لهذه الأسباب الأردنية والاقليمية
دخل "حزب الله" المعادلة بالكاتيوشا

ابرهيم بيرم
جريدة النهار (لبنان)

الإثنين، 11 آذار / مارس 2002

 

     هل كان افصاح الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الجمعة الماضي عن عملية شرع فيها الحزب عمليا لايصال صواريخ "كاتيوشا" الى المقاومين الفلسطينيين عبر الاردن، ولم تكتمل فصولها لان السلطات الامنية الاردنية اعتقلت المنفذين هو من باب تعويض قصور الحزب عن تحريك الوضع على جبهة مزارع شبعا في مواجهة ضغوط وظروف محلية ودولية كبيرة". 

الجديد في حديث نصرالله عن الموضوع لم يكن العملية في ذاتها، واعتقال السلطات الاردنية القائمين بها. فقد أماطت الصحف الاردنية اللثام عنها قبل نحو ثلاثة اسابيع على الاقل، ونشرت بعضا من تفاصيلها، ثم ألقت صحف لبنانية بعض الاضواء عليها، بل الجديد هو اعلانه ان هدف العملية ايصال نوع محدد من السلاح هو صواريخ "كاتيوشا" ليكون ادخالها معركة المواجهة الدائرة بشراسة بين الفلسطينيين واسرائيل منذ عام وسبعة اشهر، مدخلا لاحداث تغيير ميداني وان نسبيا في مسار هذه المواجهة لمصلحة الجانب الفلسطيني، على غرار دور هذا السلاح في المواجهات التي دارت على جبهة الجنوب اللبناني، على حد تعبير نصرالله نفسه. 

وبحسب المعلومات المستقاة من اكثر من جهة، فان الحزب ما كان يعتزم الدخول في مواجهة سياسية مع النظام الاردني بدأت فصولها اول من امس مع رد أردني غير رسمي على كلام نصرالله، لو ان الاتصالات التي اجريت على أكثر من مستوى في خلال الفترة التي انقضت على اعتقال المكلفين الاربعة القيام بالعملية، نجحت في دفع سلطات عمان الى اطلاقهم، او معاملتهم بالتي هي أحسن وخصوصا بعدما تلقى الحزب معلومات عن تعرضهم لتعذيب جسدي ونفسي. 

وما فعل فعله لدى قيادة الحزب هو ان الاردنيين لم يظهروا منذ عملية الاعتقال مرونة او تجاوبا حيال الموضوع، بل على العكس تناهت الى هذه القيادة اشارات مفادها ان في الامكان ربط الموضوع كله بموضوع الاسرى الاسرائيليين لدى الحزب، مما يشكل عامل ضغط قوي على الحزب قد يبدد الى حد كبير أهمية هذه الورقة التي يمسكها بقوة. 

واللافت في هذا الموضوع ان السوريين رغم علاقتهم الوثيقة بالحزب، لم يدخلوا حتى الآن طرفا على خط الوساطة. وثمة معلومات اولية افادت انهم فوجئوا بالموضوع كله. 

ومهما يكن من أمر تفاصيل العملية كلها وجزئياتها، وتداعياتها، فالواضح ان الدعم المكشوف الذي يقدمه "حزب الله" الى الانتفاضة الفلسطينية، والذي يصل الى حدود الترابط العضوي معها، وهو أمر لا يمكن الشك فيه استنادا الى الارث العقيدي والسياسي والجهادي للحزب، بحيث ان الحزب ليس في حاجة الى دليل او "معركة صغيرة" مع هذه الجهة او تلك لاثبات انخراطه الكلي في المعركة الى جانب الفلسطينيين، باعلانه "رسميا" هذه العملية له مدلولاته وابعاده في هذه الفترة بالذات حيث يصعّد رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون من هجمته على الفلسطينيين واصلا الى مشارف ما كان دائما يخشى منه وهو عملية التهجير الجماعي لأكبر كمّ من الكتلة البشرية الفلسطينية. 

فلم يعد سرا ان الحزب منذ الانسحاب الاسرائيلي من القسم الاكبر من الاراضي اللبنانية المحتلة في الجنوب بنى كل استراتيجيته على اساس دعم الانتفاضة ورفدها بكل اسباب الاسناد ووضع لذلك برنامجا طويلا عريضا يبدأ بتعهده وضع ترسانته من صواريخ الكاتيوشا المنتشرة على طول الحدود الجنوبية، لخدمة الانتفاضة وبالتالي فهي لن تبقى على ثباتها وبرودتها في حال تجاوزت الهجمة الشارونية الخطوط الحمر، اذ تسقط كل المحرمات. 

لذا، فان كلام نصرالله يحمل في طياته احتمالات عدة منها ان الحزب يمكن ان يكون قد سبق له ان نجح في ايصال كميات من الاسلحة الى الفلسطينيين، ويمكن ايضا ان لا تكون المحاولة التي كشف عنها هي الاخيرة، ولان الحزب اطلق منذ زمن هذه التعهدات الصعبة، امام الفلسطينيين وسواهم، فان السؤال الذي يطرح عليه يصير اكثر الحاحا كل يوم، وتحديدا مع كل هجمة غير عادية من الجانب الشاروني مثل هجمة "الجمعة الاسود" هو أين انتم؟ ماذا انتم فاعلون؟ 

وعليه فان الحزب، الذي يدرك خطورة تحريك الوضع على جبهة مزارع شبعا وخصوصا بعد سيل الضغوط الاميركية على بيروت، والتي وصلت الى حد التهديد المباشر، رد في الوقت المناسب، وفحوى هذا الرد انه ليس غائبا عن الفعل الخفي، الذي تخطى هذه المرة حدود الساحة اللبنانية، ليلج في عمق المعادلة الاقليمية ولو على نحو المبسط (تهريب سلاح) ولكنه الاكثر خطورة وتحديا. 

ولكن لماذا تأخر فعل الحزب (ايصال الصواريخ) الذي يرى انه يستهدف احداث تغييرات في المعادلة العسكرية داخل فلسطين المحتلة، الى هذا الوقت بالذات اي بعد مضي أكثر من سنة ونصف على اندلاع الانتفاضة الفلسطينية؟ 

طوال هذه الفترة لم يكن الحزب غائبا عن المشهد، فبصماته الميدانية كانت تبرز بين الحين والآخر، حسب اعتراف الاسرائيليين انفسهم، وفي الخفايا تفاصيل كثيرة يرفض الحزب بطبيعة الحال الافصاح عنها لاعتبارات ودواع عدة، ولكن الحزب كان دائما رهن الاشارة الفلسطينية، فهو لا يمكنه اقحام نفسه مباشرة في المعركة التي لا يعرف الا الفلسطينيون مسالكها وشعابها، وما يمكن ان تضفي اليه التطورات الميدانية والسياسية لانه مساند ورديف وليس الاصيل والمباشر، ولانه أولا وأخيرا يعتمد على حكمة الفلسطينيين وروحهم الجهادية التي لا حدود لها. 

انطلاقا من كل هذا، فان قراءة الحزب لمآل المعركة في فلسطين، صار مبنيا على اساس ان لا عودة الى الوراء، وانها خرجت الى حد لا يستهان به عن نطاق الاستيعاب العسكري الاسرائيلي والضغط السياسي الاميركي الذي كان له منه النصيب الوافر بعد احداث 11 ايلول، والذي كان بهدف واحد أوحد وهو ابعاده كليا عن ساحة التواصل مع الانتفاضة وفعلها المتنامي، وعلى مقتضى هذا الوضع المترسخ يوميا يبني الحزب بتكتيكات جديدة، من معالمها العمل بجهد ودأب لادخال صواريخ الكاتيوشا لتصير في قبضة المقاومين الفلسطينيين، وهو أمر وان يكن يتجشم القائمون عليه أخطارا جسيمة، فان نتائجه الميدانية والسياسية اكثر من ان تحصى على المستوى العربي العام.

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic