تفاهم الأجواء المغلقة

إبراهيم الأمين

السفير

الإثنين، 11 شباط / فبراير 2002

 

قاعدة “لا طلعات لا مضادات” جرى تثبيتها في الملف الرسمي اللبناني. رئيس الجمهورية اميل لحود قالها صراحة للاميركيين. وفي وزارة الخارجية صاغوا الموقف بلغتهم. أما في قريطم فالنبرة هذه الأيام غير ما كانت عليه منذ وقت طويل، و”السمة الشعبية” لخطاب رئيس الحكومة لم تقتصر فقط على الوكالات الحصرية والحرب مع التجار، لكنها قاربت الملف السياسي الحساس، من خطاب البرلمان التصعيدي في وجه الاميركيين الى مقدمة نشرات “المستقبل” وإذاعة “الشرق” حيث يضيع الامر للحظات بينها وبين “النور” و”المنار”. لكن ما هو اهم من كل ذلك، ان المقاومةالتي قررت في لحظة غير بعيدة اللجوء الى “الصواريخ الصوتية” تتصرف من موقع الجهوزية لاحتمال الانتقال الى الصواريخ الحقيقية، والأمر رهن التصرف الاسرائيلي. 

وإذا كان البعض المطلع يتوقع وقفا لطلعات طيران العدو في الاجواء اللبنانية خلال الاسبوعين المقبلين، فإن القريبين من الجهات الدولية يتحدثون عن “وساطة ناجحة” لمجموعة فريق الامم المتحدة، تقول بخطوات تؤسس ل”تفاهم الاجواء المغلقة”، وهو يقضي عمليا بعدم خرق إسرائيل للاجواء اللبنانية مقابل عدم خرق المقاومة لأجواء الاراضي المحتلة. وإذا كان البعض يعتقد ان الفارق كبير جدا بين الاسلحة المستخدمة من قبل الطرفين في المعادلة الجديدة، فان الامر يبدو عمليا بخلاف ذلك. 

يعرف اللبنانيون عموما وسكان نصفه الجنوبي على الاقل انواع الطائرات الاسرائيلية كافة، والناس يميّزون بدقة بين صوت العبوات الناسفة او الالعاب النارية او الابواب المغلقة بقوة وبين جدار الصوت الذي تخرقه طائرات اسرائيل. ثم ان اللبنانيين يعرفون انه مرت الايام التي تغير فيه الطائرات على اهداف مدنية، فيما سكان الشمال من المستوطنين لا يعرفون سوى صوت صفارات الإنذار التي تترافق عادة مع انفجارات لصواريخ الكاتيوشا، وهذه المرة عليهم اخذ المزيد من الوقت قبل ان يتعودوا على صوت انفجار قذائف المضادات الارضية، وهي قذائف غير صغيرة وتحدث دويا يوازي انفجار الكاتيوشا وان كان لا يوفر نفس الغرض او الفعالية، ويحتاج هؤلاء الى وقت حتى يحفظوا عادة الاختفاء من الشوارع وإغلاق المدارس وترك ابواب المتاجر نصف مغلقة والنزول الى الملاجئ وتمضية بقية نهار مزعج، كما أنه ليس امرا جيدا للمتزلجين القادمين من الوسط او الهاربين من ضجيج الانتفاضة في الجنوب ان يكون في انتظارهم حفل ألعاب نارية يسبب التوتر والاضطراب. 

أما قادة سلاح الجو الذين رفضوا عند التوقيع على الخط الازرق تضمينه وقف طلعاتهم “فوق المدى الحيوي لأجوائهم” كما ورد في رسالتهم الى القيادة الاسرائيلية في ذلك الوقت، فهم الآن امام مهمة البحث عن ساحة اخرى للتدريب تكون بديلة عن سماء لبنان المتروكة لهم منذ ربع قرن تقريبا، وقلة حذرهم الحالية من احتمال تعرض طائراتهم لصواريخ دقيقة، باتت غير ذات أهمية مقارنة مع احتجاجات سكان الشمال الذين يعرفون ان مضادات “حزب الله” لا وجهة لها الا السماء الجنوبية اي فوق قراهم ومساكنهم. اما بشأن التقديرات حول احتمال تطور الموقف ميدانيا فهي ليست معقدة، اذ ان المضادات الخاصة بالمقاومة لا تعمل من أمكنة مكشوفة تماما، وليس صعبا على طيران العدو تحديد أمكنتها، وهي حتما لا تتواجد فقط في منطقة المزارع المحتلة، واذا ما قرر الاسرائيليون الرد عليها بقصفها مباشرة فهذا يعني قرارا بتوسيع الجبهة، وهو احتمال قد يدفع برماة المضادات لان يخفضوا مستوى مدفعيتهم نحو القرى والمساكن والاحراج القائمة على طول الحدود، واذا ما انطلقت المعركة فهذا امر له حساب آخر من الطرفين. لكن المقاومة باتت جاهزة له منذ اتخذ قرار استخدام لغة المضادات بهذه الطريقة. 

لكن ماذا عن الجبهة الدبلوماسية؟ 
الكلام الأولي نقله “مراقب الخروق” في لبنان ستيفان دوميستورا الى المسؤولين وقال ان تجاوز الطلقات الخط الازرق يعد خرقا يجب عدم تكراره. ولا ينسى ان يسحب من محفظته صورة عن بياناته التي تشير الى الخروقات الجوية الاسرائيلية، واذا ما سأله احدهم عن نتائج جهده لوقف الطلعات الاسرائيلية يكون جوابه بأن المحاولات مستمرة وانه يأمل خيرا لكنه يريد من لبنان تعاونا يتيح له الضغط على اسرائيل اكثر. لكن الامر كان يقع في خانة عدم توقع تحول الحادث الاول الى سلوك من جانب المقاومة. وفي المرة الثانية أدرك الاسرائيليون اولا ان الامر يتجاوز خطأ في التصويب، وأدرك “الدوليون” ثانيا ان الامر عبارة عن استراتيجية جديدة، فكان لا بد من تحرك على مستوى ارفع، وهو ما بادر اليه الاميركيون عبر رسائل تتالت على وزارة الخارجية وعلى سفارة لبنان في واشنطن ومن ثم على رئاستي الجمهورية والحكومة. وكان الاميركيون يأملون تجاوبا لبنانيا فوريا مع مطلبهم بمنع “حزب الله” من إطلاق المضادات فوق المستوطنات الاسرائيلية، ولكن الامر كان بحاجة الى اختبار، وخرج الطيارون الاسرائيليون الى السماء وما هي الا دقائق حتى نزل المستوطنون الى الملاجئ، فكان التحرك الاخير والذي أخذ بعدا مختلفا. 

الاجابات الرسمية كانت بسيطة مثل معادلة المقاومة: ان المضادات لا تستخدم الا لكونها مضادات، اي انها لا تطلق لمجرد الاطلاق، وهي لم تطلق الا وفقا لوظيفتها التقنية، اي لمواجهة طلعات جوية، وهذه الطلعات الجوية تتم من قبل اسرائيل، وهي بحسب تقارير الأمم المتحدة تشكل خرقا فاضحا لقرار الانسحاب ولخط الانسحاب، وبالتالي فان توقف عمل هذه المضادات يكون تلقائيا ما ان تتوقف الطلعات الجوية الاسرائيلية، وليس هناك امكانية لبحث عملي خارج هذه المعادلة. 

مندوبو الأمم المتحدة وافقوا بحركة من رؤوسهم على هذا التحليل، لكنهم قالوا ان الخطوتين تمثلان خرقا، فلم يسمع هؤلاء نفيا، ولكن تم سؤال هؤلاء عن بقية العبارة، فقال “الدوليون” انهم مقتنعون بضرورة وقف الامرين معا: لا طلعات اسرائيلية ولا مضادات لبنانية، وهو أمر يحقق الهدف اللبناني. ولكن الدوليين عادوا وقالوا لاحقا ان الطيران الاسرائيلي يخرج عندما يكون هناك تقارير تشير الى نية المقاومة القيام بعمل ما في مزارع شبعا المحتلة، وان هذه الطلعات لا تشكل خطرا مباشرا على حياة المدنيين، في محاولة لتبرير الطلعات مقابل طلب وقف المضادات التي قد تتسبب بإصابات قاتلة اذا ما سقطت شظايا القذائف على رؤوس سكان المستوطنات، لكن الجواب اللبناني كان واضحا: ان الطلعات الجوية تشكل عملا عدائيا، وهي لا تستخدم فقط للاستطلاع بل لأجل التحضير لعمليات عسكرية وإن خطرها غير المباشر أكبر من المباشر، وإن الامر لا يتوقف الا بتوقف الطلعات. 

ومرة جديدة أدرك الجميع ان الامر لا يتم الا من خلال الولايات المتحدة، لكن الاخيرة لا تريد ان يكون نقاشها مع لبنان خارج الوضعية الجديدة بعد 11 أيلول، فكانت هناك “إدانة كاملة” لتصرف “حزب الله” وطلب مباشر بوقفه من دون ضمانات مقابلة، ومن ثم ورد الى الجهات الرسمية كلام بطريقة او بأخرى، أن الولايات المتحدة قد توافق على موقف اسرائيل ان أقدمت الاخيرة على ممارسة ضغوط بواسطة مجلس الامن الدولي لأجل اعتبار إطلاق المضادات خرقا للقرار 1373، لناحية انه عمل إرهابي، وان صدور إدانة دولية للبنان وفق هذه القاعدة يكون مدخلا مناسبا للولايات المتحدة لبحث جديد مع لبنان وسوريا حول ملف المقاومة.. 

وصلت الرسالة الى “حزب الله”. وفي خطابه الاخير قال السيد حسن نصرالله ان هناك محاولة لجعل إطلاق المضادات عملا ارهابيا.. لكنه أضاف ان ذلك لن يؤثر على المعادلة التي تقول مجددا بأن وقف المضادات رهن وقف الطلعات ولا شيء آخر!.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic