هل تحتاج الانتفاضة دعماً معيناً الآن أم تدخلاً عسكرياً مباشراً؟
حسابات “حزب الله” الكبرى: المبادئ لا تلغي الحسابات السياسية

إبراهيم الأمين

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 13 آذار / مارس 2002

 

     “يقف مقاوم من “حزب الله” على إحدى النقاط الحدودية، ويطلق من بندقيته رصاصة قاتلة ضد مستوطن أو جندي يتجول بالقرب من المستوطنات القائمة على طول الشريط الحدودي مع لبنان، وبعدها تقوم الطائرات أو المدفعية الإسرائيلية بإطلاق نار بصورة مضادة، فتكون المقاومة جاهزة للقيام بحملة عسكرية تشمل كل الحدود. وفي لحظة واحدة تشتعل الجبهة الشمالية وتنشغل إسرائيل بحرب أقسى من التي تخوضها في الجنوب ضد الفلسطينيين، وساعتها تقع إسرائيل بين فكي كماشة: المقاومة ذات الكثافة النارية في الشمال والقنابل البشرية القاسية في الجنوب”! 

يبدو هذا السيناريو حاضراً في أذهان كل الراغبين من “حزب الله” أن يقوم بعمل كهذا، لأجل فتح الجبهة الشمالية، لكنه تعبير عن خيال فقير. فلا إشعال الجبهة يحتاج إلى مناورة كهذه، ولا القرار بالحرب التي تفترض احتمال حرب إقليمية شاملة يتخذ على وقع الصراخ فقط، لكن النقاش حول شكل تدخل “حزب الله” المباشر في المعركة مستمر، ومنذ بعض الوقت صار ضاغطاً بأكثر من الأيام الأولى للانتفاضة. ثم هناك من يذكر قادة الحزب بتعهداتهم حيال تدخل عسكري مباشر في حال تطلب الأمر ذلك، ولكن النقاش لا يلامس الجملة الإضافية التي تقول بأن اللحظة المناسبة لمثل هذا التدخل تتعلق أيضا بحسابات من النوع الذي يناسب الطرفين معا: الانتفاضة والمقاومة في لبنان. 

على أن الضغط دفع بالأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصر الله الى التحدث مؤخراً عن الأمر، وهو أشار الى الدعم الآخر الذي يقوم به الحزب من خلال محاولة إيصال أسلحة الى الفلسطينيين. وثمة نشاط في هذا المجال لا يمكن لأحد الإشارة إليه لعدم وجود معلومات عنه أصلا. ثم ان ما أشار إليه زعيم “حزب الله” لم يكن أكثر مما جرى تداوله في الصحافة منذ أشهر عديدة، وهو يتعلق باعتقال الأردن لمقاومين من الحزب، كانوا يحاولون إدخال كمية من صواريخ “الكاتيوشا” الى الضفة الغربية من خلال الأردن. لكن أحدا لا يعرف ما إذا كان فشل هذه المحاولة أتى على ما بعدها، أو أنه حصل ان نجحت محاولات قبل ذلك التاريخ. حسب ما تقوله إسرائيل في إعلامها أو في مراسلات الاحتجاج التي يتولى ساعي البريد الأميركي نقلها الى لبنان أو الى دمشق، مع العلم ان الولايات المتحدة سبق ان أشارت الى ما تعتبره تورطا للحزب في أعمال إرهابية تستهدف مدنيين وفي أمكنة خارج منطقة الشرق الأوسط. وهو ما يناقض فرحة السفير الأميركي في بيروت فنسنت باتل بأنه “اكتشف البارود” عندما اعتبر كلام السيد نصر الله عن موضوع الأردن بمثابة دليل ضد الحزب، مع العلم ان باتل نفسه كان قد سلم الى الحكومة اللبنانية لائحة تتضمن “اخبارا عن أشياء أخرى يعتبرها أهم”، ثم انه كان قد حصل ومن رئيس الجمهورية إميل لحود شخصيا على توضيح مباشر وبسيط وفيه: “ان المقاومة لا تقوم بأي عمل خارج الصراع العربي الإسرائيلي”، وهو كلام يتضمن مباشرة وليس مداورة ان لبنان يقر بأن للحزب دورا مشروعا في دعم الانتفاضة، وهو أصلا الدور الذي لا يتم إنجازه خارج الثوابت والضوابط التي تحمي المقاومة قبل الآخرين في لبنان في سوريا. 

على أن الملف الأكبر هو الذي يجمعه الإسرائيليون، ويعرف الفلسطينيون جانباً منه، ويتعلق بأشكال خاصة من الدعم الأمني واللوجستي والإعلامي الذي يقدمه الحزب للانتفاضة الفلسطينية، وهو لا يقتصر على جهة معينة من المشاركين في المقاومة داخل الأراضي المحتلة. ثم ان الحزب بات يتصرف في مزارع شبعا بعد اندلاع الانتفاضة على أنها جزء من المعركة الشاملة ولا تخص لبنان وحده، وهو ما جعل اختيار توقيت العمليات يتصل أساسا باعتبار سياسي ثم ميداني. لكن الكل يعرف ان بمقدور الحزب ان ينفذ كل يوم العدد الذي يريد من الهجمات ضد مواقع الاحتلال هناك، مع العلم ان أحدا لن يصدق الآن ان الحزب يرغب بأن يقتل الجنود الإسرائيليين لا أن يصيب دشمهم فقط. لكن الأمر لم يعد ممكنا تسويقه بسبب أن بعض الساسة في لبنان يعتقدون أن بندقية الحزب تصيب دوما، وعندما لا تصيب فذلك يكون بقرار سياسي، وحتى تقتل قذائف المقاومين جنودا إسرائيليين، فإن الأمر سيظل محل تخمين كيدي، لكن هل ذلك يشغل بال قيادة المقاومة بشيء؟ 

الأرجح أن الأمر يتعلق بنوعين من الحسابات: الأول يخص ما يحتاجه الفلسطينيون فعلاً من “حزب الله”، وهل هو عبارة عن دعم في الخبرة والعتاد أم في فتح النار من الشمال. والثاني يتعلق بالوظيفة السياسية لمثل هذا التدخل النوعي إن حصل، وهل هو يتم في سياق برنامج سياسي من النوع الذي يحفظ مستقبل المقاومة لا حاضرها فقط، أم أنه من النوع الذي يوفر استمرارية لهذا الصراع المرشح دائما لإقفال جزئي بسبب رغبة كثيرين من المشرفين السياسيين بالوصول سريعا الى تسوية وفي البال تجربة أوسلو، لا سيما ان “حزب الله” لا يعتقد ان الانتفاضة تعيش الآن لحظات مأزق سياسي، بل هي ربما تحتاج الى دعم من النوع الذي يفكر به “حزب الله” في السر والعلن، أي ما يرفع مستوى العمل العسكري الى مرحلة متقدمة لناحية الأسلحة المستخدمة في المعركة، وهو الأمر الذي يصفه نصر الله بالسعي الى امتلاك السلاح الرادع الذي يجعل العدو يفكر كثيرا قبل الإقدام على ما يقدم عليه الآن من مجازر بحق الفلسطينيين. وهو قال سابقا ان امتلاك سلاح صاروخي يصيب عمق المدن الإسرائيلية من شأنه كسر القاعدة القائمة ويفتح الباب ولو تدريجيا نحو “تفاهم نيسان” فلسطيني. لكن للفلسطينيين نظرة فيها متطلبات أخرى غير السلاح، وتتصل بغياب العمق السياسي الذي وفرته سوريا للمقاومة في لبنان، ثم بأن الأمر يتطلب خط إمداد مفتوحا كي يكون بالإمكان استخدام السلاح النوعي بصورة مستمرة وليس لمرة واحدة فقط، هذا عدا عن ان العالم كله وليس إسرائيل وحدها، سوف يتصرفون مع الفلسطينيين على أنهم يمتلكون سلاحا ثقيلا، الأمر الذي يؤثر على معركة كسب الرأي العام العالمي، وهي نقطة غير قليلة الأهمية في حسابات الفلسطينيين. 

لكن كل ذلك لا يمنع ان مقاومي “حزب الله” يعيشون لحظات توتر من النوع الذي يسبق الانقضاض على شيء ما، والسؤال هو هل ان أجواء عاشوراء تناسب هذا الشيء، أم ان الأوان لم يحن بعد؟

 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic