أي قمة يريدها لبنان .. وماذا تريد أميركا؟

فيصل سلمان

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 25 شباط / فبراير 2002

 

واشنطن تؤكد على أوروبا إدراج “حزب الله” على لائحة الإرهاب 
هل يأتي عرفات إلى بيروت .. ويبقى فيها ضيفاً على الحكومة؟ 

     ذا كانت كل الطرق تؤدي إلى روما، صار من الضروري السؤال: إلى أين ستنطلق بعدما تصل إلى روما وأي الطرق ستختارها للوصول إلى هدفك؟ 

إيطاليا كانت ولعلها ستبقى إلى أجل طويل، بوابة العرب إلى أوروبا. ثمة تقارب ملحوظ في الشكل وفي العادات وفي التقاليد، وبعيدا عن المملكة القوية التي أسسها العرب في جزيرة صقلية حين احتلوها فاتحين (1000 1250 ميلادية) فإن هذا البلد القريب من الشرق الأوسط العربي مرشح لأن يلعب الدور الأبرز، بعد فرنسا، في التأسيس لتسوية يرتاح إليها الصراع العربي الإسرائيلي. 

أوروبا هي اليوم، رهان العرب. يسعى الأوروبيون إلى جمع شملهم وتناسي خلافاتهم وحروبهم الماضية، والمضي قدماً في تكوين قوة اقتصادية، في المقام الأول، تواجه الهيمنة الأميركية على العالم، ويسعى العرب، في ما يشبه التسلل، إلى الاحتماء بالظل الأوروبي تخففاً من حرارة التأييد الأميركي المطلق لإسرائيل. 

يدرك الأوروبيون أن المواجهة بينهم وبين الولايات المتحدة ستكون قاسية وقاسية جداً، وملامحها بدأت في الظهور منذ ما قبل الإعلان عن توحيد العملة الأوروبية وولادة “اليورو” وصولاً إلى ما بعد 11 أيلول الدامي وانطلاقة المارد الأميركي من قمقمه حاكماً بأمره فوق الكرة الأرضية. 

ستحاول واشنطن فرط عقد الاتحاد الأوروبي، باستمالة بعض الدول الأوروبية حيناً، أو بإلحاق بعضها الآخر بسياستها، تماماً كما هو الحال اليوم حيث تتمنع دول أوروبية عن إلغاء عملتها واعتماد “اليورو” وحيث تسعى دول أخرى إلى مزيد من تأييد السياسة الأميركية في العالم. 

غير أن الحرب الخفية الدائرة ستكون هي الحرب بين الدولار و”اليورو”، وأميركا التي ستخسر حوالى سبعمائة مليار دولار سنويا من سياسة التسعير العالمي، بعد قيام “اليورو” واستقراره عملة تسعير عالمية، ستجهد لإضعاف أوروبا كلما اقتربت هذه من الوحدة الكاملة. 

بين الحين والآخر، تعبّر دولة أوروبية أو أكثر، عن تململها من السياسة الخارجية الأميركية، كما تعبّر عن ذلك اليابان، والصين وحتى روسيا، وبين الحين والآخر، تتمرد دول أوروبية على أوامر أميركية تستهدف إذلال أوروبا وإجبارها على اختيار ما تراه واشنطن مناسبا. 

تعرف أوروبا أن عليها السعي للحفاظ على مصالحها في الشرق الأوسط، وتحديدا مع العالم العربي، وتبدي انزعاجا شديدا من التأييد الأميركي الأعمى لإسرائيل، ولذا هي تحاول بين فترة وأخرى الهروب إلى قرارات الأمم المتحدة أو إلى مبادرات تسارع واشنطن إلى خنقها في المهد. 

لن يصل الأمر، إلى حرب أو إلى قطيعة بين أوروبا والولايات المتحدة، ولكن، لم يعد عند العرب ما يخسرونه، ولذلك هم يتقربون من أوروبا وسيتقربون أكثر طالما أوغلت واشنطن في تأييد إسرائيل. 
العرب عربان 

والعرب في هذا، عربان. عرب أميركيون وعرب أوروبيون. عرب لا يجرأون على إغضاب أميركا، وعرب ينسجون علاقات صعبة مع أوروبا من دون إغضاب واشنطن، وهذا الوضع سيبقى على ما هو عليه “حتى يقضي الله أمرا كان مقضيا”. 

وأوروبا أيضا في هذا، أوروبتان. ثمة دول أوروبية لا تجرؤ على إغضاب أميركا ولا يعنيها أمر العرب في شيء. وثمة دول أخرى “تناضل” من أجل أوروبا موحدة، قوية وقادرة على التخلص من الهيمنة الأميركية، وحماية مصالحها في الشرق الأوسط، أقله بموقف عادل ما بين العرب وإسرائيل. 

تأتي فرنسا في مقدمة الدول الأوروبية الساعية إلى حل عادل للصراع العربي الإسرائيلي، تليها إسبانيا، وبلجيكا وتبدو إيطاليا أقرب إلى هذا المحور مع قليل من التردد، فيما تأتي بريطانيا في مقدمة الدول الأوروبية المطيعة لواشنطن تليها ألمانيا (التي تحاول عبثا التمرد) ثم الدول الاسكندنافية وتتميز هولندا بدعمها لإسرائيل غير عابئة برد الفعل العربي. 

منذ أشهر حاولت فرنسا التحرك فطرحت مبادرة سعت إلى جعلها “أوروبية” لحل بين الفلسطينيين وإسرائيل، وكانت المفاجأة أن الرفض جاء من أوروبا وليس من واشنطن. 

واليوم حين تتحضر دول الاتحاد الأوروبي للاجتماع في 17 آذار المقبل، تتحضر واشنطن لممارسة شتى أنواع الضغوط، يساندها حلفاؤها الأوروبيون، لإفراغ أي مبادرة أوروبية من مضمونها. 

المبادرة الفرنسية 
تقول المعلومات الدبلوماسية إن المبادرة الفرنسية السابقة كانت تقوم على الآتي: 
1 الاعتراف بدولة فلسطينية يكون رئيسها ياسر عرفات. 
2 إجراء انتخابات فلسطينية وقيام حكومة فلسطينية برئاسة محمود عباس. 
3 إجراء مفاوضات بين الحكومة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية على خلفية توصيات لجنة ميتشل وتقرير تينيت. 
4 تعهد الأطراف بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية. 

وفيما لا يمكن تأكيد “حرفية” بنود هذه المبادرة، تقول المعلومات الدبلوماسية إن الذي عارض هذه المبادرة وعمل على “تنفيسها” لم يكن من خارج أوروبا، وتحديداً كانت بريطانيا وهولندا والدانمرك. 

وتعيد مصادر دبلوماسية إلى الأذهان، ما حققته فرنسا داخل المجموعة الأوروبية، حين رفضت “إطاعة الأوامر الأميركية الإسرائيلية” وامتنعت عن إدراج اسم “حزب الله” على لائحة المنظمات الإرهابية. 

وتقول المصادر إن فرنسا تعرضت بعد ذلك لضغوط أميركية ملحوظة، فيما تفردت بريطانيا بالتصميم على إدراج اسم “حزب الله” في لوائحها الخاصة. 

والأهم في ما تقوله المصادر إن الاتحاد الأوروبي “تبلغ من قنوات دبلوماسية أميركية مسؤولة” رغبة واشنطن في أن تلتزم القمة الأوروبية المقبلة بالقرار الأميركي إدراج اسم “حزب الله” على لائحة المنظمات الإرهابية كما بإدراج دول “محور الشر” وهي في التعريف الأميركي، إيران والعراق وكوريا الشمالية. 

وفي المعلومات أن رئيس الدورة الأوروبية الحالية، أي إسبانيا (التي تنتهي ولايتها في حزيران المقبل) أبلغت الإدارة الأميركية رفضها إدراج المطلبين المذكورين على جدول أعمال القمة الأوروبية المقبلة. 

وسيكون على الدول العربية أن تواجه موقفا صعبا حين تتولى الدانمرك رئاسة الاتحاد الأوروبي بعد حزيران، فيما تبدو ملامح المعركة الانتخابية الرئاسية في فرنسا مشوشة مع تقدم بسيط للرئيس جاك شيراك، الذي وإن كانت واشنطن لا تستطيع التدخل لإسقاطه لمصلحة رئيس الحكومة ليونيل جوسبان البروتستانتي، إلا أنها ستكون سعيدة إذا سقط وخرج من الحلبة أحد أهم أصدقاء العرب. 

ضغوط على سوريا 
في هذا السياق، تقول المعلومات الدبلوماسية، تتواصل الضغوط الأميركية على سوريا، باتهامها ساعة بأنها تدعم “حزب الله” واتهامها ساعة أخرى أنها تدعم الإرهاب في العالم، وتهددها بطرق ملتوية بإعادة إدراج اسمها على لائحة الدول الراعية للإرهاب ما يسمح بإخراجها من عضوية مجلس الأمن. 

ثم تتواصل هذه الضغوط، بالإشارة إلى التعامل النفطي القائم بين سوريا والعراق، أو التعاون الأمني بينها وبين إيران، أو التعاون العسكري مع كوريا الشمالية. 

تهدف هذه الضغوط، كما غيرها، إلى محاولة إرضاء إسرائيل وحمايتها، وتبدو واشنطن مندفعة وراء هذا المطلب الإسرائيلي من دون تقدير عواقب ضغوطها على لبنان. 

وتقول المصادر إن تلك الضغوط كادت تصل إلى مرحلة “التبشير بانهيار لبنان اقتصاديا” بعدما كانت واشنطن قد ضغطت لتأجيل انعقاد مؤتمر “باريس 2” وبعدما كانت أعطت الضوء الأخضر لبعض المؤسسات المالية العالمية لوقف تقديم المساعدات والقروض وحتى النصائح المفيدة لبيروت. 

وترى هذه المصادر ان الضغوط الأميركية هذه ستستمر بشكل أو بآخر، على أوروبا وعلى الفلسطينيين وعلى سوريا وعلى لبنان. 

فواشنطن لن ترتاح قبل أن تخضع أوروبا، وهي ستواصل تأييد إسرائيل حتى يوافق الفلسطينيون على ما يرضي إسرائيل تماما، فيما تهديداتها لسوريا ولبنان لن تتوقف حتى القبول بالحل الإسرائيلي للقضية الفلسطينية وحتى التخلي عن المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 4 حزيران 1967 وإعلان الموافقة على اعتبار “الخط الأزرق” تنفيذا دقيقا للقرار 425. 

القمة العربية 
آخر هذه الضغوط، وليس الأخير، هو ما تشهده المجالس الدبلوماسية العربية واللبنانية بشأن القمة العربية المزمع انعقادها في بيروت أواخر الشهر المقبل. 

ولهذا قصة تطول ولا تنتهي عند حدود البيان الختامي المتوقع صدوره عن الملوك والقادة العرب، والقصة التي تبدأ من التشكيك المتواصل بانعقاد القمة فعلاً، تتنقل فصولها ما بين محاولات يقوم بها فريق لبناني للإيحاء بعدم الاستقرار في بيروت، وما بين محاولات تقوم بها جهات عربية لإفراغ القمة من مضمونها الأساسي. 

يريد بعض العرب من القمة الضغط من أجل علاقات غير معادية للولايات المتحدة، ويريد بعضهم الآخر القفز عن دعم الانتفاضة الفلسطينية فيما يريد بعضهم الثالث تجاوز المطالبة اللبنانية والسورية بتنفيذ القرارات الدولية 242 و338 و425. 

تبدو الأكثرية العربية غير راغبة في رفع مستوى الصراخ في وجه واشنطن وإسرائيل، ولبنان وسوريا في تمسكهما بضرورة الانسحاب الإسرائيلي الشامل من الأراضي العربية سلما أو حربا (كما حدث في الجنوب) لن يجدا إلى جانبهما غير العراق وليبيا. 

هذا من جهة، أما من الجهة الثانية، فقد يتوجب على المسؤولين اللبنانيين (والسوريين) أن يقلقوا من احتمال تزايد الضغوط الأميركية على بعض الزعماء العرب حتى لا يحضروا القمة شخصيا. 

لهذا أجرى رئيس الجمهورية إميل لحود اتصالات مع جميع القادة العرب، ولهذا يواصل رئيس الحكومة رفيق الحريري تحركاته، ويواظب وزير الخارجية محمود حمود لقاءاته مع السفراء والموفدين العرب. 

ومع ذلك تميل التوقعات إلى احتمال غياب الرئيس حسني مبارك، الذي تروّج مصادر دبلوماسية عربية إلى إمكانية غيابه احتجاجا على عدم حضور ياسر عرفات (إذا لم تسمح له إسرائيل بالسفر). 

غير أن مصادر أخرى تشير إلى نية مبارك الحضور شخصيا، وإلى سعيه إقناع الزعيم الليبي معمر القذافي المرور إلى القاهرة والسفر معا إلى بيروت. 

والتضارب الصارخ بين الاحتمالين يزيد من تعثر نجاح القمة. 

وإلى مبارك، تتواصل الاتصالات مع عاهل المغرب محمد السادس المرتبط بمناسبة عرس ملكية، فيما لا أحد يتوقع حضور السلطان قابوس، ولا أمير الكويت (ولا حتى ولي العهد) ولا رئيس الإمارات الشيخ زايد ولا الرئيس العراقي صدام حسين، ولا القذافي. 

وتشير المعلومات إلى أن الاتصالات المرتبطة بالبيان الختامي، بدأت منذ فترة، وهي تتمحور، كما سبق ذكره، بين موقف يدعو إلى مهادنة واشنطن وموقف يؤكد على حق تحرير الأرض وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية. 

في هذا الإطار، جرت اتصالات لبنانية سورية ينتظر أن تستكمل خلال الأسبوعين المقبلين، عبر زيارة يقوم بها وزير الخارجية السورية فاروق الشرع إلى بيروت، وتستمر مشاورات المسؤولين اللبنانيين (لحود والحريري بري، الحريري وحمود). 

غير أن أكثر ما يقلق المسؤولين في لبنان هو ما تبلغوه من مصادر أجنبية، نقلاً عن مصادر أميركية، وبصفة غير رسمية، ويقول إن إسرائيل قد تسمح لعرفات بحضور قمة بيروت، غير أنها لن تسمح له بالعودة. 

والسؤال الذي يترتب على ذلك هو: ماذا لو قال عرفات إنه سيعتبر نفسه ضيفاً على الحكومة اللبنانية وبقي في بيروت؟ 

يدرك المسؤولون في لبنان أهمية انعقاد القمة ومتفرعاتها وخصوصا تلك المرتبطة بما تريده واشنطن وبما تحاول إسرائيل فرضه بالقوة، وسيكون عليهم عدم إغضاب زعماء الخليج ولا مصر ولا الأردن ولا المغرب من دون التفريط بمواقفهم المبدئية المرتبطة بالأرض وبالمعتقلين في سجون إسرائيل. 

حتى ذلك الحين، وحتى يصدر البيان الختامي عن القمة الأوروبية، وحتى تنجلي صورة الوضع في الأرض المحتلة.. يخلق الله ما لا تعلمون.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic