحة للجهاد باسم الإسلام بمقتضى فتوى من “زبغنيو بريجنسكي”!

********************
الورقة الثالثة: 
توزيع الاختصاصات على أطراف التحالف 

     يوم 5 يناير1980 كان “زبغنيو بريجنسكي” في السعودية، ومع أن الملك “خالد” كان لا يزال رسميا على العرش، إلا أن السلطة انتقلت منه إلى ولي العهد الأمير “فهد” (الذي كان حريصا على أن يكون انتقال السلطة الفعلي اليه محسوسا على المستوى الرسمي أيضا، ولعله من هنا كان يتعمد في كل الاحتفالات والاجتماعات العامة التي يحضرها مع الملك أن يكون وصوله لاحقا لوصول الآخرين، وحتي يقوم الجميع وفيهم الملك ليصافحوا ولي العهد بما يؤكد أنه الرجل القوي في النظام فعليا!)

والذي حدث (وهو المتوقع) أن الملك “خالد” أحال ضيفه إلى أخيه الأمير “فهد”، وقد أبدى الملك لبريجنسكي قبوله للمبدأ؛ من منطق أن العمل الإسلامي ضد الاتحاد السوفياتي ومن أفغانستان كان موضع اتفاق سابق معتمد من الملك فيصل. والآن وقد تحول الأمر إلى جهاد مقدس في أفغانستان ذاتها فإن تعاون المملكة طبيعي ومؤكد، وأما التفاصيل المستجدة فهي “عند ولي العهد”. 

وأبدى الأمير “فهد” رضاه عندما سمع من “بريجنسكي” أن الرئيس “السادات” تعهد بوضع الثقل المصري بكامله وراء السعودية في “ساحة الجهاد”، على أن ولي العهد لم يكن يريد قصر دور المملكة على تقديم المال فقط، وإنما كان يريد لها دورا أكبر في الجهاد. وكان رأيه وأَيَّدَه فيه بعض إخوته وبالذات الأمير “سلطان” أن إدارة الجهاد ينبغي أن تكون للمملكة، وقيادته من فوق أرضها، وبعد ذلك تكون ترتيبات التنفيذ كما هو “مناسب”! 

وفي الترتيب العملي فإن ذلك اقتضى الاتفاق على خطوط سياسية عريضة: 

1 التمويل مشترك وبالتساوي بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية عن طريق صندوق دوار، يتأسس في “جنيف” بمبلغ قدره ألف مليون دولار تتجدد تلقائيا بمقدار ما يصرف منه. 

2 والجهات المكلفة بالإشراف على التنفيذ من الجانب الأميركي وكالة المخابرات المركزية (وفيها الأميرال ستانسفيلد تيرنر في ذلك الوقت)، ومن الجانب السعودي: هيئة المخابرات العامة (وفيها الأمير “تركي بن فيصل” الذي جاء إلى هذا المنصب خلفا لخاله السيد “كمال أدهم” مؤسس الهيئة.)

3 التوجيهات والاتصالات السياسية مع قيادات الجهاد الإسلامي من اختصاص المملكة تجنبا للحرج، مع العلم بأن وكالة المخابرات المركزية الأميركية لها مكتب معروف في “بيشاور”. ومع أن الجيل الأول من الزعماء الأفغان الكبار مثل رباني حكمتيار مسعود، (على اختلاف ما بينهم) تعاملوا من البداية مع وكالة المخابرات المركزية حينما كان نشاطهم داخل الجمهوريات الإسلامية للاتحاد السوفياتي فإنهم الآن والميدان على أرض بلادهم يفضلون أن يكون التعامل مع السعودية “لتكون الوسائط إسلامية”! 
(ومن غرائب ما حدث باسم الإسلام في تلك الفترة على حد رواية عميد الصحفيين الباكستانيين أن زعماء القبائل والمليشيات الأفغانية الذين جرى اعتمادهم قادة للجهاد، وقع تنصيبهم “للحرب المقدسة” بإجراءات اقترحها أحد “الخبراء” (من مستشرقي وكالة المخابرات المركزية على الأرجح)، وكانت مراسم هذه الإجراءات تقضي بأن يُفتح باب الكعبة للقائد المرشح، ثم يدخل الرجل منه إلى قدس الأقداس، فيؤدي الصلاة أمام كل جدار من جدران الكعبة، باعتبار أن كل ناحية من داخل الكعبة “قِبْلة”، ثم يخرج الرجل وقد وقع ترسيمه “أميرا” للجهاد ضد الإلحاد!)

4 تختص مصر بتوريد الأسلحة والمعدات والذخائر مما لديها (من أسلحة سوفياتية: سوفياتية الصنع وسوفياتية النوع)، وعليها أيضا أن توفر للجهاد الإسلامي دعما دينيا وسياسيا وإعلاميا، وفي إطار ذلك المطلب فإن بعضا من أهم المؤسسات الدينية في مصر صدرت لها التعلىمات بأن تتقدم باجتهادات وفتاوى تؤيد وتزكي أسبقية الجهاد ضد الإلحاد، كما أن بعض وسائل الإعلام الشهيرة فتحت أبوابا ثابتة تدعو للجهاد في أفغانستان وتجمع الأموال له. 

وفي تلك الأوقات كان التقدير المشترك للطرفين الأميركي والسعودي أن دخول مصر “بثقلها” إلى ساحة “الجهاد الإسلامي” في أفغانستان سوف يشجع عناصر قومية وإسلامية شديدة الإخلاص لمعتقداتها على أن تهرع إلى الساحة. وبحيث يظهر فعلا أن هناك أهدافا عربية وإسلامية تستحق العزم والبذل، وأن العمل في سبيلها ثواب يُسعى اليه تقربا وزلفى! 

ويروي “جون كولي” في كتابه: “حروب غير مقدسة” (الفصل الثاني من صفحة 92 إلى صفحة 34 وعنوان الفصل كله: أنور السادات) أن الرئيس “السادات” كلف نائب الرئيس “حسني مبارك” وهو المسؤول وقتها عن أجهزة الأمن الداخلي والخارجي، بالإشراف على المجهود المصري في “الجهاد الأفغاني”. (لكن “مبارك” لم يلبث إلا شهورا حتى ترك المهمة وأحالها إلى المشير “عبد الحليم أبو غزالة”، وبدوره أحالها المشير أبو غزالة إلى غيره).

ثم يعود “جون كولي” ليقول (ص32)، إنه بعد أيام من لقاء الرئيس “السادات” مع “زبغنيو بريجنسكي” في يناير 1980 أعطى الرئيس المصري إذنا باستعمال مطار “قنا العسكري” قاعدة للتخزين والتشوين لخدمة “العمل الجهادي” في أفغانستان، وكانت طائرات الشحن الأميركية العملاقة تهبط في هذا المطار كل مساء ويجري تحميلها بالأسلحة والذخائر لكي تطير قبل منتصف الليل، وتهبط قبل الفجر في المطارات العسكرية الباكستانية. وفي بعض المرات كان هناك “أفراد” مصريون يصحبون هذه الشحنات لإتمام إجراءات التسليم والتسلم، كما أن ميناء “بورسعيد” تحول إلى قاعدة خلفية للتخزين والشحن إلى “كاراتشي”. 

وكانت الشحنات من مصر بالدرجة الأولى أسلحة وذخائر ومعدات سوفياتية الصنع أو سوفياتية النوع ويقول “جون كولي”: 

“إن المخازن العسكرية المصرية كلها أفرغت ما كان فيها من أسلحة، بعضها مما كان مستخدما في الجيش المصري وجرى الاستغناء عنه، وبعضها ما أنتجته المصانع العسكرية المصرية وفيها مصنع في حلوان وهو الذي جرى تعديل بعض آلاته لكي ينتج رشاشات سوفياتية التصميم”. 

وابتداءً من ربيع 1980 وبعده فصول متوالية إثر فصول: كانت الحركة على الجسر الجوي بين مطار “قنا” العسكري وبين مطار “بيشاور العسكري” وبين بورسعيد وكاراتشي فيضا يتدفق ليلا ونهارا ودون توقف! 

وفيما يظهر في عدد من الروايات فإن بعض حماسة الإدارة المصرية في شحن الأسلحة إلى الجهاد الأفغاني، كان دافعها الرغبة في التخلص من السلاح السوفياتي؛ لأن تغير الأحوال قضى أن يكون تسليح الجيش المصري أميركيا يعتمد على مساعدة عسكرية أميركية ملحقة باتفاقية كامب دافيد، وبمقتضاها يجري تخصيص مبلغ 1،1 بليون دولار سنويا لمشتريات سلاح أميركي يُتفق عليه.

ومن المفارقات أن السلاح الأميركي الوحيد الذي وصل إلى أيدي المجاهدين في أفغانستان هو الصاروخ المتقدم ضد الطائرات من طراز “ستنغر”، وقد “باعت” منه وزارة الدفاع الأميركية إلى صندوق الجهاد الإسلامي في أفغانستان 900 صاروخ ثم راجت شائعات بأن مجموعة من هذه الصواريخ وقعت في يد إيران أو على الأقل معروضة عليها للبيع. وسارعت وكالة المخابرات المركزية تشتري من قادة الجهاد ما وصل إلى أيدي رجالهم من صواريخ “ستنغر”، وكانت الوكالة الآن تطلب استعادة كل صاروخ منها بما يوازي خمس مرات سعر بيعه الأصلي. وتمكنت الوكالة من استعادة 260 صاروخا، وما بقي منها في ساحة الجهاد بعد ذلك جرى اعتباره مفقودا مع تعهدات من القادة بأنه إذا ظهر من هذه الصواريخ شيء، فالاستعداد لشرائها وبالسعر الأعلى ما زال قائما، والظاهر أن إيران كانت قد حصلت بالفعل على بضع عشرات من صواريخ “ستنغر”، والراجح في “أسواق السلاح” أنها قامت بتصنيع نموذج إيراني له، دخل إلى الخدمة العاملة في قوات الحرس الثوري! 

وفي أول أبريل 1980 أعلن الرئيس “السادات” في حديث صحفي نشرته وسائل الإعلام في مصر ما يمكن اعتباره “قرارا رسميا بالتدخل في أفغانستان” وكان نص ما قاله الرئيس “السادات” في ذلك الصدد: 

“إننا على استعداد بأسرع ما يمكن لكي نساعد في أفغانستان وأن نتدخل لنصرة إخواننا المجاهدين هناك سواء طلبوا منا المساعدة أو لم يطلبوها”. 

وحين سُئِلَ متحدث رسمي من إدارة الاستعلامات المصرية عن تصريح الرئيس “السادات”، وهل تتضمن مساعدته لمجاهدي أفغانستان شحنات أسلحة؟ كان رده “بالإيجاب”. ثم أضاف: “إن ما سوف نعطيه لإخواننا من الأسلحة هو بعض ما كان عندنا ولم نعد في حاجة اليه وذلك أبسط واجب نؤديه نحو إخواننا في الإسلام”. 

وقد أدى “هذا الواجب البسيط نحو إخواننا في الإسلام” إلى خلط شديد لحق بالخطاب الإسلامي في مصر ولم يُحسن اليه ولا صان مكانته. 

والشاهد أن الإسلام عرف دائما أربعة ألوان من الخطاب الديني: 

- خطاب تقليدي (يمثله الأزهر ودار الإفتاء).

- وخطاب تجديدي (حمل لواءه مجتهدون كبار ابتداءً من الإمام “محمد عبده” إلى العلاَّمة “حسين فضل الله”).

- وخطاب شعبي (تمثل مرات في نشاط الطرق الصوفية ومرات في جماعات مثل الأخوان المسلمين، خصوصا في سنوات نشأتها الأولي).

- وخطاب وطني (نموذجه الأصدق نضال “حزب الله” بقيادة السيد حسن نصر الله لتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي). 

وفي الظروف المستجدة مع الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي فقد امتلأت الساحة بأنواع طارئة من الخطاب الإسلامي، فيها: 

- الخطاب الدعائي: يُحَرِّضْ على القتال في أفغانستان غافلا أو عارفا ! أنه (تحت توجيه وإشراف قيادة وكالة المخابرات المركزية الأميركية).

- والخطاب الفضائي: وقد طلع على الناس حين تحولت الفتوى إلى صورة ولون وأداء، استغنت جميعها عن الاجتهاد الحق ومقتضياته وأولها الرسوخ في العلم! 

- والخطاب “المُرائي”: وذلك نوع طارئ من الخطاب الديني يتحرك سياسيا بتوجيه غامض ويحمل في ظاهره وفي باطنه ما يريب، لأن هدفه كما يتضح من حركته تصفية ما تبقى من الصراع العربي الإسرائيلي نفسيا ومعنويا بمقولات من نوع “حوار الأديان” و”مجمع الأديان” والدم المشترك بين “أبناء العم” من نسل إبراهيم وغير ذلك من مقولات، وكان هذا “الخطاب المُرائي” هو الذي أوقع الخطاب الإسلامي التقليدي في ورطة الخوض في مزالق أساءت إلى دوره التاريخي وإلى وزنه العلمي وإلى قيمة مرجعيته!

ثم كان الأغرب “في أبسط واجب نؤديه لإخواننا في الإسلام” ما سجله “جون كولي” في (صفحة 32) وهو أن إسرائيل عرضت على وكالة المخابرات المركزية الأميركية كمية من السلاح السوفياتي، قالت إنها استولت عليه أثناء حروبها مع الجيوش العربية، وقبضت إسرائيل ثمن هذه الأسلحة من الصندوق المشترك لدعم الجهاد الإسلامي في أفغانستان)!

********************
الورقة الرابعة: 
كيف دفعت أميركا حصتها في صندوق الجهاد؟ 

     وفي السنة الباقية من إدارة الرئيس “كارتر” وهي آخر إقامته في البيت الأبيض بعد أن خسر الانتخابات أمام “رونالد ريغان” في نوفمبر عام 1980، لم تدفع المخابرات الأميركية حصتها بالكامل في الصندوق المشترك مع السعودية لدعم الجهاد الأفغاني، بل كان ما دفعته أقل من نصف ما تعهدت به، مع أنها هي التي اقترحت حجم الصندوق شراكة متساوية مع المملكة العربية السعودية. وأما “الرياض” فقد دفعت نصيبها وزيادة، سواء في مبالغ جرى إنفاقها داخل المملكة وبينها الصرف على زعماء سياسيين أفغان زاروها لبحث “أمور الجهاد”، أو طلبوا مساعدات عاجلة يصعب عليهم انتظار صندوق جنيف عندما يقررها. وكانت السعودية بالإضافة إلى ذلك قد أنشأت ما أُسْمِي ب: “مكتب الخدمات العامة” بحيث يكون وليس المخابرات واجهة الترتيب والتنظيم والمتابعة. وكانت مهمة هذا المكتب أن ينظم الدعوة ويستقبل المتطوعين ويرتب إقامتهم في السعودية، حتى تتم إجراءات إلحاقهم بصفوف المجاهدين، وأهم هذه الإجراءات، سحب جوازات سفرهم الأصلية وتزويدهم “ببطاقات خدمة” معها تصريحات “مرور خاصة” تمكنهم من السفر إلى باكستان والوصول إلى “بيشاور”، حيث يتولاهم هناك فرع أمامي “لمكتب الخدمات العامة” مهمته توزيعهم على “مواقع الجهاد” التي تكون قيادتها في حاجة اليهم. 

وقبل نهاية السنة الأولى في تاريخ الجهاد الأفغاني وهي سنة 1980، كان مكتب الخدمات العامة في السعودية وفرعه المتقدم في “بيشاور” قد نشطا تحت قيادة الشيخ “عبد الله عزام” وهو أستاذ أردني من أصل فلسطيني، كان عضوا في “حِزب التحرير الإسلامي” الذي تعاون في الخمسينيات مع حلف بغداد. 

ومع نهاية هذه السنة كان الرئيس “كارتر” ومستشاره للأمن القومي قد غادرا البيت الأبيض. 

وعندما انتخب “رونالد ريغان” (نوفمبر 1980) لرئاسة الولايات المتحدة، وفتحت أمامه مسألة الجهاد الإسلامي في أفغانستان حتى قبل دخوله إلى البيت الأبيض جاءته ملفاتها ومعها مطالبات من المخابرات الأميركية تلح في السماح لها باعتمادات إضافية تسدد تعهدات واشنطن في الصندوق المشترك مع الرياض وقد تحمس “رونالد ريغان” للعملية بعد أن أقنعه مستشاروه، وفي مقدمتهم صديقه الأعز “ويليام كايسي” (الذي اختاره لرئاسة وكالة المخابرات المركزية الأميركية) بأهمية اصطياد الجيش السوفياتي في أفغانستان باعتبارها “الأكبر” بين كل عمليات الحرب الباردة (وكان ذلك صحيحا).

ومعنى ذلك أن “رونالد ريغان” ومن قبل أن يتولى مقاليد السلطة ويفكر في خطوط أول ميزانية لإدارته كان عليه أن يوفر مبالغ طائلة للجهاد الأفغاني تسدد الحصة الأميركية عن السنة الأولى في الصندوق المشترك مع السعودية، وتعتمد المقرر للسنة الثانية وتدفعه، وتزيد فوقه ما يتناسب مع المستوى الذي بلغته العملية واحتمالاتها غير المحدودة. 

ويروي كتاب “الحرب غير المقدسة” أنه في أوائل شهر ديسمبر التقى الرئيس المنتخب “رونالد ريغان” في لوس أنجلوس بنائب مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية في ذلك الوقت: الجنرال “فيرنون والترز” وهو جندي من تحت السلاح بدأ حياته في المخابرات العسكرية أيام الحرب العالمية الثانية، ثم برز في العمل السري في أوربا بطريقة لافتة للأنظار حملته إلى أرقى المناصب في مؤسسات الأمن وأوصلته نائبا لمدير المخابرات المركزية. 

وفي هذا الاجتماع في لوس أنجلوس أوائل شهر ديسمبر 1980 كان “فيرنون والترز” يريد أن يشرح للرئيس المنتخب وبحضور عدد من أقطاب إدارته وبينهم “ويليام كايسي” المرشح مديرا لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (وهو صديق قديم لوالترز) كافة الاحتمالات الواعدة للجهاد الأفغاني وكذلك مشكلاته! 

وأهمها حسب ما طرحه الجنرال والترز: 
- أن تكاليف العملية تتزايد على نحو متصاعد بسبب النجاح وليس بسبب الفشل. 
- أن الوكالة لا تقدر من ميزانيتها العادية أن تفي بالنصيب الأميركي في الصندوق المشترك مع السعودية لأن ميزانيتها لا تحتمل! 

أن الوكالة أمامها مشروعات مهمة في تضييق الخناق على الاتحاد السوفياتي في أوربا الشرقية، وبحيث يتم حصر الاتحاد السوفياتي بين غرب آسيا وشرق أوربا في الوقت نفسه وبالذات من بولندا مع مجيء “بابا” جديد لروما (جون بول الثاني) من مواطني ذلك البلد الذي تتحرك فيه الآن منظمة علنية معادية للشيوعية تحت اسم التضامن يتزعمها (ليخ فاليسا) رئيس نقابات عمال بناء السفن في غدانسك ومعنى أن تتكفل الوكالة بتدبير ما هو لازم لأفغانستان من ميزانيتها الحالية أن يسقط مشروع بولندا على الأرض كطائرة تعطلت محركاتها ووقعت أجنحتها! 

وبدا أن الرئيس ريغان حائر إزاء ما طُرِحَ عليه؛ لأن أهم بند في حملته الانتخابية كان التوقف عن التمويل بالعجز، وترحيل ذلك العجز سنة بعد سنة إلى الدين العام، وعليه فهو مُطَالَب أن يضغط الإنفاق ولا يزيد منه، لكنه في الوقت نفسه على حد قوله: “وقع في غرام عملية أفغانستان”، لأنها بدت له وهو “العدو الشرس” للشيوعية، حيث تكون نموذجا مثاليا لسفح دم السوفيات، جزاء ما تسببوا فيه “من سفح دم أميركي غزير في فيتنام”! 

ولعل أهم ما تجمع عليه المصادر مما حدث في ذلك الوقت (وكله ظاهر في الكتب الثلاثة التي يستند اليها هذا الحديث) هو الطريقة التي تمكنت بها إدارة الرئيس ريغان عندما تولت السلطة من تدبير الاعتمادات اللازمة “للجهاد في أفغانستان” دون أن يتكلف دافع الضرائب الأميركي بسنت واحد! 

ويركز كتاب “الحروب غير المقدسة” بالتحديد (واستنادا إلى وثائق اطلع عليها مؤلفه إلى جانب شهادات سجلها ومنها أقوال خمسة من رؤساء أجهزة المخابرات الأميركية والأوربية إلى جانب تقارير سرية عرضت على لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ الأميركي لثماني سنوات متعاقبة) على رواية تفاصيل وافية عن الطريقة التي تمكنت بها إدارة ريغان من دفع نصيبها في صندوق “الجهاد الأفغاني”. 

وابتداءً من صفحة 128 من كتاب “الحروب غير المقدسة” تتدفق تفاصيل هذه الطريقة (وهي مزعجة) على النحو التالي: 

بعد حفل تنصيب “رونالد ريغان” بثلاثة أيام، استقبل رئيس الولايات المتحدة في مكتبه البيضاوي شخصية أُحيطَ وصولها إلى البيت الأبيض بجو من السرية شديد، زاد منه أن اجتماع “ريغان” بهذه الشخصية حضره الجنرال “فيرنون والترز” الذي عُيِّن مستشارا لرئيس الولايات المتحدة للمهام الخاصة التي يشرف عليها مجلس الأمن القومي، كذلك حضره وزير الدفاع الجديد “كاسبر واينبرغر”، والجنرال “روبرت ماكفرلين” مساعد مستشار الأمن القومي للرئيس، الذي كان عليه أن يسجل وقائع الاجتماع لمكتب الرئيس في “محضر مختوم” لا يُفَض قبل خمسين سنة! 

وكان الزائر هو رئيس المخابرات الفرنسية الخارجية (SDECE ) ذائع الصيت الكونت “ألكسندر دي ميرانش” وهو صديق وثيق الصلة ب “كايسي” وب “والترز” من تعاون ورفقة عمليات سابقة. 

(أشار “دي ميرانش” في ما بعد إلى ذلك اللقاء مع “ريغان” في حديث صحفي نشرته مجلة تايم في عددها بتاريخ 13 يونية 1992).

وطبقا لجون كولي و(لمحرر مجلة “تايم”) فإن “دي ميرانش” عرف من صديقيه (كايسي ووالترز) أن الرئيس الأميركي مشغول بتوفير نصيب أميركا في الجهاد الأفغاني، وكان لديه الحل ثم إن لديه الفرصة الآن ليعرضه على “ريغان” بنفسه، وقد دخل في الموضوع مباشرة قائلا: 

“السيد الرئيس Mr President، هل أستطيع أن أسأل ما الذي تفعلونه بالمضبوطات التي تصادرها الوكالة المختصة بتنفيذ قانون مكافحة الإدمان DEA أو مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI أو هيئة الجمارك FCA؟! 

وقال الرئيس “ريغان”: “إنه لا يعرف لكنه يفترض أن هذه المضبوطات يجري حرقها تحت رقابة مشددة”، وقاطعه “دي ميرانش”: “هذه غلطة يا سيادة الرئيس”! 

واستطرد “دي ميرانش” يقول لرئيس الولايات المتحدة (وفي مكتبه البيضاوي داخل البيت الأبيض) “إنني أفهم أن تصادروا هذه الشحنات من المخدرات ولكني لا أفهم لماذا تحرقونها”، واقتراحي سيادة الرئيس أن تعملوا على توصيل جزء منها إلى معسكرات الجيش السوفياتي في أفغانستان لنشر الإدمان في صفوف رجاله؛ لأن ذلك يتكفل بإنهاك القوى القتالية لجنوده. أضاف الكونت “دي ميرانش”، و”ريغان” يسمع مأخوذا: أليس ذلك سيادة الرئيس ما فعله “الفيت كونغ” (المقاومة الوطنية) في فيتنام؟ وأليس ذلك سيادة الرئيس ما أدى إلى هبوط معنويات الجنود الأميركيين في تلك الحرب”؟ 

(أقر “دي ميرانش” بهذه النصيحة فعلا وتحمل مسؤوليتها في مذكراته التي نشرها (ديسمبر 1992) بعنوان Perception et” " لم يشر في كتابه إلى بقية النصيحة).

كانت بقية نصيحة “دي ميرانش” تدعو (سيادة الرئيس) إلى تخصيص باقي مضبوطات المخدرات بعدما يجري تسريبه إلى معسكرات الجيش السوفياتي في أفغانستان بحيث يجد طريقه إلى الأسواق (العالمية) ويُعاد بيعه عن طريق “شبكات أهلية”، ويكون من عائده فائض يدفع نصيب الولايات المتحدة في “الجهاد الأفغاني”. 

ويسجل كتاب “حروب غير مقدسة” (صفحة 129)، أن الرئيس ريغان أطرق مفكرا بضع ثوان ثم رفع رأسه قائلا: “هذه فكرة عظيمة A Great Idea”، ثم التفت إلى معاونيه المشاركين في اجتماعه مع مدير المخابرات الخارجية الفرنسية وقال: “إن أحدا لم يقترح عليَّ فكرة على هذا المستوى من قبل”! ورفع الرئيس “ريغان” سماعة التليفون وطلب توصيله ب “ويليام كايسي” (الذي لم تمكنه مهمة عاجلة من حضور اجتماع البيت الأبيض)، وقال له: “أريدك أن تقابل صديقنا الفرنسي؛ لأن لديه اقتراحات أراها بديعة وأريدك أن تسمعها منه”. 

وكان “كايسي” قد سمعها من صاحبها قبلا، ولعله لم يحرص على حضور الاجتماع في البيت الأبيض حتى لا يشارك في إقناع “ريغان” بتلك الفكرة البديعة، ومن ثم يتحمل مسؤوليتها القانونية في يوم من الأيام إذا تسرب سرها! وقد رأى الأفضل له أن يأتيه بها أمر من رئيس الولايات المتحدة. 

وكذلك التقى “دي ميرانش” في اليوم التالي ب”ويليام كايسي” وبحث معه تفاصيل فكرته وتحويلها إلى خطة!. 

********************
الورقة الخامسة 
أساطير الأفيون وأمواله الخرافية! 

     لم تكن المخدرات بعيدة عن أفغانستان، ولا غريبة عن جماعات المجاهدين الذين يقاتلون “الإلحاد” متمثلا في القوات السوفياتية التي دخلت أفغانستان. 

والشاهد أن أفغانستان كانت من الأصل واحدا من بلدين لهما النصيب الأكبر عالميا في زراعة وصناعة “الأفيون” (بورما هي البلد الثاني).

وطبقا لكتاب “طالبان” (لأحمد رشيد صفحة 119) فإن إنتاج أفغانستان من الأفيون (وقتها) كان يصل سنويا إلى ما بين 2200 2400 طن، وذلك تقدير الأمم المتحدة. 

(وقد زاد هذا الإنتاج عدة مرات تحت ضغط “مطالب الجهاد” حتى أصبح يضخ في اقتصاد أفغانستان سنويا ما يزيد على ستة بلايين دولار سنويا، هي عماد اقتصاد البلد، وأهم مورد للثروة فيه).

وكانت زراعة الخشخاش وصناعة وتقطير الأفيون من زهرها وثمرها هي شاغل معظم زعماء القبائل والعشائر الأفغانية، وعندما أصبح هؤلاء الزعماء في مقدمة صفوف الجهاد، فإن كل واحد منهم حاول أن يبني مليشيا مسلحة تتناسب مع مقامه قبل أن يتقدم في طلب نصيبه من الصندوق المشترك لمساعدة المجاهدين في أفغانستان. 

وفي مرحلة لاحقة (مرحلة طالبان) وعندما أصبح للحرب في أفغانستان قادة للجهاد لا يملكون أرضا ولا زرعا ولا معامل تقطير، فإن هؤلاء القادة وجدوا لأنفسهم مكانا على الخريطة حين أمسك كل منهم بمدخل طريق أو تقاطع طرق، ثم أقام هناك حاجزا يُنَظِّم مرور شحنات الأفيون ويسمح بها مقابل رسوم. 

ويستعين “محمد رشيد” (كتاب طالبان) بتقارير لمنظمة مكافحة المخدرات التابعة للأمم المتحدة وفيها (صفحة 120) تقرير يقول: 

“لقد حدث ما يشبه الانفجار في تجارة المخدرات القادمة من أفغانستان، لأن ما متوسطه 70% من حجم المخدرات المتداولة في العالم أصبح يجيء من هذه المنطقة، وهناك أدلة قاطعة على وجود صلة بين القائمين بهذه العمليات وبين عناصر نافذة في الإدارات الرسمية لأكثر من حكومة”. 

ويرى “محمد رشيد” أن الإشارة واضحة هنا إلى المخابرات المركزية الأميركية والمخابرات العسكرية الباكستانية، ويورد نماذج واقعية اضطرت فيها السلطات الباكستانية تحت ضغوط دولية إلى التبرؤ من عمليات الأفيون ونقل بعض ضباطها الذين أشارت اليهم تقارير الأمم المتحدة بالاسم إلى مواقع أخرى. 

ويزيد كتاب “طالبان” إلى ذلك (صفحة 121) بالوقائع والأسماء كيف أن بعض ضباط مكاتب مكافحة المخدرات التابعة للأمم المتحدة في “بيشاور” اضطروا إلى الاستقالة من وظائفهم كنوع من الاحتجاج؛ لأنهم اكتشفوا أن المخابرات المركزية الأميركية والمخابرات العسكرية الباكستانية تعرقل جهودهم. 

وطوال حقبة الثمانينيات كانت أموال الجهاد ضد الإلحاد في أفغانستان تتدفق سيلا في العالم العربي، فالمصادر أصبحت سخية والحسابات طرية والفرص مفتوحة على الآخر لمن يستطيع الوصول والدخول! 

والشاهد أن ثروات هائلة (بالملايين وعشرات الملايين ومئات الملايين) تحققت لأصحابها في هذه الفترة في السعودية ولبنان والأردن والمغرب ومصر، والأساس فيها فيض الخير من أموال الجهاد في أفغانستان. 

وفي مصر على سبيل المثال فإن هذه الأموال أغرت كثيرين تواجدوا في ميدان الأعمال أصلا أو سعوا اليه “خفافا”، باعتقاد أن هناك فرصة متاحة للغنى الفوري! 

وتظهر التقارير أن عددا من “رجال الأعمال” القدامى والجدد، عرفوا باتصالاتهم أن هناك طلبا على أنواع من الأسلحة بالذات لم يعد منها كفاية في المخازن العسكرية المصرية، وقد سارعوا خِفافا أيضا إلى توريدها، وقصد بعضهم إلى بلدان أوربا الشرقية وبالذات بلغاريا والمجر وتشيكوسلوفاكيا يشترون من هناك بسرعة ما أصبح نادرا هنا. 

وكانت فوارق الأسعار في بعض الأوقات خرافية لكن الاحتياجات كانت ملحة والطلبات عاجلة! 

********************

ومن غرائب تلك الأيام أن “الجهاد” في أفغانستان احتاج إلى بغال ألفت مسالك الجبال واكتسبت مهارات صعودها، وأفتى أحد العارفين بأن البغال المصرية لا تصلح للغرض وأن أنسب البغال للمطلوب ما هو موجود في جزيرة قبرص، لأن طبيعة الجزيرة جبلية، والبغال فيها من أيام ثورة الأسقف “مكاريوس” ضد بريطانيا، تعودت وحصَّلت بالمران خصائص تنفع الجهاد الإسلامي الآن (كما نفعت البطريرك الأرثوذكسي من قبل!)

وكذلك توجه أحد رجال الأعمال إلى قبرص يشتري (2000) ألفي بغل قبرصي قادرة على الحياة والعمل على سفوح وقمم الجبال في أفغانستان. 

وكان باديا مرة أخرى أن إغراء الربح الوفير والسريع يرفع الأسعار بطريقة مبالغ فيها. ومن الغريب أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية تحوطت لذلك ووضعت ضمن هيئة السفارة الأميركية في القاهرة في ذلك الوقت ممثلا لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض برتبة وزير مفوض اسمه “جوكس كوفي” وكان مجتمع القاهرة يحس بقرون استشعار مرهفة لديه أن مركز “جوك” لا يقل نفاذا عن مركز “فرانك ويزنر” السفير المعتمد للولايات المتحدة الأميركية في القاهرة أيامها، ولعله لم يخطر ببال أحد أن “كوفي” الذي كان معروفا (وذلك صحيح) أنه يمثل البيت الأبيض وليس وزارة الخارجية هو المسؤول المكلف بالإشراف على تزويد “الجهاد الأفغاني” بما يحتاجه من مصر أو عن طريقها. وكذلك كان “كوفي” يطلب، وكان يوافق، وكان يأذن بالصرف من اعتمادات الصندوق المشترك في جنيف، وكان الرجل بالتأكيد يلاحظ أن “رجال الأعمال” المشتغلين باحتياجات الجهاد “يبالغون” لكن الضرورات لها اعتباراتها، وكانت ل “جوك” (كما كان أصدقاؤه ينادونه اختصارا أو تدليلا) كلمة مشهورة تقول: “إن الجهاد أيضا يحتاج إلى حوافز”!

********************
الورقة السادسة 
الرجل الغامض وسط الأساطير! 

     وتجمع الكتب الثلاثة: “طالبان” و”الحروب غير المقدسة” و”غسيل الواقع” على أن الجهاد في أفغانستان تكلف ما بين 12 إلى 14 بليون دولار، وذلك حساب الصندوق المشترك الدوار الذي كانت السعودية والمخابرات المركزية الأميركية تصرفان منه. لكن الموارد الإضافية الطارئة أضافت إلى ذلك المبلغ أضعافه، إذ يقدر كتاب “طالبان” (لأحمد رشيد) صفحة 18 أن ما صُرِفَ في هذه الحرب يُقدر بمبلغ 45 مليار دولار) وتلك ثروة عصيَّة حتى على القانون، وبالفعل فإن هذه الثروة فلكية أطاحت ببنك “الاعتماد والتجارة” بعد أن قام لسنوات طويلة بدور “الممر المالي” الظاهر لأموال “الجهاد الإسلامي” في أفغانستان. 

كان هذا البنك مشروع رجل عَلا نجمه مرة واحدة أوائل الثمانينيات وهو السيد “آغا حسن العابدي” مؤسس ورئيس مجلس إدارة بنك الاعتماد والتجارة والرجل باكستاني خَبِرَ أعمال البنوك ولمح فرصته حين رأى الطوارئ الجديدة، وقَدَّرَ حاجتها إلى بنك أكثر مرونة من غيره. وقد حصل على الترخيص بتأسيس البنك في الإمارات العربية المتحدة، ثم ضم اليه شركاء واصلين من أبرزهم السيد “كمال أدهم” مدير المخابرات السعودية ومستشار الملك فيصل (وخال الأمير تركي الذي خلفه على إدارة المخابرات السعودية).

و في سنوات قليلة أصبح هذا البنك ومقره مدينة أبو ظبي عاصمة الإمارات العربية المتحدة واحدا من أقوى بنوك الشرق الأوسط وأظهرها في الأسواق المالية، كما أن مؤسسه “آغا حسن العابدي” أصبح شخصية مرموقة في عواصم المال والأعمال في العالم كله، بل وقد حاول الرجل أن يعطي نفسه مكانة تجعله أكثر من مجرد رئيس مجلس إدارة بنك! 

********************

وقد شاءت المصادفات أن أكون طرفا في تجربة مباشرة مع “آغا حسن عابدي”، (وأهمية التجربة دلالتها على أن حكومات أوربية أو هيئات نافذة في أوروبا عرفت مبكرا عن “دور” الأفيون في تمويل النصيب الأميركي في عمليات أفغانستان)، فقد حدث في شهر مارس سنة 1986 أن صديقا قديما هو السفير “عظيم حسين” الذي كان ممثلا فوق العادة للهند في القاهرة سنوات الخمسينيات بعث إليَّ بخطاب وَقَّعه معه صديق مشترك لنا هو السير “ساني رامفال” الذي كان وقتها سكرتيرا عاما لمنظمة الكومنولث. وكان خطاب الاثنين دعوة لكي أنضم عضوا في مؤسسة باسم “العالم الثالث” ضمن نشاطها أن تقوم على منح جائزة سنوية باسم “جائزة العالم الثالث” لشخصية عالمية لها إسهام مرموق في الحياة الدولية. وقد أضاف الصديقان في خطابهما أن جائزة العالم الثالث سوف تكون في إطار الأمم المتحدة. وبالفعل وقع بينما كنت أفكر في العرض أن اتصل بي من نيويورك الصديق السفير “علي تيمور” وهو وقتها مدير المكتب الخاص للسكرتير العام للأمم المتحدة “بيريز دي كويلار” وكان “علي تيمور” ينقل إلي رسالة مؤداها أن السكرتير العام يضم صوته إلى أصوات أخرى سبقته في إقناعي بقبول عضوية مؤسسة العالم الثالث ولجنة الجائزة التابعة لها، ثم عرفت من السفير “عظيم حسين” أن الجائزة تحددت قيمتها بمبلغ مئة ألف دولار، وأن هذا المبلغ سنوي وكذلك تكاليف مراسم الاحتفالات سوف تُقدَّم هدية من “مؤسسة العالم الثالث” وهي مؤسسة لا تستهدف الربح، مسجلة في نيويورك ويرأسها “آغا حسن العابدي” الذي هو في نفس الوقت رئيس مجلس إدارة بنك الاعتماد والتجارة. 

ونظرت في القائمة المقترحة لعضوية لجنة الجائزة بالتحديد ووجدت سبعة من ألمع الأسماء بينهم العالم الباكستاني الذائع الصيت الدكتور “أمير عبد السلام” (الحاصل على جائزة نوبل في الطبيعة النووية عام 1979، والذي تبرع بقيمة جائزته لإنشاء معهد دولي في مدينة “تريستا” شمال إيطاليا يكون أكاديمية لتدريس العلوم النووية لشباب من أبناء العالم الثالث، وكان الدكتور “أمير عبد السلام” يُعْتَبر أستاذا لكل مهندسي المشروعات النووية الكبرى في آسيا).

وبينما كنت أفكر جديا في الموضوع لحقتني رسالة جديدة من السفير “عظيم حسين” يقول فيها: “إنه تلقى اقتراحا بأن تكون الجائزة في المرة الأولى من نصيب “ويلي برانت” مستشار ألمانيا الغربية السابق”، ويسألني رأيي؟ 

********************

كان “ويلي” عمدة برلين الغربية في ذروة الحرب الباردة، وحين كانت ألمانيا مقسومة إلى شرق وغرب، وكذلك عاصمتها “برلين” التي وُضِعَت تحت إدارة دولية مشتركة تحميها قوات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ثم إن “ويلي برانت” أصبح في ما بعد مستشارا (أي رئيس وزراء) لألمانيا الغربية، وكان هو الذي ابتدع سياسة التوجه إلى الشرقOstpolitik) ) مع بداية الوفاق ثم أصبح بشخصه ودوره أكبر رموز هذا الوفاق والآمال التي تعلقت به لتفادي صدام نووي بين القوتين الأعظم.

********************

وربما أن ترشيح “ويلي برانت” لهذه الجائزة كان العامل الحاسم في قبولي بما عُرض عليَّ (من عضوية مجلس العالم الثالث وعضوية لجنة جائزته)، وتقرر أن نتقابل جميعا بالذات أعضاء لجنة الجائزة في نيويورك وأن ننزل معا في فندق بلازا الأمم المتحدة، ومبناه في مواجهة مبنى الأمم المتحدة مباشرة، والانتقال بين الاثنين لا يقتضي غير عبور الشارع من الرصيف إلى الرصيف. وكان السكرتير العام للأمم المتحدة قد خصص قاعة لاجتماعات لجنة الجائزة، كما ارتأى أن يكون احتفالها بمنح جائزتها للمرة الأولى إلى “ويلي برانت” في قاعة اجتماعات الجمعية العامة. 

وسارت أعمال اللجنة على ما يرام، ولم يكن هناك اعتراض من أي عضو فيها على اختيار “برانت”، وقامت أمانة اللجنة بإبلاغه، ورد عليها بقبوله، وجاء إلى نيويورك فعلا، ونزل في نفس الفندق (بلازا الأمم المتحدة) مع أعضاء لجنة الجائزة. 

ثم حضر “ويلي برانت” اجتماعا للجنة “أبلغناه” فيه بقرارها وحيثياته، ولم يبق من مراسم الجائزة غير احتفالها الرسمي المقرر عقده في قاعة اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمتحدث الرئيسي فيه هو السكرتير العام للمنظمة الدولية “بيريز دي كويلار”. 

وفي ما بين اللقاء الصباحي للجنة الجائزة والاجتماع المسائي الاحتفالي، فوجئت ب”ويلي برانت” يطلبني على التليفون ليسألني هل يستطيع أن يجيء ويلقاني في غرفتي والآن؟! 

وعندما دخل “ويلي برانت” إلى غرفتي في فندق بلازا الأمم المتحدة، أحسست أن الرجل مشغول إلى درجة الهم بشيء يثقل عليه، ولأني أعرفه منذ سنوات طويلة، تكررت خلالها لقاءاتنا وطالت أحاديثنا، خصوصا عندما كنت ضيفا على صديقي القديم الذي كان أحد رؤساء تحرير مجلة “دير شبيغل” الألمانية ذائعة الصيت وقد قبل الآن أن يعمل مستشارا صحفيا وعضو مجلس وزرائه وهو “كونراد آللزر” أثناء دورة الألعاب الأوليمبية في ميونيخ سنة 1972، (و”برانت” وقتها مستشار ألمانيا الغربية) فقد كنت أستطيع أن أحكم على حالته بالنظر إلى ملامحه. 

وجلس “ويلي برانت” على مقعد ثم بادرني بسؤال: هل تعرف ما فيه الكفاية عن “حسن أغا”، وأدهشني السؤال، وقلت: “إنني لم أتعرف عليه قبل هذه المرة في نيويورك، لكنني أعرف اثنين من مساعديه (“عظيم حسين” سفير الهند في مصر سابقا و”ساني رامفال” سكرتير عام الكومنولث حاليا، وهما القائمان على منظمة العالم الثالث التي جمعتنا في هذه المناسبة).

وقال “برانت”: “إنني تلقيت اليوم من بون (عاصمة ألمانيا الغربية أيامها) ما يجعلني أعاود النظر في قبولي للجائزة التي أعطيتموها لي اليوم ولا أعرف كيف أتصرف؟ ليس عندي شيء محدد أستند عليه وإنما عندي هواجس غير محددة تخص “حسن آغا” و”بنك الاعتماد والتجارة”، وسَكَتَ قليلا ثم استطرد: 

“يعلم الله أنني في حاجة إلى كل “مارك” من هذه المئة ألف دولار التي أعطيتموها لي هذا الصباح، لكني الآن غير مستريح إلى قبولها أنت تعرف كم أحتاجها”. 

********************

كان “ويلي برانت” في اليوم السابق قد قدم لي زوجته الشابة الجديدة والتي كانت من قبل سكرتيرة له، وكان “ويلي” ظاهر البهجة وهو يقدمها قائلا “إنها غيرت حياته وإن سعادته لا توصف وهو يستيقظ كل صباح في كوخ صغير في “بافاريا” يتخذانه الآن عشاً للزوجية، ثم يذهب بنفسه إلى المطبخ ويصنع طبق البيض المقلي ويُعِد الشاي والخبز المقدد والعسل لإفطار الصباح له ولهيلدا.

********************

وحاولت أن أستوضح من “ويلي برانت” إذا كان لديه أكثر مما استثار هواجسه، ولم يكن لديه شيء محدد، لكن الشكوك في مثل هذه الحالات تكفي لأنها تنبه إلى تناقض في الضمير بين القبول بشيء أو رفضه حتى دون تحديد للأسباب! 

وقلت ل “ويلي برانت” أنني أفهمه ولكن المشكلة الحساسة هي كيف يتصرف دون أن يسيء إلى شخص (عظيم حسين وساني رامفال مثلا) أو إلى جهة (الأمم المتحدة وسكرتيرها العام، واحتفال المساء هذه الليلة يجري بمشاركته في تقديم الجائزة وبحضوره العشاء بعدها وذلك تكريم خاص موجه إلى برانت شخصيا).

ولمدة نصف ساعة رحنا نقلب مختلف الاحتمالات حتى توصلنا إلى حل وسط: 

“يقف “ويلي برانت” في احتفال المساء ويقبل الجائزة، ويتسلم الشيك بقيمتها،ثم يعلن أنه يتبرع به إلى أحد الصناديق الاجتماعية للأمم المتحدة، ويكون ذلك حل الإشكال”. 

بمعنى أنه يقبل الجائزة معنويا ويعتذر عن قيمتها ماديا، وهو بذلك يتسق مع شعوره ولا يحرج “بيريز دي كويلار” السكرتير العام للأمم المتحدة، وفي نفس الوقت لا يجرح أحدا من القائمين على منظمة العالم الثالث وجائزته، ولا يُسيء بدون سبب واضح إلى حسن آغا العابدي. 

********************

وفي ما بعد (عندما قارب “الجهاد” في أفغانستان مرحلته الأولى)، وارتفع درع الحماية عن “حسن آغا” مؤسس بنك الاعتماد والتجارة لجأ الرجل إلى باكستان، ثم بان إلى أي مدى كان البنك غارقا في أموال تجارة الأفيون وفي تحويل مسار جزء كبير منها إلى عمليات الجهاد الإسلامي في أفغانستان. 

وفي التحقيقات التي أعقبت إفلاس البنك مع بداية التسعينيات، تبين أن عمليات الاحتيال والاختلاس التي جرت في البنك جاوزت خسائرها أكثر من عشرين بليون دولار! 

وأثناء التحقيقات والمحاكمات الخاصة بإفلاس البنك ومن المفارقات أن بعضها جرى في الولايات المتحدة (بعد انتهاء مرحلة الجهاد الأولى) تعرض عدد كبير من المشاركين في إدارة بنك الاعتماد والتجارة وربما كانوا أبرياء إلى المساءلة، واستدعوا للتحقيق معهم، ومنع بعضهم من دخول الولايات المتحدة (وكان من بينهم السيد “كمال أدهم” الذي اضطر إلى توقيع تسوية دفع بمقتضاها 80 مليون دولار ليسوي مسؤوليته كعضو في مجلس إدارة البنك!)

********************
الورقة السابعة 
ماكيافيللي في أفغانستان! 

     لكن حروب العقائد تحتاج إلى الإيمان قبل أن تحتاج إلى المال، وترضى بالتضحية ولا تنتظر الثروة، والمجاهدون في سبيل الله لا يحرصون على المال؛ لأنه إذا كان ذلك فهو الحرص على الحياة، وإلا لما كانت للمال فائدة. فإذا كان الحرص على المال هو المقصود إذن فالتعرض للخطر غير وارد وإيثار السلامة يصبح “القاعدة الذهبية” لسلوك المجاهدين. 

وعندما أصبح أمراء الحرب الأفغانية طلاب ثروة تجري حولهم أنهارا، سواء من صندوق “الجهاد الإسلامي” المشترك بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية (في جنيف)، أو من فوائض زراعة وتجارة الأفيون، أو من رسوم السماح بمروره عند حواجز الطرق بين أمراء الحرب فإن جماعات “الجهاد الإسلامي” تحولت إلى “قوات مرتزقة”. 

والحقيقة أن “جون كولي” مؤلف كتاب “حروب غير مقدسة” كان موفقا إلى أبعد حد في اختياره للقول المأثور الذي استعاره من قائله الأصلي ليُصَدِّر به كتابه، فقد اختار “كولي” لتصدير كتابه فقرة كاملة من كتاب “الأمير” الذي ألفه “ماكيافيللي” (على شكل رسالة إلى “لورنزو العظيم” أمير فلورنسا، وقد تحول هذا الكتاب إلى عمل تأسيسي في بناء علوم وفنون السياسة). وفي تلك الفقرة التي اختارها “جون كولي” من كتاب “الأمير” يقول ماكيافيللي: 

“إن الجنود المرتزقة بلا فائدة (للأمير) وهم خطر عليه”. 

لأن الجنود المرتزقة دائما منقسمون في ما بينهم، عطشى للقوة، وغير منضبطين برباط أي نوع من الولاء، وهم شجعان في ما بينهم لأنهم يتنازعون على الغنائم، جبناء أمام العدو لأنهم لا يريدون الموت، وليست لديهم خشية من الله، ولا عهد مع الناس، وهم يحاذرون الهزيمة؛ لأنها تفسد وظيفتهم ولهذا يتجنبون القتال أساسا. وقادة المرتزقة نوعان: إما رجال يتقنون الحرب أو لا يتقنونها. وفي الحالة الأولى فإن الأمير لا يستطيع أن يثق بهم لأن إتقانهم للحرب يغريهم بقوتهم، فيأخذون في ابتزاز أسيادهم، أما إذا كانوا لا يتقنون الحرب فإنهم يصبحون سببا للخسارة والهزيمة بينما تقع المسؤولية على أسيادهم! 

وقد أظهرت التجربة أن الممالك والجمهوريات لابد أن تكون لها جيوشها النظامية، تدافع عن أمنها ومصالحها، باعتباره الخير المشترك للجميع في توفير الأمن والمصلحة، وهنا فإن الجنود المرتزقة وضباطهم لا مكان لهم ولا عمل”. 

وكان ذلك تماما حال زعماء الجهاد في مناطق أفغانستان المختلفة ومن عصبياتها القبلية المتصارعة ما بين “البشتون” و”الطاجيك” والأوزبك” و”الهازارا” شمال أفغانستان وجنوبها شرقها وغربها! 

وربما أنه من القسوة تصنيف كل من خرجوا للجهاد من زعماء القبائل والمناطق في أفغانستان على أنهم مليشيات من المرتزقة، لكن الجميع وبغير استثناء أدركوا حقيقة بالغة الأهمية، مؤداها أن مستقبل أفغانستان لن يتضح شكله ولن تتقرر صورته إلا بعد أن يخرج الجيش السوفياتي من بلادهم (ولم يكن لديهم شك وقد بلغت الأمور ما بلغته على أرض المعركة أن الاتحاد السوفياتي سوف يخرج من أفغانستان أكيدا سواء كان خروجه بهم أو بغيرهم وهنا فإن الشعور الذي ساد بينهم وأصبح معيارا لتصرفاتهم هو “أن كل طرف سوف يتحدد مستقبله بمقدار ما ادخر لنفسه من الإمكانيات المتاحة له الآن كي يجاهد، وليس بكمية ما بذل من هذه الإمكانيات حتى يبلغ الجهاد غايته وتجيء ساعة الحقيقة”. 

وهكذا أصبحت استراتيجية جماعات الجهاد بغير استثناء هي: الانتظار والاحتفاظ بالقوة حتى تكون هذه القوة أداة للسلطة عندما تنتهي الحرب. 

وعندما كانت ضرورات الحصول على الدعم المادي والعسكري تقتضي قدرا من العمل يزكي أصحابه ويرفع بالتالي مخصصاتهم من المال والسلاح والمؤن، فإن بعضهم كان “يجاهد” بالقدر الضروري وليس أكثر ولمجرد حفظ الحق في المستقبل عندما يجيء حسابه! وفي الواقع وعلى الأرض فإن القدر الأكبر والأصعب من “الجهاد” كان من نصيب المتطوعين الباكستانيين من جنود الجيش (خصوصا من مناطق البشتون في ولاية الشمال الغربي من باكستان وعاصمتها “بيشاور” وهي ملاصقة لإقليم “قندهار” وامتداد بشري لأهلها). وكذلك من نصيب المتطوعين العرب الذين أُرسلوا تكليفا أو قصدوا تطوعا إلى مقر قيادة الجهاد في السعودية، وكانوا في ذلك الوقت ثلاث جماعات: 

- جماعة من أفضل الرماة المسرحين من الجيش الباكستاني والجيش المصري وغيرهما من الجيوش الإسلامية والعربية، وقد جرى تجنيدهم عندما وصلوا إلى نهاية خدمتهم، وعرضت عليهم مرتبات لم يكن في مقدورهم رفضها (ما بين 500 - 700 دولار في الشهر).
- جماعة من المنتمين إلى تنظيمات إسلامية قصدوا إلى أفغانستان إثر ضربات أمنية وُجِهَت إلى تنظيماتهم؛ لأن هذه التنظيمات مارست بالعنف أشكالا من الأعمال الإرهابية في أوطانها. 
- ثم جماعة من المتطوعين الإسلاميين حَلَتْ لهم فكرة الجهاد في سبيل الإسلام، وقد زينها لهم إعلام كثيف أثار حميتهم أو أثار طموحهم إلى “ذكر جهادي” ينالهم ثوابه! 

وعلى طول سنوات “الجهاد ضد الإلحاد” وصل عدد المتطوعين العرب من الجماعات الثلاث إلى بضع عشرات من الألوف، ضمنهم ما بين خمسة إلى سبعة آلاف شاب مصري حملتهم مقادير مختلفة إلى جبال أفغانستان! 

********************

وفي وقت من الأوقات ما بين سنة 1984 1987 أدى وجود هذه الجماعات من الشباب المصري وغيرهم من السعوديين والجزائريين والسوريين والسودانيين والفلسطينيين إلى تزايد واضح في عمليات الهجوم وترتيب الكمائن وبث الألغام ضد القوات السوفياتية، لكن جزءا من هذه العمليات لم يكن جهادا خالصا “لثوابه”، والشاهد واقعة شديدة الأهمية جرت في ذلك الوقت، فقد حدث أن نجاح بعض العمليات ضد السوفيات دعا عناصر من الجهاد إلى طلبات تقدموا بها إلى قادتهم، وفيها ما يتعلق بمستقبلهم بعد انتهاء مهمتهم في أفغانستان، وعندما تأخر الرد عليهم قاموا بنوع من الإضراب “توقفوا فيه عن الجهاد”، حتى حضر اليهم ممثل رسمي للمخابرات المركزية الأميركية، وعقد اجتماعا مع بعض قادة الفصائل، وأعلن أمامهم باسم حكومته أن هناك 2000 موافقة على منح الجنسية الأميركية (بكل امتيازاتها) لأكفأ العناصر في تأدية مهام الجهاد، وبالفعل فإن مندوب الوكالة في هذه المناسبة أعلن عن قرب تسليم أول دفعة من البطاقات الخضراء Green Card وهي البطاقة التي تمهد للمواطنة الأميركية الكاملة للأكثر استحقاقا بين المجاهدين. ومن المفارقات أن واحدا من الذين حصلوا على البطاقة الخضراء في هذه المناسبة كان الشيخ “عمر عبد الرحمن” مفتي جماعات الجهاد المصرية، الذي تكررت زياراته لبيشاور وعلا صوته فيها كثيرا يحث ويحرض على الجهاد وذلك الشيخ الضرير الآن سجين نيويورك إلى الأبد بطريقة مجافية لروح ونص القانون الأميركي، والغريب أن التهم الموجهة للشيخ لم تُعلن بالكامل على الملأ، لكن السلطات الأميركية تستبقي الشيخ في زنزانته وهو في ما يظهر سجن إلى الأبد في محبسين: فقدان البصر وفقدان الحرية.

********************

وفي كل الأحوال وبصرف النظر عما قام به المتطوعون العرب في ساحات الجهاد فإن زعماء القبائل والعشائر وقادة المليشيات من أمراء الحرب كانوا على ثقة أن ساعة الحقيقة قادمة؛ لأن الاتحاد السوفياتي جرى بالفعل استنزافه في حرب لم تقتنع بها قياداته لا في موسكو حيث القيادة العليا للجيوش السوفياتية، ولا على الأرض الأفغانية التي دخلت اليها القوات متورطة. 

كان البلد قاسيا على عكس بلدان أوربا الشرقية مثل بولندا والمجر ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية فقد كانت القوات السوفياتية التي تخدم في أوربا الشرقية تعيش أحوال عز ورفاهية نسبية، بينما كانت الظروف في أفغانستان قاسية ما بين طبيعة موحشة، ومجتمع فقير ومغلق وإغارات تعترض خطوط المواصلات وتحصر القوات السوفياتية في مواقعها، كأن هذه المواقع تحولت أقفاصا حديدية لجنودها! 

وكان اعتماد القيادة السوفياتية كالعادة في مثل تلك الظروف على الطيران، ولكن الطبيعة الجبلية لأفغانستان تجعل الضرب الجوي عقيما، إذا لم يكن على الأرض حليف محلي يُعتمد عليه. 

ولم يكن الجيش السوفياتي مطمئنا للاعتماد على حكومة أفغانية؛ لأن النظام الشيوعي كما هي العادة ! نجح في شرذمة قواته وبعثرتها فرقا وجماعات متناحرة داخل البلد. 

وكانت ساعة الحقيقة تقترب وعندما جاءت فإنها فرضت نفسها، بما اضطر الجيش السوفياتي إلى الانسحاب من أفغانستان، تاركا مقاليد السلطة فيها لحكومة شيوعية يرأسها “نجيب الله”. وكان التقدير السوفياتي أن حكومة “نجيب الله” لن تستطيع البقاء طويلا في “كابول”، وقُصَارى المطلوب منها أن تكون فاصلا زمنيا بين الخروج السوفياتي من أفغانستان وسقوط الحكم الشيوعي في هذا البلد، وبذلك تبتعد وصمة الهزيمة عن الجيش السوفياتي وتلحق بشيوعيين أفغان وصلوا بالانقلاب إلى السلطة، وساعدهم الاتحاد السوفياتي بقوته وسقطوا بعجزهم الذاتي عن الاحتفاظ بما عندهم!. 

********************
الورقة الثامنة 
أميركا تحتكر غنائم الجهاد وتتهرب من ضرائبه! 

     في السنوات الثلاث ما بين انسحاب الجيش السوفياتي 1989، وعبور دباباته فوق “جسر الصداقة” الذي يربط ضفتي “نهر خورس” عائدة من أفغانستان إلى جمهورية أوزبكستان السوفياتية (في ذلك الوقت)، وحتى سقطت الحكومة الشيوعية التي تركها الجيش السوفياتي وراءه في “كابول”، ولجوء رئيسها (1992) إلى مقر الأمم المتحدة طالبا حمايته كانت السياسة الأميركية قد حققت انتصارها كاملا في الحرب الباردة وكان الاتحاد السوفياتي قد خسر معركة “الأفكار” رغم أوهام ساورته بأن النصر فيها حتمية تاريخية من نصيبه. 

********************

لكن الحتميات التاريخية ليست صوابا في معظم الأحيان، لأن ثقتها الزائدة في مقولاتها المُعَلَّبة تعزلها عن حركة التغيير ثم تترسخ هذه العزلة حين تتولى المسؤولية عنها بيروقراطيات دولة تزعم أن الزمن معها، وأن الحقيقة ملكها باستنادها كما تحسب إلى عقيدة في التطور تزعم لنفسها قوة القانون الطبيعي!

********************

ثم حدث بعد النصر أن الولايات المتحدة تصرفت إزاء “الجهاد الإسلامي” في أفغانستان بسرعة متناهية وإذا هي تهجر الساحة الأفغانية وكأنها لم تكن هناك.

لعل الولايات المتحدة تصرفت بفهم لطبيعة العقائد حين يقع استخدامها لأهداف سياسية بينما المنطق يعلم أصحابه أن عوامل السياسة متحولة والعقائد ثابتة، ومعنى ذلك أن هناك تناقضا قادما بالضرورة بين المتحول والثابت. 

أو أنها تصرفت عن حِسْ استراتيجي يدرك متى بداية الأشياء ومتى نهايتها. أي بحساب الواقعية: يُقَدِّر أن قيمة الأشياء تنتهي حين تنتهي الحاجة إلى استعمالها! ومهما كان السبب فإن الولايات المتحدة سارعت فور سقوط الاتحاد السوفياتي بالانسحاب من إدارة الجهاد ضد الإلحاد في أفغانستان وأوقفت دورها في التمويل، خصوصا أن قضية تجارة المخدرات تفجرت كواحدة من أظهر القضايا في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة كما سحبت كل أثر لوجودها على أرض الصراع، إلى درجة أن مكتب وكالة المخابرات المركزية الأميركية في “بيشاور” جمع أوراقه في ليلة واحدة وطلع الفجر وإذا مقره مبني خال من أي مسؤول. 

ومن وجهة نظر “الاستراتيجية الأميركية” فإن الأهداف كانت تحققت: 

ما رسمه “أيزنهاور” و”دالاس” (إطلاق الأفكار قبل إطلاق النار بما في ذلك “الجهاد ضد الإلحاد”) وقع تنفيذه وبلغ مطلبه بالتزام إدارات جمهورية وديموقراطية واصلت نفس المطالب الاستراتيجية أربعين سنة. 

وفضلا عن تحقيق الهدف فإن الولايات المتحدة أدركت بحس الإمبراطورية أن البقاء في أي موقع بعيد مثل أفغانستان بعد تحقيق الهدف، يحمل مسؤوليات قد يطول أمرها مثل إقامة نظام حكم أو يحمل أعباء مثل إعادة التعمير، وكله مما لا تريد الولايات المتحدة أن تتحمله. 

وفي الواقع فإن السياسة الأميركية قدرت حجم المشكلات التي تنتظر أفغانستان “بعد التحرير”، واختارت أن تبتعد بمنطق أنه ليس لديها وقت تضيعه مع أمراء الحرب وشيوخ القبائل والعشائر وقادة المليشيات وزراع وتجار الأفيون، خصوصا أن الشعب الأفغاني العادي راح يتطلع بعد انتهاء الحرب إلى عهد من السلام والرخاء يعوضه عما قاسى منه، والسياسة الأميركية أول من يقدر أنه الأمل المستحيل. 

وكذلك فإن القرار الأميركي ترك “المعمعان” لأهله وخرج من أفغانستان بجوائز النصر دون الانتظار حتى تستحق ضرائبه! 

ثم كان بعد الخروج الأميركي من أفغانستان أن معظم الحشد الذي جمعته الولايات المتحدة للجهاد ضد الإلحاد انفضَّ سامره وتفرق جَمْعَهُ. 

(ويستحق الملاحظة هنا أن دولا عربية أرادت أن تخرج من المغامرة الأفغانية وتقطع كل صلة بها، لكن الحقائق التي نشأت ونمت في أفغانستان راحت تطارد هذه الدول، ذلك أن العناصر التي جرى شحنها وتعبئتها وتحريضها على الجهاد ضد الإلحاد جنحت إلى ظن أنه لم يعد أمامها الآن غير أن تعود “كي تجاهد في أوطانها” وكانت لهذه الظنون نتائج مأساوية بالذات في أوطان مثل الجزائر ومصر)!

لكنه بقي على الساحة الأفغانية عدد من أمراء الحرب يتابعون ما انتظروه بعد خروج السوفيات وبعد نجاح الجهاد في هزيمة الإلحاد، وكان وراء هؤلاء الأمراء بلدان ليس في مقدور أيهما أن ينسحب وينسى: 

- أولهما، بسبب الجوار الجغرافي وتبعاته: أي باكستان. 
- والثاني، بسبب عمق وتشعب التزاماته: أي المملكة العربية السعودية. 

وهكذا فإنه في الفترة التي أعقبت الخروج السوفياتي من أفغانستان والسقوط الشيوعي في “كابول”، وهي الفترة ما بين 1992 إلى عام 1994 لم يكن أمام البلدين المربوطين ب “العمل الإسلامي” في أفغانستان (باكستان والسعودية) غير الوقوف وراء خليط من أمراء الجهاد الأفغان ينتظرون الغنائم وبالقرب منهم بقايا من تنظيمات الجهاد وشراذم شبابه الذين وجدوا أنفسهم بلا غطاء! 

وخلال تلك الفترة من 1992 إلى 1994 أصبحت أفغانستان أرضا موحشة لنوع مخيف من الفوضى الدموية حركته نزعات الكراهية القديمة، وغرائز الانتقام المستجدة والطمع في بقايا الذهب على قاع صناديق الجهاد وقبل ذلك السباق المحموم إلى زراعة وتجارة الأفيون. 

وربما أن شخصية رجل مثل الجنرال “عبد الرشيد دوستم” (نائب وزير الدفاع الأفغاني اليوم) وكما صَوَّر ملامحها “أحمد رشيد” في كتابه عن “طالبان” ترسم لوحة لمحنة أفغانستان من خلال شخصية رجلها القوي (الأوزبكي) في تلك اللحظة! 

ويروي “أحمد رشيد” في كتابه “طالبان” أنه وصل إلى لقاء مع الجنرال “دوستم” في عاصمته مزار شريف عام 1993، ثم دخل إلى ساحة قلعة “كالاي غانجي” وهي مقر القيادة في انتظار دعوته لمقابلة “دوستم”، ولفت نظره أن حائط أحد الجدران ملطخ بدم تَصَوَّرَه دم ذبيحة (عنزة) أُعِدَّت طعاما للمقاتلين، لكن عميد الصحفيين الباكستاني لاحظ إلى جوار الدماء بقايا عظام، دعته إلى سؤال مرافقه، وكان الرد الذي تلقاه: 

“إن جنديا اتهم بعصيان الأوامر، وحكم عليه الجنرال “دوستم” بالإعدام “هَرْسًا”. 

وكان “أحمد رشيد” قد سمع عن الإعدام شنقا، وعن الإعدام رميا بالرصاص، وعن الإعدام على الكرسي الكهربائي (في أميركا)، لكنه لم يسمع من قبل عن الإعدام “هرسا” واستوضح، وجاءه الشرح: 
“وضعناه أمام دبابة تمر فوقه جيئةً وذهابا عدة مرات حتى نتأكد أن جسمه أصبح لحما مفروما لا يصلح إلا لعمل “كفتة” إذا كان هناك من يأكلها!”. 

وكان الجنرال “دوستم” في تلك الفترة (وهو الآن مرة أخرى) صاحب أقوى جيش في تحالف شمال أفغانستان، وكانت قاعدته (وهي الآن مرة أخرى) “مزار شريف” عاصمة الشمال الأوزبكي، وحين علا نجم الجنرال “دوستم”، فقد ظهر مواليا للشيوعية وحليفا للجيش السوفياتي وسندا لحكومة “نجيب الله” وظل كذلك طوال الثمانينيات، وفجأة انقلب على الأصدقاء والحلفاء وانضم إلى تحالف الشمال، ثم انشقَّ على تحالف الشمال ووصل الانشقاق إلى صدام بالدبابات خسر فيه “دوستم” وخرج من أفغانستان لكنه عاد اليها بعد سنوات من الغيبة ليعقد صلحا من جديد مع تحالف الشمال، وكان بين أطراف هذا الحلف عندما بدأ الضرب الأميركي الجوي الكثيف في شهر أكتوبر الأخير، وفي حِمى الضرب الكثيف تقدم “دوستم” وسبق الجميع إلى احتلال “مزار شريف”، ثم دفع جيوشه (حوالى 40000 مقاتل ومعهم 300 دبابة و15 طائرة) حتى وصلت طلائعها إلى “قندهار”، وهناك طلبت اليه القيادة الأميركية أن يلتزم باتفاقه ويتراجع بقواته حتى لا يثير حربا أهلية بين “الأوزبك” و”البشتون” في “قندهار” ليس هذا مكانها ولا زمانها. 

وكان الجنرال “دوستم” بطل مذابح رهيبة قدرت جريدة “الإندبندنت” البريطانية ضحاياها “في حدود مئة ألف قتيل وبضع مئات ألوف من الجرحى”! 

ولسنوات ممتدة كان الجنرال وضباطه كلما سنحت لهم الفرص (وقد عادت الفرص وسنحت لهم) من أكبر القوى المسيطرة على زراعة وتجارة المخدرات، وقد تحول الجنرال “دوستم” ورجاله بالجريمة إلى أكبر مُلاَّك للأراضي والعقارات، وكانوا هم الخاطفين والمغتصبين للزوجات والبنات والصبيان في “المناطق المحررة”، وأخيرا كان “دوستم” صانع مذبحة قلعة “كالاي غانجي” حيث جرى قتل مئات الأسرى من جنود طالبان بعد أن حصلوا على عهد أمان عندما اقتربت قوات “دوستم” من “قندهار” لبضعة أيام أواخر شهر نوفمبر الماضي. وخلافا لعهد الأمان أمر “دوستم” بقتل ستمئة أسير وهم مقيدون بالحبال من أرجلهم وأيديهم، بعضهم بالرصاص، وبعضهم بالسكاكين، وبعضهم هَرْسا. (وكانت القوات الجوية الأميركية تحمي من الجو وتغطي، وهذه مذبحة سوف تكون يوما من الأيام موضع تحقيق؛ بوصفها جريمة حرب بكل المعايير!)

ويبقى أن “دوستم” مجرد نموذج لقادة سياسيين وعسكريين حولتهم القوى وحروبها خارجية وداخلية تحريرية وجهادية إلى تجار في الأرواح والدماء والسلاح والأفيون. وكان هؤلاء هم أبطال الكابوس الذي عاشته أفغانستان ما بين 1979 وحتى 1992. 

********************
الورقة التاسعة 
طالبان: خروج من التاريخ واستغناء عن الذاكرة! 

     كانت الولايات المتحدة تملك أن تبتعد عن الساحة الأفغانية وتترك كابوسها لأهله وكذلك كان في وسع دول أخرى عربية وغير عربية أن تلملم حوائجها وتخرج أو تحاول، لكن باكستان والسعودية كان مكتوبا عليهما البقاء في أفغانستان؛ لأن كلتيهما لها فيها استثمارات وأرصدة سياسية لا تستطيع الاستغناء عنها، وكذلك ديون لا تستطيع بِجَرةِ قلم أن تشطبها من الدفاتر وتنساها. 

وكان مشروع “المدارس الشرعية” أهم الاستثمارات المشتركة بين بلدين حاول كلاهما لأسبابه ودواعيه أن يتخذ لنفسه نوعا من “الشخصية الإسلامية” تقدم سياساته الدولية والإقليمية والمحلية وتخدمها. 

وفي الظروف المستجدة بعد الخروج السوفياتي من أفغانستان، كان مشروع “المدارس الشرعية” ملتقى السعودية وباكستان ولكل من البلدين دوافعه: 

كانت دوافع باكستان في المشروع المشترك “للمدارس الشرعية” ترجع إلى جذور تاريخية ودينية معظمها من القرن التاسع عشر مع يقظة مسلمي الهند، وقد توافق المشروع مع بروز السلفية الإسلامية (الوهابية والمهدية والسنوسية) أوائل ذلك القرن، وكلها تدعو المسلمين بأسلوب أو آخر إلى عودة لأصول العقيدة تطهر نفسها من البدع الطارئة، باعتبار أن ذلك في نظر أئمة السلفية (خصوصا محمد بن عبد الوهاب) طريق النهوض. (وكانت دعوة ابن عبد الوهاب رد فعل طبيعيا على تحركات في الخليج العربي أمام شواطئ شبه الجزيرة العربية تومئ إلى سباق إمبراطوري عنيف تشارك فيه بريطانيا وأسبانيا والبرتغال وفرنسا، تحاول كلها أن تعزز مواقعها في آسيا).

وعلى هذا السياق ظهرت في شبه القارة الهندية تيارات ودعوات جياشة وجماعات منظمة وفاعلة، والمهم في هذا الحديث أنه مع قيام دولة باكستان، ومع الدور الخاص فيها للجيش الباكستاني نشطت الدعوة إلى إنشاء مدارس شرعية تساعد في المحافظة على رباط الإسلام بين المسلمين الذين بقوا في الهند (وهم وقتها 60 مليونا والآن أكثر من ضعف هذا العدد)، وبين باكستان دولة الإسلام البازغة في غرب الهند وشرقها، وفيها أعظم أقاليمه: “البنغال” وقتها و”البنجاب” و”السند” ومقاطعات الشمال الغربي (الأسطورية على مداخل جبال الهملايا).

وكانت المدارس الشرعية أقرب إلى نوع من الكتاتيب يدخلها الصبيان من سن الخامسة حتى سن الخامسة عشرة، وفيها يتعلمون “القرآن” (وهم لا يعرفون لغته)، ويدرسون الشريعة (وقد تأثرت برواسب ثقافية مما ترسخ في شبه القارة الهندية)، ويعبئون بحمية الجهاد (لأنهم يعيشون داخل أو قرب مجتمعات جهل وجاهلية تعبد الأصنام وتقدس الحيوانات)!

وفي الواقع فإن أكثر انتشار المدارس الشرعية وأوسع نشاطها جرى في مناطق تكدس اللاجئين بعد تقسيم الهند وعقب موجات الهجرة الإسلامية التي تحركت نحو باكستان دون إعداد وبغير استعداد! 

ونتيجة لذلك فإن “تلاميذ هذه المدارس” أصبحوا نموذجا من “جند الله” (كما أطلق عليهم)،غريبا كما هو فريد: فهم شباب بلا جذور في أرض، ولديهم تعلىم ديني وشرعي بالتقليد لأن لغة الدين والشرع غائبة، ثم إنهم حشد مقطوع الصلة بالتاريخ، مستغن عن الذاكرة، ورباطهم وولاؤهم هو السمع والطاعة بالبيعة لمعلم لم يخرج طول عمره من قريته أو من معسكر اللاجئين الذي وجد نفسه فيه، إلى جانب أن حياتهم متقشفة خشنة بواقع الفقر وبأساس التربية، وفي الحالتين فكلهم “منذور” لله وللدعوة والجهاد عندما يرتفع صوت المؤذن يدعو جند الله إلى ساحته. 

وكان دخول المملكة العربية السعودية شريكا في مشروع “المدارس الشرعية” (الذي ساعد على وصول عددها زيادة على 28 ألف مدرسة) خطوة لها مقدمات مهدت لها وأوصلت اليها: 

1 أن ثورة أسعار النفط (في بداية السبعينيات) أحدثت زلزالا اجتماعيا في المملكة، فقد نزل عليها غنى أيقظ لدى أهلها أملا في درجة من التنمية ودرجة من المشاركة في الثروة والسلطة ولكن ذلك لسبب أو آخر لم يتحقق على النحو الذي تمناه الناس. 

2 وأنه مع ثروة “زائدة” ومع توزيع لهذه الثروة مشوه، فقد ظهرت أشكال وألوان من الاستهلاك والترف أثارت ردة فعل أخلاقية ودينية في بلد يسود فيه الخطاب الأصولي، وهكذا فإن المعارضة ضد هذه الأوضاع انتقلت إلى عناصر متشددة في فكرها، صارمة في تعبيرها. 

3 وبما أن الدولة السعودية كانت شركة بين الفقيه (الإمام محمد بن عبد الوهاب) وبين الأمير (الشيخ سعود الكبير)، فإن الخلاف راح يظهر بين “الوهابية” التطهرية في الدعوة وبين “السعودية” المهيمنة على الحكم. 

4 وعندما هبت رياح الثورة الإسلامية في إيران (طوال سنة 1978 و1979) فقد حركت مشاعر المواطنين الشيعة في المنطقة الشرقية، وجرت مظاهرات تأييد لها في “القطيف” لفتت النظر إلى أن الجبهة الداخلية للمملكة مكشوفة. 

5 وفي تلك الأجواء قام شاب من غلاة “المتطهرين” ومعه جماعة من الأنصار، باحتلال الحرم الشريف في مكة المكرمة (نوفمبر 1979)، ودعواهم أن النظام ليس مؤهلا لحماية البيت الحرام، وكان زعيم هذه الجماعة وهو “محمد جهيمان العتيبي” ينتمي كما هو ظاهر من اسمه إلى قبائل “عتيبة” بمكانتها في شرق الجزيرة العربية (موطن الوهابيين).
(ويروي جون كولي في كتابه “حروب غير مقدسة” أن: الحكومة السعودية التي فوجِئَت باحتلال الكعبة وظلت عاجزة لأيام عن تخليصها، ثم لم تجد في النهاية بُدًّا من استئجار فرقة “كوماندوز فرنسية” جاءت دون إعلان واقتحمت الكعبة وخلصت ورحلت بهدوء بعد تحصيل أتعابها، لكن تحرير الكعبة بهذه الطريقة ترك في حلوق المؤمنين مرارة شديدة!)

6 ومع ذلك كله وفي أعقابه وبمنطق الدفاع أيضا فإن المملكة زادت نشاطها الإسلامي وفتحت خزانتها تُمَوِّل وتساعد باكستان، في كافة المجالات سياسية وعسكرية واقتصادية والأهداف إسلامية: أمنية وجهادية في نفس الوقت! 

ولم يكن مشروع المدارس مجرد تطوع بل كان كذلك منفعة مباشرة، والسبب أن هذه المدارس ونشاطها فتح أمام الرياض بأكثر مما حسبت مجالا ومتنفسا لعناصر إسلامية متشددة أو متطهرة أو مجاهدة ظهرت داخل المملكة، وكان الأسلم للمملكة تسهيل خروج هذه العناصر إلى بعيد حيث تمارس كل ما تشاء من تشدُّد وتطهُّر وجهاد. 

وهكذا فإن الإسلام الذي تعرض لمحاولة توظيف ضد الإلحاد (في أواخر السبعينيات)، تعرض (أوائل التسعينيات) مرة أخرى لمحاولة التوظيف مع اختلاف الظروف، في المرة الأولى خطفه الأميركيون كما تخطف الطائرات، واستعملوه ضد الاتحاد السوفياتي، وقضوا غرضهم فيه ثم تركوه ورحلوا. والآن جاء الدور على قوى محلية (باكستان والسعودية) وكلتاهما ظهرت لها الآن أغراض مستجدة. 

الجيش الباكستاني (الذي تابع ما فعله الجهاد بالسوفيات) يحلم ويخطط حتى يتحول شباب المدارس الشرعية إلى مجاهدين في كشمير ضد الهند. 

والنظام السعودي (الذي يريد تأمين المملكة من الداخل) يجدها فرصة مفتوحة لتصدير المجاهدين، يبشرون ويعلمون في المدارس الشرعية ويدرسون ويحرضون كما يحلو لهم، شريطة أن يكون جهادهم وثوابهم بعيدا عن المملكة! 

وكذلك ظهرت على الساحة حركة “طالبان”: بمعنى الدرس وبمعنى الطلب! 

جيش من التلاميذ على استعداد للجهاد في سبيل الإسلام، ومعرفتهم بالدين هي ما تلقوه في المدارس الشرعية التي التحقوا بها في قرى باكستان وفي معسكرات اللاجئين قرب مدنها، وفي مدارس “قندهار” الموصولة جغرافيا وتاريخيا بالمقاطعة الشمالية الغربية لباكستان وعاصمتها “بيشاور”. 

وهكذا فإنه عندما تصارع أمراء الجهاد الأفغاني ضد الإلحاد وأوقعوا أفغانستان في كابوسها الرهيب بعد الانسحاب السوفياتي عام 1992 كان الوطن الأفغاني في حاجة إلى خلاص وكان الخلاص الجاهز المهيأ قرب الساحة هو: “طالبان” التي أصبحت جيشا جرارا من “جند الله” (ما بين خمسين إلى ستين ألفا غير عشرات ألوف أخر جاهزون لمطالب حفظ الأمن وحراسة الطرق وعدد من الأعمال الإدارية) تحت قيادة مدرس شرعي سابق هو “الملا محمد عمر” وهو رجل عرف الجهاد وأخلص فيه وضحى حتى فقد عينا وقدما، ومع الملا عمر جمع أحاط به من “رفاقه” وكلهم متشدد متطهر مجاهد بايعه شبابه على السمع والطاعة حتى الموت. 

وبالطبع فإن التوجه السياسي وراء “جند الله” كان بحكم الحقائق على بلدين كُتِبَ عليهما البقاء في أفغانستان بعد أن تفرَّق الحشد الكبير الذي تداعى للجهاد ضد الإلحاد (على طريقة بريجنسكي) وهما: باكستان والمملكة العربية السعودية. 

وهنا فإن كلا من البلدين عهد إلى مسؤول فيه أن يتولى باسمه التوجيه السياسي: 

- الجنرال حميد غول رئيس المخابرات العسكرية الباكستانية ممثلا لبلده. 
- والأمير تركي بن فيصل رئيس المخابرات السعودية ممثلا لبلده. 

وتحركت “طالبان” ولديها مهمتان: 

- إزالة الشر من أفغانستان تجسده جماعات الجهاد الإسلامي ضد الإلحاد، وقد ضلَّت طريقها بعدما انتهى خيرها وتفاقم شرها. 

- ثم إنقاذ سمعة الجهاد الإسلامي بين شعوب الأرض التي كانت تتابع مستغربة ! كيف تَحَوَّل الجهاد في سبيل الله إلى فساد في الأرض؟. 

********************
الورقة العاشرة 
أمير المؤمنين في أفغانستان! 

     وخطوة بعد خطوة بدأت قوات طالبان تتقدم في أفغانستان، ولأن أجواء “طالبان” كانت “بشتونية” فإن دخولها وتمركزها في إقليم “قندهار” جرى سهلا، كما أن انضباطها بعد انحلال جماعات الجهاد السابقة حمل سمعة طالبان التطهرية إلى بعيد، ومن ثم انفتحت أمامها ولايات الوسط (الهازارا)، وولايات الشمال (الأوزبك والطاجيك) ومع أن دخول هذه الولايات جميعا وتوطيد أركان السلطة فيها (بحد السيف) لم يكن سهلا إلا أن المشكلات الحقيقية بدأت على الفور وكلها مما كان منتظرا إذا استطاع النظر أن يمد رؤيته إلى ما هو أبعد من موقع قدميه: 

ذلك أن المدارس الشرعية لا تؤهل تلاميذها لشأن دنيوي، خصوصا إذا وضعت الظروف بين أيديهم مسؤولية شعب ودولة وسلطة. 

ثم إن تلاميذ المدارس الشرعية لا يعرفون وطنا ينتمون اليه، فمعظمهم من معسكرات لاجئين ترسخت هويتهم في ما تلقوه عن شيوخ مدارسهم، وفي غيبة انتماء وهوية فإن فكرة الوطن أصبحت بلا حدود كما أن صورة العالم كانت بلا شكل. 

وتلاميذ المدارس الشرعية ذكور لم يختلطوا في حياتهم بالجنس الآخر، فقد عاشوا بلا أم ولا زوجة ولا أخت ولا صديقة، فإذا ظهرت امرأة فهي “شبه جارية” مملوكة لسيدها “محجوبة عن غيره” ثم إن لها في الحياة وظيفة واحدة! 

وأخيرا وبمنطق أن البشر في هذه الدنيا للعبادة في انتظار الثواب في الآخرة، فإن فكرة صنع مستقبل من نوع ما، لم تكن تضغط على قيادات طالبان. 

وكذلك راحت شؤون الدولة ومسؤوليات الحكم وطموحات المستقبل تُسَيِّر نفسها على نحو لا يتناسب مع العصر وربما مع كل العصور. ويورد “أحمد رشيد” في كتابه “طالبان” ملحقا يضم بعض الوثائق بينها الإعلان الأول الذي صدر عن حركة طالبان عندما “يسر الله عليها بفتح كابول”! 

ونص الإعلان كما يلي: 

إعلان صادر عن رئاسة الأمر بالمعروف كابول (ديسمبر 1996):

1 لصيانة النساء من الغواية فلا بد لهن أن يرتدين الحجاب، كما أنه لا يسمح لأي سائق عربة أو سيارة بنقل امرأة ترتدي الحجاب الإيراني؛ لأنه لا يكفي للتغطية الشرعية، وفي حالة المخالفة فإن السائق سوف يُحكم عليه بالسجن، كما أنه إذا صادف البوليس الشرعي امرأة تمشي في الطرقات بالبرقع الإيراني وحده، فسوف يُقبض عليها، وإذا تواجدت امرأة في طريق دون رجل من أهلها فسوف يتم القبض عليها. 

2 تُمنع الموسيقى وقد تُحظر إذاعتها من أي وسيلة إعلامية عامة. كذلك يُحظر على المحلات والفنادق والسيارات والعربات أن تستعمل أجهزة تسجيل الغناء وإعادتها لأن ذلك ممنوع، وهذا الأمر لابد أن يُطبق خلال خمسة أيام، وإذا وُجدت أي أدوات موسيقية في محل، فإن صاحب المحل سوف يُسجن والمحل سوف يُغلق. ويُفتح المحل فقط في حالة تقدم خمسة أفراد لضمان أن صاحب المحل لن يعود إلى ارتكاب المخالفة مرة أخرى، وإذا وجدت شرائط موسيقية في سيارة فإن السيارة سوف تُصادر والسائق سوف يُسجن ويمكن الإفراج عن الاثنين في حالة تقدم خمسة أفراد بضمانات بعدم تكرار المخالفة. 

3 يُمنع حلق اللِحى أو قصها وفي ظرف شهر ونصف شهر من الآن، فإن أي رجل يُضبط حالقا ذقنه أو قاصًا شعرها، سوف يُقبض عليه ويُسجن حتى تكبر لحيته إلى حدها الشرعي. 

4 يُمنع منعا تاما الاحتفاظ بأبراج الحمام واللعب بالطيور وخلال عشرة أيام، فإن هذه العادة أو الهواية لابد أن توقف وبعد عشرة أيام سوف يجري تفتيش يضمن تنفيذ هذا البند، وإذا ظهرت مخالفة له فإن المسؤول يُقتل. 

5 يمنع منعا باتا اللعب بالطائرات الورقية وكل محلات بيع مثل هذه الطائرات الورقية يجب إغلاقها. 

6 لمنع الشرك بالله فإن كل صور أو رسومات في حجرات البيوت أو في المحلات أو في الفنادق أو في أي مكان آخر، لابد أن تُرفع، وسوف يُكلف المسؤولون بالتفتيش للتأكد من تنفيذ ذلك الأمر في أي مكان. 

7 يُمنع القمار منعا باتا، ويُطلب من كل من يعرف بمكان يجري فيه اللعب أو بأفراد يشاركون فيه، أن يُبلغ عن ذلك وسوف يجري سجن كل اللاعبين والمتواطئين على السكوت وإغلاق المكان. 

8 يمنع الإدمان والمدمن يُوضع في السجن ويُحقق معه حتى يعترف بالمكان الذي حصل منه على المادة التي يستعملها لكي يتسنى عقاب صاحبه وسجنه. 

9 لمنع تصفيف الشعر على الطريقة الإنجليزية أو الأميركية فإن من يضبط متلبسا بتصفيف شعره على هذا النحو سوف يتولى البوليس الشرعي حلق شعره وتغريمه أجر الحلاق! 

10 لمنع الفوائد على القروض وعلى تغيير العُملة فإن هناك لوائح سوف تصدر للتطبيق في هذا المجال وسوف يُسجن كل مخالف لها لمدد طويلة. 

11 يُمنع غسيل الملابس في المجاري العامة للمياه في المدينة بواسطة الشابات من النساء، وكل شابة تُضبط متلبسة بهذا الفعل سوف يُقبض عليها وتُعاد إلى بيتها ويُعاقب زوجها بالحبس. 

12 تُمنع الموسيقى والرقص في حفلات الزواج، وفي حالة المخالفة فإن رئيس العائلة سوف يُقبض عليه ويُعاقب. 

13 يُمنع منعا باتا استعمال الطبول، وإذا ضُبط أحد متلبسا بمخالفة ذلك، فسوف يُوقع عليه العقاب المناسب. 

14 يُمنع منعا باتا أخذ مقاييس جسد أي امرأة بغرض تفصيل ملابس لها حتى ولو كان القائم بالعمل امرأة أخرى. 

15 تُمنع ممارسة أعمال السحر بقصد الإضرار بالآخرين وكتب السحر جميعا سوف تُصادر وتُحرق، كما أن كل من يشيع عنه استعمال ألعاب الحواة سوف يوضع في السجن. 

16 تُوقف كل وسائل المواصلات وقت أداء الصلاة وأي شخص يوجد في شارع أو في محل في هذا الوقت يُقبض عليه فورا. 

********************
الورقة الحادية عشرة 
طالبان: البداية والنهاية! 

     بهذا الإعلان للحقوق والواجبات وغيره على مثاله بدأ عهد “طالبان” في أفغانستان وسط عالم يعبر نهاية القرن العشرين إلى فاتحة القرن الحادي والعشرين، ثم مضت “دولة المتطهرين” تنشئ دولتها بعد أن أعلنت مواثيقها وأقامت سلطتها وتمكنت من إزاحة بقايا مليشيات المجاهدين إلى ركن في شمال أفغانستان باندفاع لا تفسير له غير أن تلك المليشيات تآكلت وتحللت من الداخل بالكامل! 

وكانت عملية تنظيم دولة طالبان بسيطة: إعلان أفغانستان إمارة إسلامية ومبايعة “الملا محمد عمر” أميرا للمؤمنين له وحده السمع والطاعة وإنشاء مجلس الشورى إلى جانب أمير المؤمنين له حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتولي بعض أعضاء مجلس الشورى على رأس وزارات الدولة، أو ما بقي منها (خصوصا وزارة للخارجية لأنه كان لابد منها حلقة اتصال بين عالم طالبان وعالم بقية الدول).

على أن الصلات مع العالم كانت تحتاج إلى نصح، وذلك دور تفردت تقريبا به: المخابرات العسكرية الباكستانية، أو انفرد به بعض ضباطها بصفة شخصية؛ لأن ارتباطهم بالحركة كان وثيقا، ولأن طالبان كانت “سلاحا مأمولا فيه” لمرحلة تالية عندما يحين وقت تنشيط العمل العسكري ضد الهند في كشمير. 

ولم يكن للمملكة العربية السعودية اختصاص واسع في تلك الأحوال؛ لأن دورها انحسر في تقديم المساعدات المالية، خصوصا بعد أن أثبتت أفغانستان فائدتها مرة أخرى مجالا ل: “نفايات سياسية” خطرة على الأرض السعودية، في حين أن أراضي أفغانستان وأحوالها ومناخها مجال واسع أمامها يستوعب الجهاد، وما يصاحبه من شحن ديني جهادي قد يفلت عياره! 

ومنذ بداية زمانها تلقت طالبان من أصدقائها في المخابرات العسكرية الباكستانية ما طمأنها إلى مواقف إسلام أباد حِيالها مهما تغيرت هناك الحكومات. والشاهد أنه عندما حققت طالبان سيطرتها على أفغانستان كانت رئاسة الحكومة في إسلام أباد في عهدة السيدة “بناظير بوتو”، وفجأة وقع انقلاب دستوري في باكستان، وضع رئاسة الحكومة في عهدة السيد “نواز شريف”، وفجأة مرة أخرى وقع انقلاب عسكري، لكن الجيش احتفظ لنفسه برئاسة الدولة وأسندها للجنرال “برفيز مشرف”. وبرغم هذه الانقلابات، فإن طالبان بصلتها بالمخابرات العسكرية الباكستانية، وبدور المخابرات العسكرية الباكستانية في إدارة الصراع مع الهند ضمنت لنفسها وضعا جعلها “حالة خاصة” تحظى بدعم متواصل بسبب علاقتها مع مؤسسة الأمن القومي في باكستان. 

********************

ولعل المخابرات العسكرية الباكستانية ساعدت دون قصد على سقوط دولة “طالبان”، فعندما وجهت الولايات المتحدة إنذارها إلى “الملا عمر” بتسليم “بن لادن” وإلا... وبعث الجنرال “برويز مشرف” إلى “مزار شريف” بوفد عسكري باكستاني يتولى إقناع “الملا عمر” ومجلس شوراه بجدية التهديد الأميركي فقد تبين في ما بعد أن الوفد العسكري الباكستاني حَرَّضَ “الملا عمر” على الرفض بدلا من إقناعه بالقبول، وكان رئيس المخابرات العسكرية الباكستانية الذي رَأَسَ الوفد يرى أن التهديد الأميركي ليس جديا، وأن قبوله هو التهديد لطالبان؛ لأنه يفقدها احترامها بين المسلمين! وربما أن عناصر في المخابرات العسكرية الباكستانية وأصدقاءها من المجاهدين القدامى والجدد كرهوا إلى حد الموت طرفا دوليا استعملهم ثم تركهم في العراء عندما لم تعد له فيهم مصلحة، وهو الآن يوشك أن ينزع منهم سلاحا أعدوه لإزعاج الهند في كشمير!

********************

وكانت المملكة العربية السعودية تواصل مساعداتها المالية، لكن العبء راح يزيد، وأسعار البترول تتراجع والمملكة تتأخر مدفوعاتها، وجاءت نجدة المقادير لدولة المتطهرين، حين أقبلت بعض شركات البترول الأميركية المعنية بموارد وسط آسيا الغنية (وهي المنطقة المرشحة لأن تكون إضافة مهمة توازن نفط الخليج العربي) تبحث مع حكومة طالبان مشروع خطوط أنابيب ينقل النفط وسط الجبال والوديان التي تسيطر عليها دولة المتطهرين. 

لكن العقود مع شركات البترول الأميركية طالت، ومدفوعات السعودية تعثرت، وكان على “طالبان” أن تبحث لنفسها عن مصادر إضافية للتمويل لا تجعلها رهينة لطرف، خصوصا أن أصدقاء لها من المتطهرين الوهابيين لم يكفوا عن نصح إمارة المؤمنين الجديدة بألا تترك نفسها رهينة لعطايا المملكة وحدها أو شركات النفط الأميركية معها. 

وكذلك مضت “طالبان” تبحث لنفسها عن موارد جديدة، تكون بديلا لما يغنيها إذا دعا الأمر، خصوصا أنها كانت أيضا في حاجة إلى فتح مزيد من المدارس سندا ومددا لا ينقطع من “جند الله”، وبالإضافة إلى ذلك فقد كان هناك نوع من الإنفاق الضروري لإصلاح الطرق وتجديد وسائط النقل، وإنشاء شبكة اتصال تربط مواقع السيطرة في الإمارة مع بعضها (لأن دولة المتطهرين تحتاج صلابة في رقابتها على الأمور توازي الصلابة في صدق الإيمان).

وأمام الاحتياج إلى المال يضغط كل يوم، فقد اكتشفت “طالبان” ما توصل اليه غيرها من حكام أفغانستان قبلها أي “الأفيون”. 

وهنا أصدر أمير المؤمنين فتوى من أغرب ما صدر عن المجتهدين في التاريخ مؤداها أن: 

“زراعة الأفيون وتجارته مباحة شرعا، وأما زراعة الحشيش وتجارته فهي محرمة شرعا”. والداعي: أن الأفيون تقع زراعته وصناعته بهدف التصدير ولذلك ينزل ضرره على غير المؤمنين، وأما الحشيش فإنه يُستهلك محليا ولذلك ينزل ضرره على المؤمنين! 

وعلى هذه الأرضية استجد عاملان: 

العامل الأول: أن “أسامة بن لادن” وجد في إمارة أفغانستان الإسلامية قاعدة لدور تصوره لنفسه. 

وكان “أسامة بن لادن” من الأصل شابا من أسرة سعودية عملت في مجال المقاولات وحققت غنى فادحا حين أوكل اليها مشروع توسعة الحرم الشريف في مكة بتكلفة قدرها خمسون بليون دولار (وهو مشروع يستحق تقدير كل مسلم ولكن تمويله وملابسات هذا التمويل أثارت وما زالت تثير جدلا واسعا في السعودية).

وكان “أسامة بن لادن” قد اتصل بعمليات المجاهدين الأولى في أفغانستان حين وقع استخدام مكتب المقاولات الذي كان مسؤولا عنه في “كابول” واجهة من واجهات تمويل النشاط الجهادي، وتفويت الأموال اللازمة لهذا النشاط من مصادرها الأصلية إلى طلابها في الميدان. 

وفي ما يظهر فإن “أسامة بن لادن” كان في تلك الأوقات صديقا مقربا من الأمير “تركي بن فيصل” رئيس المخابرات السعودية، وكان حلقة وصل بينه وبين جماعات جهادية مختلفة في أفغانستان وخارجها! 

لكن “أجواء الجهاد” أخذت “أسامة بن لادن” فاندمج فيها، ولم يعد مجرد واجهة أو وسيط أو ممول، وإنما تحول بدوره إلى فاعل قائم بذاته وصاحب أمر ونهي. وتلك ليست أول مرة في التاريخ يصبح فيها الوكيل أصيلا أو التابع مستقلا! 

وفي النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين، وكانت مرحلة الجهاد الأولى قد انتهت، ومرحلة طالبان لم تبدأ بعد طاف “أسامة بن لادن” على بلدان عديدة من الصومال إلى السودان إلى اليمن، وظهر له ظل على مواقع عمليات دموية تلاحقت في القرن الأفريقي أو بالقرب منه على وجه التحديد. 

وكذلك بدأت مطاردة “أسامة بن لادن”، وتبدى له وهو معقول أن إمارة المؤمنين في أفغانستان أنسب ملاذ يحتمي به، وكانت الإمارة من جانبها مستعدة. وبالفعل فإن “أسامة بن لادن” خلال سنوات إقامته في ظل أمير المؤمنين أصبح مرافقا للملا محمد عمر ومفتيا وكذلك ممولا للإمارة، قدم لها ما يزيد على مئة مليون دولار! وكانت الإمارة تشعر بجميله، (وإن كان رد الجميل في النهاية قد كلف طالبان دولتها)!

وأما العامل الثاني: الذي استجد فهو أن إمارة أفغانستان الإسلامية، ووجود “بن لادن” فيها، أصبحت عنصر جذب ينادي جماعات إسلامية أصولية مطاردة في أوطانها ومنها جماعة الجهاد المصرية كي تقصد إلى دولة المتطهرين الإسلاميين، والظن أنهم هناك في أمان ولو بعزلة المكان وصعوبة تضاريسه وأجوائه الجهادية المواتية، وأنهم من هناك يقدرون ويملكون فرصة إعداد وتنفيذ مشروعات وخطط جهادية “مطلوبة”! 

********************

ومن الإنصاف للحقيقة القول هنا أنه لم يكن صعبا في هذه الظروف سواء على “بن لادن” ولا على “الملا عمر” التقدم في نقلة واحدة من الجهاد ضد “الإلحاد” إلى الجهاد ضد “الكُفر” أو ما يتصورونه كذلك وكان ذلك لعبا بالنار، لأنها أصبحت حربا على العالم كله بما فيه الإسلام وغالبية أهله لا يعترفون بتفسير “طالبان” لروحه وشريعته ونصوصه.

********************

ومع بداية القرن الحادي والعشرين أصبحت إمارة أفغانستان الإسلامية كتلة حرجة بذلك الخليط الذي تحول إلى عجينة “شبه نووية”، وكانت هذه الكتلة الحرجة تتمدد داخل إمارة المؤمنين الطالبانية وتهدر فيها ثم إن بلوغ درجة الانفجار زاد قُرْبا بوجود “بن لادن” وما يتحرك حوله وجماعة الجهاد المصرية وما وراءها! 

وكانت الولايات المتحدة الأميركية ترصد وتتابع وترتب. 

كانت قد استغلت الأفكار والعقائد والأديان، وأولها الإسلام في عصر مضى لمحاربة الاتحاد السوفياتي، بدعوى الجهاد ضد الإلحاد. والآن فذلك ميدان فات زمانه، لأن الصراع الجديد لم يعد حربا بالأفكار. وإنما هو زمان الأسواق وليس زمان العقائد. 

********************

ولست متأكدا حتى الآن أن طالبان أو تنظيم “بن لادن” (القاعدة) أو أن جماعة الجهاد المصرية كانوا وراء صواعق النار فوق نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر الماضي، ولعلهم كانوا هناك مع آخرين لم يظهر أثرهم بعد، لكن هؤلاء الإسلاميين وضعوا أنفسهم (أو وضعتهم الظروف والقوى وضمنها الولايات المتحدة الأميركية بنفسها) موضع الشبهة ورأس قائمة المطلوبين وكذلك كان. 

********************

وقد سألني سفير أوروبي مرموق في القاهرة: لماذا تظهر في ما تكتب شكوك تستبعد أن تقوم جماعات إسلامية وعربية بتخطيط وتنفيذ عمليات 11 سبتمبر 2001؟ ثم استطرد السائل: أليس ذلك في جزء منه نزعا للثقة في كفاءة أطراف إسلامية وعربية، وقدرتها في القيام بعمل على هذا المستوى المدهش من ناحية التخطيط والإدارة والتكنولوجيا، بصرف النظر عن مقاصد الفعل ونتائجه المأساوية؟ 

وكان ردي: إنني لا أنزع قدرة شباب مسلم وعربي على أعمال مدهشة تخطيطا وإدارة وتكنولوجيا لكني كنت وما زلت أتكلم بالتحديد عن تلك العناصر التي نسبت اليها المسؤولية فعلا عما جرى في نيويورك وواشنطن. وما زال تقديري وقد عرضته على الناس نقلا عن مصادر في بروكسل وزاد عليه في ما بعد تقرير صادر عن مركز دراسات إستراتيجية معتمد في موسكو أشارت اليه صحف بريطانية كبرى، وملخصه أن عناصر بلقانية كانت ضالعة في تلك العمليات المدهشة (يمكن أيضا مراجعة تصريح لنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني قال فيه بعد ساعات من صواعق النار فوق نيويورك وواشنطن: إن ما جري يحمل توقيع جهاز دولة).

أضفت أيضا: إن مستوى العناصر العربية والإسلامية التي نسبت اليها المسؤولية عن حوادث 11 سبتمبر كانت لها من قبل سوابق فعل في مواقع أكثر سهولة من نيويورك وواشنطن. وهنا في مصر فقد رأينا امتحانا لمستواها في مجزرة السياح في الأقصر قبل سنوات قليلة وإذا كان ذلك هو المستوى، ثم وضعنا معه أساليب الإدارة السياسية والعسكرية في الدفاع عن دولة طالبان في أفغانستان ذاتها إذن فنحن أمام تأكيد جديد يؤكد مرة أخرى أن مجزرة السياح في الأقصر هي المستوى. 

********************

ولسوء الحظ فإن الإسلام أُسيء اليه مرة ثانية، كما أُسيء اليه مرة أولى. 

وكانت المرة الأولى باستدعائه للجهاد بواسطة المخابرات المركزية الأميركية. 

وكانت المرة الثانية بالطيران الأميركي يضرب “جند الله” ضربا بلا هوادة، حتى بدا وكأنه عقاب للمسلمين جميعا حتى أولئك الذين لم يشاركوا في الجهاد الإسلامي (على طريقة بريجنسكي)!

وكان الموضوع من أوله إلى آخره كارثة أصابت العرب في أنفسهم وقضاياهم ومستقبلهم، ثم إن الشظايا طالت أطرافا عربية وإسلامية بادرت وتطوعت للخدمة، وسمحت بأن يكون الجهاد الإسلامي مركبة مجانية للسيطرة الأميركية، ثم تصورت خطأ أن ما تطوعت به يوفر لها حصانات وحقوقا، وذلك نسيان لا يستحق الغفران لطبائع القوى أو طبائع الإمبراطوريات!

********************

وكان الرئيس “دوايت أيزنهاور” هو الذي لخص تجربته في الخطاب الأخير من رئاسته قائلاً “إن السياسات الطيبة ليست ضمانا أكيدا للنجاح ولكن السياسات السيئة ضمان محقق للفشل”. 

وذلك صحيح! 

على أنه مما يستحق التأمل أن “أيزنهاور” في نفس هذا الخطاب الأخير استشهد أيضا بحكمة إغريقية بليغة تقول: 

“إن الآلهة لا تعاقب البشر حين تغضب عليهم وإنما هي تسلط عليهم أنفسهم وكفي”! 

وذلك ما جرى!!. 


(تنشر بالترافق مع “مجلة الكتب القاهرية وجهات نظر”)

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic