بوش وجد "المحور"... ويبحث عن "الشر" 

سحر بعاصيري

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 17 شباط / فبراير 2002

 

Sahar Baasiri - سحر بعاصيري

     ما ان سمع السناتور الاميركي السابق سام نان خطاب الرئيس جورج دبليو بوش عن "حال الاتحاد" في 29 كانون الثاني واطلاقه وصف "محور الشر" على العراق وايران وكوريا الشمالية، حتى تذكر بأسف امراً مشابهاً. تذكر عام 1983 يوم اعلن الرئيس رونالد ريغان الاتحاد السوفياتي "امبراطورية الشر"، ثم بدأ رئيس اركانه دونالد ريغن يطلق على نفسه "فرقة التنظيف" لما كان عليه ان يقوم به لمحو آثار ما فعله رئيسه. وقال نان: "اعتقد ان على (ادارة بوش) القيام بعمل ديبلوماسي كبير لتلحق بهذه العبارة". 

سواء اكان هذا صحيحاً ام لم يكن، فان "حال الاتحاد" 2002 ستظل علامة فارقة في العلاقة بين العالمين الأميركي واللاأميركي. ذلك ان العالم، منذ "امبراطورية الشر"، لم يتعرض بعد لخطاب بهذه العدائية من القوة العظمى الوحيدة. فقد قال بوش ان هدفه هو "منع الانظمة التي ترعى الارهاب من تهديد اميركا وأصدقائنا بأسلحة دمار شامل". وبعدما حدد العراق وايران وكوريا الشمالية، اضاف ان هذه الدول و"حلفاءها الارهابيين يشكلون محور شر يتسلح لتهديد السلام في العالم". وتعهد العمل ضد هذه الانظمة لحرمانها "المواد والتكنولوجيا والخبرات" لصنع اسلحة نووية وكيميائية وبيولوجية وتوفيرها للارهابيين، وأطلق تحذيره: "على كل الدول ان تعرف. اميركا ستفعل كل ما يلزم لضمان امنها " ولن تنتظر اقتراب الخطر. 

حذر بوش وتوعد، لكنه لم يوضح "الافعال اللازمة" التي يشملها تهديده، كما لم يحدد اسس اختياره هذه الدول دون سواها من تلك التي شغلت طويلاً اللوائح الاميركية للارهاب والقلق من التسلح. اطلق عبارة "محور الشر" وترك لغيره ان يفسرها كما يشاء ويفهمها كما يشتهي. فريق عمله انقسم بين متحفظ ومروج. وزير الخارجية كولن باول اضطر الى الدفاع عن رئيسه، لكنه حرص على التأكيد ان كلامه لا يعني استعداداً لغزو اي دولة، بل ان باب الحوار مفتوح. اما وزير الدفاع دونالد رامسفيلد فزاد التهديدات. وتولت مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس مهمة توبيخ من تجرأ من الحلفاء، مثل بريطانيا، على انتقاد لغة بوش. وذهب المستشار الامني الرئيسي لبوش ريتشارد بيرل الى حد القول في مؤتمر انعقد في المانيا: "استطيع ان اعدكم بأنه اذا كان علينا الاختيار بين حماية انفسنا من الارهاب ولائحة طويلة من الاصدقاء والحلفاء فسنحمي انفسنا من الارهاب". 

واستنفرت العبارة الدول الثلاث المعنية وأثارت استياء واسعاً وساد في العالم شعور قوي بأن بوش اعطى نفسه حق ضرب من يشاء وقت يشاء وبالتهمة التي يراها مناسبة من دون ابداء اي استعداد للاستماع الى وجهات نظر مختلفة، للحلفاء في الدرجة الاولى، في شأن الوقائع نفسها والاوضاع في الدول التي اختارها "محور شر" واسلوب التعامل معها. وفزع العالم من مخاطر الجنوح الاميركي نحو الطغيان ولا يزال يسعى الى اجوبة عن مجموعة من الأسئلة عما يجمع بين دول المحور المزعوم والأهم عما اذا كان خطاب بوش مجرد تصعيد كلامي يعزز عرض القوة امام العالم لكنه يستهدف اساساً الداخل الاميركي، ام اعلاناً لتغيير جذري في السياسة. ولا تزال الادارة الاميركية ترسل اشارات متناقضة وتبقي كل الاحتمالات مفتوحة. 

جاءت عبارة "محور الشر" قوية بقدر ما جاءت مضللة. ذلك ان لا تحالف قائماً فعلاً بين العراق وايران وكوريا الشمالية، بل ان العراق وايران لم يتجاوزا بعد آثار الحرب بينهما، كما ان الربط بين الارهاب وأسلحة الدمار الشامل ليس بالوضوح الذي اقامه بوش. فلكل دولة وضع خاص من حيث "دعم الارهاب" والتسلح وهذا ما تثبته المعلومات الرسمية الاميركية. 

"ارهاب" نسبي 

ففي موضوع دعم الارهاب مثلاً، يؤكد خبراء ادارة بوش ان كوريا الشمالية باتت خارج نطاق النشاط الارهابي منذ اكثر من عقد وان بقاء اسمها على لائحة وزارة الخارجية للدول الراعية للارهاب ليس الا شكلاً من اشكال الضغط الديبلوماسي عليها. 

اما العراق، وان تكن كلمة الارهاب تلتصق به في الحديث عن النظام، فان الأدلة على تورطه في نشاطات ارهابية محدودة جداً وثمة اجماع في واشنطن على ان دعمه للارهاب لا يتجاوز دعم مجموعات صغيرة معارضة لايران. وحتى في اعتداءات 11 ايلول لم يكشف الكلام عن لقاء قائد المجموعة محمد عطا ضابط استخبارات عراقيا في براغ اي دليل على تورط بغداد في الاعتداءات. 

لكن اتهام ايران بالارهاب يبدو أوضح في الموقف الاميركي. ذلك ان بوش يتهمها بدعم مجموعات تعتبرها واشنطن ارهابية هي "حماس" و"الجهاد الاسلامي" و"حزب الله"، بل انه جعل هذه المجموعات جزءا من "محور الشر". وأضيف الى هذا اقتناع أميركا بأن ايران كانت وراء باخرة الاسلحة "كارين آي" التي قالت اسرائيل انها كانت في طريقها الى السلطة الفلسطينية. 

وهذا التفاوت انما يجعل فرضية الارهاب ضعيفة ومليئة بالثغرات، كما يطرح تساؤلات عن اختيار هذه الدول من مجموعة لم تتزحزح اسماؤها في اللائحة الاميركية للارهاب منذ وضعت فيها. فلماذا كوريا وايران والعراق وليس سوريا وليبيا والسودان وكوبا، علما ان هذه الدول جميعها في ما عدا العراق نددت باعتداءات 11 ايلول؟ فأي مقياس اتبع بوش وهل كان درجة تعاون الدول مع اميركا في مكافحة الارهاب؟ ربما كان هذا ينطبق على بعض الدول، لكنه لا يعطي جوابا كافيا لان ايران تعاونت كثيرا مع اميركا في ترتيب الوضع الافغاني وكان انقلاب الموقف منها مفاجئا، ولان كوريا خارج هذا الاطار كليا. 

تسلح نسبي 

في موضوع سعي الدول الثلاث الى امتلاك اسلحة دمار شامل، قد تكون حجة بوش أقوى. فهو لا يحتاج الى من يثبت له طموحات النظام العراقي الى مثل هذه الاسلحة وقد استخدم في الماضي السلاح الكيميائي وامتنع عن ان يكشف للمراقبين الدوليين عناصر مهمة من برنامجه للأسلحة البيولوجية. وثمة أدلة على انه انفق مبالغ طائلة قبل حرب الخليج للحصول على مواد انشطارية لتصنيع السلاح النووي وانه لن يتأخر في السعي من جديد اذا استطاع، خصوصا انه يملك الخبرات. اما ايران، فتعتقد اميركا ان لديها مخزونا من الاسلحة الكيميائية منذ الثمانينات وقد اتهمتها أخيرا بانتاج عناصر بيولوجية حولتها اسلحة. والاهم هو خوفها من طموحاتها النووية اذ ترى واشنطن ان ايران تسعى بقوة الى امتلاك قدرة نووية تحت غطاء استخداماتها المدنية وانها تحصل على مساعدة كبيرة من روسيا والصين. في حين ان وضع كوريا الشمالية مختلف، ذلك ان الاعتقاد راسخ انها انتجت مواد كافية لانتاج قنبلة او قنبلتين نوويتين قبل تجميد برنامجها عام .1994 

العلاقة المنطقية: الصواريخ 

على ان العلاقة المنطقية الاقوى في جمع بوش الدول الثلاث في خانة واحدة تبدو التعاون في مجال الصواريخ. وهنا لا شك في ان كوريا الشمالية هي الاكثر ازعاجا لواشنطن لانها قطعت اشواطا في تطوير برامجها الصاروخية ولن تكون بعيدة جدا عن اختبار صاروخ عابر للقارات، ولان واشنطن تعتبر انها تحولت مندوب مبيعات لهذه البرامج انطلاقا من حاجتها الى العملة الصعبة وزودت ايران معدات وخبرات كثيرة وسبق لها ان تعاونت مع العراق. لكنها ايضا تعاونت مع غيرها من الدول التي تصفها واشنطن بأنها دول مارقة او حتى مع دول صديقة، وذات مرة طلبت من واشنطن مليار دولار سنويا في مقابل توقفها عن بيع الصواريخ من ايران وسوريا وليبيا ومصر وباكستان. 

وهذا انما يبقي بعض نقاط الضعف في تهمة امتلاك أسلحة الدمار الشامل. فعلى الاقل منذ 1998 عندما وضع وزير الدفاع الحالي دونالد رامسفيلد تقريرا عن حاجة اميركا الى نظام دفاع صاروخي وكان يومذاك رئيسا للجنة المكلفة وضع التقرير، حددت واشنطن على الاقل 25 دولة تمتلك اسلحة دمار شامل او تحاول امتلاكها وحددت الدول الاكثر ازعاجا واثارة للقلق وهي الدول السبع نفسها التي تضعها على لائحة الارهاب وتسميها دولا مارقة. لكنها حددت ايضا خمس درجات للتهديد لاميركا من اسلحة الدمار الشامل حلت فيها روسيا أولى والصين ثانية، فيما حلت كل من ايران والعراق وكوريا الشمالية ثالثة وبعدها باكستان والهند. وبالنسبة الى اميركا، فان كلا من كوبا وليبيا وسوريا والسودان تمتلك اسلحة كيميائية وان ليبيا، والى حد ما سوريا، حاولت امتلاك قدرة نووية وان ليبيا أظهرت اهتماما أكبر بالحصول على أسلحة باليستية. وكل هذا بالتعاون مع كوريا الشمالية. يضاف الى ذلك ان خطر التسلح نفسه قد يأتي من دول صديقة لأميركا. فهي تقول ان لدى مصر مخزونا من الاسلحة الكيميائية وقد تكون تطور اسلحة بيولوجية مع اظهار اهتمام بابحاث نووية وانها تعاونت أخيرا مع كوريا الشمالية لتطوير برنامج صاروخي. حتى ان واشنطن التي تعلم بحصول المملكة العربية السعودية على صواريخ متوسطة المدى من الصين في الثمانينات، تعتقد انها قد تكون امتلكت رؤوسا كيميائية وقد تابعت بدقة زيارة مسؤولين سعوديين لمنشآت صاروخية ونووية باكستانية. 

وطبعا لا تتوقف اميركا لحظة واحدة عند ما تكدّسه اسرائيل من اسلحة نووية تتجاوز 200 وما قد تنتجه من الاسلحة الكيميائية والبيولوجية، علما ان اسرائيل تبقي قدراتها هذه سرية وتنفتح اكثر في موضوع الصواريخ وخصوصا الصواريخ التي باعتها الصين الى السعودية والتي تولت اسرائيل تطوير دقتها. 

الصواريخ الارهابية ! 

لا شك في ان وضع كل هذه الدول وتسلحها لا يقارنان بالنسبة الى اميركا بوضع العراق وايران وكوريا الشمالية لانها دول حليفة او صديقة. ولكن حتى مسألة تطوير البرامج الصاروخية تثير لدى المراقبين ولدى منتقدي سياسة بوش تساؤلات كثيرة انطلاقا من تحليل فريق بوش لاختيار "محور الشر"، فهذا الفريق يعتقد ان التهديد الارهابي لن ينتهي قريبا وان اسامة بن لادن، بمعزل عن مصيره، اثبت ان القتل الجماعي قادر على ان يكون فعالا وان الخطوة التالية للارهابيين هي السعي الى الحصول على اسلحة دمار شامل وان الادارة التي ترى ان ثمة خطرا لاحتمال تعرضها لهجوم صاروخي عابر للقارات بعد 2015 اذا ما نجحت جهود "الدول المارقة" تريد ازالة اي احتمال لشمول العملية الارهابية التالية اسلحة دمار شامل. 

اما رد المنتقدين فيستند الى تحليلات ثابتة لدى وكالات الاستخبارات الاميركية مفادها ان الارهابيين لن يظهروا اهتماما يذكر بالصواريخ وانهم يفضلون في أي حال الحصول على صواعق صغيرة نووية او كيميائية او بيولوجية يمكن تهريبها والاستفادة من حجم الاضرار التي توقعها. ويقولون ان الدليل هو في طبيعة اعتداءات 11 ايلول. وعليه يخلصون الى ان الحظر القائم لا يمكن احتواؤه بالتهديد بل بضمان انضمام الدول التي تملك اسلحة دمار شامل الى المعاهدات الدولية ذات الصلة. وهذه وجهة نظر يؤيدها كثيرون ويعززها وضع هذه الدول مع اميركا في السنوات الاخيرة وخصوصا ايران وكوريا الشمالية. 

قوى اقليمية ممنوعة 

الا ان بوش نقل المواجهة الى مستوى آخر. صحيح ان ايران وكوريا الشمالية نظرتا طويلا الى الغرب بعين من الشك، الا انهما بذلتا في السنوات الاخيرة جهودا كبيرة للانفتاح عليه وان يكن وضعهما ليس متشابها. 

ففي حال ايران وعلى رغم قوة المتشددين، دفع الرئيس محمد خاتمي خلال سني حكمه ولو ببطء نحو تقارب مع اميركا كان يؤمل ان يؤتى نتائج قريبا وخصوصا بعد الاشارات الايجابية التي وجهتها ايران بعد 11 ايلول. فهي نددت بالاعتداءات وتعاونت مع اميركا لانجاز صيغة حكومة موقتة لافغانستان والتزمت اكبر مساعدة مالية لبناء هذه الدولة. بل تعهدت لاميركا انقاذ طياريها اذا اضطروا الى الهبوط في ايران. عمليا، كانت حليفا غير معلن لاميركا في افغانستان. لكن حسابات الادارة كانت على مستوى آخر. فهي تجاهلت كليا ان ايران لن تتخلى عن اي دور لها في افغانستان بحكم الجوار وانه لا بد من اخذ بعض مصالحها هناك في الاعتبار. وسرعان ما بدأت تتهمها بتخريب الوضع الداخلي الافغاني على رغم نفي طهران ذلك وبتسليح بعض امراء الحرب وفتحت دفاتر اخرى تبدأ باعتقاد واشنطن ان ايران ساهمت في التخطيط لتفجير الخبر عام 1996 ولا تنتهي بباخرة الاسلحة "كارين آي" تماما وفقا للاتهامات الاسرائيلية التي حدت القصة الى "حزب الله" واكدت ان الصفقة نسقها قريبون من اللبناني عماد مغنية المدرج اسمه على لائحة الارهاب الاميركية، او بموقف ايران المعارض لاسرائيل، او حتى باتهامات غريبة لها بدعم مقاتلي "القاعدة" وايوائهم وهي الدولة الشيعية التي تقف في طرفي نقيض مع "القاعدة" السنية والتي كادت تشن حربا عليها وعلى طالبان في .1998 ثم جاء وضع ايران في "محور الشر" ليتماشى ووجهة نظر المتشددين في الادارة مقارنة بالمعتدلين او الواقعيين الاقرب الى وجهة النظر الاوروبية والذين يرون ان مرحلة احتواء ايران انتهت وكان لا بد ان تبدأ مرحلة التعايش وان أي مآخذ على ايران لا تعالج الا بدعم خاتمي على رغم رفضه التخلي عن برنامج التسلح. وهكذا اعاد بوش الوضع مع ايران سنوات الى الوراء. 

ومع ان ايران حالة معقدة نظرا الى تركيبة نظامها والصراع بين الاصلاحيين والمتشددين، فان كوريا الشمالية ايضا حالة اخرى خاصة وان أقل تعقيدا. فبعدما انكشف امر البرنامج النووي لهذه الدولة عام 1993 ونجحت ادارة بيل كلينتون بالتعاون مع كوريا الجنوبية واليابان في الحصول على تعهد منها لتجميد هذا البرنامج عام ،1994 تغير وضع هذه الدولة. بدأت كوريا الشمالية ترى فوائد العمل مع دول اخرى وتمَّ الاتفاق على تزويدها مفاعلين نوويين لاستخدامات سلمية وتزويدها شحنات سنوية كبيرة من المحروقات الثقيلة الى حين انجاز المفاعل الاول، فبدأت ترى احتمال تحسن وضعها وربما دخولها تدريجا المجتمع الدولي. لكن اميركا تباطأت تدريجا ايضا في تنفيذ تعهداتها ووقفت المفاوضات بين الدولتين عند حدود بعض اجراءات الثقة وتوقفت عمليا في نهاية ولاية كلينتون. ومع تولي ادارة بوش السلطة، صارت آفاق المفاوضات مظلمة وخصوصا مع تركيز الادارة على برامج التسلح الكورية الشمالية وصفقات الصواريخ التي تعقدها وعلى التقدير ان هذه الدولة هي الوحيدة بين "الدول المارقة" القادرة على تطوير صاروخ عابر للقارات في غضون سنوات. وهكذا كذلك اعاد بوش العلاقات بين اميركا وكوريا الشمالية عقدا الى الوراء ولا شك في انه استنفر اليابان وكوريا الجنوبية اللتين تبذلان جهودا كبيرة لتقريب كوريا الشمالية منهما واللتين ستتعرضان للخطر الاكبر منها اذا توصلت الى استنتاج انها مهما فعلت لن تزيل اميركا عنها بطاقة الارهاب وانه في مثل هذه الحال قد يكون الافضل استخدام تلك البطاقة. وفي هذا التوجه الاميركي ايضاً كانت الغلبة لرأي المتشددين الذين يريدون اخضاع كوريا الشمالية بالقوة لانهم يعتبرون الاتفاق السابق مليئاً بالاخطاء ويرفضون ما يسمونه "سياسة ابتزاز" تتبعها. 

ومقارنة بوضع ايران وكوريا الشمالية، يبدو ان اعتبار العراق ضلعاً في "محور الشر" هو الاسهل لاميركا نظراً الى تاريخ العلاقة - طبعاً بعدما توصلت اميركا الى ان "ارهاب" العراق وبرامج تسلحه لم تعد تخدم اهدافها - والى حقيقة كون بوش يريد تصفية حساب لا يزال مفتوحاً مع صدام حسين. 

ويبدو ان ما يجمع الدول الثلاث ايضاً وربما يفسر وضعها في محور واحد هو ان كلاً منها يمتلك طاقات كبيرة ولديه ما يؤهله لان يكون قوة اقليمية كبرى يحسب حسابها، وان يكن الاصح في هذه المعادلة القول ان العراق لم يعد اكثر من نموذج لما يمكن ان يلحق بدول بمثل طاقاته اذا لم تخضع للقوة العظمى الوحيدة. 

ويبدو ان جمع ايران والعراق وكوريا الشمالية في خانة واحدة فيه شيء من كل الاحتمالات: شيء من الارهاب وشيء من التسلح وشيء من القدرة على التحول قوة اقليمية كبرى. ولكن الى اين سيؤدي هذا الطريق وماذا سيفعل بوش اذا كان الهدف النهائي ردع هذه الدول؟ 

العراق هدف سهل ولكن 

واضح حتى الآن ان العراق هو الهدف الاسهل لكل الاسباب المعروفة. وادارة بوش لا تفوت فرصة الا وتذكر بأنها تدرس خياراتها للتخلص من صدام، فيما يتحدث باول عموماً وفي اشارة خاصة الى ايران وربما كوريا الشمالية عن ان باب الحوار والتفاوض سيظل مفتوحاً. ولكن حتى ضرب العراق لم يعد امراً سهلاً. فكل التقديرات الاميركية تؤكد ان واشنطن ستحتاج الى تجريد حملة مثل "عاصفة الصحراء" لغزوه. وهذا يبدو شبه مستحيل من دون الحلفاء ومن دون جهود ديبلوماسية مشتركة تقتضي اولاً مراجعة للعقوبات على العراق وانتظار رفضه او تحديه او خرقه. وفي اي حال، ان اي تحرك اميركي سيزداد تعقيداً مع استمرار انتقاد الحلفاء وخصوصاً الاوروبيين المقاربة التبسيطية التي تعتمدها واشنطن في التعامل مع شؤون العالم. 

نظرة اخرى: برنامج الدفاع الصاروخي 

وثمة وجهة نظر تختلف كلياً في تحديد اهداف بوش. وهذه تقول ان قصة "محور الشر" تكمن اولاً واخيراً في برنامج الدفاع الصاروخي الذي تبلغ كلفته في السنوات المقبلة اكثر من 200 مليار دولار ولا يبرر اقراره الارهاب وحده، وانه كان لا بد من خلط الارهاب بأسلحة الدمار الشامل ليصير مقبولاً ادخاله في الموازنة. وقد حصل في موازنة تضمنت الانفاق الدفاعي الاعلى منذ 20 سنة. واضافة الى هذا يرون سببين آخرين لاندفاع بوش نحو التهديد والوعيد: الاول انه وجد بعد 11 ايلول معنى حقيقياً لرئاسته بعدما كانت الشكوك كبيرة في قدراته. ثم انه كلما بالغ بالاخطار التي تتعرض لها اميركا، استفاد من الدعم الشعبي الذي يميل الى اعطاء ثقة اكبر للجمهوريين في الدفاع عن البلاد، وتالياً فإن ما يفعله يزيد فرص فوزه بولاية ثانية لانه اذا كانت اميركا في حال حرب فإنها تحتاج الى رئيس للحرب ومن سيكون افضل من الذي بدأها؟ 

اياً تكن الاسباب، وقد تكون مزيجاً من كل شيء، فإن الوضع الذي اوجده بوش في العالم صعب وكثير التعقيد ولا يمكن التطلع اليه بتبسيط حتى لو كان نهج بوش تبسيطياً بل حتى لو كان ما قاله مجرد تصعيد كلامي. فهو لا يزال يقسم العالم قسمين، مع اميركا وضد اميركا. وهذا تماماً ما طبقه في اختيار "محور الشر"، ولا يزال يهدد ويتوعد وثمة خطر انه، حتى لو لم يكن ينوي التنفيذ، قد يتحول اسير تصلب مواقفه ويضطر الى التحرك لتبريرها. ولكن في اي اتجاه تحرك، لا يبدو انه سيقدر على الاستمرار بلا "فرقة تنظيف" تسير وراءه. 

الاتهــامــات الأميـــركيـة بامتلاك أسلحـة دمار شـامـل 

ترى الولايات المتحدة ان كلا من كوريا الشمالية وايران والعراق هي من الدول الانشط في العالم في امتلاك أسلحة الدمار الشامل وتخزينها ونشرها بما يهدد سلامة العالم والاراضي الاميركية. لذا فانها موضع قرارات اتهامية أميركية قد لا توافق دول اخرى واشنطن عليها أو على اسلوب التعامل معها. 

وهنا لائحة تستند الى تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إي" في تقريرها لكانون الثاني ،2002 والى تقديرات وزارة الدفاع الاميركية لكانون الثاني 2001 وكذلك الى تقرير لجنة رامسفيلد 1998 عن حاجة أميركا الى دفاع صاروخي: 
 

كـوريــــا الشماليــــة 

* القدرة النووية: 

لا جدل في واشنطن حول امتلاك كوريا الشمالية مخزونا من الاسلحة البيولوجية والكيميائية، بل يتركز الجدل حول قدرتها النووية. فقد ضبطتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1993 وقد بدأت برنامجا نووياً وانتجت كميات كافية من البلوتونيوم. ونجحت جهود ادارة الرئيس بيل كلينتون بالتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية في الحصول على تعهد من كوريا الشمالية لتجميد برنامجها النووي عام ،1994 لكن كمية البلوتونيوم التي انتجتها كانت كافية لترسيخ الاعتقاد انها قادرة على صنع قنبلة او قنبلتين نوويتين. 

* القدرة الكيميائية: 

لم توقع كوريا الشمالية معاهدة الاسلحة الكيميائية وهي تمتلك مخزونا كبيرا من هذه الاسلحة ووسائل انتاجها. 

* القدرة البيولوجية: 

لدى كوريا الشمالية برنامج ابحاث متطور للاسلحة البيولوجية وقد اختبرت الجمرة الخبيثة (انتراكس) والكوليرا والطاعون والجدري. وثمة اعتقاد انها حوّلت بعضها اسلحة يمكن استخدامها. 

* القدرة الصاروخية: 

- لديها برنامج متطور انتاجا وبيعا. فهي تملك المئات من صواريخ "سكود" و"نودونغ" القصيرة والمتوسطة المدى وتواصل تطوير صواريخ باليستية. اختبرت صاروخ "تيبو دونغ - 1" عام 1998 وقالت انه لاطلاق اقمار اصطناعية، الا ان أميركا استنتجت انه صاروخ باليستي. ومع انها أعلنت وقف التجارب حتى ،2003 فانها واصلت تطوير "تيبو دونغ - 2" وتيبو دونغ - 3" البعيدي المدى والقادرين على استهداف الولايات المتحدة وعلى حمل رؤوس نووية وذخائر تزن 10 آلاف كيلوغرام. وقد يكون "تيبو دونغ - 2" جاهزا للاختبار. 

- تولت دور المنتج والمصدر للصواريخ وتكنولوجيا الصواريخ. واستعدادها لبيع انظمة صواريخ كاملة او اجزاء منها مكّن دولا اخرى من امتلاك قدرات صاروخية بعيدة المدى لم تكن لتتوافر لها بغير ذلك، مثل بيع الصاروخ الباليستي "نو دونغ" المتوسط المدى من باكستان. كذلك ساعدت دولا اخرى على امتلاك الاسس التقنية لتطوير محلي للاسلحة كما حصل مع ايران التي عدلت هندسة "نو دونغ" لتطوير برنامجها الصاروخي "شهاب - 3". وهذا أوجد قدرة خطيرة ومباشرة على استهداف القوات الاميركية وحلفائها في الشرق الاوسط. 

هذه المبيعات اخلت بالتوازن الاستراتيجي في الشرق الاوسط وجنوب آسيا، وقد تؤدي الى مزيد من انتشار الاسلحة. فمثلا لو صارت دول مثل ايران وباكستان منتجة للصواريخ، لامكنها بيعها من دول اخرى في فئة الدول المثيرة للقلق، مما سيزيد التوازن اختلالا. 

- تعتمد كوريا الشمالية على بيع هذه الاسلحة ليكون مصدرا رئيسيا للدخل لديها بالعملة الاجنبية. 
 

ايـــــران 

* القدرة النووية: 

- تسعى ايران الى الحصول على مواد انشطارية عبر مؤسساتها المدنية والعسكرية ولديها هيكلية منظمة مهمتها تطوير الاسلحة النووية من طريق امتلاك قدرة على انتاج الاورانيوم المخصب والبلوتونيوم. 

- تواصل بناء المفاعل النووي في بوشهر والذي سيخضع لمقاييس الحماية للوكالة الدولية للطاقة الذرية وتدعي رغبتها في اقامة نظام فوري كامل للطاقة، لكنها تحت هذا الستار تسعى الى الحصول على تسهيلات من الخارج تمكنها من استخدام كل الوسائل لدعم برنامجها النووي. وثمة خطر ان يساعد احتمال وجود مواد انشطارية في السوق السوداء في حصولها على ما تريد. لكن نجاحها في التوصل الى هذه القدرة يعتمد الى حد كبير على مساعدات روسيا والصين. والنشاط مستمر بين مراكز الابحاث الايرانية والمنشآت الروسية. 

- ايران لا تمتلك بعد سلاحا نووياً، لكنها قادرة على امتلاكه في نهاية العقد وربما أبعد من ذلك قليلا. 

* القدرة الكيميائية: 

- مع انها عضو في معاهدة الاسلحة الكيميائية منذ ،1997 يعتقد ان لدى ايران مخزونا من الاسلحة الكيميائية ومنشآت لانتاجها على الاقل منذ الثمانينات خلال حربها مع العراق. 

* القدرة البيولوجية: 

- لدى ايران صناعة بيوتقنية نامية وتكفي لتشكل البنية التحتية لبرنامج تسلح بيولوجي يعتقد انها بدأته في الثمانينات. 

- تبذل جهودا للحصول على مواد ذات استخدام مزدوج ومعدات وخبرات من الخارج وخصوصا من روسيا واوروبا الغربية تحت ستار الاستخدام المدني. ويعتقد ان هذه المواد يمكن تطبيقها على برنامج التسلح البيولوجي. 

* القدرة الصاروخية: 

- جردة الصواريخ الايرانية هي من أطول الجردات في الشرق الاوسط وتشمل صاروخ "شهاب - 3" المتوسط المدى وبضع مئات من الصواريخ القصيرة المدى وخصوصا من طراز "سكود" الذي تطوره وتنتجه بمساعدة من كوريا الشمالية. وقد وفرت لها ايضا كل من روسيا والصين تكنولوجيا ومعدات وخبرات.

- تركز منذ سنوات على برنامج الصواريخ الباليستية وتسعى الى الحصول على "تيبو دونغ 2" الكوري الشمالي الذي سيعزز قدرتها في الصواريخ البعيدة المدى وربما اختبرت واحداً سنة .2015 

- تركز على "شهاب - 3" (1300 كيلومتر) وقد عرضته للمرة الاولى في تموز 1998 وكتبت على الحاملة "لا تستطيع اميركا ان تفعل شيئا" و"سنزيل اسرائيل عن الخريطة"، ولديها الآن قدرة على نشر اعداد محدودة منه. وتطور "شهاب - 4" الذي قالت اولا انه صاروخ باليستي ثم اعلنت انه صاروخ لاطلاق أقمار اصطناعية ولا استخدامات عسكرية له. وتحدثت عن تطوير "شـهاب - 5" الذي ربما كان صاروخا عابرا للقارات أو لاطلاق اقمار اصطناعية. 

- يرجح ان تتوصل الى تطوير صواريخ عابرة للقارات قادرة على استهداف اوروبا الغربية والولايات المتحدة. ويمكنها محاولة اطلاق صاروخ عابر للقارات في نهاية العقد الاول من هذا القرن. 
 

العــــــراق 

* القدرة النووية: 

- تواصل حكومة صدام حسين تخصيص موارد كبيرة لبناء اقسام محددة من برنامج يركز على صواعق انشطارية على رغم ان الطموحات النووية للعراق كانت خاضعة للرقابة بين 1991 و1998 وقد أزيلت منه كل المواد الانشطارية. 

- على رغم ادعائه انه دمر كل المعدات والمنشآت المفيدة لتطوير اسلحة نووية، لا يزال العراق يحتفظ بمهارات كافية وبعلماء ذوي خبرة ومهندسين ومعلومات لتصميم الاسلحة تسمح له باعادة اطلاق برنامجه النووي. 

- يحتاج العراق الى خمس سنوات او اكثر والى مساعدة خارجية اساسية لاقامة بنية تحتية تنتج مواد كافية للاسلحة النووية. ويمكن اختصار هذه المدة اذا نجحت بغداد في الحصول على مواد انشـطارية من مصدر خارجي. 

- كان لدى بغداد برنامج مركز لتطوير سلاح نووي للاستخدام الصاروخي في ،1990 الا ان القصف والرقابة اعاقا هذه الجهود. واذا لم يخضع العراق لاي ضوابط فانه يحتاج الى بضع سنوات فقط لانتاج مواد انشطارية من اجل صنع سلاح نووي. 

* القدرة الكيميائية: 

- منذ حرب الخليج اعادت بغداد بناء اجزاء من البنية التحتية الانتاجية للصناعة الكيميائية. ويمكن تحويل بعض المنشآت بسرعة مصانع للاسلحة الكيميائية. 

- بعد عملية "ثعلب الصحراء" (1998) اطلقت بغداد جهودا لاعادة بناء المنشآت التي دمرها القصف الاميركي وخصوصا مجمعات انتاج خطيرة ومنشآت سابقة لانتاج كيميائي ذي استخدام مزدوج، اضافة الى ذلك يبدو انها تصلح معدات ذات استخدام كيميائي مزدوج. 

- معروف سابقا ان العراق انتج وخزن غازات الخردل و"سارين" و"في اكس" ولا يزال ربما يخبئ بعضها. 

- يملك العراق الخبرات الكافية وما ان يتخذ قرارا باعادة انتاج العناصر الكيميائية، فانه يستطيع ذلك في غضون اسابيع او اشهر، لكنه يحتاج الى مساعدة خارجية. 

* القدرة البيولوجية: 

- لا يزال يرفض الكشف كليا عن حجم برنامجه البيولوجي مما يدل على احتفاظه بقدرات بيولوجية. 

- اعترف سابقا بانتاج "انتراكس" وسموم البوتولينيوم. وتعتقد الامم المتحدة انه انتج كميات قد توازي اربعة اضعاف ما اعترف به. كما تعتقد انه يمكن العراق اعادة بناء قدراته في الاسلحة البيولوجية في غضون أسابيع او اشهر. وفي غياب الرقابة عليه منذ 1998 ثمة قلق من احتمال انتاجه عناصر بيولوجية. 

* القدرة الصاروخية: 

- لا يزال يحتفظ بعدد محدود من منصات اطلاق صواريخ "سكود" قادرة على ضرب جيرانه، اضافة الى اجزاء ووسائل انتاج. ويمتلك رؤوسا قادرة على حمل مواد كيميائية وبيولوجية. ومع ان البنية التحتية لانتاج الصواريخ دمرت خلال عملية "ثعلب الصحراء"، فانه لا يزال يحتفظ بخبرات محلية وما يكفي من البنية التحتية لانتاج الصواريخ. 

- واصل خلال 1999 العمل على نظامي صواريخ باليستية قصيرة المدى، منها صاروخ "الصمود" وهو يعمل على برنامج صاروخ "ابابيل - 100"، وما ان ترفع العقوبات عنه واذا لم يخضع لرقابة، فانه سيبدأ على الارجح تحويل جهوده الى انظمة الصواريخ البعيدة المدى. ولديه طموحات الى تطوير صواريخ عابرة للقارات واذا تمكن من ذلك فسينجز واحدا منها بحلول .2015 

- ان هدف العراق ان يكون قوة اقليمية مهيمنة وعلاقاته العدائية مع الكثير من جيرانه هي وراء برنامجه للصواريخ الباليستية. وقد حافظ على البنية التحتية والخبرات اللازمة لتطوير الاسلحة ولديه صواريخ ومنصات اطلاق ومعدات للانتاج وسيركز في السنوات المقبلة على استعادة قدراته في مرحلة ما قبل حرب الخليج ليهدد اهدافا اقليمية وقد لا يتجاوز حدود الصواريخ المتوسطة المدى. 

- سيستخدم على الارجح خبراته في تكنولوجيا "سكود" لاعادة انتاج صاروخ "الحسين" (650 كيلومترا) و"العباس" (900 كيلومتر) وغيرهما من اشكال "سكود". 

- يمكنه بمساعدة خارجية اساسية ان يختبر صاروخا متوسط المدى في غضون خمس سنوات او بحلول .2010 

- اذا رفعت القيود الدولية المفروضة عليه، سيسعى الى الحصول على محركات صاروخ "تيبو دونغ - 2" من كوريا الشمالية. 

- يستبعد ان يختبر صاروخا عابرا للقارات يهدد الولايات المتحدة قبل 2015 حتى لو رفعت القيود الدولية عنه او خففت الى حد كبير في السنوات المقبلة. لكن المساعدة الخارجية له هي عامل مهم في تحديد الوقت. 

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic